التصنيفات » دراسات

تأثير الحصار الإسرائيلي على الواقع الاجتماعي والاقتصادي والنفسي للفلسطينيّين في قطاع غزة


د. رياض علي العيلة
د. جهاد جميل حمد

المقدّمة:
لقد كان من أخطر الأحداث التي شهدتها القضية الفلسطينية في المرحلة الأخيرة: سياسة الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني. هذه السياسة التي تبنّتها ومارستها "إسرائيل" من أجل عزل الأراضي الفلسطينية، رغم كلّ التنديدات والمناشدات العربية والدولية، تحت ذرائع عديدة؛ منها "الإجراءات الأمنية"، "سلطة حماس غير الشرعية"، وغيرها، التي تقضي بمنع دخول الفلسطينيين إلى "إسرائيل" دون رقابة.
ورغم أن سياسة "الحصار" هي فكرة قديمة وردت على لسان بن غوريون، كما وضع موشيه شاحال خطّة لتنفيذها أثناء تقلّده منصب وزير الأمن الداخلي في مطلع العام 1994، بعدما قال رئيس الوزراء الأسبق إسحاق رابين "أخرجوا غزّة من تل أبيب"، إلاّ أن رئيس وزراء الكيان أرييل شارون هو أوّل من وضع هذه الخطّة قيد التنفيذ. وكان ذلك في منتصف عام 2002، عقب فشل عملية "السور الواقي" في القضاء على البنية التحتية للمقاومة، وبعد تمكّن الأخيرة من ضرب أهداف في العمق الإسرائيلي رداً على تلك العملية .
وبسبب هذه الإجراءات الإسرائيلية، ومنذ ذلك الحين، يتعرّض الشعب الفلسطيني لأبشع أساليب القمع والاضطّهاد من قبل الاحتلال الإسرائيلي، المتمثّلة في الاعتداءات المنظّمة والمستمرّة على الأراضي الفلسطينية، وما يتبعها من إجراءات انتهت بالحصار الاقتصادي الظالم على قطاع غزّة من خلال إغلاق المعابر التجارية ومعابر السفر للخارج (معبريْ رفح وبيت حانون)  .
وقد تعدّى الأمر ليصل حدّ انتهاج إسرائيل لسياسة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، بالترافق مع قيامها بحرمان الإنسان الفلسطيني من أبسط حقوقه الإنسانية كالحرّية والاستقلال، وحتّى من أبسط الخدمات الأساسية كالتعليم والصحّة وحقّ العمل وحقّ الحياة، مع حرمانه من شعوره بإنسانيته ومن حرّية الحركة في وطنه وأرضه المقطّعة الأوصال.
لمحة تاريخية:
كما هو معلوم، فإن حجم وبنية المشروع الصهيوني الاستيطاني لم يتحقّقا منذ بداية وجود الكيان غير الشرعي على فلسطين التاريخية. ولم تحقّق كلّ المشاريع الإسرائيلية الاستيطانية منذ ذلك الحين الأهداف التي وضعها المخطّطون للاستيطان والساسة في إسرائيل، بدءاً بالأفكار الداعية إلى إحضار المزيد من المستوطنين من جميع أرجاء العالم، للتأثير على الوضع الديمغرافي لفلسطين التاريخية، إلى مشاريع القضاء على المقاومة والقضية الفلسطينية، مروراً بخطط الانفصال والعزل أحادية الجانب، وانتهاءاً بسياسة الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني. لقد كان هدف المشروع الصهيوني – الذي تجسّد في قيام الكيان - جلب الملايين من المستوطنين إلى فلسطين، وهو مستمرٌ في تكريس هذه السياسة القديمة – الجديدة، والتي دعت إلى جلب 4 ملايين مستوطن إلى الضفة الغربية والقدس خلال الأعوام (86 – 90 - 94 – 98 – 2002)، وحتّى العام 2007 .
لقد أظهر الكيان الاستيطاني، عجزه البنيوي عن رسم معالم التسوية النهائية، سواء من حيث موارده الطبيعية أو موقعه الجغرافي وعدد سكّانه. وقد جلبت مرحلة "أوسلو" معها ترتيباً جديداً للأولويات "القومية الإسرائيلية"، الأمر الذي دفع رابين إلى عرض تقسيمه الشهير للمستوطنات بين مستوطنات سياسية وأخرى أمنية؛ معتبراً أن هذا التحديد سيشكّل قاعدةً للفصل ما بين المستوطنات وبين السكّان الفلسطينيين في المناطق المحتلّة. وقد كانت هذه هي المرّة الأولى التي يدخل فيها تعبير "الفصل" في الخطاب السياسي الرسمي الإسرائيلي. ومن الملاحظ أنه قبل ذلك الوقت قدّمت فكرة "الفصل" من خلال مشاريع استيطانية، مثل مشروع "النجوم السبعة" الذي قدّمه "أريك شارون" في العام 1973؛ كما قدّم "موشيه شاحال" وزير الأمن الداخلي، في العام 1994، مشروعاً لتحقيق الانفصال عن الفلسطينيين من خلال بناء جدار يحمي المستوطنات ويحول دون سيطرة الفلسطينيين على المزيد من الأراضي من خلال أيّ اتفاقات تسوية في المستقبل. وكلّ ذلك كان يدفع في نفس الاتجاه الاستيطاني، حيث لم تدّخر إسرائيل جهداً في سبيل تسريع وتصعيد وتيرة تنمية المستوطنات وتوسيعها وبناء الطرق الالتفافية، وذلك بهدف البدء عملياً بتطبيق فكرة الانفصال، مع إبقاء الجسم المركزي للاستيطان تحت السيادة الإسرائيلية؛ حيث أن كلّ ما تقدّم خلق حالة جديدة على الوضع الفلسطيني، ممّا يتطلّب التعامل معها على المستويات المختلفة، ومنها: المستويات الاجتماعية والنفسية والمستويات السياسية والاقتصادية .
ولم تقتصر الاعتداءات المنظّمة التي تقوم بها إسرائيل على الأراضي الفلسطينية، بل صاحبها اعتداء على السكّان المدنييّن وممتلكاتهم في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث قامت بتدمير المؤسسات والمصانع والمنشآت الاقتصادية وتجريف المزارع واقتلاع الأشجار والاعتقالات المستمرّة والقتل العمد، ما ألحق أضراراً بالغة وشديدة الأثر على الوضع النفسي والاجتماعي للسكّان وعلى الاقتصاد الفلسطيني، الذي أسهم في تكبّد المواطن الفلسطيني خسائر فادحة موزّعة ما بين خسائر اقتصادية مباشرة وغير مباشرة، أسفرت عن تضرّر كافّة القطاعات الاقتصادية المكوّنة للناتج المحلي، وما نتج عنها من خسائر لحقت بقطاع العمل والعمّال.
ومع اندلاع انتفاضة الأقصى (2000)، وصولاً إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية وما تمخّض عنها من نتائج، لم تقنع الدول المهيمنة في منطقة الشرق الأوسط والعالم، قامت إسرائيل – وبدعمٍ دولي- بتشديد الخناق على قطاع غزة من خلال إحكام سيطرتها على جميع منافذ ومعابر القطاع، الأمر الذي ترك آثاراً مدمّرة على مناحي الحياة للفلسطينيين فيه، وتدهورت أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، ما وضع مصير الشعب الفلسطيني على حافّة الانهيار بمستويات لم تعهدها الشعوب من قبل. لقد شكّل هذا الحصار شكلاً من أشكال العقوبات الجماعية وأعمال الانتقام التي تقترفها قوّات الاحتلال الإسرائيلي ضدّ الفلسطينيين، وانتهاكاً صارخاً لقواعد القانون الدولي الإنساني والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وقد لوحظ من جرّاء الحصار بعض التغيّرات النفسية والاجتماعية على أطفال فلسطين من جميع الأعمار والفئات، ما اضطرّ العديد من المتخصّصين والباحثين إلى دراسة نفسية وعقليّة الطفل الفلسطيني وأنماط تنشئته ومظاهر نموّه المختلفة في ظلّ مثل هذه الظروف الصعبة، خاصّة وأن الإسرائيليين لم يبقوا وسيلة إلاّ واستخدموها ضدّ الفلسطينيين. فهم استخدموا الأسلحة الفتّاكة وأساليب الحصار وقطع الطرق وسياسات الحرمان والتجويع ومنع التجوال وغير ذلك، ممّا كان له الأثر البليغ على مظاهر الحياة المدنية المعتادة في الأراضي الفلسطينية، وبشكلٍ خاصٍ في قطاع غزة.
هذا ناهيك عن المضايقات والممارسات التي أحدثت آثاراً سلبية في نفسية المواطن، وتحديداً نفسية الطفل الفلسطيني في قطاع غزة، والتي من أهمّها:
الحرمان من الحقّ في التعليم:
مع أن المواثيق والأعراف الدولية تنادي أو تنصّ على حقّ الطفل في التعلّم والتعليم، إلاّ أنه، ونتيجة لسياسة الاضطهاد والعقاب الجماعي التي مارستها وما زالت تمارسها إسرائيل، حرِم العديد من الأطفال الفلسطينيين من نصيبهم من الحدّ الأدنى في التعليم؛ وذلك جرّاء عدم تمكّن العديد من الطلبة والمعلّمين من الوصول إلى مدارسهم بسبب الحصار المفروض على القرى والمخيّمات والمدن تارة، وبسبب فرض نظام منع التجوال تارة أخرى، أو جرّاء قيام سلطات الاحتلال باستباحة حرمات الصروح التربوية والتعليمية متّخذة منها مقرّات عسكرية؛ فقد تكرّرت مثل هذه الأعمال مرّات عدّة خلال العام الدراسي الواحد، مع ما كان يترافق مع كلّ اجتياح من مظاهر العنف والترهيب الموجّهة ضدّ الأطفال.
صعوبة الوضع الاقتصادي:
بسبب الإجراءات الإسرائيلية التعسفيّة والقمعيّة، تأثّر كثيراً الوضع الاقتصادي للمواطن الفلسطيني؛ حيث ارتفع عدد الذين يعيشون تحت خطّ الفقر؛ ومع الأخذ بالاعتبار أن 50% من أبناء المجتمع الفلسطيني هم أطفال دون سنّ السادسة عشر عاماً، ندرك حجم المأساة. ومع تزايد إجراءات التضييق على الشعب الفلسطيني، يتبيّن لنا بوضوح حجم تلك الآثار السلبية المترتّبة على تردّي الأوضاع الاقتصادية على نفسية المواطن والطفل الفلسطيني، بحيث باتت الكثير من العائلات الفلسطينية غير قادرة على تأمين لقمة العيش الكريم.
الحرمان من الرعاية الصحّية والاجتماعية وتدمير المنازل:
لجأت سلطات الاحتلال الإسرائيلي إلى سياستها القديمة - الجديدة، والمتمثلّة في هدم وتدمير المنازل، مستخدِمة في ذلك أصابع الديناميت والطائرات والدبّابات والجرّافات الحديثة المتطوّرة، ما اضطرّ آلاف العائلات الفلسطينية لتغيير أماكن سكنها. وبالتالي، أثّر ذلك على الحالة النفسية والاجتماعية التي تعيشها مثل هذه الأسر والعائلات المنكوبة وبالأخصّ منها الأطفال، ما أدّى إلى نوعٍ من عدم الاستقرار المعيشي والسكني، وبالتالي، خلق حالات من التصرّف والسلوك غير الطبيعي وغير المسؤول من جانب الطفل الفلسطيني.
وإذا ما نظرنا إلى تلك الاجراءات التعسفية، والوضع الاقتصادي السيّء المفروض على الشعب الفلسطيني، ندرك نوعية تلك الخدمات المتعلّقة بالرعاية الصحّية والاجتماعية التي يتلقّاها أطفال فلسطين، ضمن أجواء الجرح والقتل وسياسات التشريد والحصار.
مشكلة الدراسة:
تتمثّل مشكلة الدراسة في التساؤل الرئيسي الآتي: ما تأثير الحصار المفروض على الوضع الاجتماعي والنفسي والاقتصادي للفلسطينييّن في قطاع غزة؟ وما تداعيات سياسة الحصار المفروض على المجتمع الفلسطيني؟ ويتفرّع من هذا التساؤل الرئيسي التساؤلات الفرعية الآتية:
1. ما هي الأزمات النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي نتجت عن سياسة الحصار المفروض؟
2. ما هي الوسائل الكفيلة القادرة على تجاوز هذه الأزمات؟
3. ما هي الآثار الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية التي نتجت عن سياسة الحصار المفروض على المجتمع الفلسطيني؟
4. إلى أيّ مدى يُعتبر توفير الاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي النفسي عاملاً مساهماً في تعزيز صمود المواطن الفلسطيني ومقاومته للاحتلال الإسرائيلي؟
أهداف الدراسة:
تهدف الدراسة إلى إلقاء الضوء على التطوّرات المتلاحقة التي حدثت في المجتمع الفلسطيني منذ فرض الحصار وتشديده، وتحديد طبيعة التراجع الذي لحق بالحقوق الاجتماعية والثقافية للأفراد، عن طريق التحكّم في حرّية الحركة والتنقّل والسفر داخل وخارج فلسطين، الأمر الذي أدّى إلى تعرّض صحّة الأفراد للخطر وحتّى الموت في كثيرٍ من الأحيان. كذلك كيف أسهم الحصار في إرباك العملية الإنتاجية والاستثمار العام والخاص، الأمر الذي أحدث تشوّهات في سوق العمل الفلسطيني حيث أصبحت البطالة تشكّل ما نسبته 80%، مع نشوء وضع اقتصادي جديد يرتكز على المساعدات والعيش على الكفاف.
وعليه، فإن هذه الدراسة تقوم على تحقيق الأهداف الآتية: 
1)  محاولة التعرّف على تأثير الحصار على الوضع الاجتماعي والنفسي والاقتصادي للفلسطينيين في قطاع غزة، وماهيّة تداعيات سياسة الحصار المفروض على المجتمع الفلسطيني.
2)  الإسهام في معرفة الأزمات النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي نتجت عن سياسة الحصار المفروض.
3)  محاولة التعرّف على الوسائل الكفيلة القادرة على تجاوز هذه الأزمات.
4)  الكشف عن الآثار الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي نتجت عن سياسة الحصار المفروض على المجتمع الفلسطيني.
5)  معرفة إلى أيّ مدى يُعتبر توفير الاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي النفسي عاملاً مساهماً في تعزيز صمود المواطن الفلسطيني ومقاومته للاحتلال الإسرائيلي.
أما أهمّية هذه الدراسة فتكمن في أنها:
1- ذات طابع خاص في موضوعها، وذلك لقلّة الدراسات التي تناولت هذا الموضوع.
2- تلقي الضوء على مشكلة ذات صلة في تأثير الحصار على الوضع الاجتماعي والنفسي والاقتصادي للفلسطينيين في قطاع غزة، وماهيّة تداعيات سياسة الحصار المفروض على المجتمع الفلسطيني.


منهجية الدراسة:
ترتكز منهجية الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي في جمع المعلومات، الذي يقوم على وصف الظاهرة للوصول إلى الأسباب والعوامل التي تتحكّم فيها من أجل استخلاص النتائج.
مفاهيم الدراسة:
الحصار:
هو تدبير حربي تتّخذه دولة محاربة ضدّ دولة أخرى، بقصد حرمانها من كلّ اتصالٍ بالعالم الخارجي. ويتمّ ذلك عن طريق البحر بمنع دخول السفن إلى موانئ الدولة أو الاقتراب من سواحلها أو الانطلاق منها، وعن طريق الجوّ بمنع هبوط الطائرات في مطارات الدولة أو إقلاعها منها، وعن طريق البرّ بقطع اتصالات الدولة بالخارج.
 والحصار هو عمل عدائي تلجأ إليه الدول في حالات الاستعداد للحرب، أو خلال الحرب أو بعد الحرب، من أجل انتزاع مطلب أو تحقيق مأرب أو إكراه الخصم على الرضوخ لأمرٍ معيّن .
المعابــر:
قطاع غزة محاط بستّة معابر من الشمال والجنوب والشرق، وهي بالترتيب (معبر بيت حانون "إيريز"، وناحل عوز، والمنطار "كارني"، وصوفا، وكرم أبو سالم "كيرم شالوم"، ومعبر رفح، وهو المعبر الفلسطيني الوحيد الخاصّ بحركة وتنقّل الأفراد) .
الدراسات السابقة حول الموضوع:
دراسة الدكتور ماهـر تيسير الطباع (2007)، بعنوان "إغلاق معابر قطاع غزة بين العقاب الجماعي والتخبّط السياسي"، حيث هدفت الدارسة إلى توضيح مدى تأثير إغلاق المعابر على قطاع غزة، وسياسة إسرائيل في إغلاق المعابر وسياسة العقاب الجماعي بشكلٍ منتظم، وذلك منذ بداية انتفاضة الأقصى بتاريخ 29/9/2000؛ ودائماً ما تُستخدم إسرائيل ورقة المعابر كوسيلة ضغط على الشعب الفلسطيني لتحقيق أهدافها السياسية والأمنية. كما وتهدف الدراسة إلى توضيح فترات إغلاق المعابر لفترات طويلة التي ألحقت خسائر فادحة بالاقتصاد الفلسطيني؛ كما ارتفعت معدّلات البطالة والفقر بشكلٍ ملحوظ، حيث ارتفعت نسبة من يعيشون تحت خطّ الفقر في عام 2006 إلى 73%، نتيجة للإغلاق. فيما وصلت معدّلات البطالة إلى 55% في فترات الإغلاق.
 

توصيات الباحث:
1- ضرورة العمل على إيجاد حلول جذرية لقضية المعابر، بحيث تعمل على مدار الساعة ودون عوائق، وذلك لتوفير البيئة الاستثمارية للاقتصاد الفلسطيني.
2- مطالبة المجتمع الدولي والمؤسسات والمنظّمات الدولية بممارسة الضغط على إسرائيل من أجل فتح كافّة المعابر أمام حركة الأشخاص والبضائع، لتجنّب الكارثة الإنسانية المحتملة في قطاع غزة.
3- ضرورة العمل الفوري والسريع لإيجاد آلية لإدخال البضائع العالقة في الموانئ الإسرائيلية، كذلك إيجاد آلية سريعة لخروج البضائع الجاهزة والمعدّة للتصدير من قطاع غزة، وذلك لتخفيف الخسائر عن المستورِدين والمصدّرين.
أما دراسة حمدي الخواجا، كامل المنسي (2001)، بعنوان: "الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في فلسطين"، فهدفت إلى:
1- معالجة موضوع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطن الفلسطيني، وتندرج ضمن دراسات التوعية والتثقيف الاقتصادي.
2-  تعريفاً بأهمّ الأهداف الأساسية للشعوب، من حيث حقّ الشعوب على دولها في توفير مصدر رزقٍ لها، وتوفير الحاجات الطارئة والحاجات بعيدة الأمد، مثل العلاج والتعليم والسكن، وإنشاء نظام عادل للضمان الاجتماعي.
3- أوضحت الدراسة أن انخفاض وتيرة الحقوق الاقتصادية في قطاع غزة والضفة الغربية يعود إلى ضعف التشريعات وضعف آليات التطبيق والإشراف، بالإضافة إلى شحّ التمويل العام والخاص على حدٍ سواء، الأمر الذي انعكس سلباً على مستويات المعيشة للأفراد، وبالتالي عدم قدرة الدولة على تلبية احتياجات المجتمع الطارئة والمستقبلية.
وخرجت الدراسة بعدّة توصيات أهمّها:
1-  ضرورة تخفيض النفقات الجارية، وإعطاء الأولوية للحقوق الاقتصادية وخاصّة الضمان الاجتماعي.
2-  ضمان احترام حقوق العاملين وفق ما جاء في معايير منظّمة العمل الدولية.
3-  تفعيل الرقابة على انتهاكات الحقوق العمّالية من قبل المؤسسات الأهلية.
4-  العمل بشكلٍ جادٍ على سنّ القوانين والنُظم الاقتصادية.
5-  تطوير سياسة أجور تنسجم مع غلاء المعيشة.
6-  القيام بحملات توعية بالحقوق الاقتصادية تشمل المواطنين كافّة.
وقد عالجت الدراسة المواضيع السابقة الذكر، مستندة على الإحصاءات المختلفة لعام 1999/2000، مع العلم أن جميع المؤشّرات الاقتصادية قد تراجعت بعد اندلاع الانتفاضة، ممّا يعكس تراجعاً واضحاً في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للشعب الفلسطيني.
وفي دراسة سامر أحمد موسى (2007)، بعنوان: "أزمة إغلاق المعابر في قطاع غزة في ضوء قواعد القانون الدولي الإنساني"، تركيز على الاهتمام الوطني والإقليمي والعالمي بمشكلة ومعاناة العالقين من الفلسطينيين على المعابر جرّاء الحصار الإسرائيلي المتواصل لقطاع غزة، وضرورة إعطائهم الحماية القانونية المطلوبة وفقاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، حيث صدر الكثير من التقارير الميدانية والدراسات القانونية حول معاناة هؤلاء كمدنيّين خاضعين تحت سلطة الاحتلال الحربي. وقد توصّلت جميع هذه الدراسات إلى نتائج متقاربة مفادها أن اعتماد دولة الاحتلال نهج إغلاق المعابر، وخاصّة في وجه المواطنين، أدّى إلى تفاقم الوضع الإنساني لدى مواطني قطاع غزة، ممّا يعتبر في التحليل النهائي عقوبات جماعية مفروضة قانوناً تتسبّب بالألم لا مبرّر لها. وتأتي هذه الأزمة رغم وجود اتفاقية المعابر التي وقّعتها السلطة الفلسطينية وسلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي في الخامس عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 2005، برعاية أمريكية، والتي يصفها البعض بأنها اتفاقية مخيّبة للآمال، رغم أنها غيّرت من بعض الظروف الكارثية السابقة على إبرام هذه الاتفاقية؛ فبدأت فكرة هذه الاتفاقية غداة إعلان إسرائيل انسحابها من قطاع غزة الذي ما هو إلاّ إعادة انتشار لقوّاتها، ما يبقي إسرائيل كدولة احتلال فعلي للقطاع.
التوصيات التي توصّل لها الباحث:
أوّلاً: اختصاصات دولة الاحتلال وفقاً لقواعد القانون الدولي الإنساني:
حيث أكّد على أن دولة الاحتلال ليست مطلقة اليدين في استخدام ما تشاء من القوّة أو الإجراءات أو السياسات في إدارتها للأراضي المحتلّة، ويجب على الدوام أن تراعي إلى أقصى حدٍ مصالح السكّان المدنيين وحماية ممتلكاتهم، وألاّ تغيّر من الوضع القانوني لتلك الأراضي.
ثانياً: حقّ وحرّية التنقّل والحركة للمدنيّين في الأقاليم المحتلّة وفقاً للقانون الدولي:
ضرورة مطالبة المجتمع الدولي والمؤسسات والمنظّمات الدولية بممارسة الضغط على دولة الاحتلال من أجل فتح كلّ المعابر أمام حركة الأشخاص والبضائع، لتجنّب الكارثة الإنسانية المحتملة في قطاع غزة.
أساليب الحصار الإسرائيلي القديمة-الجديدة
تُعتبر الحدود والسيادة عليها من الأولويات لأيّ دولة أو سلطة أو مجتمع في استمرارية حياة مواطنيه وتطوّره، وتواصل هذا المجتمع مع العالم الخارجي. وهنا، في الحالة الفلسطينية من خلال وجود المعابر الحدودية ذات الأهمية الخاصّة لحياة الفلسطينيين، لما تلعبه من دورٍ فعّال في تحديد أبجديات الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي الفلسطيني، الذي يتّصل بالعالم الخارجي عبر هذه المعابر، لاسيّما في ظلّ غياب مقوّمات الدولة الفلسطينية. وهذا بالطبع أثّر كثيراً على طبيعة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية للفلسطينيين، بل وأكثر من ذلك، على مستوى الحلّ السياسي المستقبلي أو فكرة إقامة الدولة واستمراريتها.
ومع اندلاع انتفاضة الأقصى في أيلول/سبتمبر 2000، قامت إسرائيل بتشديد حصارها لقطاع غزة، وأمعنت في سيطرتها على جميع المنافذ والمعابر. وقد خلّفت سياسة الحصار هذه آثاراً مدمّرة على مختلف مناحي الحياة للفلسطينيين، حيث أدّى الإغلاق والحصار إلى خسائر اقتصادية فادحة. فلم تقتصر الإجراءات على تراجع النموّ الاقتصادي في الضفة والقطاع، بل وضعت الاقتصاد الفلسطيني كلّه على حافة الانهيار. وفي الجانب الاجتماعي، تسارع انتشار الفقر وزادت حدّته إلى درجاتٍ غير مسبوقة، بالإضافة إلى ارتفاع معدّلات البطالة إلى نسبٍ غير معهودة. ويُعتبر هذا الحصار شكلاً من أشكال العقوبات الجماعية وأعمال الانتقام التي تقترفها قوّات الاحتلال الإسرائيلي ضدّ الفلسطينيين، كما يُعتبر انتهاكاً صارخاً لقواعد القانون الدولي الإنساني وما يتعلّق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، حيث لم يُبقِِ ذلك العدوان قطاعاً أو فئة ما في المجتمع إلاّ وطالتها يده .
وبالتالي، فإنه ومنذ اللحظة الأولى التي تمّ فيها احتلال فلسطين، وإسرائيل تقوم بإجراءات لا إنسانية وغير مقيّدة، لوضع الفلسطينيين داخل القطاع بأشبه ما يكون داخل سجن كبير ، سعياً لبسط سيطرتها على كامل الأرض الفلسطينية، وتحقيق هدفها بقيام الدولة اليهودية الخالصة! ولم تتوان إسرائيل في استخدام جميع السبُل والوسائل غير المشروعة في تنفيذ مخطّطها، ضاربة بعرض الحائط جميع المواثيق الدولية التي تنصّ على احترام كرامة الإنسان وصيانة حقوقه؛ وذلك من خلال سلسلة من الإجراءات، أهمّها:
• إغلاق كافّة الحدود والمعابر والمنافذ الخارجية التي تربط المناطق الفلسطينية مع العالم الخارجي، بما فيه إسرائيل، حيث تتحكّم إسرائيل بشكل مطلق بحركة مرور البضائع، وتجيّرها لخدمة أهدافها واقتصادها دون أيّ مراعاة للجانب الفلسطيني. وفي سبيل ذلك، هي لا تتوانى عن تكبيد التجّار الفلسطينيين خسائر مادّية فادحة عبر عدم السماح للبضائع الفلسطينية بالخروج من القطاع، أو احتجاز البضائع المستوردة من الخارج في الموانئ الإسرائيلية. كما تستخدم إسرائيل المعابر في تطبيق سياسات العقاب الجماعي ضدّ الفلسطينيين عبر منع دخول متطلّبات الحياة الأساسية لسكّان القطاع، مثل الدقيق ومشتقّات البترول والغاز. وبعد فترات الإغلاق الطويلة للمعابر، تعاني أسواق قطاع غزة من نقصٍ حادٍ في مختلف المواد والبضائع، ويصل الأمر لحدّ المأساة عندما يمسّ النقص بالأدوية وحليب الأطفال.
• الفصل بين شطريْ الوطن (الضفة والقطاع) وتجزئة المناطق والمدن والقرى الفلسطينية وعزلها عن بعضها البعض، حيث تقوم إسرائيل بمنع عشرات الآلاف من العمّال الفلسطينيين من الوصول إلى أماكن عملهم في إسرائيل والاعتداء على بعضهم.
• فرض القيود المشدّدة على الصادرات والواردات من وإلى الأراضي الفلسطينية.
• تدمير إسرائيل لمرافق البنية التحتية الفلسطينية، وقصف المصانع وتجريف المزارع وتدمير المنازل والمرافق العامة، وقتل وجرح الآلاف من الفلسطينيين.
• لإحكام سيطرتها على قطاع غزة، تمنع إسرائيل السلطة الفلسطينية من إتمام العمل في ميناء غزّة البحري، بالإضافة إلى هدم مطار غزة الدولي، وكلّ ما قد يشكّل نافذة للشعب الفلسطيني على العالم الخارجي.
آثار الحصار على الأوضاع الاجتماعية للفلسطينيين:
تمارس إسرائيل التمييز ضدّ الفلسطينيين بالقيود التي تفرضها، حيث أن ذلك يتعارض مع المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، لاسيّما مبدأ المساواة. يقول تقرير دولي: "ليس مقبولاً أن تعامل دولة ما الناس بصورة مختلفة، إلاّ على أسس معقولةٍ وموضوعيةٍ ولبلوغ غرضٍ مشروعٍ مثل حماية النظام العام، حيث أن القيود المفروضة على تنقّل الفلسطينيين غير معقولة وغير متناسبة، وتشكّل تمييزاً يحظره العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري" .
لقد أدّت سياسة الخنق والحصار والانتهاكات التي مارستها – وتمارسها - إسرائيل بحقّ الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، إلى تراجعٍ هائلٍ في مستويات الاستهلاك والدخل والعمل، وإلى انكماشٍ وتشويهٍ غير مسبوق للنشاط الاقتصادي. كما أدّت إلى تدهورٍ خطيرٍ في الحياة اليومية، عكس نمطاً من أنماط محاربة السكان في وسائل عيشهم، حيث امتدّ تأثير الحصار ليستهدف الغذاء والدواء وكلّ احتياجات السكّان من المحروقات، الغاز، مواد البناء والمواد الخام اللازمة للقطاعات الاقتصادية، ما تسبّب في تدهور قطاعات الصحّة والتعليم والعمل والصناعة والتجارة والسياحة ومستويات المعيشة المناسبة، وارتفاع معدّلات الفقر والبطالة.
والمعروف أن الأوضاع الاجتماعية والنفسية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالاقتصاد، وقدرته على توفير مستلزمات الحياة الأساسية للمواطنين من عملٍ ورعايةٍ وضمانٍ اجتماعيٍ يوفّر لهم العيش الكريم. إن تحسّن أو سوء الأوضاع الاجتماعية والنفسية في الأراضي الفلسطينية مرتبط بشكلٍ مباشرٍ بالاستقرار السياسي والاقتصادي. فبعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية الثانية، زادت الإجراءات الإسرائيلية المجحِفة بحقّ الفلسطينيين التي تضمّنت الحصار والإغلاق للأراضي الفلسطينية، ونسف الجسور وتخريب الشوارع ووضع الحواجز على الطرقات ومنع حرّية التنقّل للأفراد والبضائع، ومنع العمّال الفلسطينيين من العمل داخل الخطّ الأخضر، من سوء الأوضاع الاجتماعية التي انعكست على نمط وحياة السكّان فيها، الأمر الذي أدّى إلى تدمير الاقتصاد الفلسطيني الضعيف أصلاً، حيث اعتمدت الأسر الفلسطينية في صمودها ومواجهتها الحالة الاقتصادية المتدهورة والخانقة على عدّة مصادر، وهي الدخل الشهري المحدود، خاصةً في ظلّ غلاء المعيشة، وتخفيض النفقات، وتأجيل دفع الفواتير، والاستدانة من الأفراد، والحصول على مساعدات الأهل والأصدقاء، وبيع النساء ما تملكنه من مصاغ، لعلّ ذلك يخفّف من حدّة الفقر والعوز. لكن هيهات هيهات، حيث لم تفلح كلّ هذه المصادر حتّى في توفير الحدّ الأدنى من احتياجات الأسر الفلسطينية التي زاد طلبها للمساعدات.
ولقياس مدى تدهور الأوضاع الاجتماعية في قطاع غزة، علينا النظر إلى عددٍ من المؤشّرات التي ترتكز على وضع المعابر في القطاع، وواقع القوى العاملة والعمّال وحجم البطالة، إضافة إلى أسعار المستهلك والأجور والإعانة والفقر بجانب دخل الأسرة وإنفاقها.
تأثير الحصار على الواقع الصحّي في قطاع غزة:
تُعتبر الاحتياجات الصحّية للأفراد لبّ الدفاع عن حقوق الإنسان، حيث الصحّة حقٌ أساسيٌ من حقوق الإنسان لا غنى عنه من أجل تمتّعه بالحقوق الإنسانية الأخرى.
ومفهوم الحقّ في الصحّة ليس مجرّد انعدام المرض، بل هو اكتمال السلامة بدنياً وعقلياً واجتماعياً ونفسياً. كما جاء في تعريف الصحّة العمومية بأنها "علم وفنّ الوقاية من المرض وإطالة العمر وتعزيز الصحّة والكفاءة النفسية والبدنية من خلال جهود ينظّمها المجتمع لإصحاح البيئة" .
ومع استمرار الحصار الذي يلحِق أضراراً كبيرة بنفسية المواطنين، أطفالاً وشيوخاً وشباباً في قطاع غزة، الذين يواجهون شتّى أنواع القهر والحرمان من أبسط حقوقهم الإنسانية بسبب الانتهاكات اليومية للحصار من جهة، والزيادة السكّانية والكثافة السكانية العالية، ووصول معدّل البطالة والفقر المدقع داخل قطاع غزة على وجه الخصوص إلى مستويات يتعذّر معها حتّى العيش على حدّ الكفاف، مع ضعف إمكانيات وزارة الصحّة لجهة تطوير قطاع الصحّة بالشكل المطلوب من جهة أخرى، ندرك مدى ما يتركه الحصار والإغلاق من تأثيرات خطيرة على حياة الأفراد، وأن ما دمّره الاحتلال يحتاج إلى أموال طائلة وإمكانيات وجهود ضخمة؛ إضافة إلى مشاهدة مظاهر العنف عبر شاشات التلفزة المختلفة، حيث اهتمام الأطفال البالغ لسببٍ أو لآخر بهذا الموضوع. ولربّما في العديد من الحالات، تجري مشاهدة مثل تلك المظاهر مباشرة في شوارع وأزقّة وحارات وأحياء القرى والمخيّمات والمدن الفلسطينيّة، فلا يكاد يخلو يوم من أحداث أو ممارسات دموية يرتكبها الاحتلال بأساليبه القمعية والتعسفية؛ فمنظر الشهيد محمّد الدرّة أو الشهيدة إيمان حجّو لا يزال شاخصاً في نفوس وعقول أطفال فلسطين. كيف لا، وهم من حينٍ إلى آخر يطرحون الاسئلة التي لا تنتهي حول هذا الموضوع، وهو ما يكشف عمّا يختلج في شعور ولا شعور هؤلاء الأطفال من مشاعر الخوف والرهبة والقلق والأرق على الدوام.
وبالرغم ممّا شهده قطاع الصحّة في الأراضي الفلسطينية من تطوّرٍ منذ إنشاء السلطة الوطنية، إلاّ أنه بقي دون الحدّ المطلوب للتمتّع بالحقّ في الصحّة، حيث حالت العديد من المعوقات دون تطوّر قطاع الصحّة، ودون القدرة على تقديم الخدمات للمواطنين بالشكل المطلوب. وعلى رأس هذه المعوقات، ممارسات إسرائيل من حصارٍ وإغلاق؛ ونحن هنا لا يمكننا فهم أبعاد تأثيرات الإغلاق على مناحي الحياة المختلفة في القطاع، ولاسيّما واقع الصحة، دون النظر إلى ما تسبّب فيه الاحتلال من تدميرٍ شبه كامل وانهيار للبنية الصحّية في القطاع، بحيث جعلها عاجزة عن تقديم الخدمات الطبّية الهامة والحيوية كالعمليات الجراحية الكبيرة والدقيقة، ما عمّق من تبعية القطاع في اعتماده على المستشفيات الإسرائيلية وتلك الموجودة في القدس، لإنقاذ حياة المئات من المرضى. وبسبب الإغلاق، فإن هؤلاء المرضى يُحرمون من إجراء عملياتهم أو متابعة العلاج، ونخصّ بالذكر مرضى السرطان ممّا تسبّب في وفاة العديد منهم بسبب الإغلاق، حيث أن هناك صعوبة في تحويل الحالات الحرجة إلى الخارج، سواء إلى إسرائيل أو إلى جمهورية مصر العربية بسبب إغلاق معبر رفح. كما نشير إلى النقص الشديد في الأدوية والمستلزمات الطبّية ونفاذ بعض أنواعها الضرورية لمرضى الصرع والفشل الكلوي.
نحن نعيش اليوم في فترة زمنية هي - من وجهة نظرنا - من أصعب الفترات التي مرّ بها الشعب الفلسطيني، وهو يعاني ويلات الموت والخراب وتقطيع أواصر الشعب الواحد وتفتيته، بالإضافة إلى حرمانه من أبسط حقوقه، وهو الحقّ في الحياة. ماذا بقي لهذا الشعب الذي يقف العالم أمام أوضاعه مكتوف الأيدي، وأنياب الموت والجوع والفقر تفتك به كلّ يوم؟ وكيف له متابعة الصمود وحقوقه تنتهك في كلّ لحظة، في ظلّ صمتٍ عربيٍ ودوليٍ مطبق؟؟؟
تأثير الحصار على قطاع التعليم:
من سمات المرحلة الراهنة لمجتمعنا الفلسطيني – والمجتمعات العربية عموماً - أنها المرحلة الأكثر إظلاماً وتراجعاً وتخلّفاً من كلّ ما سبقها من مراحل في التاريخ المعاصر والحديث، وهي مرحلة تتخمّر فيها العوامل التي تدفع نحو تزايد الأزمات اللاحقة على كلّ صعيد، إذا استمرّ تقاعس قوى وعناصر النهوض والتغيير عن إدراك طبيعة التحدّيات التي تواجهها، وبناء الأطر السياسية المنظّمة كأدوات تغييرية تحدّد كيفية التعامل الإيجابي مع تلك التحدّيات بفاعلية وعمق .
إن المجتمعات بكافّة أشكالها تولي اهتماماً وعناية ورعاية بالتعليم، وذلك من منطلق أن التعليم هو أساس تقدّم المجتمعات ومعيار تفوّقها في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية. وعن طريق التعليم، يكتسب الفرد المعرفة وتقنيّة العصر والقيم والاتجاهات التي تنمّي شخصيته من جميع الجوانب وتجعله قادراً على التكيّف والتفاعل الإيجابي في البيئة التي يعيش فيها.
من جانب آخر، فإن أهمّية الحقّ في التعليم تكمن أيضاً في دوره في التعرّف على الحقوق الأخرى وصيانتها أيضاً، ومعرفة متى تُنتهك هذه الحقوق وكيفية الدفاع عنها. كما يُعتبر الحقّ في التعليم من الحقوق الأساسية التي كفلتها جميع المواثيق الدولية والإقليمية، وقانون حقوق الإنسان وغيرها. وبالرغم من استمرار وزارة التربية والتعليم العالي إلى جانب وكالة الغوث بجهودها في تطوير قطاع التعليم، وهي قامت بجهود في كلّ الاتجاهات كبناء المدارس الجديدة وترميم القديمة، وبناء الصفوف الإضافية وتعيين الكوادر التعليمية اللازمة والمعلّمين، كما قامت بتطوير المناهج وغيرها. لكن رغم هذه الجهود، ظلّ قطاع التعليم مشوباً بالعديد من أوجه الضعف. فبالرغم من زيادة مؤسسات التعليم، إلاّ أنها لم تواكب مقدار الزيادة الكبيرة في عدد الطلبة. كما أن الوزارة لم تولِ قطاع التعليم المهني الاهتمام المطلوب رغم أهمّية هذا النوع من التعليم خصوصاً في ظلّ الحاجة إلى مهنيين متخصّصين، بدلاً من استمرار الزيادة في الطلب على التعليم الأكاديمي الذي أصبح يخرّج الآلاف من الطلاب سنوياً ممّن لا يستطيع سوق العمل استيعاب الجزء الأكبر منهم، وذلك بسبب زيادة التخصّصات المتشابهة. كما بدا الإهمال الواضح في تعليم ذوي الحاجات الخاصة، حيث لا توجد تسهيلات هندسية في مؤسسات التعليم تتيح للمعاقين إمكانيات استخدامها، مع عدم توفّر الأدوات المساعدة مثل أجهزة الكمبيوتر الخاصّة؛ بالإضافة إلى تركّز مؤسسات التعليم العالي في محافظة غزة، ممّا يسبّب تعب وإنهاك وعناء المواصلات، والذي يؤثّر بدوره على التحصيل العلمي للطلاّب.
كلّ هذه الجهود بذِلت من أجل المحافظة على استمرار مسيرة التعليم والنهوض بها، إلاّ أن ممارسات إسرائيل التي انتهجتها أدّت إلى انتهاك حقّ الفلسطينيين في التعليم. فقد عمدت إسرائيل إلى فرض سياسة تجهيل رسمية على السكّان، وسعت إلى عزل مؤسسات التربية والتعليم في الضفة الغربية عن قطاع غزة، حيث يعتمد طلبة القطاع على جامعات ومعاهد الضفة الغربية في مواصلة تعليمهم العالي. ويعود السبب في ذلك إلى صعوبة الدراسة خارج المناطق المحتلّة، وتحكّم إسرائيل في حرّية التنقّل والسفر، حيث يخضع سفر الطلبة في أحيانٍ كثيرةٍ للابتزاز. وبفرض الإغلاق الشامل، حُرِم الطلبة من التوجّه إلى جامعاتهم ومعاهدهم من أجل تكملة تحصيلهم العلمي، ما يؤثّر حتماً على تخرّجهم ومستواهم الأكاديمي.
تأثير الحصار على الوضع الاقتصادي:
لا تقف ملامح الأزمة الاقتصادية في قطاع غزة عند هذا الحدّ. بل إن توقّف وصول قطع غيار الماكينات والسيّارات والمولّدات الكهربائية وغيرها ينذِر بضرب أوشلّ الكثير من القطاعات الخدماتية. فقطاع مياه الشرب والمياه العادمة لعدد من مناطق القطاع عرضة للانهيار، إذا استمرّ حال المعابر على ما هو عليه. ويحذّر مدير مجموعة الهيدرولوجيين الفلسطينيين التي تُعنى بمصادر المياه ومعالجتها من وقوع كارثة بيئية مؤكّدة بمختلف أحواض الصرف الصحّي الموجودة في جميع أنحاء القطاع، ونقص مياه الشرب نتيجة عدم توافر قطع غيار لصيانة الآلات والمعدّات اللازمة لآبار المياه ومحطّات ضخّ مياه الصرف الصحي؛ وقد رافق الأزمات الآخذة بالتفاقم في قطاع غزة ارتفاع أسعار كبير للسلع؛ فإغلاق المعابر التجارية بالكامل منذ منتصف حزيران من العام 2007، أدّى إلى تزايد فقدان السوق المحلّية في قطاع غزة للكثير من السلع والبضائع والمواد الخام التي تلزِم عمل الكثير من القطاعات، والتي تعطلّت جرّاء ذلك. ويقابل تعطّش الأسواق في غزة للكثير من البضائع والاحتياجات الضرورية اللازمة لتسهيل سُبل حياة السكان، اشتعال أسعار معظم البضائع المستوردة أو تلك التي يتمّ استيراد المواد الداخلة في تصنيعها من الخارج. وتشهد أسعار الملابس والأجهزة الكهربائية والهواتف النقّالة وأجهزة الحاسوب وقطع الغيار وغيرها من السلع، ارتفاعاً ملحوظاً. كما يعزو تجّار اللحوم ارتفاع أسعارها بشكلٍ تدريجيٍ خلال الفترة الماضية إلى تناقص الماشية من السوق، ومنع الاحتلال من إدخالها إلى القطاع.

وإضافة إلى ما تقدّم، ثمّة عوامل ضاغطة على الأوضاع الاقتصادية في قطاع غزة، نظراً لكون مجتمع القطاع فتيّاً، حيث يشير الجهاز الإحصائي الفلسطيني في رام الله، إلى أن نسبة الأطفال تمثّل أكثر من 50% من مجموع سكّان القطاع. ومردّ التركيب السكاني هذا، إلى الخصوبة العالية عند النساء في غزة، حيث تتعدّى ستّة مواليد للمرأة طوال حياتها الإنجابية؛ وتبعاً لذلك، يعاني القطاع من أعباء الإعالة العالية أصلاً، حيث تصل إلى ستّة أفراد للفرد العامل. وقد تفاقمت الأوضاع الديموغرافية والاقتصادية نتيجة سياسات الاحتلال الإسرائيلي على مدار فترة الاحتلال، فوصلت معدّلات البطالة إلى نحو 60% من قوّة العمل؛ وكذلك انتشرت حالات الفقر المدقع بين ثُلثي سكان القطاع. وهناك دراسات أخرى تشير إلى أن الأوضاع أكثر مأساوية في المخيّمات نظراً للكثافة السكانية العالية. وتعدّ وفيات الأطفال الرضّع في القطاع من أعلى المعدّلات في العالم، ومن المحتمل أن ترتفع مؤشّرات البؤس بسبب الأوضاع الناشئة بفعل الحصار الإسرائيلي وإغلاق كافّة المعابر المؤديّة إلى قطاع غزة .
تأثير الحصار لجهة تحقيق مستوى معيشي ملائم:
بالرغم من أن حقّ الإنسان في الحصول على مستوى معيشي ملائم يُعتبر نوعاً من أنواع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، كالحقّ في الرعاية الصحّية والتعليم والغذاء، إلاّ أن هناك بعض الجوانب التي تمسّ الحقّ في المستوى المعيشي الملائم بصورة مباشرة، جرّاء انتهاك هذا الحقّ، واستمرار القيود المفروضة على تدفّق إمدادات الغذاء والدواء نتيجة الحصار المفروض على قطاع غزة، حيث يعاني السكان من شحٍ كبيرٍ في المواد الغذائية الأساسية والحيوية. كما انعكس الحصار سلباً على أسعار السلع التي توفّرت بكمّياتٍ محدودة، وشهدت أسواق القطاع ارتفاعاً هائلاً بالأسعار.
إن الحصار المفروض على قطاع غزة يستهدف كلّ ما يمكن أن يسهم في تيسير سُبل العيش للمدنيين الفلسطينيين الذين يعيشون ظروفاً قاسية للغاية.
تأثير الحصار على ارتفاع معدّل البطالة وزيادة نسبة الفقر:
قبل العام 2000، كان نحو (110 آلاف فلسطيني)  من قطاع غزة والضفة الغربية يعملون في إسرائيل، حيث خسر معظم هؤلاء وظائفهم داخل إسرائيل وألغِيت جميع تصاريح العمل. وأعقب خسارة الوظائف في إسرائيل التي تزيد فيها الأجور كثيراً عن الأجور في الأراضي المحتلّة، تراجع الطلب على السلع والخدمات في الأراضي الفلسطينية؛ وواجهت المؤسسات التجارية الفلسطينية مشاكل خطيرة، وعطّلت عمليات الإغلاق استيراد ونقل المواد الخام وسبّبت نقصاً فيها وارتفاعاً حاداً في الأسعار. وتواجه الشركات صعوبة بالغة في تصدير منتجاتها. كما تركت سياسة الإغلاق آثاراً مدمّرة على حقّ الفلسطيني وأسرته في العمل، وعلى حصوله على مستوى ملائم من المعيشة، الأمر الذي كان له الأثر البالغ في ارتفاع معدّل البطالة والفقر بنسبٍ غير مسبوقة. "وقدّر ارتفاع نسبة البطالة والفقر من حوالي 10% في العام 2000 إلى أكثر من 40% في العام 2002، وأكثر من 44% في العام 2007م؛ وبالتالي، سبّبت خسارة الدخل المحقّق من العمل زيادة حادّة في الفقر، وأدّى التراجع الهائل في مستوى المعيشة بين فلسطينيي الأراضي المحتلّة إلى تزايد حالات سوء التغذية". وازداد عدد السكّان الذين بلغوا سنّ العمل (فوق 15 عاماً) بأكثر من 155 ألفاً، وارتفعت نسبة البطالة في صفوف الشباب بشكلٍ كبير ، حتّى وصلت إلى ما يزيد عن 80%.
نضيف إلى ذلك كلّه مدى تأثير الإغلاقات وتقطيع سُبل التواصل بين المدن والقرى داخل البلد الواحد، والفصل بين شطريّ الوطن، على العلاقات الاجتماعية بين المواطنين، حيث أصبح من غير الممكن تنقّل الأفراد من غزة إلى الضفة والعكس، بهدف زيارة أقاربهم وعائلاتهم. ومنع ذلك استمرار التواصل بين الأسر الفلسطينية، ما أدّى إلى تراجع ملحوظ في مدى عمق العلاقات الاجتماعية التي كانت سائدة من قبل؛ ونلاحظ أن الفرق أصبح واضحاً بصورة ملموسة، خاصّة في السنوات الأخيرة، نتيجة استمرار الحصار والإغلاق ووصول الناس إلى حالة من اليأس من تغيير هذا الوضع المرير.
الانعكاسات النفسية للحصار على المواطن الفلسطيني:
صبغ الحصار الذي تعانيه الأسرة الفلسطينية على مدار أشهر الحصار المستمرّ تفاصيل الحياة، ولا سيّما العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع، والتي باتت محكومة بمدى القدرة الاقتصادية؛ بالإضافة إلى تأثير تراكمات الحصار السلبية وجرائم الاحتلال على مجمل الحياة الاجتماعية والنفسية لسكّان قطاع غزة، الذين باتوا يعيشون في دوّامة العنف المغلق نتيجة كثافة وجسامة الضغوط الحياتية التي نجمت عن تردّي الأوضاع المعيشية والاقتصادية، وكمّ الأعباء الهائلة الملقاة على عاتق المواطن، بحيث أوجده الحصار في حالة دائمة من التوتّر والنزاع الأسري والعائلي والعشائري، وعدم الشعور بالأمان وزيادة العدوانية وسرعة الانفعال والغضب وانخفاض الروح المعنوية وفقدان الثقة بالآخرين، ممّا أثّر بشكل كبير على مجمل الحياة الاجتماعية والنفسية للمواطنين في قطاع غزة.

إن حالة الحصار التي فرضها الاحتلال الصهيوني على القطاع انعكست على النواحي الاجتماعية بين الناس، وخلّفت ضيقاً نفسياً يعاني منه الأفراد، خاصّة الأطفال الذين يتأثّرون بتعامل والديهم معهم بمزيدٍ من الضيق والتوتّر الذي يلقي بتفاصيله على مختلف نشاطاتهم وأساليب حياتهم؛ فتجدهم غير قادرين على التركيز، شاردي الذهن، وغير متفاعلين، الأمر الذي يؤثّر على مستواهم وتحصيلهم العلمي. إن التخلّص من تبعات الحصار على الأسرة الفلسطينية، إنما يكون بزيادة القدرة على الصبر والتحمّل، فالحياة لا تسير على وتيرة واحدة من الألم والأذى، وإنما هناك محطّات استراحة تغمر تفاصيل حياة المواطنين في قطاع غزة بالسعادة والأمل .
أما فيما يتعلّق بالخسائر البشرية والنفسية التي تعرّض لها الأفراد، فإنه يصعب حصرها أو تقديرها أو معرفة الآثار المترتّبة عليها، لأن آثارها ستظلّ باقية لسنوات طويلة. وعليه، توجد عدّة أهداف يجب السعي لتحقيقها من أجل تحقيق مؤشّرات التنمية وتحسين الحالة الاجتماعية والنفسية لدى المواطنين، وهي :
• القضاء على الفقر والجوع الشديدين.
• التعليم الابتدائي الشامل.
• المساواة بين الجنسين.
• خفض نسبة وفيّات الأطفال.
• تحسين الصحّة الإنمائية.
• مكافحة الأمراض.
• تأمين المياه الصالحة للشرب.
ولا يتأتّى تحقيق الأهداف السالفة الذكر إلاّ من خلال إيجاد تفاعل اجتماعي ونفساني يدعم المواطن الفلسطيني في المرحلة الراهنة، من خلال دعم الخدمات الاجتماعية المختلفة بما يكفل استمرار توفيرها للشعب الفلسطيني بنوعيةٍ ملائمة. فالحاجة ماسّة لاستمرار الدعم النفسي ولتمويل المؤسّسات الصحيّة الفلسطينية كي تستطيع الاستمرار في توفير الرعاية الصحيّة اللائقة للجميع، وبخاصّة للفئات المتضرّرة والفقيرة؛ كما أن استمرار التحاق التلاميذ بمدارسهم الابتدائية والثانوية بأنواعها أمر حيوي لاستمرار تراكم الرأسمال البشري الضروري للتنمية الفلسطينية الشاملة، ومن خلال المحافظة على استمرار عمل مؤسّسات التعليم العالي الفلسطينية لضمان حصول الشباب على المستوى التعليمي الجامعي اللائق، بما يتناسب مع احتياجات الشعب الفلسطيني، وبخاصّة في ظلّ الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والنفسية الصعبة التي يمرّ بها المواطنون في الأراضي الفلسطينية بشكل عام، وقطاع غزة على وجه الخصوص.
ومن الواضح أن شريحة واسعة من الشعب الفلسطيني التي تأثّرت من سياسة الحصار المفروض، تعاني من أعراض مشكلات نفسية متنوّعة، منها الخوف وعدم الشعور بالأمان والعدوانية والغضب والاستثارة السريعة والاضطرابات النفس جسمانية والإحباط العام وانخفاض الروح المعنوية وضعف التركيز والانتباه والشعور بالاغتراب وعدم الانتماء وفقدان الثقة بالآخرين وشكاوى جسمية متعدّدة وزيادة في اضطرابات ما بعد الصدمة، وخاصّة لدى الأطفال حيث زادت حالات الخوف والهلع وعدم الشعور بالأمان وحالات التبوّل اللاإرادي والتأتأة عندهم.
هذا، وتؤكّد الدراسات أن الهدف الأساسي من الحصار الصهيوني هو زرع الخوف والرعب بين المواطنين. ويجب على الفلسطينيين ألاّ يعيشوا حالة الإحباط واليأس هذه من جرّاء تأثيرات الحصار على مناحي حياتهم، حيث أنه منذ عام 1948 والاحتلال الإسرائيلي يمارس الحصار على الشعب الفلسطيني، وذلك من خلال إنكار وجوده. إلاّ أن الحصار الحالي يشكّل حصارين في آنٍ معاً: حصار داخلي من قبل الاحتلال الإسرائيلي، وحصار خارجي من قبل "المجتمع الدولي"، حيث لا تسمح إسرائيل ولا المجتمع الدولي للشعب الفلسطيني بالخروج وحرّية الحركة من وإلى خارج الأراضي الفلسطينية المحتلّة وتحديداً قطاع غزة، ولا تسمح له أيضاً بممارسة خياراته الديمقراطية التي تجري محاربتها منذ عام 2005. وبالتالي، هناك التداعيات التي نتج عنها اقتتال داخلي وانقسام فلسطيني –فلسطيني أثّر، ومازال يؤثّر، على البنية المجتمعية وعلى العلاقات الأسرية وعلى التواصل بين الفلسطينيين، حيث زادت الكراهية التي فاقمت الصراعات والخلافات المجتمعية.
وكان للحصار الإسرائيلي نتائج نفسية واجتماعية أصابت قطاع العمّل والعمال وأثّرت على العامل الفلسطيني، نظراً للإغلاقات والاجتياحات التي تقوم بها سلطات الاحتلال، وفرض الحصار الداخلي على المدن والقرى والمخيّمات الفلسطينية، بالإضافة إلى إغلاق المطار والمعابر، والتي هي بمثابة الرئة التي يتنفّس من خلالها الشعب الفلسطيني وخاصة العامل الذي كان يعمل داخل فلسطين المحتلّة. إضافة إلى أن الكثير من المواد الخام تأتي من داخل "الخط الأخضر"؛ كما تعرّض الكثير من المزارعين إلى أفدح الخسائر لعدم قدرتهم على تصدير إنتاجهم الزراعي ما سبّب ارتفاع نسبة البطالة والتي كان لها مردود نفسي على السكّان. ففي الوقت الذي يفقد ربّ الأسرة دخله، هو مطالب بتلبية وإشباع حاجات الأسرة المادّية، والتي يكون في كثير من الأحيان عاجزاً عنها، ما يشعره بالقلق والاكتئاب النفسي. ويسبّب الحصار والإغلاق قدراً كبيراً من الإجهاد بالنسبة للعامل الفلسطيني، وذلك على أكثر من صعيد، حيث ترتّب عليه فقد العامل لمصدر رزقه؛ وبالتالي، أصبح في الكثير من الأحوال غير قادر على توفير الحاجات الأساسية للعائلة. كما ضاعف الحصار من نسبة عدم قدرة العامل على إيجاد بديل محلّي ما جعله يعيش وضعاً صعباً أثّر على حالته النفسية وجعله عرضة للقلق والاكتئاب. لكن، يبقى أن للشعب الفلسطيني قدرة كبيرة على التكيّف والتعامل مع هذه الظروف الصعبة والخطيرة.
الخلاصة:
من خلال كلّ ما تمّ عرضه، وخاصّة ما يتعلّق بالآثار الاجتماعية والاقتصادية التي خلّفتها سياسة الحصار والإغلاق على الشعب الفلسطيني عامة، وفي قطاع غزة خاصّة، الأمر الذي أثّر بدوره على مختلف الجوانب الحياتية، سواء على الفرد أو الأسرة أو المجتمع، نستطيع أن نلاحظ مدى التراجع في الحقوق الإنسانية التي تمسّ حياة الفرد، كالحقّ في العيش بكرامة، والحقّ في السكن الملائم، والحقّ في العمل والتعليم، والتمتّع بقدرٍ كافٍ من الصحّة النفسية والبدنية وكافّة الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي كفلتها نصوص القانون الدولي الإنساني.
كما نلمس ما تركه الحصار من تقطيع أوصال الشعب الواحد والتحكّم في حرّية التنقّل والحركة وإغلاق المعابر والمنافذ أمام حركة الأفراد والبضائع، الأمر الذي أدّى بدوره إلى انخفاضٍ شديدٍ في مستوى المعيشة نتيجة منع دخول وخروج البضائع من وإلى قطاع غزة، وكيف تسبّب ذلك في حدوث نقصٍ شديدٍ في السلع الغذائية الضرورية وما صاحبه من ارتفاع الأسعار للمستهلك، بموازاة عدم توافر المواد الخام الأوّلية، والنقص الكبير في الأدوية ممّا أثّر سلباً على صحّة الأفراد.
وقد أصبح واضحاً أن إسرائيل عمدت إلى تخريب وتدمير البنية التحتيّة لقطاع غزة بشكلٍ شبه تام، حيث قامت بتدمير المنازل ونسف الطرق والجسور وتجريف الأراضي الزراعية، الأمر الذي أدّى إلى ركام هائل من مخلّفات التدمير، ما يهدّد البنية الفلسطينية ومستقبل قطاع غزة الاقتصادي والبيئي.
من جهة أخرى، تبيّن أيضاً أن المساعدات الدولية لم تفلح في تعديل أو تحسين بنية الاقتصاد الفلسطيني ومساعدته في فكّ الارتباط مع الاقتصاد الإسرائيلي، الأمر الذي أصبح معه تحقيق التنمية بجميع أشكالها أمراً في غاية الصعوبة، لاسيّما في ظلّ ارتباط التسويق مع الخارج بالمنافذ الإسرائيلية. كما قلّل الحصار من فرص تقدّم الوضع الاقتصادي الفلسطيني.

وهناك العديد من العوامل والأسباب الأخرى التي أثّرت سلباً على التنمية في الأراضي الفلسطينية، التي تمثّلت في تدهورٍ حادٍ في الدخل القومي الإجمالي والناتج والقومي الإجمالي، الأمر الذي أدّى إلى انخفاضٍ في نصيب الفرد وتدهورٍ في مستوى الدخل. وبالتالي، المزيد من الفقر، وفي قطاع غزة بصورة خاصّة؛ كذلك هناك هروب للاستثمارات بشقّيها العام والخاص من سوق القطاع نظراً لغياب الاستقرار السياسي والأمني، في ظلّ تراكم الخسائر المادّية والبشرية في المجتمع الفلسطيني.
ومن الواضح أن هذه الأوضاع تتّجه إلى الأسوأ مع استمرار فرض الحصار الإسرائيلي الشامل والإغلاق الكامل على قطاع غزة، حيث تتفاقم معاناة المواطنين. وبات القطاع معزولاً عن العالم الخارجي، حيث سدّت جميع منافذه وتدهورت الأحوال المعيشية للمواطنين.
إن أوضاع قطاع غزة باتت تتطلّب حلولاً اقتصادية واجتماعية ومالية جذرية، على أسسٍ سياسيةٍ قوية، يجب أن يتكفّل بأعبائها وتحمّل أكلافها المجتمع العربي والإسلامي قبل المجتمع الدولي. والبداية هي بمبادرة مصر إلى فتح معبر رفح بأيّ وسيلة، لإرغام العدوّ على التراجع، ولإجبار ما يسمّى المجتمع الدولي على تغيير سياساته الداعمة للكيان بشكلٍ مطلقٍ وبعيدٍ عن القيم والأخلاق الإنسانية.



المصادر والمراجع (مع التصرّف):
• تقرير الخسائر الاقتصادية من عام 2000 حتّى 2006، الهيئة العامة للاستعلامات (فلسطين).
• تقرير المركز العربي للتطوير الزراعي، 2005، "حالة القطاع الزراعي في محافظات غزة على ضوء تنفيذ خطّة الانفصال من منظور المزارعين".
• تقرير المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان -2007، "سياسة الحصار الشامل وإغلاق المعابر الحدودية وأثرها على حياة السكّان المدنيين في قطاع غزة".
• تقرير الهيئة العامة للاستعلامات- 2002، "خسائر الاقتصاد الفلسطيني جرّاء الحصار والإغلاق والعدوان الإسرائيلي".
• تقرير منظّمة العفو الدولية - إسرائيل والأراضي المحتلّة – العيش تحت الحصار.
• تقرير منظّمة العفو الدولية - 2003، "إسرائيل والأراضي المحتلّة- تأثير القيود المفروضة على التنقّل على حقّ العمل".
• جريدة الأيام، 7/11/2003، 5/9/2003، 26/10/2003، 24/12/2003.
• جريدة القدس، 4/10/2003، 30/9/2003، 20/9/2003، 17/9/2003.
• الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في أعوام 2003 /2004/2005/2006/.
• حمد، جهاد (2004)، خطّة الانسحاب الإسرائيلي – مركز بانوراما - الطبعة الثانية، مارس 2005، اللقاء التشاوري في القاهرة، مصر.
• حمد، جهاد، (2008)، القدس وخطة الفصل الأحادي وسياسة الحصار، وتداعياتهما على المجتمع الفلسطيني، دراسة محكمة، الأعمال الكاملة للمؤتمر الدولي الثاني لنصرة القدس، غزة، فلسطين.
• سلسة دراسات وأبحاث/ حول الخيار الفلسطيني. جورج جقمان، عزمي بشارة وآخرون. الطبعة الأولى، تشرين أول 1993، مواطن، المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية، رام الله.
• العبد، جورج وآخرون، 1989 "الاقتصاد الفلسطيني- تحدّيات التنمية في ظلّ احتلالٍ مديد"، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، بيروت، لبنان.
• مؤتمر "خطّة الانسحاب الأحادي من غزة"، المؤتمر المنعقِد في القاهرة، 2005.
• المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، 20 ديسمبر 2006.
• مركز الميزان - موازنة 2006 – تحدّيات ما بعد الانفصال.
• مركز الميزان –"التقرير السنوي حول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية"، 2005.
• مركز الميزان لحقوق الإنسان- ديسمبر 2000، "المعاناة المستمرّة للعمّال في ظلّ الحصار"، سلسلة واجِه الجمهور، رقم 1.
• مركز غزّة للحقوق والقانون، الأبعاد القانونية لبناء جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية، نوفمبر/ 2003.
• مكتب الإحصاء الفلسطيني، دمشق (2003)، (2007).

2009-04-08 11:24:51 | 15428 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية