ما بعد الحرب على إيران.. أوزان جديدة وزلازل جيوسياسيّة
عبدالله السناوي
موقع 180 بوست
30/03/2026
عندما تنقضي الحرب الأمريكية- الإيرانية على إيران، تنشأ بعدها، أو في وقتٍ لاحق، زلازل تُعادُ فيها تقدير الأوزان، ويتغيّر كلّ شيء. ومن أهم التساؤلات التي ستَطرح نفسها إثر الحرب مباشرة: ما حجم التغيّرات والانقلابات المُرَشّحَة للحدوث في بُنية النظاميْن الإقليمي والدولي؟
بقوّة الحقائق الماثلة، فإنّ تغييرًا جوهريًا سيلحق ببُنية النظام الدولي المُتهالك، وسيُخفّض في المدى المنظور من مركزية الدور الأمريكي، التي أخذت مداها بعد انتهاء الحرب الباردة في أوائل تسعينيّات القرن الماضي. تراجع الدور الأمريكي مُرَجّح تمامًا، لكنه لن يُغادِر مقعد القيادة دفعة واحدة. الصينيّون ليسوا في عجلة من أمرهم لتولّي القيادة؛ يتحسّبون ولا يتورّطون. والرّوس، بدورهم، يأملون في توظيف المستجدّات لاستعادة بعض ما كان لهم أيام الاتحاد السوفييتي. شيء جوهري سوف تتبيّن حقائقه في بُنية النظام الدولي بعد وقتٍ لن يطول. وشيء جوهري آخر سيضرب أطلال النظام الإقليمي المُتَهالك، ويؤسّس لأوضاع مختلفة كلّيًا. إذا انكسرت إيران، فإن الإقليم كلّه سوف ينكشف أمام سطوة القوّة الإسرائيلية، ويتهمّش مركزه التقليدي. الأوزان الجيوسياسيّة ستنقلب رأسًا على عقب حين تتبدّى من تحت النيران حروب طائفيّة وعِرقيّة خطرة ومُنذِرة، وحقبة إسرائيلية تطلب الفوضى وتستثمر فيها.
لم تكن مُصادَفة، أو زلّة لسان، أنْ يصرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو»، مُختالًا بسيناريوهات كسر إيران والانفراد بقيادة الإقليم، بأنّ «المسيح ليس له أفضليّة على جنكيز خان»، قاصدًا أنّ القوّة أفضل من المحبّة والتسامح، وأنّ جرائم الحرب أجدى من القانون الدولي وحقوق الإنسان. كانت تلك العبارة، بحُمولتها السياسية، تعبيرًا حقيقيًا عن مجرم حرب تلاحقه المحكمة الجنائية الدولية بمذكّرة توقيف. إنها هستيريا تصوّرت للحظة، كما قال نصًا، أنّ دولة الاحتلال توشك أن تصبح «قوّة عظمى» تُشارك أمريكا قيادة العالم. غير أنّ الحقائق داهمت الأوهام. بعد شهر كامل، أخفقت الحرب على إيران في تحقيق أيٍ من أهدافها المعلنة. أعاد النظام إنتاج نفسه بعد مقتل المُرشِد الأعلى «علي خامنئي» وأغلب قيادات الصفّيْن الأوّل والثاني، وبدت طهران عصيّة على السقوط. بدأ الضجر يضرب الرأي العام الأمريكي من حرب غير قانونيّة وغير مُبَرّرة، وبلا سرديّة متماسكة تُبَرّر وجود مصلحة لبلادهم فيها. أخذت شعبيّة الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» تتراجع بمعدّلات غير مسبوقة، وفْق استطلاعات الرأي العام. ولاَحت اعتراضات جوهريّة عليه داخل حركة «ماغا ــ لنجعل أمريكا عظيمة مرّة أخرى»، التي استشعرت غالبيّتها أنها خُدِعَت في وعوده الانتخابية بألّا يدخل حربًا خارج الولايات المتحدة. ثم جاءت أزمة النفط لتُوَجّه ضربة كبيرة لمصداقيّته، حتى تلخّصت أهدافه من الحرب في فتح مضيق هرمز أمام نقل شحنات النفط، الذي كان مفتوحًا قبل مغامرته العسكرية!
لم تكن مُصادَفة ثانية أن تُبادِر ثلاث قوى إقليميّة ذات ثقل جغرافي وسكّاني وعسكري — مصر وتركيا وباكستان — بالتوسّط بين أمريكا وإيران لمنع التصعيد، الذي يتهدّدها بمخاطره على وجودها ومستقبلها. الأمريكيون يبحثون عن مخرج سياسي، والإيرانيون يُعانون تحت وطأة الحرب. هذه حقيقة لا يمكن نفيها؛ غير أنّ المعضلة الرئيسية هنا هي اتساع فجوة الثقة بين الطرفيْن المُتحاربيْن إلى حدود يصعب ترميمها بإجراء أو آخر. لمرّتيْن مُتعاقبتيْن، قطعت إدارة «ترامب» مسار المفاوضات حول المشروع النووي الإيراني، برغم ما قيل عن اختراقات كبيرة كانت تحدث، قبل أن تُستَبدل بعمليّات عسكرية مفاجئة استهدفت المشروع النووي في الأولى، والنظام نفسه في الثانية. ليس هناك ما يمنع، والشواهد حاضرة، من تكرار اللعبة نفسها لمرّة ثالثة. كان مُثيرًا للانتباه دعوة «ترامب» للإيرانيين إلى أن يكونوا هذه المرّة «أكثر جديّة قبل فوات الأوان»، فيما كان عشرة آلاف جندي أمريكي يتحرّكون إلى الشرق الأوسط استعدادًا لتوجيه ما أسماه هو نفسه «الضربة القاتلة»!
في حسابات الحرب والتفاوض، تناقضت بصورة فادحة مطالب الطرفيْن؛ إذ أعدّ الأمريكي قائمة من خمسة عشر بندًا أقرب إلى وثيقة استسلام، فيما ردّ الإيراني بقائمة مطالب من خمسة بنود أقرب إلى وثيقة إذلال. كان ذلك تحدّيًا يصعب تذليله بسهولة أمام الوسطاء. كلّ ما يريده «ترامب» هو الخروج من المأزق الإيراني بأقلّ خسائر ممكنة، أو إعلان انتصار يمكن تصديقه داخل المجتمع الأمريكي أوّلًا، وبين حُلفائه الأوروبيين ثانيًا، ثمّ أمام العالم، الذي تراجعت هيبته في نظره. لا يمكن استبعاد، على خلفيّة ذاتيّته المتضخّمة، التي تتوهّم أنّ كلّ شيء في الكون يدور بإشارة منه، أنْ يميل إلى تصعيد العمليّات العسكريّة بدَلًا من إنهاء التصعيد. أما النظام الإيراني، فكلّ ما يريده هو الحفاظ على وجوده، وعدم التفريط في مشروعه الصاروخي الباليستي، ودوره الإقليمي، وحقّه في تخصيب اليورانيوم، إلى جانب ضمان عدم التعرّض لعدوان جديد، والحصول على تعويضات ماليّة عن الدمار الواسع الذي لحق ببُنيته التحتيّة. برغم التماهي الترامبي مع التصوّرات الإسرائيلية للحرب، إلّا أنّ شقوقًا بدأت تظهر في الجدار، نتيجة خلافات حول حدودها وما بعدها. في البداية، تُصَوّر «ترامب»، بإيعاز من «نتنياهو» والمجموعة المُوالية لإسرائيل في البيت الأبيض، أنّ الحرب ستكون «نزهة سريعة»، بحسب تعبيره. لكنها لم تكن كذلك، ولم تكن مأمونة العواقب. يرغب الآن في صفقة تحفظ ماء وجهه، لكنه يطلب — عمليًا — التفاوض مع نفسه. تقوّضت أوهامه بأنه «رجل سلام» حُرِمَ من جائزة «نوبل»، وأنه قادرٌ على أن يَأمُر فيُطاع!
«لا ضرورة لمجلس السلام إلّا في إطار خطّة إعادة إعمار غزة» كان ذلك تصريحًا لأمين عام الأمم المتحدة «أنطونيو جوتيريش»، حمل دلالات عميقة على الحقائق الجديدة التي ستفرض نفسها لاحقًا. يبقى في اختبارات القوّة الراهنة الاستهداف الإسرائيلي لتوسيع المنطقة الأمنية في جنوب لبنان قبل أيّ مفاوضات محتملة. هذا اختبار حاسم يتعلّق بأسئلة التطبيع ومشروع إسرائيل الكبرى، التي تتوسّع على حساب الأراضي العربية في أكثر من اتجاه: الضفة الغربية والقدس وغزة في فلسطين المحتلّة، وسوريا ولبنان والعراق في المشرق العربي، وصولًا إلى مصر والسعودية، وفق تصريحات إسرائيلية مُتواترة. في هذه اللحظة بالذات، تكاد كلّ المخاوف أن تنطلق من مكامنها. القضية ليست إيران بقدر ما قد يحدث من زلازل جيوسياسيّة في أعقاب الحرب عليها: مستقبل النظام الدولي، وقبله الإقليم، ومصر في قلبه.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية.
2026-04-11 00:05:40 | 28 قراءة