الحرب على إيران وإرهاب المستوطنين يُهَدّدان مصالح إسرائيل مع الولايات المتحدة
"التراجع في دعم إسرائيل في صفوف الديمقراطيين والشبّان الأميركيين وأوساط معيّنة في اليمين، سيتمّ التعبير عنه بمُعارَضَة مُتَزايِدة للمساعدات العسكرية والدعم الدبلوماسي لإسرائيل، وللإطار السياسي للعلاقات الأميركية – الإسرائيلية عمومًا"...
بلال ضاهر
تحرير: عرب 48
27/3/2026
الانتقادات الدوليّة لإسرائيل ليست ظاهرة جديدة، وهي تتركّز في الموضوع الفلسطيني بشكلٍ خاص، منذ حرب العام 1967 واحتلال الأراضي العربية. واستمرّت هذه الانتقادات بعد اتفاقي السلام بين إسرائيل وبين مصر والأردن، وتتمثّل بالأساس باعتراف العالَم بالاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة والضفة الغربية وهضبة الجولان. ورغم ذلك، لم يُعاقِب العالَم إسرائيل، وإنّما تعاون معها ودعمها، وبضمنه دول أوروبا الشرقية، بعد أن أعادت علاقاتها مع إسرائيل في أعقاب انهيار المعسكر الاشتراكي.
العلاقة مع إسرائيل، بنَظَر دول كثيرة، تخدم مصالح هذه الدول في عدّة مجالات، وفي مقدّمتها تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة، وشراء الأسلحة الإسرائيلية، وتحسين مكانتها في دول مركزيّة في أوروبا الغربية. لكنّ علاقات قويّة مع إسرائيل تعني دعم اقتصاد الأخيرة، وبالأساس دعم مواقفها ومُمارساتها، وأبرزها استمرار الاحتلال وغضّ النظر عن مُمارسات إسرائيل ضدّ الفلسطينيين واعتداءاتها على لبنان وعلى العراق وسورية، بادّعاء منع حيازتهما على قُدُرات نوويّة.
هذا ينطبق أيضًا على علاقات دول عربية مع إسرائيل، التي تعزّزت بشكل كبير وأصبحت رسمية، وحتى تحالفًا في أعقاب "اتفاقيّات أبراهام"، التي لم تُحَرّك الدول العربية المُشارِكة فيها ساكنًا من أجل وقف حرب الإبادة على غزة، ولم تُحاوِل حتى تخفيف مُعاناة الفلسطينيين في الضفة الغربية. كما أنّ دول "اتفاقيّات أبراهام" لم تتأثّر باحتلال إسرائيل أراضٍ في جنوب سورية منذ كانون الأوّل/ديسمبر العام 2024.
الانتقادات الدوليّة لإسرائيل تحوّلت إلى أزمات مع دول غربية كثيرة بعد حرب الإبادة في غزة. وتراجعت علاقات إسرائيل مع عدد من الدول الأوروبية، وتمثّلت أحيانًا بأزمات دبلوماسية وصلت حدّ سحب سُفَراء مُتَبادَل، مثلما حدَث بين إسرائيل وإسبانيا أو إيرلندا، أو تبادل انتقادات شديدة، مثلما حَدَثَ بين إسرائيل وفرنسا. وانتقدت إسرائيل بشدّة جميع الدول التي أعلنت عن اعترافها بدولة فلسطينية.
مظاهرة في واشنطن ضدّ الحرب على إيران
هذا كلّه لم يؤثّر على سياسة إسرائيل العدوانيّة. ورغم التوصّل إلى اتفاق وقف إطلاق نار برعاية أميركية في غزة ولبنان، إلّا أنّ إسرائيل لم توقِف الحرب فيهما؛ والشهر الماضي صَعّدَت إسرائيل حربها على لبنان في ظلّ حربها مع الولايات المتحدة على إيران. لكن هذه الحرب صَعّدت أزمة إسرائيل في الولايات المتحدة، وأدّت إلى تعالي تحذيرات في إسرائيل من خطورة هذه الأزمة.
أزمة إسرائيل في الولايات المتحدة بدأت خلال حرب الإبادة في غزة، وبدأت بانتقادات شديدة من جانب جهات واسعة داخل الحزب الديمقراطي، رغم أن إدارة الرئيس الديمقراطي جو بايدن قدّمت دعمًا هائلًا بالسلاح والمال لإسرائيل منذ بداية الحرب. واتّسعت هذه الأزمة في ظلّ الحرب على إيران، التي تَلْقى معارضة واسعة في الولايات المتحدة، واتّهام إسرائيل، وخاصّة رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو، بإقناع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالانضمام إلى هذه الحرب.
مشكلة إسرائيل في الولايات المتحدة
مشكلة إسرائيل الأساسية في أزمتها في الولايات المتحدة تتمثّل بتوقّف التأييد الأعمى لها من جانب الحزبَيْن الجمهوري والديمقراطي، وإنّما من جانب الحزب الجمهوري بالأساس فقط. وينتقد مُعارِضو الحرب إدارة ترامب، وبينهم مؤيّدون لهذه الإدارة، أنّ دخول الولايات المتحدة للحرب جاء بشكل تعسّفي ومن دون أهداف واضحة.
وتتّسع مشكلة إسرائيل في إثر الانقسام داخل الجمهوريين. فقسمٌ منهم يعتبر أن إسرائيل حليف موثوق للولايات المتحدة ولديها قُدُرات عسكرية كبيرة؛ ووزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث وصَف الجيش الإسرائيلي بأنه "يُضاعِف القوّة" الأميركية. بينما عَبّر وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، عن القسم الآخر من الجمهوريين بقوله إن إسرائيل استدرجت الولايات المتحدة إلى الحرب؛ فيما قال رئيس مجلس النوّاب الأميركي مايك جونسون وآخرون من داخل الإدارة، إن إسرائيل مارست ضغوطًا على الولايات المتحدة من أجل شنّ الحرب.
تبعات الحرب بعيدة المدى بالنسبة لإسرائيل "لن تكون متعلّقة فقط بنتائجها التكتيكيّة أو الاستراتيجيّة، وإنّما بشكل بلورتها للمفاهيم الأميركية تجاه إسرائيل والتوجّهات إلى التحالف بين الولايات المتحدة وإسرائيل"، حسب تقرير صادر عن "معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب أمس، الخميس. فقد انتَقد أعضاء كونغرس جمهوريّون، في بداية الحرب، إدارة ترامب بأنها تعمل لصالح إسرائيل وخلافًا لعقيدة "أميركا أوّلًا"، التي وضعها ترامب بنفسه.
صاروخ انشطاري إيراني في سماء القدس
وفيما كَرّرَ ترامب مزاعم إسرائيل ضدّ إيران وشروطها بإنهاء الحرب، بوقف تطوير البرنامج النووي ومشروع الصواريخ الباليستية ووقف دعم منظّمات في الشرق الأوسط، رفَض قياديّون في الحزب الديمقراطي الادّعاء بأن إيران تُشَكّل "خَطَرًا داهِمًا" على الولايات المتحدة، وانتقدوا عدم وجود استراتيجيّة خروج من الحرب، وحذّروا من مخاطر تصعيد الحرب إلى حرب إقليميّة واسعة، واتّهموا الإدارة بأنها شَنّت حربًا مُكلِفَة وراء البحار بدَلًا من مواجهة غلاء المعيشة المُتَصاعِد في الولايات المتحدة، ووصَفوا الغارات الجويّة الأميركية والإسرائيلية في إيران بأنها "غير قانونيّة" أو أنها "حرب أخرى غير نهائيّة"؛ وأعلن قسمٌ منهم أنهم سيرفضون الحصول على تبرّعات لحملاتهم الانتخابيّة من اللوبي الأميركي الداعم لإسرائيل "أيباك".
وحَذّر مُستَشارون استراتيجيّون في الحزب الجمهوري من أنّ ارتفاع أسعار النفط، في أعقاب إغلاق إيران مضيق هرمز، سيُسَبّب خسائر للحزب الجمهوري وفقدان مقاعد في الكونغرس في الانتخابات النصفيّة التي ستجري في أواخر هذا العام.
دَلّت استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة على أنّ 52% إلى 59% من الأميركيين، وأنّ 82% إلى 92% من الديمقراطيين، يُعارِضون الحرب على إيران. وفي المقابل، يؤيّد الحرب 38% إلى 44% من الأميركيين، و77% إلى 84% من الجمهوريين.
وأشار "معهد أبحاث الأمن القومي" إلى أنّ الحرب على إيران نشَبت "في الوقت الذي تراجعت فيه مكانة إسرائيل في الرأي العام الأميركي إلى حضيض جديد". فقد أظهر استطلاع "غالوب" في شباط/فبراير الماضي، لأوّل مرّة، أنّ نسبة تأييد الأميركيين للفلسطينيين أعلى من نسبة تأييدهم لإسرائيل، وذلك على خلفيّة الحرب على غزة والإبادة الجماعيّة التي ارتكبتها إسرائيل خلالها.
تحوّلات أميركيّة مستقبليّة تجاه إسرائيل
حسب تقرير "معهد أبحاث الأمن القومي"، لا يُتَوَقّع حدوث تغيير جوهري في مكانة إسرائيل في الولايات المتحدة. لكن "يبدو أنه ستتسارع توجّهات سياسيّة موجودة حاليًا". وفيما يرى معظم قادة الحزب الجمهوري بالحرب دليلًا على مصالح أميركية – إسرائيلية مشتركة، بدأ يظهر تيّار مُنافِس داخل الجمهوريين يتمثّل بمحلّلين وشخصيات عامّة يتماهون مع النزعة الانعزاليّة في السياسة الخارجية ومع "أوساط تميل إلى تبنّي أفكار المؤامرة ومُعاداة السامية"، لمجرّد أنهم يُعارِضون الحرب وينتقدون إسرائيل، لكنهم يؤثّرون على الرأي العام ووسائل الإعلام اليمينيّة.
وأشار التقرير إلى أنّ الحرب عمّقت الشعور بالنفور تجاه إسرائيل داخل الحزب الديمقراطي وفي صفوف اليسار الأميركي، عِلْمًا أنّ مكانة إسرائيل في هذه الأوساط كانت في الحضيض قبل الحرب؛ لكنّ الحرب عزّزت هذا التوجّه بسبب التحالف بين إسرائيل وترامب والتدخّل العسكري الأميركي خلْف البحار، ما أدّى إلى اتّساع الانتقادات لإسرائيل التي كانت في السابق محصورة في الجناح التقدّمي في الحزب الديمقراطي.
وشَدّدَ التقرير على أنّ الحرب على إيران تدلّ على أنه بدأت مرحلة جديدة في العلاقات الأميركية – الإسرائيلية، تنقلها تدريجيًا من إجماع واسع بين الحزبَيْن إلى قضيّة سياسيّة خلافيّة. "وهذا تطوّر لاتجاه دراماتيكي وسلبي بالنسبة لإسرائيل. وطالما أن إسرائيل تُعتبر بالأساس أنها قضية سياسة خارجية، فإنّ دورها في النقاش السياسي الداخلي سيبقى هامشيًا، لأن الناخب الأميركي يولي اهتمامًا ضئيلًا نسبيًا بالسياسة الخارجية. لكن عندما يتحوّل الدعم لإسرائيل أو معارضتها إلى مؤشّر على هويّة حزبيّة، فإنّ احتمال نجاح إسرائيل في الحفاظ على دعم الحزبَيْن يتراجع".
وأضاف التقرير أن "سيطرة الجمهوريين على أذرع الإدارة المركزيّة يُتَوَقّع أن تضمن استمرار الدعم القويّ لإسرائيل في المدى القصير"؛ لكنّ التقرير حَذّرَ من أنه "في المدى البعيد، فإنّ التراجع في دعم إسرائيل في صفوف الديمقراطيين وأوساط معيّنة في اليمين وبين الشبّان الأميركيين، يُتَوَقّع أن يتمّ التعبير عنه بمُعارضة مُتزايدة للمساعدات العسكرية والدعم الدبلوماسي لإسرائيل، وللإطار السياسي للعلاقات الأميركية – الإسرائيلية عمومًا".
إرهاب المستوطنين
يبدو أنّ إرهاب المستوطنين ضدّ الفلسطينيين في الضفة الغربية يُثير غضبًا وانتقادات واسعة ضدّ إسرائيل في الولايات المتحدة، لدرجة أنه لم يَعُد بإمكان مسؤولين في إدارة ترامب الصمت عنه. كما اضطرّ السفير الإسرائيلي في واشنطن، يحيئيل لايتر، إلى التطرّق لهذه القضية رغم أنه مُستَوطِن ويميني متطرّف.
مستوطنون يُحرِقون منازل فلسطينيّين في قرية دير الحطب قرب نابلس
وقال مسؤولون في الإدارة الأميركية خلال محادثاتهم مع نُظَرائهم في إسرائيل، مؤخّرًا، إن إسرائيل تتعامل مع إرهاب المستوطنين كدولة فاشلة وتسمح باستمرار اعتداءات المستوطنين. وشدّد أحد المسؤولين الأميركيين على أنه "لا يُعقَل أنّ دولة قادرة على إدخال صاروخ بدقّة فائقة في نافذة مبنى في منطقة نائية في هرمز، لا تنجح في القبض على مجموعة كبيرة من مُواطنيها الذين يرتكبون أعمال تخريب بحقّ جيرانهم"، حسبما ذكرت صحيفة "يسرائيل هيوم" هذا الأسبوع.
ودارت مُحادَثَة هاتفيّة متوتّرة حول إرهاب المستوطنين بين نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، وتخلّلها صراخ. وحسب الصحيفة، فإنّ المسؤولين الأميركيين لا يصدّقون المزاعم الإسرائيلية حول إنفاذ القانون ضدّ المستوطنين الإرهابيين من جانب الجيش والشرطة، أو مزاعم قادة المستوطنين بأن الاعتداءات الإرهابية تأتي في أعقاب "استفزازات" ناشطين إسرائيليين يساريين.
وطالب المسؤولون الأميركيون بأن يُعيدَ وزير الأمن يسرائيل كاتس الاعتقالات الإدارية ضدّ المستوطنين الإرهابيين، بعد أن ألغى ذلك بعد تولّيه منصبه مطلع العام الماضي. وأشارت الصحيفة إلى أن المسؤولين الأميركيين الذين يُطالِبون بذلك هم من أشدّ المؤيّدين لإسرائيل والاستيطان.
بدوره، أشار لايتر إلى مستوى الغضب الأميركي بسبب إرهاب المستوطنين، وقال: "إنّنا في وضع معقّد جدًا بسبب أعمال الشغب هذه، ونخسر أصدقاء. وهناك أشخاص في واشنطن يبتعدون عن إسرائيل بسبب ذلك. هذا كأنّنا نُبعِد بالقوّة أولئك الأشخاص الذين يُريدون أن يدعمونا"، حسبما نقَل عنه موقع "واينت" الإلكتروني.
2026-04-06 20:29:23 | 9 قراءة