نصف قرن على يوم الأرض: ذاكرةٌ لا تموت وصراعٌ لا ينتهي
سيظلّ أفق الصراع مُمتدًا مفتوحًا على الأرض لأنه محكومٌ بها؛ خصوصًا إذا ما نظرنا إلى سياسة "دفع السياج" التي تدفع إسرائيل نحوها في السنتين الأخيرتين، وهي ما يحبّ الناس تسميته "إسرائيل الكبرى"...
علي حبيب الله
موقع عرب 48
30/3/2026
تظلّ الذكرى مُناسبة للحديث عمّا قبل الحَدَث نفسه وما بعده. نقصد حَدَث الإضراب العام والانتفاض وارتقاء شهداء ذلك اليوم الستّة في قُرى وبلدات الداخل الفلسطيني في يوم 30 آذار/مارس 1976.
ربما غدَت المُداومة على إحياء الذكرى فلكلوريّة فينا، وعلى أهميّتها من ناحية تنشيط ذاكرتنا الجماعيّة وإيقاظ وعي الجيل الجديد في الداخل على سؤال مفاده: ما الذي حَدَثَ يومها ولماذا؟ إلّا أنّ الحَدَث قد جرَت متحفته - من المتحف - حيث غدَت أهميّته تُبطِل فاعليّته فينا.
خمسون عامًا، أو خمسة عقود، أي نصف قرن، قد مضت على يوم الأرض الخالد. وقد سبَقه نصف قرن وأكثر من الصراع على الأرض في فلسطين منذ عشرينيّات القرن العشرين. وما تزال الأرض هي الثوب الأساس الذي يكسي الصراع، بالرّغم من كلّ الخطابات السياسية التي حاولت إعادة تعريفه، خطابات منها: دولنة الصراع، وتديين الصراع، وغيرها ممّا هو متّصل بالحقوق والمساواة والمواطنة الكاملة. إلّا أن الأرض، التي يعمل المشروع الصهيوني على تضييقها علينا في كلّ فلسطين من البحر إلى النهر، ما تزال هي الفاعل الأساس في توسيع تناقضات الفلسطينيين مع المشروع الصهيوني.
باتت الصهيونية في العقود الأخيرة، وفي السنوات الأخيرة تحديدًا مع حرب الإبادة على القطاع، في ظلّ تفشّي الصهيونية الدينية-الفاشية، أكثر وضوحًا، ليس في نواياها، إنّما في خطابها وسلوكها تجاهنا نحن الفلسطينيين، لناحية دفعنا أكثر فأكثر نحو حافّة سؤال البقاء. بقاؤنا الذي يعني وجودنا على أرضنا بالمعنى الماديّ والسياسيّ معًا. فإذا كان من لَوْحِ نجاة لغزة، بالرّغم من كلّ حرب إبادة البشر والحجر فيها، فهو في بقاء الغزّيين على أرضهم بعد أن تنبّه الغزّيون لغَرَض اقتلاعهم، فحالوا دون الغَرَض بدمهم ولحمهم؛ لطالما تعلّم الفلسطينيون عمومًا الدرس منذ نكبة 1948.
وإذا ما رصدنا المشهد اليومي في الضفة الغربية ضمن مسار تصفية كلّ ما يمكن تصفيته فيها، حلم الدولة، وخيار المقاومة، ومقوّمات الصمود، لا بل مقوّمات الحياة الأساس في الضفة، فذلك جارٍ ضمن سؤال متّصل بالأرض عبر استيطانها وابتلاعها، إلى حدٍ يكاد لا يمضي يوم على قُرى الضفة وبلداتها دون اعتداء على إحداها، سواء من جيش الاحتلال أو مُستوطنيه، حيث غدا سؤال الاستيطان مؤخّرًا، بالنسبة إلى أهالي الضفة، في عدوانيّة المستوطن أكثر من وجود المستوطنة نفسها.
أما القدس والداخل الفلسطيني، فالتضييق الذي يعني التهويد في القدس بات يجري فيها بوتيرة أعنف وأسرع ممّا كانت عليه. بينما المقدسيّون لا حَوْل لهم ولا قوّة، خصوصًا في سنوات الحرب الثلاث الأخيرة. فيما بات سؤال الأرض في الداخل الفلسطيني يقتصر على الحَيّز السكّاني-المحلّي المهموم والمكلوم بآفة حمّام دم الجريمة اليوميّة، في ظلّ خرائط تماس ينعم فيها الحَيّز اليهودي بأولويّات الامتيازات والأمن، فيما تخنق الخرائط الفضاء العربي كحَيّز مُكتظ يسير نحو الفوضى المحسوبة بالخيط والإبرة.
سيظلّ أُفُق الصراع ممتدًا مفتوحًا على الأرض لأنه محكومٌ بها؛ خصوصًا إذا ما نظرنا إلى سياسة "دفع السياج" التي تدفع إسرائيل نحوها في السنتين الأخيرتين، وهي ما يحبّ الناس تسميته "إسرائيل الكبرى". يدفع جيش الاحتلال بسياج الدولة العبريّة الحدودي في سياسة أمنيّة تقتضي بابتلاع مزيد من الأرض ضمن ما يُسَمّى إقامة "مناطق عازلة".
ففي غزة، ضاق القطاع على أهله بعد استيلاء جيش الاحتلال على نصف مساحة القطاع، وغبار الحرب لم يهبط فيه بعد. بينما رحى الحرب الدائرة على جنوب لبنان، في سياق العدوان الصهيو-أميركي الجاري على إيران، فإنّ أُفُق التسوية يبدو مستحيلًا مع لبنان؛ لطالما تؤسّس الحرب الحاليّة لاحتلال دائم في أرض الجنوب الذي لن يقبل أهله بإعادة ترسيم الحد والحدود إلّا بالدم حتمًا. وفي سورية، التي استغلّ جيش الاحتلال سقوط نظام الأسد فيها لابتلاع مساحات من أرض الجنوب السوري، فإنّ الصدام مع السوريين حتمي، وإنْ ثابر النظام السوري الحالي على تأجيله أو تجاهله.
إن كلّ يوم هو يوم الأرض، من أرض جغرافيا جنوب الشام تحديدًا؛ لأنْ ليس من أرضيّة للصراع غير تلك التي مَرَدّها الأرض، وذلك لطالما كانت الصهيونية، وما زالت، تعني الإحلال المترتّب على احتلال مزيد من الأرض. وأيّ فواعل تعمل على إعادة تعريف سرديّة الصراع عبر تدويله أو تديينه، ليست إلّا فواعل صنَعها سؤال الأرض على هامشها.
2026-04-08 21:54:18 | 20 قراءة