فجوات "الناتو"
مستقبل علاقة الولايات المتحدة وأوروبا ما بعد حرب إيران
23 مارس، 2026
د. أيمن سمير
خبير في العلاقات الدوليّة
مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدّمة
هناك حالة غضب لدى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من رفض أوروبا ودول حلف شمال الأطلسي "الناتو" الانخراط معها ككتلة عسكريّة واحدة في العمليّات العسكريّة الجارية ضدّ إيران منذ يوم 28 فبراير 2026. ولعلّ هذا ما جعَل ترامب يُحَذّر يوم 15 مارس الجاري، من أنّ حلف الناتو يُواجِه مستقبلاً "سيّئاً جداً" إذا فشلت الدول الحليفة في المساعدة على فتح مضيق هرمز، وذلك في رسالة مباشرة إلى الدول الأوروبية للانضمام إليه في الحرب على إيران.
وقد أسهم الرفض الأوروبي لاستخدام القواعد العسكرية ضدّ إيران، أو المساعدة في تأمين مضيق هرمز، في رسم ملامح مُغايِرَة لصورة التحالف بين جانبي الأطلسي، حيث باتت واشنطن ترى أن شركاءها الأوروبيين وفي الناتو ليسوا حُلفاء موثوقين. وفي هذا السياق، تظلّ هناك تساؤلات من قبيل: كيف تُبَرّر أوروبا وحلف الناتو موقفهما من الحرب على إيران؟ وما السيناريوهات التي تنتظر العلاقة بين ضفّتي الأطلسي؟
صدْمة واشنطن:
وصلت حدّة الخلاف بين جانبي الأطلسي إلى اتّهام مسؤولين أمريكيين أوروبا بـ"الخيانة" و"الطعن في الظهر"؛ لأنّ الحياد في زمن الحرب يعني "خيانة" من وجهة نَظَر واشنطن، التي ترى أنها ظلّت تحمي أوروبا منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية؛ لكن أوروبا خذلَتها عند حاجة الولايات المتحدة إليها. واتّهم عدد من أعضاء مجلس الأمن القومي الأمريكي دول أوروبا بأنها اختارت "الانتهازيّة السياسيّة" بدَلاً من "المسؤوليّة الاستراتيجيّة"؛ وهو ما يؤشّر على أنّ الحرب على إيران زادت من مساحة عدم الثقة وعمّقت الفجوة بين الولايات المتحدة من جانب، وحُلفائها في أوروبا وحلف الناتو من جانب آخر.
فالإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب أُصيبت بصَدْمَة وخَيْبَة أمل عندما رفضت إسبانيا استخدام الجيش الأمريكي قاعدتي روتا ومورون في الضربات ضدّ إيران، عندما قال رئيس الوزراء بيدرو سانشيز إن إسبانيا لن تمنح الولايات المتحدة "شيكاً على بياض" لاستخدام بُنيتها التحتيّة في الحرب الدائرة في الشرق الأوسط؛ وهو ما دفع واشنطن إلى نقل نحو 15 طائرة عسكرية كانت في إسبانيا إلى قواعد أخرى.
وتكرّر نفس السيناريو عندما رفض رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، استخدام الولايات المتحدة قاعدة دييغو غارسيا في المحيط الهندي، قبل أن يعود ويسمح للجيش الأمريكي باستخدام قاعدتي راف فيرفورد ودييغو غارسيا "للدفاع فقط"، ودون القيام منهما بهجمات جويّة ضدّ إيران.
ومن جانبها، سمحت فرنسا للولايات المتحدة "باستخدام مؤقّت" لقواعدها في الشرق الأوسط، ورفضت الانخراط فيما أطلَقت عليه "الحروب الاستباقيّة". بينما كان شعار المُستَشار الألماني، فريدريش ميرتس: "نعم للتنسيق، لا للقتال المباشر"؛ ولهذا سمحت ألمانيا باستخدام قاعدة رامشتاين الجويّة لتنسيق العمليّات الأمريكيّة؛ لكنها رفضت المشاركة من أيّ نوع في الحرب الجارية على إيران. بينما وافقت رومانيا على طلب الجيش الأمريكي باستخدام قواعدها في الجوانب اللوجستيّة التي تخدم الحرب.
كما وَجّهَ الأوروبيون رسالة مشتركة إلى إدارة ترامب، خلال اجتماع وزراء خارجيّة دول الاتحاد الأوروبي في بروكسل يوم 16 مارس الجاري، مفادها أنّ الهجوم على إيران ليس "حرب أوروبا"، وأنّ دول الاتحاد لن تساعد واشنطن في تأمين مضيق هرمز.
أسباب الغضب:
دفعت حالة الغضب التي تسود الإدارة الأمريكية من موقف أوروبا والناتو، الكثيرين في واشنطن إلى المطالبة بمراجعة الحسابات مع شركائهم الأوروبيين، في ظل شعور أمريكي بأن أوروبا تطلب الحماية عبر تفعيل المادة الخامسة من ميثاق الناتو في أي أزمة ترتبط بالأمن الأوروبي، بينما تتخلى عن واشنطن في الحرب الراهنة على إيران. ويعود الغضب الأمريكي من أوروبا والناتو إلى عدد من الأسباب، هي كالتالي:
1- انتقائيّة أمنيّة: يتردّد في البيت الأبيض أن أوروبا تستغلّ المظلّة الأمنيّة الأمريكيّة منذ عقود، وأن الولايات المتحدة تُنفِق بمفردها ما يقرب من تريليون دولار على الشؤون الدفاعية، بنسبة 3.7% من الناتج المحليّ الأمريكي، بينما يبلغ إنفاق بقيّة دول الناتو نحو 600 مليار دولار تقريباً.
ومع ذلك، ينتهج الأوروبيون ما يُسَمّى بـ"الانتقائيّة الأمنيّة"؛ بمعنى أنهم يطلبون الحماية والدعم الأمريكي كما حدث في الحرب الروسية - الأوكرانية، حيث ضخّت الولايات المتحدة نحو 185 مليار دولار لدعم كييف، بينما رفضت أوروبا غالبيّة المطالب الأمريكية التي تتعلّق بالحرب على إيران؛ وهو ما يمثّل من وجهة نظر الإدارة الأمريكية خَرْقاً "لروح الناتو" التي تقوم على التضامن وقت الأزمات والحروب.
2- تقاسم الأعباء: تقوم الحسابات الأمريكية على أن القضاء على البرنامجيْن الصاروخي والنووي الإيراني يصبّ في مصلحة أوروبا؛ لأنه منذ عام 2007 أنشأت الولايات المتحدة قواعد في بلغاريا ورومانيا لمواجهة تهديد الصواريخ الباليستية الإيرانية التي تعمل بالوقود الصلب، ويمكن أن تصل إلى الأراضي الأوروبية. كما ترى واشنطن أن رفض الناتو والدول الأوروبية الانخراط في العمليّات العسكريّة ضدّ إيران يعني تخلّي الأوروبيين عن مبدأ "تقاسم الأعباء" في مواجهة خطر مشترك، وترك الجنود الأمريكيين وحدهم يُواجهون طهران.
3- الرّاكب المجّاني: في ظلّ مواقف بريطانيا وإسبانيا وإيطاليا من الحرب، والموقف الذي عَبّرَ عنه مارك روته، الأمين العام لحلف الناتو، بعدم الانخراط الكامل أو المشاركة في الهجمات على إيران؛ يتّهم البيت الأبيض الأوروبيين بالقيام بدور "الرّاكب المجّاني" الذي يريد أن يستفيد من كلّ مزايا النظام الدولي الحالي الذي تحميه وتقوده الولايات المتحدة، دون أن يدفع ثمن المزايا والمكاسب التي يجنيها نتيجة وجوده في هذا النظام.
وهناك أكثر من مسؤول أمريكي اتّهم الأوروبيين بأنهم يريدون النفط وتأمين الممرّات الملاحيّة وضمان سلاسل الإمداد ونزع صواريخ ونووي إيران، دون المشاركة في العمليّات العسكريّة التي تحقّق كلّ هذه الأهداف، وأن أوروبا من وجهة نظَر البيت الأبيض تكتفي فقط بممارسة ما يمكن وصفه بـ"الأستاذيّة الأخلاقيّة".
4- رسالة خاطئة: لعلّ أكثر أسباب الغضب الأمريكي هو أنّ غياب دعم حُلفائها الأوروبيين لعمليّاتها العسكرية في إيران سوف يُرسِل رسالة خاطئة إلى مُنافِسي واشنطن؛ الصين وروسيا، وأنّ الناتو الذي تأسّس ليكون ضدّ الاتحاد السوفييتي السابق وروسيا يفقد عملياً أهميّته بالنسبة للولايات المتحدة؛ لأنه لم يدعمها في حربها ضدّ طهران التي يُنظَر إليها بأنها "الحلقة الأضعف" في الشراكة الإيرانية - الروسية - الصينية.
