التصنيفات » مقالات سياسية

تقديرات إسرائيليّة: الحرب مع إيران وضعت تركيا أمام "وضع استراتيجي مُعَقّد" لم تكن راغبة فيه

تقديرات إسرائيليّة: الحرب مع إيران وضعت تركيا أمام "وضع استراتيجي مُعَقّد"

لم تكن راغبة فيه

ياسر مناع
المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيليّة 
16  مارس 2026

تتناول المراكز البحثيّة ووسائل الإعلام الإسرائيليّة في جزءٍ من تحليلاتها للحرب الدائرة مع إيران، مواقف الدول والفاعلين الإقليميين المحيطين بها والمتأثّرين بتطوّرات هذه الحرب. وتنطلق هذه التحليلات من فرضيّةٍ مفادها أن نتائج الحرب لن تقتصر على ميزان القوى بين إسرائيل وإيران، إذ ستنعكس أيضاً على سلوك القوى الإقليمية التي تُراقب مسار المواجهة وتُعيد حساباتها السياسية والأمنية في ضوء مآلاتها. لذلك، تُرَكّز هذه التقديرات على مُتابعة كيفيّة تفاعل هذه الدول مع الحرب، وعلى استشراف الكيفيّة التي قد تُعيد بها صياغة سياساتها وتحالفاتها الإقليمية تبعاً للنتائج التي ستُفضي إليها.
ضمن هذا السياق تحتلّ تركيا موقعاً مركزياً في التحليل الإسرائيلي باعتبارها قوّة إقليميّة مؤثّرة تمتلك طموحات سياسية وعسكرية في الشرق الأوسط، وتُعَدّ مُنافِساً استراتيجياً لإسرائيل في بعض الساحات الإقليميّة. 
وتُشير مجمل هذه التحليلات إلى تصوّر مشترك مفاده أن تركيا تسعى إلى إدارة الحرب بحذر شديد، إذ لا ترغب في الانخراط العسكري المباشر ضدّ إيران  ولا في سقوط النظام في طهران؛ خشية التداعيات الإقليميّة والأمنيّة التي قد يُخَلّفها ذلك، كتصاعد المسألة الكرديّة أو اضطراب التوازنات الإقليميّة. لذلك، تميل تركيا إلى الحفاظ على موقع وسَطي يُوازِن بين مصالحها الأمنيّة والاقتصاديّة وبين رغبتها في منع توسّع الحرب.
في هذه المُساهَمَة نستعرض كيفيّة تناول هذه المسألة داخل إسرائيل، من خلال استعراض التقديرات الإسرائيلية بشأن موقف تركيا من الحرب الدائرة مع إيران، وطريقة تفسيرها لحسابات أنقرة السياسيّة والاستراتيجيّة في سياق هذه المواجهة.
الحرب التي لم ترغب بها تركيا... 
 في نشرة "مباط عال" الصادرة عن معهد دراسات الأمن القومي في 11 آذار 2026، ترى الباحثة غاليا ليندنشتراوس أن الحرب مع إيران وضعت تركيا أمام وضع استراتيجيّ معقّد لم تكن ترغب فيه أصلاً. فأنقرة نظرت إلى اندلاع الحرب بوصفه تحقّقاً لسيناريوهات سلبيّة حاولت تجنّبها دبلوماسياً لسنوات. لذلك، تسعى إلى إنهاء القتال في أقرب وقتٍ ممكن. 
كما أنّ تركيا تُواجِه تحدّيات مباشرة تمسّ أمنها الداخلي، من بينها إطلاق صواريخ في اتجاه أراضيها، إضافة إلى مخاوف من تدفّق موجة لجوء كبيرة نتيجة احتمال زعزعة الاستقرار في إيران؛ وكذلك احتمال عودة التوتّر المرتبط بالقضية الكرديّة انطلاقاً من الأراضي الإيرانيّة.
على المستوى الإقليمي، هنالك إدراك تركي مُتزايد لتعاظم النفوذ الإسرائيلي والأميركي نتيجة الحرب. ويظهر ذلك في الخطاب السياسي التركي الذي يتّهم إسرائيل بدفع الولايات المتحدة إلى مهاجمة إيران. وقد انعكس هذا القلق في خطوات عسكرية وسياسية اتخذتها أنقرة، مثل نشر طائرات مُقاتلة في شمال قبرص، إضافة إلى مُتابعة التطوّرات في أذربيجان وقبرص وساحات إقليميّة أخرى. 
في الوقت نفسه، تُشير ليندنشتراوس إلى أنّ الحرب قد تفتح أمام تركيا فُرَصاً إلى جانب التحدّيات. فإضعاف إيران قد يمنح أنقرة مجالاً أوسع لتعزيز نفوذها الإقليمي، خاصّة في العراق حيث يتنافس الطرَفان على النفوذ. كما دفعت الحرب تركيا إلى مُراجعة قدراتها العسكرية وتعزيز مجالات الدفاع الجويّ والصواريخ والأمن السيبراني؛ وازداد النقاش الداخلي حول ضرورة امتلاك قدرات ردع متقدّمة. 
بينما يرى الباحث في الشأن التركي في مركز ديان في جامعة تل أبيب، حي إيتان كوهين ينروجك ، أن تركيا تتعامل بجديّة مع إطلاق الصواريخ الإيرانية في اتجاه أراضيها، لكنها لا ترغب في التصعيد أو الانخراط في حرب مع إيران. ويُشير إلى أن أنقرة اكتفت بإرسال رسائل سياسية حازمة؛ ومن غير المتوقّع أن تتّخذ خطوات عمليّة ما دامت الصواريخ لم تُحدِث أضراراً كبيرة داخل تركيا. كما يوضح أن بعض وسائل الإعلام التركية وشبكات التواصل الاجتماعي تشهد انتشار نظريّات مؤامرة تزعم أن إسرائيل أو جهاز الموساد يقفان خلف إطلاق الصواريخ بهدف جرّ تركيا إلى الحرب. ومع ذلك، يؤكّد أن الموقف الرسمي للحكومة التركية لا يسعى إلى إسقاط النظام الإيراني، بل يُفَضّل إنهاء الحرب عبر المسار الدبلوماسي.
أما الباحثة زينب ريبوع، من معهد هدسون الأميركي، فقد قالت لصحيفة "معاريف" يوم 10 آذار 2026 ، إن الحرب في إيران قد غيّرت بصورة كبيرة مكانة تركيا؛ وإنّ تراجع قوّة إيران يفتح مجالاً واسعاً أمام أنقرة لتعزيز نفوذها الإقليمي والدولي. كما أنّ تركيا تمتلك تأثيراً في أربع ساحات رئيسية هي: الشرق الأوسط والعالَم التركي في آسيا الوسطى وأفريقيا، إضافة إلى موقعها في التنافس بين الولايات المتحدة وخصومها. وفي هذا السياق اتخذت تركيا  - وفقاً للباحثة - موقفاً حذراً، إذ دانت العمليّة الأميركية - الإسرائيلية ضدّ إيران واعتبرتها انتهاكاً للسيادة الإيرانية ودعت إلى منع التصعيد في المنطقة؛ وفي الوقت نفسه انتقدت الهجمات الإيرانية على دول الخليج وأرسلت كبار المسؤولين الأتراك للتنسيق مع دول المنطقة.
بالتالي، فإنّ تراجع النفوذ الإيراني يخلق فُرَصاً جديدة لتركيا لتوسيع حضورها في عدّة مناطق. ففي سورية تُواصِل أنقرة الحفاظ على وجود عسكري واسع وتعدّ نفسها جهة راعية رئيسة للترتيبات السياسية هناك؛ كما تسعى إلى تعميق نفوذها في العراق من خلال علاقاتها مع قوى سياسيّة محليّة ومشاريع اقتصادية وبُنية تحتيّة تربط الخليج بتركيا عبر الأراضي العراقية.
كما تُوَسّع تركيا حضورها في آسيا الوسطى من خلال منظّمة الدول التركية، وتزيد من نشاطها الاقتصادي والعسكري في أفريقيا، حيث ارتفع حجم التجارة مع دول القارّة وتوسّعت صادرات الصناعات الدفاعية التركية.
هل ثمّة مكان للتقارب التركي – الإسرائيلي؟
كتبت صحيفة "يديعوت أحرونوت" بتاريخ 13 آذار 2026، أنّ الحرب مع إيران أعادت طرح سؤال إمكان التقارب بين إسرائيل وتركيا، خاصّة بعد إطلاق صواريخ إيرانية في اتجاه الأراضي التركية؛ وهو ما قد يوحي بوجود مصلحة مشتركة في مواجهة طهران. 
غير أن التقديرات الإسرائيلية تبدو مُتشائمة حيال هذا الاحتمال، إذ تُشير إلى أن الخطاب السياسي التركي ما زال يتّسم بانتقادات حادّة لإسرائيل. فعلى الرّغم من أنّ الرئيس التركي دان مُعاداة السامية واعتبرها جريمة ضدّ الإنسانية، فإنه يواصل اتّهام إسرائيل بزعزعة الاستقرار في المنطقة ولم يُدِن إطلاق الصواريخ الإيرانية على بلاده.
وتوضِح الصحيفة أن الموقف التركي يميل عملياً إلى تجنّب إضعاف النظام الإيراني لأسباب استراتيجيّة. فأنقرة تخشى من أن يؤدّي سقوط النظام في طهران إلى تعزيز النفوذ الإسرائيلي في المنطقة، وإلى تطويق تركيا عبر تحالفات مع اليونان وقبرص، وربما إيران نفسها في حال تغيّر نظامها. 
كما تخشى تداعيات إقليميّة وداخليّة، مثل تصاعد القضية الكرديّة أو تدفّق موجات لجوء جديدة. لذلك، ورغم معارضة تركيا امتلاك إيران سلاحاً نووياً، فإنها تُفَضّل بقاء النظام القائم في طهران في ظلّ علاقة تاريخية مستقرّة بين البلديْن لم تشهد حرباً مباشرة منذ العام 1639.
كذلك، يرى تسفي برئيل في صحيفة "هآرتس" يوم 12آذار 2026، أن إيران تُحاوِل خلال الحرب صياغة ملامح المرحلة التي تليها عبر استراتيجيّة استنزاف اقتصادي تقوم على الضغط على طُرُق التجارة في الخليج ورفع أسعار النفط. وتُراهن طهران على أن ارتفاع أسعار الطاقة وما يُرافقه من تضخّم وضغوط اقتصادية قد يدفع الولايات المتحدة، وخصوصاً الرئيس دونالد ترامب، إلى تقصير أمَد الحرب، وربما الدخول في مفاوضات مع النظام الإيراني من موقع قوّة. 
ويُشير برئيل إلى أن طهران بدأت التفكير في ترتيبات ما بعد الحرب، حيث قد تصبح تركيا شريكاً مهماً لها بعد تراجع الثقة بدول الخليج التي تعرّضت لهجمات إيرانية ولم تتمكن من تشكيل جبهة عسكرية ضدّها. فقد حرصت إيران على تجنّب استهداف تركيا مباشرة إدراكاً لقوّتها العسكرية وإمكانيّة أن يؤدّي التصعيد معها إلى تدخّل حلف شمال الأطلسي. كما تتقاطع الدولتان في عدد من المصالح المشتركة، منها مواجهة الحركات الكرديّة، إلى جانب العلاقات الاقتصادية والسياسية القائمة بينهما؛ فضلاً عن دور تركي سابق في الالتفاف على العقوبات الأميركية والوساطة بين طهران وواشنطن.
في المقابل، سَلّطَت القناة 14 الضوء على سماح السلطات التركية بإقامة مراسم تأبين للمُرشِد الإيراني علي خامنئي داخل السفارة الإيرانية في أنقرة. كما أبرزت تصريحات السفير الإيراني في تركيا الذي قال إن مظاهر الدعم والتعاطف التي أبداها الأتراك تعكس عمق العلاقات بين الشعبين الإيراني والتركي.
الحرب استنزاف سريع 
على الجانب الاقتصادي، سَلّطَت صحيفة "غلوبس" الاقتصادية الضوء على الضغوط التي تفرضها الحرب مع إيران على الاقتصاد التركي، فقد تجاوز سعر النفط 100 دولار للبرميل، وهو ما يهدّد بارتفاع التضخّم مجدّداً بعد أن تراجع من نحو 85% إلى قرابة 32%. ويزداد تأثير ذلك بسبب اعتماد تركيا على استيراد نحو 70% من احتياجاتها من الطاقة. وفي مُحاوَلة لحماية الليرة، استخدم البنك المركزي التركي نحو 12 مليار دولار من احتياطاته خلال أسبوع واحد، وهو ما يُعادِل قرابة 15% من احتياطيّات النقد الأجنبي. وعلى الرّغم من هذا التدخّل شهدت الليرة تراجعاً طويل المدى، من نحو 14 ليرة مقابل الدولار عام 2022 إلى نحو 44 ليرة للدولار في الوقت الحالي.
ويُشير "ينروجك" إلى أنّ الاقتصاد التركي يعتمد جزئياً على دعمٍ من قَطَر التي تضرّرت بدورها من الحرب، واضطرّت إلى وقف صادرات الغاز والأسمدة. وتُضيف البروفسورة ميري شيفر موسنزون، من جامعة تل أبيب، أن صناعة السلاح التركية تُعَدّ متقدّمة تقنياً، إلّا أنّ الحرب الحاليّة تعزّز الصناعات العسكرية الإسرائيلية على حسابها، مؤكّدة أن المشكلة الأساسية تبقى التضخّم الذي قد يرتفع مجدّداً بسبب ارتفاع أسعار الطاقة.
في المحصّلة، تُشير تقديرات صحيفة "غلوبس" إلى أنّ هذا التدخّل المالي المكثّف يصعب الاستمرار فيه فترة طويلة؛ لأنه يؤدّي إلى استنزاف سريع للاحتياطيّات ويزيد من المخاطر التي يُواجهها الاقتصاد التركي، خاصّة في ظلّ اعتماد تركيا على استيراد جزء كبير من احتياجاتها من الطاقة، بما في ذلك الغاز القادم من إيران.

 

2026-04-15 00:16:22 | 30 قراءة

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية