التصنيفات » مقالات سياسية

الحرب التي كسرَت العقيدة: أزمة العقيدة الأمنيّة الإسرائيليّة في حرب إيران ولبنان

الحرب التي كسرَت العقيدة: أزمة العقيدة الأمنيّة الإسرائيليّة في حرب إيران ولبنان

موقع الخنادق 
24/3/2026

تُشَكّل الحرب الإسرائيلية على إيران ولبنان لحظة اختبار حاسمة للنظريّة الأمنيّة الإسرائيليّة، ليس فقط من حيث الأداء العسكري، بل من حيث قدرتها على إنتاج نتائج استراتيجيّة حاسمة في بيئة إقليميّة معقّدة. فمنذ عملية طوفان الأقصى، دخلت هذه النظريّة مرحلة تحوّل عميق، انتقلت خلالها من منطق الردع التقليدي وإدارة الصراع إلى استراتيجيّة هجوميّة تقوم على المبادرة الاستباقيّة، وتدمير بُنية الخصوم، ومنعهم من إعادة بناء قدراتهم. إلّا أنّ مُجريات الحرب كشفت عن فجوة مُتزايدة بين الطموح النظري والواقع الميداني، ما يطرح تساؤلات جديّة حول فعاليّة هذه العقيدة في مواجهة خصوم يمتلكون مُرونة عالية وقدرة على التكيّف والاستمرار.
في جوهر هذه النظريّة، يبرز مفهوم "نقل المعركة إلى أرض العدو" باعتباره ركيزة أساسيّة لتحقيق الحسم السريع، إلى جانب الاعتماد على التفوّق التكنولوجي، والدعم الأميركي، وتكثيف الضربات الاستباقيّة. غير أنّ التجربة العمليّة في الحرب الحاليّة أظهرت أنّ هذا النموذج، رغم قدرته على تحقيق إنجازات عملياتيّة لافتة، يعجز عن ترجمة هذه الإنجازات إلى نتائج استراتيجيّة ملموسة. فالهجمات التي طالت العمق الإيراني، واستهدفت مُنشآت حسّاسة وقيادات بارزة، لم تؤدِّ إلى انهيار النظام أو شَلّ قدراته؛ بل على العكس، أظهرت طهران قدرة واضحة على امتصاص الضربات وإعادة تنظيم نفسها، ومواصلة الردّ بأساليب متطوّرة.
هذا الواقع يعكس خللًا بنيويًا في تقدير أثَر القوّة العسكريّة، حيث لم تَعُد الضربات الجويّة أو العمليّات الخاصّة كافية لإحداث تغيير سياسي أو استراتيجي جذري. فاستراتيجيّة "قطع الرأس"، التي راهنت على اغتيال القيادات لإرباك الخصم، أثبتت محدوديّتها أمام أنظمة وتنظيمات تمتلك بنية مؤسسيّة مَرِنَة، قادرة على إنتاج بدائل قياديّة بسرعة. وبذلك، تحوّلت هذه العمليّات من أدوات حسم إلى أدوات ضغط مؤقّتة، لا تُغَيّر في ميزان القوى على المدى البعيد.
على صعيد الردع، يظهر بوضوح تآكل فعاليّة هذا المفهوم في صيغته التقليديّة والمُحَدّثة على حدٍ سواء. فبدَل أن تؤدّي الضربات الاستباقيّة إلى ردع الخصوم ومنعهم من المبادرة، استمرّت إيران في إطلاق الصواريخ وتوسيع نطاق المواجهة؛ كما واصل حزب الله عمليّاته بوتيرة مرتفعة، ما يُشير إلى انتقال الصراع نحو حالة من الردع المُتَبادَل، بدَلًا من التفوّق الأحاديّ الذي سعت إليه "إسرائيل". وهذا التحوّل يعكس فقدان القدرة على فَرْض قواعد اشتباك ثابتة، ويؤكّد أن المبادرة لم تَعُد حِكرًا على طرف واحد.
أما في ما يتعلّق بإدارة الحرب متعدّدة الساحات، فقد كشفت التطوّرات عن صعوبة بالغة في عزل الجبهات أو التحكّم بإيقاع التصعيد. فترابط الساحتين الإيرانية واللبنانية، إلى جانب احتمالات انخراط أطراف أخرى، حَوّلَ المواجهة إلى صراع إقليمي مفتوح، تتداخل فيه الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية. وفي هذا السياق، لم تنجح الخطط الإسرائيلية، رغم ما تمتلكه من تفوّق تقنيّ وتنظيمي، في ضبط مسار العمليّات أو احتواء تداعياتها، ما أدّى إلى تعميق حالة الاستنزاف بدَل تحقيق الحسم.
وفي الجبهة اللبنانية، تتجلّى أوجه الإخفاق بشكل أكثر وضوحًا. فالمناطق العازلة، التي طُرِحَت كحلّ أمني لمنع التهديدات، لم تتمكّن من حماية العُمق الإسرائيلي من الصواريخ. كما أنّ الاعتماد على القوّة الجويّة لم ينجح في تفكيك البنية العسكرية لحزب الله، ما دفع نحو التفكير في الخيار البري، بكلّ ما يحمله من كلفة بشرية ومادية عالية. وفي المقابل، أظهر الحزب قدرة ملحوظة على التكيّف، وإعادة بناء قدراته، والاستمرار في القتال ضمن نمط حرب استنزاف طويل.
ولا يمكن إغفال العامل الاستخباري، الذي يُفتَرض أن يكون أحد أعمدة التفوّق الإسرائيلي. فقد أظهرت الحرب وجود فجوات واضحة في التقدير الاستخباراتي، سواء في ما يتعلّق بقدرات الخصوم أو نواياهم، ما أدّى إلى مُفاجآت ميدانيّة متكرّرة. هذا الخلَل لم يقتصر على جمع المعلومات، بل امتدّ إلى تحليلها وتوظيفها في اتخاذ القرار، ما أضعف فعاليّة العمليّات العسكريّة وأفقدها عنصر المُبادَرَة في كثير من الأحيان.
إلى جانب ذلك، برزت كلفة الحرب كعامل ضاغط يحدّ من القدرة على الاستمرار. فالخسائر الاقتصادية، وتأثيرات الصراع على أسواق الطاقة، والضغط النفسي والاجتماعي على الجبهة الداخلية، كلّها عناصر ساهمت في تقليص هامش المُناوَرَة الاستراتيجيّة. ومع غياب تعريف واضح لمفهوم "النصر"، تحوّلت الحرب إلى عمليّة إدارة مستمرّة للصراع، بدَل أن تكون مسارًا نحو تحقيق أهداف محدّدة.
في المحصّلة، تكشف هذه الحرب عن أزمة عميقة في النظريّة الأمنيّة الإسرائيليّة، تتجاوز حدود الأداء العسكري الظرْفي إلى مستوى بُنيوي يتعلّق بطبيعة هذه النظرية نفسها. فالتفوّق العسكري والتكنولوجي، مهما بلغ، لم يَعُد كافيًا لتحقيق الحسم في بيئة تتّسم بتعدّد الفاعلين، وترابط الجبهات، ومُرونة الخصوم. ومن هنا، يمكن القول إن إسرائيل انتقلت من نموذج "فَرْض النصر" إلى نموذج "إدارة الصراع"، وهو تحوّل يعكس تراجع القدرة على التحكّم بمسارات الحرب، ويفتح الباب أمام مرحلة من عدم اليقين الاستراتيجي في المنطقة.
 
الكاتب: غرفة التحرير
 

 

2026-04-06 20:32:29 | 10 قراءة

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية