التصنيفات » دراسات

القدس: مورفولوجيا يشكلها المقدس والرموز!

د. محمد نعيم فرحات*


ملخص
تتناول هذه الورقة القدس كمثال تحليلي على ما تشهده المدينة، منذ عدة عقود خلت وحتى الآن، من تغيرات كثيفة وشاملة، ومن عمليات أعادة تشكيلها، ليس كمجال مادي فحسب بل وكمعنى أيضا، تحت سلطة دولة الاحتلال الإسرائيلي.
وهنا سنلاحظ، بأن تناول القدس من هذه الزاوية؛ يتيح لنا الوقوف إزاء حالة إاستثنائية ومختلفة عما هو متعارف عليه عند دراسة التغيرات الاجتماعية، وتحولات المجال التي تعرفها المدن عموما، والتي تقوم على أساس تتبع أثر عوامل كلاسيكية: اقتصادية كانت أو اجتماعية أو سياسية أو غير ذلك. إلا أننا وعند تناول مدينة القدس لا نستطيع التعامل مع هذه العوامل المختلفة، إلا، في علاقتها العميقة مع الرمزي وتأويلات المقدس باعتبارها مرجعية تحكم (هذه العوامل) وتحددها وتقررها. وهنا يتعمق الاستثناء في قراءة حالة القدس.
وقد حاولت هذه الورقة (على نحو ما) تعقب خصوصية القدس، مركزة على الأهمية الجوهرية التي لعبها عاملا المقدس وعبقرية المكان في سيرة المدينة وتاريخها ووقائعها في مختلف المراحل والحقب والأزمنة. لقد قرر هذان العاملان على نحو جوهري وضع القدس تاريخياً، وقررا أيضاً مرفولوجيتها ومعناها بصورة لا نظير لها عند أي مدينة أخرى في العالم. ويتعلق الأمر هنا بمدينة شاءت أقدارها أن تكون مدينة الله، يسكنها وارثون معروفون، ولكنهم، لم يعيشوا يوماً دون أن ينازعهم في ملكيتها ومعناها أحد ما, إن هذه الخصوصية قد وَلدت صراعات ممتدة ومتعاقبة عبر الزمن تعيش القدس حالياً واحدة من أكثرها تعقيداً وكثافة.
وفي هذا السياق تأملت الورقة صورة القدس في وعي إسرائيل كغالب يحكمها الآن، وتوقفت عند نقطة أساسية في هذا الوعي،  وهي أنه(وعي) ينظر إلى القدس خصوصاً وفلسطين عموماً، كمجال يعود إليه دينياً وتاريخياً وفقاً لقراءته وتأؤيلاته الخاصة، فيما جرد سكانه الأصليين من أي رباط مادي أو معنوي أو تاريخي بالمكان، لقد كانت علاقة الفلسطينيين بالقدس وفلسطين من وجهة نظر الغالب وحلفائه، محل تجاهل وإنكار واستئصال معاً، وبلغة إدوارد سعيد، فقد نظر الوعي الصهيوني والغربي لفلسطين بصفتها "فكرة جغرافية مستقلة عن أهلها". وقد خضع الفلسطيني كإنسان، لموروث إيديولوجي أنتج مقولات وممارسات مروعة، قامت على مبدأ الإنكار والإقصاء، وحتى على تجريمه ولومه كضحية. أما فلسطين كمجال (مُستعاد!!)  فقد خضع (أحياناً) بصورة حرفية للتشكيل وفق رؤية إيديولوجية الغالب. وهنا بمقدورنا أن نتخيل حجم عملية التغيير التي خضع لها المجال وخلفيات هذا التغير ولا عاديته أيضاً.
لقد شكلت هذه الخلفيات عند الحركة الصهيونية، أساس الجهود التي بذلتها للاستيلاء على المجال الفلسطيني، وبعد قيام دولة إسرائيل، تماسست هذه التصورات على نحو مقتدر، في دولة وكيان وإستراتيجيات وسياسات وممارسات، كانت المحدد الأساسي لواقع القدس على نحو خاص منذ عقود لا زالت تتوالى تباعاً. وارتبطت بها منظومة من الإجراءات مثل (الترحيل والاقتلاع والتشتيت.....) بصورة أدت لإحداث تغيرات عميقة، ووقائع جديدة في المجال.
إن نتيجة استعراض مختلف التطورات والأحداث والممارسات، التي قامت بها دولة الاحتلال في القدس على مدار العقود الماضية، تشير إلى أن إسرائيل قد أنجزت ما يمكن وصفه بمجزرة موفولوجية متواصلة، مبنية على أساس أثني وديني بحق سكانها الأصليين، وبحق المدينة كمجال وكمعنى، عبر استخدام القوة وما تخوله لصاحبها من حقوق، وأحلت في القدس واقعاً ديمغرافياً واجتماعياً وسياسياً... إسرائيلياً مكثفاً وقوياً، مدعوماً بشتى أنواع التحفيز، وهو ليس بكل حال نتاج تطور تاريخي طبيعي للجماعة اليهودية في فلسطين.  
كما أن معاينة وتأمل ما أنتجته السياسات الإسرائيلية من زاوية مورفولوجية في القدس، تشير إلى أمر مهول جرى هناك لصالح الإسرائيليين، على حساب السكان العرب، ترتب عنه تداعيات وتأثيرات قاسية في حياتهم، مستهم ومست مجالهم بصورة شاملة وعميقة.
وفي القدس حاليا ثمة مثال حي لاكتساح المجال، وصراع نعاين تعبيراته الحيوية في المرفولوجيا، ولا يرتبط بالمعنى المادي للمجال، بل أيضاً بالمعنى الرمزي له، صراع تحكمه تأويلات المقدس والرموز عند طرف، أو الشعور الأصيل بها عند الطرف الأخر، يصاغ بنتيجته واقع مدينة وشكلها ومعانيها، وهو مثال جدير بالتأمل والتتبع والفهم والتفسير والتصنيف، وهذا ما حاولت هذه الورقة أن تفعله بصورة أو بأخرى.


مدخل
تتعدد عوامل وظروف وشروط نشوء المدن وتطورها وما يشهده بناؤها ووظائفها ومجالاتها من تغيرات بتأثير هذه العوامل، وكذلك الأمر بشأن ضمورها وتهميشها، أو اندحارها عن مراكز الثقل والإشعاع والأهمية...

غير أن هناك مدناً قليلة جداً تدخل في حيز الاستثناء، سواء من حيث نشوئها أو تواصل أهميتها عبر الأزمنة والعصور، أو من حيث المعنى الذي تحتله في مخيال الناس، وفي هذا السياق فإن القدس هي مدينة استثنائية وخاصة ومختلفة منذ وجدت وحتى اللحظة، بل إن تراكم الزمن والتاريخ والأحداث، كانت تفاقم قدماً من إستثنائيتها، ومن فرادة وضعها ومعناها بصورة لا تضاهى. بيد أن هذه الفرادة التي تضمنت مزايا مكثفة في حياة المدينة، ما كانت لتكون دون بعد مأساوي طبع تاريخها وتاريخ ساكنيها الأصليين.

ومنذ نشأتها؛ ارتبطت القدس بالسماء، لقد كانت "مدينة الله"- إذا جاز القول- التي قامت في مجال حساس جغرافياً وتاريخاً، كما حملت القدس أهمية خاصة عند كل القوى التي تداولت الهيمنة في المنطقة عبر الزمن؛ إذ لطالما كانت أرضاً للاشتباك بين تأويلات لا تتفق لمعناها والأحقية فيها، وبين رؤى ومصالح قلما عرفت التسويات بين طموحاتها المختلفة. وربما لا نعثر على مدينة في التاريخ تقرر مصيرها بفعل عاملي المقدس وعبقرية المكان، وما يرتبط بذلك من قراءات عند كل الأطراف المعنية بها، مثلما هو حال القدس. لقد تدخلت الطبيعة والسماء لتزودا فلسطين كمكان "بعاملين أساسيين خارجين عن قدرة البشر، كان لهما الأثر الأكبر في تاريخه الحضاري والسياسي منذ فجر التاريخ حتى يومنا هذا وأضفيا عليه موقفاً متميزاً لم يمتلكه أي بلد آخر في العالم عبر التاريخ كله. الأول جغرافي، حيث فلسطين همزة وصل بين القارات الثلاث والحضارات المتعددة، والثاني ديني، بإعتبارها وطن الديانات السماوية الثلاث ". 

أما إدوارد سعيد فيقول "إن لفلسطين بعدان: بُعد مجاله الواقع، والآخر مجاله الأيدولوجيا والخيال والإسقاط والفن والدين، في البعد الأول فلسطين أرض يعيش فيها الفلسطينيون لكنهم فقدوها، وسلبت منهم، ويعيشون فيها حال من إستعمروا من الداخل بينما يحكمها الآن آخرون. أما البعد الثاني، ففلسطين مكان يُكتب عنه، يُحلم به، يُخطط من أجله، وهو إذن كمجال عام ملكٌ لكل من يدعون به حقاً.  "

وبمقدار ما منح هذان العاملان القدس وفلسطين من الأهميات والمعاني، فقد حركا عبر التاريخ ديناميكية إستهدافات ومقاومات ونزاعات وصراعات كبرى وشاملة، اشتبكت في سياقها الميثولوجيات والأيدولوجيات والأحقيات والإرادات والمصالح والإستراتيجيات المتناقضة والرموز، بين مالكيها الأصليين وغزاتها القادمين. وتقول بيان الحوت "إن الجيوبولتيك والثيوبولتيك قد جعلا تاريخ فلسطين ]وفي صميمه القدس[ ساحة صراع " . 

وبالمعنيين الهيكلي والوظيفي، فإن حقيقة القدس كمدينة وكمجال لا تنطبق عليها الكثير من العناصر والمعايير الكلاسيكية التي يمكن من خلالها تعريف مجال ما بأنه مدينة، لا من حيث الاقتصاد ولا من حيث الثروات ولا حتى من حيث الجوانب العسكرية ولا من حيث الديمغرافيا أحياناً، ولا من حيث أغلب العناصر البنيوية والهيكلية المركبة التي تتصف بها المدن عموماً، إلا أن كثافة الرمزي وتعبيراته المتعددة في سيرة القدس،  تجعل منها واحدة من أهم المدن، إن لم تكن أهمها بإطلاق،  كما تجعلها أوسع بكثير من حقيقتها المادية. إنها مدينة الرمز ومجاله بامتياز، وبضوء قراءة السيرة الذاتية للقدس، فقد كان الرمز المبني من المقدس المتجادل بالتاريخ، هو الذي شكل حياتها وزمنها، كمدينة وكمعنى وكمرفولوجيا أيضاً، وحدد أقدارها ومفارقاتها وأهميتها وقدرتها على هذا الحضور المتجدد بصورة لا نظير لها. إن الرمزي هنا يتفوق على كل العوامل المتعارف عليها عند دراسة المدن.  

وإذا كان بمقدورنا أن نستخرج من كل مرحلة في تاريخ القدس أنموذجاً تحليلياً ما؛ يؤكد جوهرية الإحداثية السابقة في تقرير واقع القدس منذ العهد الروماني على الأقل، فإن هذه الورقة مشغولة بقراءة الوضع الراهن للقدس تحت الاحتلال الإسرائيلي لراهنيته ولكثافة الأبعاد المتضمنة فيه.

وهنا يتطلب الأمر "تأملاً " للبحث عن صورة القدس في وعي" إسرائيل الغالبة" وخيالها، لأن هذه الصورة، هي التي شكلت أساس السياسات والممارسات التي قام بها الإحتلال في القدس؛ سواء إزاء الأهليين الأصليين أو إزاء المجال المُكتسح والمُحتل الذي يعود لهم. وفي هذا الصدد يمكن القول، بأن ممارسات دولة إسرائيل في القدس، قد حاولت استئصال وجود الأهليين الأصليين للقدس ومعناها معاً.  وإحلال المعنى الذي تراه للقدس، من خلال حركة الإستيطان المكثفة التي عرفتها المدينة تحت الإحتلال، وعملية الإخضاع الشامل الذي شهدتها. لقد كان استملاك إسرائيل للقدس مادياً ورمزياً، وكان الصراع بشأنها يدور حول الحاضر فالماضي صعداً نحو المستقبل.

1. القدس في خيال الغالب
تحيل قراءة النصوص التي ساهمت في صياغة الوعي الصهيوني قبل أن يتشكل ويتمأسس في "دولة إسرائيل " وكذلك وعي شركائها الغربيين بخصوص القدس وفلسطين، إلى أن هذا الوعي قد تطلع إلى فلسطين وتصورها كمجال بدون سكانه الأصليين، وجردهم من أي رباط مادي أو ثقافي بفلسطين وأزمنتها، وقد تواصل هذا التجريد حتى بعد أن عُثر على الفلسطينيين في الواقع.

لذلك فقد أنتج هذا الوعي ببساطة أيديولوجية الإنكار والإقصاء، إنكار وجود الآخر وأية حقوق مرتبطة به. وأنتج كذلك منظومته من المقولات المذهلة في إنكاريتها مثل " أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" فيما حولت تصوراته السكان الأصليين لفلسطين لمحض "طوائف غير يهودية" وفقاً لنص وعد بلفور- على سبيل المثال لا الحصر- الذي أعلن تأييد بريطانيا "لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين" عام 1917.

ويشير ادوارد سعيد، إلى أن الخيال اليهودي كما الخيال المسيحي الغربي " ينظر إلى فلسطين باعتبارها مكاناً يستخدم لأغراض غير فلسطينية، فهي مكان يدخل ضمن حدود ممتلكات الأرستقراطية الإنجليزية ويهود أوروبا، ولا ذكر بتاتاً للسكان الأصليين، وينظر لها باعتبارها فكرة مستقلة عن شعبها وتطلعاته ناهيكم عن تاريخها المعاش ".  ويقول " منذ شكسبير حتى كامب ديفيد، تخيلوا فلسطين أو خططوا من أجلها ووعدوا بها وبتوا بشأنها، باعتبارها فكرة محورية في الحياة الأوروبية "  ولكن بصفتها دائماً فكرة جغرافية مستقلة عن أهلها. 

ويورد إدوارد سعيد على لسان Eisenzwieg Uri في كتابه عن "الأراضي المقدسة في الخيال اليهودي" قوله " إن الصهيونيين الأوروبيين الذين كانوا يتطلعون إلى يوتوبيا في فلسطين كانوا يتخيلون مكاناً غير محدد فيها، يمكن القضاء فيه على كافة الظروف التاريخية، بحيث يمكنهم تحقيق أمالهم هناك. وكانت أفكارهم تستند شيئاً ما إلى الأفكار الأوروبية الأخرى عن فلسطين، باعتبارها الأرض المقدسة لأوروبا، لا باعتبارها بلاد يسكنها الفلسطينيون. ومن ناحية أخرى فإن صهيونيي أوروبا الغربية رأوا في فلسطين تجسيداً لرغبتهم غير الواعية في إعادة خلق مكان مغلق (Chtell) يستبعد منه الغرباء والمكرهون المستبدون، وفي كلتا الحالتين تم استبعاد الفلسطينيين تماماً من فلسطين. ويؤكد (ُEisenzwieg) على أن الحقيقة في شكل بشر حقيقيين وأشياء حقيقية تم تحويلها بقوة الخيال وحدها " !
إن هذه المنطلقات والتصورات هي التي شكلت أساس عمل الحركة الصهيونية لإقامة مشروعها في فلسطين، مُوظفة تقاطع في الرؤى والمصالح مع القوى الغربية الأساسية بالخصوص .
 
ومنذ مطالع القرن العشرين شهدت فلسطين عملية تغير جوهرية في واقعها، وبإقامة دولة إسرائيل عام 1948 ثم استكمال احتلال باقي فلسطين عام 1967، تأسست هذه التصورات على نحو مقتدر في دولة وكيان، وأصبحت سياسات وممارسات ومؤسسات وأبنية واستراتيجيات اكتسحت المجال الفلسطيني، وصارت المحدد الأساسي لمصيره على مدار زمن لا زال يتواصل عقوداً تتوالى.

2.الممارسات:  إخضاع المجال لمنطوق الايدولوجيا
كانت سياسة تفريغ فلسطين عبر ترحيل أهلها الأصليين عنوة وبالإكراه، والاستيلاء على مجالهم عبر كل الأشكال التي يمكن تخيلها، هي التعبير الإجرائي لمفهوم الإنكار والإقصاء، وذلك بهدف "إحداث تغيير اثني وديني وديمغرافي في فلسطين"  لصالح الإسرائيليين على حساب السكان الأصليين. وإعادة تشكيل المكان ومرفولوجيته وفقاً للرؤية والمصالح الصهيونية والخلفيات التي صاغتها.

ويعتبر نور الدين مصالحة " فكرة الترحيل واحدة من أهم المفاهيم التي صاغت سياسة الصهيونية حيال السكان الأصليين، وتتماشى مع إيديولوجيتها المرتكزة حصراً على أثنية واحدة، وترمي إلى إعادة تكوين الحقائق الإثنية والدينية والديمغرافية في فلسطين... وجعلها دولة يهودية ذات دين واحد " . 

وقد إشتغلت سياسة الترحيل والإقصاء والإنكار في سياق منظومة الرؤية الصهيونية التي قامت على إعتقادين أساسيين: اعتقاد شعب الله المختار وهي" فكرة إجرامية من الناحية السياسية تضفي صفة القداسة على كل ألوان العذاب والتوسع والسيطرة، ولا يمكن إحتمالها من الناحية اللاهوتية " كما يقول روجيه جارودي .

أما الإعتقاد الثاني، فقد أنبنى على فكرة حقوق تاريخية لليهود في فلسطين بصفتها أرض الميعاد " حقوق إستمدتها الصهيونية بطريقة لا تاريخية من التوراة  " من جهة، وهي "حقوق غير موجودة لا في الشرائع السماوية ولا شرائع الأمم الممارسة منذ أقدم الأزمان  ". من جهة أخرى.
 وعبر عملية مركبة ومبدعة ومتخيلة زاوجت بين منظومة معقدة من الرؤى والمصالح، تمكنت الحركة الصهيونية من إدراك هدفها من خلال إقامة دولة إسرائيل في المجال الفلسطيني، وحولت الأسطورة لواقعة مزلزلة في تاريخ المكان والمنطقة وأبنيتها، وفي قول جان جينيه فقد أقامت الصهيونية " دولة أو بالأحرى أنشأت ثيوقراطية بدون آلهة " .

وحسب إبراهيم أبو لغد فقد خضع الشعب الفلسطيني في القرن الـ 20 لعمليتين حاسمتين فريدتين ميزتا تجربته، هما: الإقتلاع والتشتت"  وبنتيجة لمجمل هذه الأحداث فقد "إختفى المجال الفلسطيني كأرض مبتلعة لا كأرض محتلة " بينما إختفى الفلسطينيون أنفسهم وراء صفة اللاجىء ". غير المعرف إلى أمد.
...إن مجمل الأحداث التي شهدتها فلسطين على مدار العقود السبعة الأول من القرن العشرين، وما ترتب عنها تاليا، تشير لتحول هائل في مسار الحضور اليهودي في مسرح التاريخ، حضور اتسم بالقوة والفاعلية والنفوذ والقدرة الجبارة والإنجاز.غير أن فلسطين كمجال، والفلسطينيين كبشر كانوا الضحايا المغيبين لهذا الحضور. أما القدس فكانت وبكل معانيها في صميم اهتمامات الحركة الصهيونية واسرائيل وممارساتهما بما تعنيه بالنسبة لهما من كثافة رمزية، يحتاج إليها تحقيق مشروعهم على الأرض وفي حقل الواقع.

ومن الآن فصاعدا سيجري التركيز على مدينة القدس، كمثال يحيلنا للوقوف على ابعاد عملية استملاك المجال والهيمنة عليه كما قامت بذلك دولة إسرائيل، وتحديد مسارات نموه وخلفيات الممارسات التي خضعت لها القدس.

ويبدو من المفيد هنا العودة قليلاً لتقاطعات الرؤى والمصالح بين الحركة الصهيونية وقوى الغرب النافذة في مطلع القرن العشرين، إذ كان من اللافت أن يقوم الجنرال اللنبي، وقبل استكمال سيطرته على القدس عام 1918 بإستقدام المهندس البريطاني لمدينة الإسكندرية المصرية، ليضع" الخطة الهيكلية الأولى للمدينة، والمقاييس والقيود المتعلقة بالبناء والتطوير فيها، وقد أصبح هذا المخطط بمثابة أساس للمخططات التي تلته، وقسم المدينة إلى أربع مناطق: البلدة القديمة وأسوارها. والمناطق المحيطة بالبلدة القديمة. والقدس الشرقية (العربية). والقدس الغربية (اليهودية )...."

.. ونص المخطط على" منع بات للبناء في المناطق المحيطة بالبلدة القديمة، ووضع قيود على البناء في القدس الشرقية ( العربية)، فيما اعترف بالقدس الغربية كمنطقة تطوير بمعنى أن البناء فيها مفتوح دون أية قيود.." 

وإذا كان من نافل القول، الإشارة لمكانة القدس في الرؤية الصهيونية وهيئاتها المختلفة، إلا أنه من الضروري التأكيد على أن الحركة الصهيونية وقبل قيام دولة إسرائيل عام 1948 بعدة عقود، قد سعت لتعزيز الوجود اليهودي في القدس ومحيطها، وكانت معنية بخلق معطيات وحقائق ديمغرافية وعقارية وسياسية وعسكرية ورمزية فيها، وبعد استكمال احتلال القدس عام 1967 فقد أصبح مصير القدس ومحيطها وتطورها وامتدادها وتوسعها في كل صعيد، يخضع بصورة صارمة للاحتلال والتصورات التي يحملها بشأنها.

وبالمعنى القانوني والسياسي فقد جرى ضم معظم القدس وفق التحديد الإداري لها في ذلك الوقت، بعيد أقل من عشرين يوماً على احتلالها في حزيران 1967، وتم وضع الإطار القانوني الملائم للاحتلال، مع ما يتبع ذلك من إجراءات، مثل: إحصاء السكان وتحديد المناطق التي تم ضمها وبسط السلطة البلدية عليها، بحيث أصبح من لهم حق الاقامة في القدس وحمل بطاقة هوية الاحتلال هم  فقط، أولئك الذين تواجدوا فيها يوم 27/6/1967 أو من استطاع النجاح في معاملة لم الشمل، في حين أن قرار إحصاء السكان المتواجدين فيها، اتخذ في اليوم السابق لهذا التاريخ في بلد جرى احتلاله!!! وما يعنيه ذلك من نزوح وغياب وهروب للسكان القاطنين فيه، أما تحديد المناطق التي جرى ضمها فيعني خضوعها لإجراءات التنظيم والقوانين التي يحددها الاحتلال وهيئاته المختلفة، والتي تولتها بصورة أساسية بلدية القدس التي عينها الاحتلال .

 ويشير أسامة حلبي إلى أن السياسات الإسرائيلية المتبعة عام 1968-1970 قامت على الاخضاع الفعلى للسكان الفلسطينيين والأرض (معاً)، للقوانين والمصالح الاسرائيلية عبر مخططات وأنشطة استيطانية مختلفة تعكس سيادة إسرائيل على المدينة، وهدفت إلى جعل الحضور اليهودي في الجزء المحتل منها بعد 1967 قوياً وبارزاً، وخلق واقع مادي يستعمل لاحقاً أساساً لإعلان القدس الموحدة عاصمة أبدية لإسرائيل، وتضمنت أساليب العمل التي اتبعتها إسرائيل في المدينة: (محاولة) مسح التواجد العربي بالمعنى الحرفي وتجزئته أو تطويقه بمستوطنات إسرائيلية، ومنع التواصل بين أجزائه، ومنع تطوره العمراني الطبيعي ، وإعادة ترتيب أوضاع المؤسسات الاقتصادية في المدينة وتنظيم البناء وفق منظور الاجراءات والقوانين الإسرائيلية ذات الصلة .
  وفي إطار السيطرة على الأرض عبر قانون "الاستملاك للمنفعة العامة" فقد أقامت دولة إسرائيل بين (1968 -1970) تسعة تجمعات إستيطانية أساسية حول القدس وفي محيطها، راعت في إقامتها تحقيق أمرين: الأول، تعزيز الوجود الإسرائيلي في القدس ومحيطها، والثاني: محاصرة الوجود الفلسطيني وفرضيات إمتداده جراء التوسع الديمغرافي . وهدفت من وراء ذلك الحيلولة دون تحول الحقيقة الديمغرافية الفلسطينية إلى حقيقة سياسية إجتماعية ووجودية "وقد توسعت عملية مصادرة الأراضي واجراءات تهويد القدس ديمغرافياً في سنوات الثمانينات (وما بعدها)، وإستمرار سياسة تفريغ القدس من سكانها الأصليين عبر وسائل وطرق وإجراءات وقوانين مختلفة منها: سحب لهويات المقدسيين، بما يفقدهم حق الإقامة في القدس، وتضييق مستمر لمجالهم الجغرافي جراء الاستيطان ومصادرة الأرض وتقييد استعمال أصحابها لها، وتضييق فضائهم المدني جراء سياسات تهدد مكانتهم في القدس وتواجدهم فيه"ا  هذا إلى جانب مختلف أشكال تعقيد بقائهم فيها.

وحسب ميرون بنفنستي فان الفكرة الأساسية التي كانت ترمي إليها الإجراءات الإسرائيلية في القدس سواء فيما يخص السكان العرب أو الفضاء المادي المتبقي لهم فيها، تقوم على أساس "أوسع رقعة من الأرض، مع أقل عدد ممكن من السكان " عبر إستخدام منظومة من القوانين والاجراءات والممارسات التي تؤدي لتحقيق هذا الغرض .
                      
...إن تعبيرات الفكرة التي ذكرها بنفنستي في الواقع، قد مست وشملت كل مناحي حياة الفلسطينيين الخاضعين لسلطة الاحتلال والضم في مدينة القدس مثل (العمل، التعليم، الضمان الاجتماعي، الحقوق القانونية في الإقامة، البناء، الحياة الاجتماعية، والاقتصادية، الروابط والعلاقات الإنسانية) .
وفي نطاق توسع وتعميق هذه السياسة، فان جدار الفصل الذي تواصل إسرائيل بناءه في المدينة عزل وسيعزل 80-90 ألف ساكن فلسطيني في المدينة وضواحيها وامتداداتها خارج الجدار، وهو ما من شأنه أن يخلق مشكلات جمة لما يقرب من نصف سكان القدس العرب في كل اوجه حياتهم: سواء على صعيد السكن أو التعليم أو الخدمات أو نيل الحقوق المكتسبة موضوعياً أو مساحات الحركة أو العمل وتعقيدات النقل اليومي كما يمس بالروابط وبالعلاقات " الإجتماعية والإنسانية.

ويشير حلبي إلى أن مترتبات الجدار "ترسم من جديد حدود المدينة ضمن رقعة جغرافية أوسع لإسرائيل مع عدد أقل من الفلسطينيين، ويخدم الجدار هدف تأمين السيطرة على الأرض وعلى الإنسان الفلسطيني "فيما "سيؤدي الجدار لخلق فاصل فيزيائي واضح بين "الداخل " و"الخارج" الأمر " الذي سيحرم آلاف الفلسطينيين المقدسيين من حق الاقامة في القدس اذا استمروا في العيش خارج الجدار وخارج الحدود البلدية لها مدة سبع سنوات أو يزيد  ".

3- خلاصة أساسية
إن استعراض مختلف التطورات والأحداث والاجراءات والممارسات التي قام بها الاحتلال الإسرائيلي في القدس على مدار واحد وأربعين عاماً بالتحديد، وفي مجالها الغربي منذ أكثر من ستين عاما، علما وان  الوقائع الإسرائيلية أعمق من ذلك زمنياً وتمتد حتى مطالع القرن العشرين، تشير إلى أمر أساسي، وهو، أن دولة إسرائيل ومنذ إحتلالها للقدس قد أنجزت مجزرة موروفولوجية لا زالت متواصلة بحق المدينة كمجال وبحق سكانها الأصليين، مجزرة قامت  على تأويل خاص بإسرائيل للدين والتاريخ والرموز والحقوق والمصالح وكيفية تركيبها في الوعي وفي الواقع وعلى الأرض، واستندت هذه العملية  لحق القوة وقوانينها وإجراءاتها.

إن منطق السياسة الإسرائيلية إزاء القدس بكافة أبعادها، قد قام على أساس الإستبعاد والإستئصال والحصار وجعل الضمور والضيق ومنع التطور ومحاصرة الامتداد الفيزيائي والديمغرافي هي الأفق الوحيد أمام سكناها الأصليين، ويمكن أن نتخيل حجم التغيرات والتداعيات والتأثيرات القاسية التي تركتها هذه السياسة في حياتهم ومجالهم وتصوراتهم:- اجتماعياً وإنسانياً واقتصادياً وسياسياً ووجدانياً ووجودياً. وإن إحصاء ومعاينة نتائج ممارسات إسرائيل في مجالهم المشوه وحياتهم المعقدة  قد لا تحتاج لبذل جهود مضنية لتتبعها.

ويكمن جوهر المفارقة المركبة التي تعيشها القدس وسكانها الأصليين، في رؤية الاحتلال الإسرائيلي لهم كمشكلة بنيوية وجوهرية أمام استراتيجيته الساعية لتحقيق وجود إسرائيلي حاسم ومطلق فيها، واكتساحها كفضاء وكمعنى وكرمز، والاستحواذ عليها على أوسع نطاق ممكن، أما سكانها الأصليون وفق هذا المنطق فيمكن "تحويلهم لأجناس مقهورة ومستبعدة " كما يقول إدوارد سعيد، وأما حقوقهم- حتى وفق القانون الدولي الذي لا زال ينظر للقدس كمنطقة تقع وسكانها تحت الاحتلال- فإن منطق العزل الإسرائيلي يتكفل بالفصل بين الكائن و حقوقه وبتجريده منها أيضاً.

بيد أن ما قاله الهندي الأحمر يوما للأبيض الغالب يصلح للقول هنا أيضاً لا، "لن يخلو الإسرائيلي لنفسه في القدس أبداً" القدس التي تشكل تاريخها منذ أمد بعيد، من خلال الصراع بين رموز ومعان وأحقيات وأطراف ومصالح تشتبك على الأرض، ولكنها في نفس الوقت تستند إلى عنان السماء وأعماق التاريخ. وقد أظهرت الثقافات المتصارعة بشأن القدس وامتلاكها واحتكار معناها، ضراوة وعنادا في إعادة إنتاج نفسها، على غرار ما نشهده حالياً في دراماً حديثة لا زالت لم تصل خواتيمها بعد.
---------------------------------------
*أستاذ مساعد في علم الاجتماع –جامعتي القدس المفتوحة وبيت لحم - فلسطين.


المراجع
- أبو لغد؛ ابراهيم: الثقافة الفلسطينية وسياسة إسرائيل، فصلية الكرمل عدد 5، بيروت.- 1982
- بيان نويهض الحوت: فلسطين: القضية، الشعب، الحضارة، الطبعة الأولى.- بيروت، دار الاستقلال للدراسات والنشر، 1991
- تقرير "مشروع الدراسات القطاعية المتعددة للقدس الشرقية، الصادر عن جمعية الدراسات العربية بالقدس، 2003
- جينيه؛ جان: أحاديث عن الثورة الفلسطينية، مجلة شؤون فلسطينية عدد 16، 1972
- حلبي؛ أسامة: الوضع القانوني لمدينة القدس، ومواطنيها العرب، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 1997.
- حلبي؛ أسامة: حدود المكان ووجود الانسان: البعدان الجغرافي والديمغرافي في سياسة إسرائيل ازاء شرقي القدس في سياسة إسرائيل 1967-2000، مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الانسان، رام الله 2001
- حلبي؛ أسامة: القانون والقضاء الإسرائيلي أداتان لتحقيق أهداف سياسية، المراحل الأساسية في تثبيت السيطرة الإسرائيلية على مدينة القدس وتجاهل القانون الدولي، الصادر عن الائتلاف الأهلي للدفاع عن حقوق الفلسطينيين في القدس، تموز 2006.
- سعيد؛ إدوارد: تجربة الاستلاب، فصلية الكرمل، عدد3، بيروت، 1981,
-شاحاك؛ إسرائيل: الديانة اليهودية وموقفها من الأخر، فصلية بيادر، عدد6، دائرة الثقافة م.ت.ف 1991.
-  صنبر؛ الياس: بلاد تنتقل، فصلية الكرمل، عدد 49- 1994.
-  غارودي؛ روجي: ملف إسرائيل: دراسة في الصهيونية السياسية، ترجمة كامل مصطفى فوده الطبعة الثالثة، القاهرة، دار الشروق، 1984.
- فرومكين؛ دافيد: سلام ما بعده سلام، ولادة الشرق الأوسط 1914-1992، الطبعة الآولى، لندن – نيفوسيا: دار نجيب الريس للكتب والنشر،1992.
-  محافظه؛ على وآخرين: القدس عبر التاريخ، طبعة تجريبية (د.ن) 2001.
- مصالحة؛ نور الدين: طرد الفلسطينيين: مفهوم الترنسفير في الفكر والتخطيط الصهيوني 1882-1948، الطبعة الأولى، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1993.
-BENVENISTI Miron: Jerusalem: the Torn city, (Jerusalem Israetypest. ltd.1976)
- D.u.Segre:ِ A crisis Of Identity: Israel and Zionism, oxford, oxford  university Press ,1980


2011-01-28 13:25:58 | 2468 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية