التصنيفات » دراسات

بسبب ذخائر الفسفور و"الدايم" في غزة.. الإنسان والمياه والحيوانات في دائرة الخطر (بقلم: محسن الإفرنجي)



  
يتفجر في الهواء ويترسب في التربة أو قيعان الأنهار والبحار أو حتى على أجسام الأسماك، محدثا أضرارا خطرة بأشكال مختلفة لدرجة أن من يأكل هذه الأسماك أو يسبح في المياه الملوثة به، أو يلمس تربة مترسب عليها يصاب بأضرار فادحة...إذا كانت هذه الأضرار الناجمة عن الإصابة بالفسفور الأبيض تصيب الأرض وتدمر التربة وتلوث الهواء والماء فكيف تبدو تأثيراتها على الإنسان وأنسجته وخلاياه؟
سؤال حاول الإجابة عليه الأستاذ الدكتور سمير عفيفي المحاضر في قسم البيئة وعلوم الأرض بالجامعة الإسلامية من خلال تقرير علمي أعده حول الفسفور الأبيض ومتفجرات المعدن الكثيف الخامل "الدايم" في  الحرب الإسرائيلية "الوحشية" على غزة.
ويقول د.العفيفي: "تكمن الخطورة القصوى الناتجة عن استخدام هذه الذخائر في الآثار الجانبية كالتلوث جراء المعادن الثقيلة التي تتسبب حتميا في الإصابة بأغلب أشكال السرطان المعروفة طبيا لدى الجرحى بحيث أن جزيئات هذه المعادن تتسبب على المدى القصير في ظهور تحولات ورمية لدى المصابين".
وأكد أن قوات الاحتلال استهدفت مباشرة أغلب معامل البحث و التحليل الطبي و العلمي في غزة و دمرتها بغية قطع الطريق على كل أشكال البحث العلمي الذي قد يظهر أو يفضح حقيقة استخدامها لهذه الذخائر المرعبة في مناطق ذات كثافة سكانية عالية.
وأضاف: "الذخائر الإسرائيلية تزيد بشكل حتمي من نسبة خطورة الإصابة بأشكال جديدة ومتعددة من مرض السرطان في صفوف سكان المناطق التي تعرضت للقصف"، خاصة إذا علمنا أن المعادن الثقيلة كالتنجستين والكوبالت والنيكل والحديد، تتركز بشدة في طبقات الأرض و تتسرب إلى المياه الجوفية مما يعني إمكانية تسربها إلى البشر من خلال المزروعات و المحاصيل و كذلك إلى الحيوانات، كما تلتصق بالمباني في محيط الأماكن التي قصفت".
ووفقا للباحث د. العفيفي فإنه في حال تعرضت منطقة ما للتلوث بالفسفور الأبيض "يترسب في التربة أو قيعان الأنهار والبحار أو حتى على أجسام الأسماك، ونتيجة لذلك قد يتعرض الإنسان للضرر إذا ما أكل اسماك مترسب عليها الفسفور الأبيض أو السباحة في المياه الملوثة به، أو لمس تربة مترسب عليها الفسفور الأبيض".
وعند إطلاق قنابل الفسفور الأبيض في مناطق حربية أو سكنية مغلقة أو ضيقة كالخنادق أو الحفر فإنه "يتفاعل مباشرة مع الأكسجين الموجود في المنطقة مسببا نقصا شديدا في الهواء الصالح للتنفس، مما يسبب الاختناق لكل الكائنات الحية المتواجدة في نطاق الأبخرة".
والفسفور الذي اكتشف في سنة 1669 عنصر كيميائي اشتق اسمه من الكلمة اليونانية "فوسفوروس" phosphorus، أي حامل الضوء، وهو الاسم القديم لكوكب الزهرة عند ظهوره قبل مغيب الشمس.
وقد استخدمت قوات الاحتلال الأمريكية في العراق القنبلة الفسفورية في مدينة الفلوجة عام 2004م كما استخدمته قوات الاحتلال الإسرائيلي  في حربها ضد لبنان عام 2006م وتوجت باستخدام هذا السلاح على قطاع غزة عام 2009.
مخاطر "مرعبة"..!
ولكن ما طبيعة الأضرار الناتجة عن التعرض المباشر للفسفور الأبيض؟ يقول د.العفيفي: "عند تعرض جسم الإنسان للفسفور الأبيض يحترق الجلد واللحم فلا يتبقى إلا العظم، ويبدو الحرق الناجم عنه بالإجمال كموضع يموت فيه النسيج ويصبح لونه ضارباً للأصفر ويُصدر رائحة شبيهة بالثوم الفاسد، وهو يذوب في الدهن بسهولة وينفذ في الجلد بسرعة، وينتقل عبر أنسجة الجسم المختلفة مما يتسبب بتأخير شفاء الإصابات".
وتنفس الفسفور الأبيض لفترة قصيرة ربما يسبب "السعال وتهيج القصبة الهوائية والرئة أما تنفسه لفترة طويلة فيسبب جروحا في الفم وكسر عظمة الفك كما يسبب أضرارا بالغة للكبد والقلب والكلى" إلى جانب أن العينين هما أكثر مناطق جسم الإنسان تأثراً به لدرجة قد تؤدي إلى فقد القدرة على الإبصار تماما.
والحبيبات المنصهرة من هذه المادة قد "تنغمس في جلد الضحية منتجة حروقاً متعددة وعميقة وبأحجام مختلفة، كما تستمر في الاشتعال ما لم يتم عزلها عن أكسجين الهواء عبر غمرها بالماء أو عزلها عن الهواء باستخدام الوحل أو قماش مبلول" وفقا للباحث العفيفي.
وبالنسبة للفسفور في القانون الدولي فالمادة الثالثة من اتفاقية جنيف المتعلقة بأسلحة تقليدية معينة تحظر استخدام الأسلحة الحارقة ضد الأهداف المدنية كما تحد من استخدام تلك الأنواع ضد الأهداف العسكرية المتاخمة لمواقع تركز المدنيين، إلا أن ذلك ينطبق على القنابل التي تسقطها الطائرات وليست تلك المقذوفة من المدافع كما حدث في الفلوجة بالعراق.
غير أن مسئولا في الصليب الأحمر الدولي حاول التقليل من خطورة استخدام إسرائيل للفسفور على عكس ما أثبتت منظمة "هيومن رايتس ووتش" التي أكدت استخدام قوات الاحتلال للأسلحة الفسفورية التي "تصيب بحروق مؤلمة وقاتلة ومن الصعب الابتعاد عنها أثناء هجومها على غزة".
متفجرات الدايم(DIME)
وماذا عن متفجرات المعدن الكثيف الخامل (الدايم DIME) فيشير د.العفيفي إلى أنها تتميز بالقدرة على القتل الفوري لكل الأشخاص الموجودين على بعد أربعة أمتار من وقوع الانفجار لكنها تلحق إصابات بالغة بالأشخاص الذين يبعدون مسافة أكبر، من بينها بتر الأطراف بسبب قدرة الشظايا على اختراق العظام والأنسجة، مع احتمال الإصابة لاحقا بما يعرف باسم "سرطان الأنسجة".
وغالبا ما تظهر آثار حروق عميقة تصل إلى العظم لاسيما عند مواقع الأطراف المبتورة مباشرة بسبب التعرض لهذا النوع من المتفجرات، فضلا عن تهتك في الأنسجة والأوردة والشرايين مما يتسبب في حدوث نزف دموي كبير في العضو المصاب.
ونقل عن الأطباء في قطاع غزة مشاهداتهم لجروح غريبة عبارة عن بتر كامل لأعضاء الجرحى يترافق مع حروق شديدة في منطقة البتر وبدون آثار شظايا محذرين من المخاطر النادمة عنه لاحتوائه على مواد "مسرطنة" بشكل كبير وعلى درجة عالية من الخطورة على البشر والطبيعة معا.
وفيما يتعلق بتأثير "الدايم" المباشر على صحة الضحايا والبيئة قال د.العفيفي: "تؤثر هذه النوعية من الذخائر بقوة شديدة على الكائنات الحية والأنسجة اللينة كالجلد والعضلات والعظام و كل ما يتشكل أساسا من الماء في دائرة نصف قطرها أقل من 10 أمتار".
أما الإصابات شبه المستعصية العلاج، وبصفة عامة فتؤدي إلى بتر الأعضاء المصابة بشكل مؤكد و مباشر، في حين تكمن الخطورة القصوى الناتجة عن استخدام هذه الذخائر في الآثار الجانبية مثل "التلوث جراء المعادن الثقيلة التي تتسبب حتميا في الإصابة بأغلب أشكال السرطان المعروفة طبيا لدى الجرحى بحيث أن جزيئات هذه المعادن تتسبب على المدى القصير في ظهور تحولات ورمية لدى المصابين".
ولا تتوافر "معلومات موثقة حول أضرار ومخاطر متفجرات "دايم" إلا أن بعض البحوث العلمية نجحت في الإشارة إلى وجود مخاطر صحية مستقبلية ترتبط بالخليط المتجانس من معدن "التانجستين" الثقيل عند من يتعرضون لهذا النوع من المواد".
وأظهرت دراسة علمية إلى أن الشظيات المجهرية التي تنتج عن هذا النوع من المواد المتفجرة، قد تستقر في الأنسجة المتأثرة، لتتسبب في إصابة الفرد لاحقاً بنوع نادرٍ من الأورام السرطانية.
وتشير هذه الدراسات إلى أن السمية العالية لخلائط التانجستين ودورها في الإصابة بالسرطان يعود أصلا لاستخدام معدن النيكل، فيما أشارت إلى أن التانجستين النقي أو أوكسيد التانجستين الثلاثي يعتبر أحد العوامل المسببة للسرطان، علاوة على خصائص سمية أخرى.
حقول تجارب ..بشرية!
صحيفة "الإندبندنت" البريطانية كانت قد كشفت النقاب عن استخدام الجيش الإسرائيلي نوعا جديدا من القنابل التي تسبب إصابات قاتلة عجز الأطباء عن تشخيصها حيث نقلت عن طبيب نرويجي يعمل في مستشفيات غزة قوله إن "القنابل الجديدة والتي تعرف باسم دايم مصممة لإحداث انفجار ضخم في مساحة صغيرة‏،‏ وتعتبر نسخة من القنابل صغيرة القطر التي تستخدمها القوات الأمريكية حاليا في العراق"‏.‏
وأشار الطبيب النرويجي إلى أنه يعمل في مناطق الحروب منذ‏30‏ عاما ولكنه "لم ير مثل هذه الإصابات من قبل‏،‏ متهما إسرائيل بتحويل غزة إلى حقل تجارب للسلاح الفتاك الجديد‏.‏
وجاء استخدام هذا السلاح رغم أن اتفاقية جنيف تمنع استخدام الأسلحة التي تحدث "إصابات زائدة وغير ضرورية"، كما تنص على معاقبة من يتسبب في إحداث "إصابات جسدية وصحية خطيرة عند المدنيين". وينص البند 147/الجزء الرابع من اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص والمدنيين وقت الحرب، على "محاكمة الأشخاص المتورطين في انتهاك الاتفاقية "بالإقدام على أي من الأفعال الآتية، بحق أشخاص أو ممتلكات محمية بموجب هذه الاتفاقية وهي؛ القتل العمد، التعذيب، المعاملة اللاإنسانية، بما في ذلك التجارب البيولوجية، التسبب بالمعاناة أو الإصابات الجسدية أو الصحية الخطيرة".     16 اّذار 2009
* صحافي ومحاضر في الإعلام في الجامعة الإسلامية- غزة. -
almajd_press@yahoo.com

2009-03-20 10:22:21 | 2291 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية