تحوّل الإدراك الإسرائيلي: حزب الله من تهديد قابل للكسر إلى معضلة استراتيجيّة
موقع الخنادق
الكاتب: غرفة التحرير
27/3/2026
يُشَكّل تطوّر إدراك العدوّ الإسرائيلي لقدرات حزب الله تحوّلًا نوعيًا في مسار الصراع، ليس فقط على المستوى العسكري، بل أيضًا في البُعدَيْن الاستراتيجيّ والنفسي. فمنذ اندلاع المواجهة الأخيرة ودخول الحزب على خطّ الحرب إلى جانب إيران، تَبَيّنَ أنّ كثيرًا من الفرضيّات التي بنَت عليها المؤسّسة الإسرائيلية تقديراتها السابقة قد انهارت أمام الواقع الميداني، ما فرَض إعادة تقييم شاملة لطبيعة التهديد الذي يُمَثّله الحزب.
في المرحلة الأولى، سادت داخل الكيان الإسرائيلي قناعة مفادها أنّ حزب الله تلقّى ضربة قاصمة أفقدته قدرته على المبادرة والاستمرار. هذه القناعة لم تكن محصورة في الخطاب الإعلامي، بل امتدّت إلى التقديرات العسكرية والسياسية، حيث جرى تصوير الحزب كتنظيم يُعاني من تفكّك بنيوي نتيجة استهداف قياداته وتدمير جزء من بُنيته التحتيّة. غير أنّ التطوّرات اللاحقة كشفت هشاشة هذه الفرضيّة، إذ سرعان ما أظهر الحزب قدرة عالية على إعادة تنظيم صفوفه، والحفاظ على هيكل قياديّ مُتماسك، والاستمرار في إدارة العمليّات بكفاءة ملحوظة.
ومع تَواصُل العمليّات، دخلت المؤسّسة الإسرائيليّة في ما يمكن تسميته بـ"مرحلة الصدمة"، حيث تبيّن أنّ الحزب لم يحتفظ فقط بقدراته، بل استطاع أيضًا استعادة جزء كبير من قوّته بوتيرة سريعة. فقد أشارت التقديرات إلى امتلاكه عشرات آلاف الصواريخ، وقدرته على إطلاق مئات الصواريخ يوميًا، فضلًا عن إعادة تفعيل وحدات نوعيّة، مثل الطائرات المُسَيّرة، التي لعبت دورًا متقدّمًا في المعركة. هذا الواقع عكَس خَلَلًا عميقًا في التقدير الاستخباري الإسرائيلي، وأظهر أنّ الضربات المكثّفة لم تكن كافية لتحقيق هدف إضعاف الحزب إلى الحدّ الذي تمّ الترويج له.
هذا التحول الميداني انعكس مباشرة على طبيعة التفكير الاستراتيجي داخل الكيان. فبدَلًا من الحديث عن حرب قصيرة وحاسمة، بدأت التقديرات تُشير إلى احتمال انزلاق المواجهة نحو حرب طويلة ومعقّدة، قد تمتد لأشهر أو حتى سنوات. كما برز إدراك مُتزايد بأن الحسم الجويّ وحده غير كافٍ، وأنّ أيّ محاولة لتفكيك الحزب ستتطلّب عمليات برية واسعة النطاق، تنطوي على مخاطر كبيرة وكلفة بشرية وعسكرية مرتفعة. وهنا، انهارت عمليًا عقيدة "الحسم السريع" التي شَكّلَت ركيزة أساسيّة في التفكير العسكري الإسرائيلي لعقود.
بالتوازي، شهدت الجبهة اللبنانية تحوّلًا من موقع ثانوي إلى موقع مركزي في الحسابات الإسرائيلية. فقد أدّى توسّع نطاق القصف ليشمل العمق، وتعطّل الحياة في الشمال، إلى فَرْض واقع جديد جعَل من حزب الله لاعبًا أساسيًا قادرًا على التأثير المباشر في مسار الحرب. هذا التحوّل لم يكن مجرّد تغيير جغرافي في مسرح العمليّات، بل حمَل دلالات استراتيجيّة عميقة، إذ نجح الحزب في فرْض نفسه كتهديد مركزي، وليس مجرّد امتداد لمحور أوسع.
على المستوى التكتيكي، أظهرت المواجهة قدرة الحزب على التكيّف مع ظروف الحرب، من خلال اعتماد أساليب أكثر مُرونة، مثل حرب العصابات، واستخدام منصّات إطلاق متحرّكة، والتركيز على استهداف القوّات على خطوط التماس. كما أنّ تعديل عقيدة وحدات النخبة باتجاه الكمائن والاستنزاف، بَدَلَ الهجوم الواسع، يعكس انتقال الحزب إلى نموذج قتالي هجين يجمع بين العمل غير النظامي والقدرات العسكرية المنظّمة، ما يزيد من تعقيد مواجهته.
هذا الواقع الميداني تَرافَقَ مع أزمة داخلية في التقدير الاستراتيجي الإسرائيلي، تمثّلت في فجوة واضحة بين ما تمّ تسويقه للجمهور وبين الحقائق على الأرض. وقد أدّى ذلك إلى تراجع الثقة بين الجمهور والمؤسّسة العسكرية والسياسية، خاصّة مع تزايد الاعتراف بأنّ التقديرات السابقة كانت مُضَلّلة أو مُبالَغًا فيها. وبذلك، لم تَعُد المشكلة مُقتصرة على الفشل العسكري، بل امتدّت إلى أزمة ثقة داخلية تهدّد تماسك الجبهة الداخلية.
أما على المستوى النفسي، فقد شهدت صورة حزب الله تحوّلًا لافتًا في الوعي الإسرائيلي، حيث انتقل من كونه "تنظيمًا مهزومًا" إلى "خصم صامد وخطير"، ومن تهديد يمكن احتواؤه إلى قوّة قادرة على فرض مُعادَلات ردع. بل إن بعض التقديرات ذهبت إلى حدّ اعتبار أنّ مجرّد عدم هزيمة الحزب يُعَدّ شكلًا من أشكال انتصاره، وهو ما يعكس تغيّرًا عميقًا في ميزان الإدراك، وليس فقط في ميزان القوّة.
في الخلاصة، تكشف هذه التحوّلات أن الصراع لم يَعُد يُقاس بمُعادَلات النصر والهزيمة التقليديّة، بل بات قائمًا على إدارة توازن ردع مُتَبادَل، ترتفع فيه كلفة الحسم إلى مستويات تجعل تحقيقه غير مضمون. وفي هذا السياق، يظهر حزب الله كفاعل يمتلك قدرة عالية على الصمود والتكيّف، ما يفرض على خصومه إعادة التفكير في استراتيجيّاتهم، ليس فقط عسكريًا، بل أيضًا سياسيًا ونفسيًا.
2026-04-06 20:26:03 | 7 قراءة