وهكذا تعتقد الولايات المتحدة بأنها إذا ما قرّرت دخول حرب مع روسيا أو الصين، سيكون عليها أن تكون متأكّدة بأن أوروبا والناتو معها أم لا؛ لأنّ عدم مُشارَكَة الحلف ككتلة واحدة في الحرب الراهنة ضدّ إيران يُرسِل رسالة ضعف وتشتّت بشأنه. بل وهناك من قال في واشنطن إنّ عدم مُشارَكَة أوروبا والناتو وعدم استخدام قاعدة دييغو غارسيا من اليوم الأوّل للحرب، هو السبب غير المباشر في صمود إيران وإطالة زمن الحرب حتى الآن، وأن "تصدّع الجبهة الغربيّة" هو بمثابة هديّة لطهران.
5- شَلَل استراتيجي: كانت الولايات المتحدة تنظر إلى قواعدها العسكرية في أوروبا، بجانب القواعد العسكرية الأوروبية وقواعد حلف الناتو، على أنها منظومة مُوَحّدة؛ لكن الرفض الأوروبي لاستخدام هذه القواعد، أو وضع قيود صارمة على استخدامها، يُعَدّ، من وجهة نظَر مُخَطّطي الحرب في البنتاغون، بمثابة "شَلَل استراتيجي" غير مسبوق للقدرات الغربية منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية. ووصل الأمر إلى أن هناك برامج تلفزيونية أمريكية قالت إن عدم استخدام واشنطن للقواعد الأوروبية أفقد العملية العسكرية الأمريكية "عنصر المُفاجَأة".
6- تمرّد أوروبي: تقرأ الولايات المتحدة الموقف الأوروبي باعتباره ليس موقفاً عارضاً أو تكتيكياً؛ بل يمثّل تمرّداً على القيادة الأمريكية بهدف تحقيق ما يسمّيه الأوروبيون "الاستقلال الاستراتيجي". لهذا يتّهم الأمريكيون نُظَراءهم الأوروبيين بالسعي لأداء دور القوّة الناعمة، وترك واشنطن وحدها تدفع تكلفة "المسارات الخشنة".
7- أنانيّة أوروبا: تتّهم إدارة ترامب الدول الأوروبية وبقيّة دول الناتو بأنّ مواقفهم قامت على مُعادَلات أنانيّة تنظر فيها أوروبا فقط إلى مصالحها التجارية وأمن الطاقة، دون النظَر إلى المخاطر البعيدة التي تُمَثّلها إيران على دول المنطقة وأوروبا نفسها، من وجهة نظَر واشنطن.
دوافع أوروبا:
تعدّدت الدوافع والمبرّرات التي اعتمدت عليها الدول الأوروبية في رفض تقديم دعم بلا شروط وانخراط مباشر في الحرب الراهنة بجانب الولايات المتحدة وإسرائيل؛ وهو ما يُعَدّ بمثابة "لحظة مفصليّة" في تاريخ علاقة أوروبا والناتو مع الولايات المتحدة. وهذه المبرّرات هي:
1- حرب غير قانونيّة: ترى غالبيّة الدول الأوروبية والأعضاء في الناتو أن الحرب على إيران غير قانونيّة لأكثر من سبب؛ الأوّل أنه لم يصدر بها قرار من مجلس الأمن الدولي، وأن هذه الحرب أطلقها ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، خارج نطاق التوافق الدولي الذي كان يدعم مسار المفاوضات. والسبب الثاني هو غياب استراتيجيّة محدّدة للحرب، حيث تباينت الأهداف التي أعلنها البيت الأبيض من تدمير البرنامجين النووي والصاروخي الإيراني، مروراً بتغيير سلوك أو وجه النظام الحاكم، وصولاً إلى إسقاط النظام، أو حتى تفكيك الدولة الإيرانيّة بين العِرقيّات المختلفة.
2- انتقام إيران: تخشى الدول الأوروبية من ردّ فعل انتقامي من جانب إيران ضدّ المصالح الأوروبية، سواء في الشرق الأوسط أم حتى على الأراضي الأوروبية. وتحدّثت إسبانيا وإيطاليا عن هذه المخاوف في ظلّ تقدير عدد من أجهزتها بأن هناك خلايا إيرانيّة في أوروبا مستعدّة للقيام بعمليات انتقاميّة حال مشاركة الدول الأوروبية بشكل مباشر في الحرب الراهنة.
3- أزمة اللاجئين: تبني الدول الأوروبية موقفها من الحرب في إيران على ضرورة التهدئة والعودة إلى مائدة المفاوضات؛ لأنّ استمرار هذه الحرب واحتماليّة تفكّك الدولة الإيرانية قد يدفع ملايين اللاجئين إلى دول الاتحاد الأوروبي التي لم تتعاف بعد من موجات هجرة سابقة بسبب الحروب في الشرق الأوسط.
4- إمدادات الطاقة: ترى الدول الأوروبية أنها هي التي تدفع ثمن هذه الحرب بعد ارتفاع أسعار النفط والغاز، بينما الولايات المتحدة لديها اكتفاء ذاتي من الطاقة وتقوم بتصديره. لهذا تعتقد الدول الأوروبية بأن عدم مشاركتها في الضربات العسكرية على إيران قد يسهم بشكل غير مباشر في البحث عن حُلول سياسية وعدم إطالة زمن الحرب، بينما يمكن أن تشجّع المشاركة المباشرة والدعم المطلق الولايات المتحدة وإسرائيل على توسيع أهدافهما ورفع سقف مطالبهما من طهران، بما يُطيل زمن الحرب وتطول معه أزمة الطاقة والتضخّم في أوروبا، خاصّة في ظلّ الأرقام القياسيّة التي وصلت إليها أسعار النفط والغاز والشحن والنقل من الشرق الأوسط إلى أوروبا.
أربعة سيناريوهات:
في ظلّ الشحن السياسي الأمريكي تجاه دول أوروبا، وإصرار الأخيرة على عدم تغيير موقفها من الحرب في إيران؛ يمكن صياغة أربعة سيناريوهات لمستقبل العلاقات بين ضفّتي الأطلسي، وتتمثّل في الآتي:
1- الانسحاب المُنضبط: يعني تخفيف الولايات المتحدة تدريجياً لمسؤولياتها الأمنية والعسكرية في أوروبا ضمن حلف الناتو، وتخفيض عدد القوّات الأمريكيّة في أوروبا الذي يصل إلى نحو 100 ألف جندي، وصولاً إلى مرحلة سحب "المظلّة النوويّة" الأمريكية من أوروبا.
2- ناتو صغير: يقوم هذا السيناريو على بناء تحالفات بين واشنطن والدول الأوروبية التي تتقاسم معها أيديولوجيّتها وسياساتها، ومنها دول الجناح الشرقي في حلف الناتو مثل رومانيا وبولندا وبلغاريا، ودول بحر البلطيق الثلاث، وهي ليتوانيا وإستونيا ولاتفيا. وهؤلاء الحُلفاء يمكن أن يكونوا أكثر طاعة للبيت الأبيض، سواء في معدّلات الإنفاق العسكري أو دعم واشنطن في مختلف الظروف والأزمات.
3- قيود عسكرية واقتصادية: قد تلجأ واشنطن، وخصوصاً في عهد إدارة الرئيس ترامب، إلى فَرْض قُيود على بيع التكنولوجيا العسكرية والطائرات المتقدّمة، مثل "إف 35"، إلى أوروبا، وتقليل التعاون الاستخباراتي وما يتعلّق بإتاحة المعلومات المخابراتيّة للأوروبيين؛ ويمكن أن يصل الأمر إلى التوقّف عن بيع الغاز والنفط الأمريكي إلى أوروبا.
4- الاستدارة إلى الإندوباسيفيك: هذا هو السيناريو الأخطر على الأوروبيين، والذي يقوم على سحب الولايات المتحدة لجيوشها ومظلّتها الأمنيّة من أوروبا، والتركيز على منطقة المُحيطيْن الهندي والهادئ "الإندوباسيفيك"، التي تضم بشكل رئيسي دولاً مثل اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا والفلبّين وفيتنام والهند وسنغافورة.
ختاماً، يمكن القول إن الغضب الأمريكي من عدم مشاركة أوروبا والناتو في الحرب على إيران ليس "خلافاً عابراً"؛ بل يؤشّر على اتّساع الفجوات بين واشنطن وحُلفائها الأوروبيين، بما يهدّد بضرب "روح الناتو" التي ظلّت قائمة طوال نحو ثمانية عقود، وكانت تقوم على التضامن الجماعي والعمل المشترك لمواجهة أيّ تهديد تتعرّض له أيّ دولة من دول الحلف. وكلّ ذلك قد يدفع الولايات المتحدة إلى استبدال التحالفات الطويلة والمُكلِفة مثل الناتو بتحالفات وقت الحاجة.
2026-04-14 01:03:06 | 12 قراءة