التصنيفات » دراسات

احتياجات إسرائيل الأمنية في الطريق نحو تسوية مع الفلسطينيين(*)




1 – احتياجات إسرائيل الأمنية الجوية في الطريق نحو احراز سلام دائم
الجنرال في الاحتياط موشيه يعلون
مقدمة: بالعودة إلى سياسة السلام المرتكز على أساس أمن إسرائيل.
- رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو اثناء خطابه السياسي المركزي في جامعة بار ايلان عام 2009، عبر عن نقطة تحول جوهرية في السياسة الإسرائيلية – عودة إلى المقاربة التقليدية الإسرائيلية المرتكزة على احتياجات إسرائيل الأمنية في الطريق نحو إحراز سلام دائم.
- عندما اختار رئيس الحكومة اسحق رابين يلوك طريق اتفاقيات أوسلو، كان ينظر في رؤيته إلى تسوية في يهودا والسامرة (الضفة الغربية) على أساس خطوط برنامج آلون. وهو البرنامج الذي تبلور فور انتهاء حرب الأيام الستة، وأيد استمرارية فرض السيادة الإسرائيلية على قسم من الأراضي التي انتقلت إلى السيطرة الإسرائيلية في يهودا والسامرة من خلال رسم حدود أمنية تمتد من غور الاردن وحتى سفوح ظهر الجبل في يهودا والسامرة، واستمرارية فرض السيادة الإسرائيلية على القدس، العاصمة الموحدة لإسرائيل.
- في اعقاب رفض عرفات مشروع السلام الذي تقدم به رئيس الحكومة ايهود باراك ونشوب الحرب الإرهابية (الانتفاضة) على أثر ذلك، والانسحاب الذي قام به آرييل شارون من قطاع غزة، ونشوب حرب لبنان الثانية، وفشل محادثات أنابوليس ثم الحرب الأخيرة في غزة، قررت الحكومة الإسرائيلية العودة لتبني المفهوم القائل أن الحفاظ على احتياجات إسرائيل الأمنية الحيوية إنما تشكل السبيل الوحي لعقد اتفاق سلام مستقر ودائم مع الفلسطينيين.
- الفلسطينيون تمسكوا بروايتهم التاريخية التي تنادي بالنضال المسلح عبر رفض حق إسرائيل في الوجود كدولة قومية للشعب اليهودي، بالرغم من اتفاقيات معقودة وانسحابات إسرائيلية من طرف واحد. الفلسطينيون فسروا الانسحابات الإسرائيلية على أنها نقطة ضعف وهروب، وبالتالي صعدوا سعيهم من أجل فرض تنازلات اقليمية اضافية على إسرائيل.
- حتى الآن دعي الفلسطينيون إلى تنفيذ مسار سلام من أعلى إلى أسفل، حيث قام زعماؤهم بعقد لقاءات ومصافحات وحضور مؤتمرات سلام، بل ووقعوا على اتفاقيات سلام مع قادة إسرائيليين. لكن عندما لا ينبت اتفاق السلام في الأرض ومن المجتمع نفسه، فالخطوة تكون قاصرة وناقصة. وفقط عندما لا تؤسس ثقافة ابناء رام الله في المستقبل على تقديس الشهادة وتفجير الذات في حرب جهادية ضد الإسرائيليين واليهود... فسوف يحصل اتفاق سلام حقيقي وهذه المرة لن يكون مقتصراً فقط على الخيال الواسع لخبراء الخداع الذاتي.
الحدود القابلة للدفاع من أجل ضمان مستقبل إسرائيل.
اللواء في الاحتياط عوزي ديان
لإسرائيل الحق الطبيعي والمعترف به دولياً، حدود قابلة للدفاع عنها.
ونحن مع اقدامنا على تحديد هذه الحدود لا بد لنا من أن نأخذ بالحسبان التهديدات التي تتعرض لها إسرائيل، والوضع الجيوستراتيجي، بل وحتى الطوبوغرافيا، وهذا كله من خلال رؤية تاريخية طويلة المدى.
دولة إسرائيل صغيرة، ضيقة ومعرضة للاذى – 70% من سكان الدولة و80% من طاقتها الانتاجية الصناعية محصورة ضمن شريط ضيق بين البحر المتوسط والضفة الغربية. وهضاب الضفة الغربية تسيطر من الناحية الطوبوغرافية على منطقة الساحل المكشوفة والتي يتواجد فيها قسم كبير من البنية التحتية الوطنية الإسرائيلية – مطار بن غوريون والطريق رقم 6، وانبوب المياه القطري، وخطوط التوتر العالي، الأمر الذي يعطي افضلية واضحة للمهاجم من ناحية المراقبة والإشراف والرماية والقدرة الدفاعية الافضل بوجه أي هجوم إسرائيلي بري، وإذا اخذنا بعين الاعتبار هذه الظروف، مع عدم الاستقرار المزمن في الشرق الأوسط والأجواء العدائية المتأصلة ضد الدولة اليهودية، فإن إسرائيل تكون بحاجة ماسة للمجالات الأمنية التالية:
- هامش جغرافي يوفر العمق من أجل ادارة معركة دفاعية بوجه التهديدات الآتية من الشرق. ومنطقة غور الأردن توفر حاجزاً مادياً بارتفاع يتراوح بين 900 – 1400 متر. والجيش المهاجم لا يستطيع شن هجومه إلا عبر خمسة معابر من الشرق إلى الغرب، ومن الممكن حماية كل واحد من هذه المعابر بكل سهولة. ولهذا السبب يعتبر غور الاردن كخط دفاعي إسرائيلي متقدم في الشرق الأوسط حيث يعم الغموض بالنسبة لاتجاه التطورات في كل من العراق والأردن.
- عمق استراتيجي أساسي تبرز اهميته بشكل خاص في عصر الصواريخ البالستية والصواريخ البعيدة المدى التي تهدد المراكز السكانية المدنية بل وتهدد أيضاً مسارات التجنيد وارسال قوات جيش الاحتياط إلى المعركة، الأمر الذي من شأنه أن يلحق الضرر بالقوة الشاملة وأن يجبر القوات النظامية التابعة للجيش الإسرائيلي على العمل لمدة طويلة من الزمن من دون مساعدة ملموسة من سلاح الجو الذي سيلتزم بتدمير الأنظمة المضادة للطائرات الخاصة بدول العدو ووقف اطلاق الصواريخ البالستية الموجهة نحو المدن الإسرائيلية. – مساحة تسمح بمحاربة الإرهاب. والوجود الإسرائيلي عند الخط الشرقي للضفة الغربية هو وحده الذي سيسمح بنزع سلاح حقيقي للكيان الفلسطيني، الأمر الذي يعتبر، كما هو معلوم، أحد الشروط الأساسية التي وضعتها إسرائيل من أجل موافقتها على "دولتين لشعبين"، كما وهو أيضاً شرط أي تسوية مستقرة.
خلاصة: أثناء المفاوضات مع السلطة الفلسطينية لا بد لإسرائيل من الإصرار على أمور عدة من بينها وجود مساحة أمنية ترتكز على نهر الأردن كخط حدود شرقي ويشمل غور الأردن مع الأراضي المسيطرة عليه من ناحية الغرب. هذا المطلب أساسي وضروري لتوفير الأمن لإسرائيل ولاستقرار أي تسوية يمكن الوصول إليها.
الولايات المتحدة والحدود القابلة للدفاع عنها: التفسير الأميركي لقرار مجلس الأمن رقم 242 واحتياجات إسرائيل الأمنية.
الدكتور دوري غولد
- دائماً وباستمرار أيدت الولايات المتحدة موقف إسرائيل القائل بأن قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 242، والذي اتخذ اثر حرب الأيام الستة بتاريخ 22 تشرين الثاني 1967، غير ملزم بالانسحاب حتى خطوط وقف اطلاق النار العام 1949 (المعرفة أيضاً بحدود العام 1967). ولا أساس لزعم بأن الولايات المتحدة كانت تقليدياً تطالب إسرائيل بالانسحاب الشامل أو شبه الشامل من الأراضي التي احتلت في حرب الأيام الستة.
- أسرة القانون الدولي كانت تدرك بأن الأردن كان قد غزا الضفة الغربية بصورة غير قانونية عام 1948 واحتفظ بها حتى العام 1967 عندما احتلتها إسرائيل في حرب دفاع عن الذات. وحق إسرائيل في اجراء تعديلات على خطوط الحدود حتى عام 1967 لا ينبع من وضعها الهش قبل الحرب، بل من واقعها كونها ضحية للعدوان عام 1967.
- عندما يتم التطرق لمسألة ما هي "الرقعة الجغرافية: في الحد الأدنى التي "سيكون لإسرائيل الحق، ربما، بالاحتفاظ بها حتى تتمكن من حماية نفسها بصورة الجمع"، يجيب رئيس أركان القوات المشتركة في حينه الجنرال ايرل ويلر بتاريخ 29 حزيران 1967: "من الناحية العسكرية الصرف، سيكون لزاماً على إسرائيل الاحتفاظ بقسم من الأراضي العربية من أجل ضمان حدود قابلة للدفاع عنها من الوجهة العسكرية. وبالنسبة للضفة الغربية أوصى رؤساء اركان القوات المشتركة صراحة بخط حدود يمر بالقرب من المنطقة المطلة على نهر الأردن". ورأى بأن هذا الخط لا بد له من أن يتواصل حتى قمة سلسلة الجبال هناك.
- خطوط كلينتون منذ العام 2000 لم تحدد كسياسة رسمية للولايات المتحدة. وأثر تسلم الرئيس جورج دبليو بوش زمام السلطة، ابلغ موظفون أميركيون حكومة شارون التي انتخبت حديثاً في حينه، بأن خطوط كلينتون التي نوقشت مع حكومة باراك لا تلزم الإدارة الأميركية، والعكس كان صحيحاً أيضاً: فلقد فهم بأن حكومة شارون غير ملزمة كذلك باقتراحات سابقتها.
- الرئيس بوش كتب لرئيس الحكومة آرييل شارون بتاريخ 14 نيسان 2004 ما يلي: "على ضوء الواقع الجديد على الأرض، بما في ذلك المجتمع السكنية الإسرائيلية القائمة، سيكون من غير الواقعي توقع أن تؤدي نتائج المفاوضات حول التسوية الدائمة إلى العودة الكاملة والشاملة الخطوط وقف اطلاق النار عام 1949".
الأمن كرد على مروحة التهديدات ضد إسرائيل
العقيد في الاحتياط يوسي كوبر فاسر
- عندما تطلق المنظمات الإرهابية الصواريخ، من خلال استخدام دروع بشرية، لا يكون قصدها المس مباشرة بقدرة إسرائيل القتالية، بل اجبارها على التصرف بشكل يسمح لها وسائر اعضاء الائتلاف المؤازر لها، بالحاق الضرر بقدرة إسرائيل على تحقيق حقها في الدفاع عن نفسها.
- علينا التأكيد من أن الترتيبات الأمنية سوف تؤدي إلى تقليص القدرة على المس بحرية الحركة لدى إسرائيل وقدرتها على منع إلحاق الأذى بمشروعيتها.
- أن يكون العامل الأكثر حيوية وأساسية في الترتيبات الأمنية كامناً في بناء ثقافة سلام تتمحور حول اعتراف منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية بحق إسرائيل في الوجود بأمن باعتبارها الدولة القومية الحرة والديمقراطية للشعب اليهودي.
مبادئ أساسية لدولة فلسطينية منزوعة السلاح
اللواء في الاحتياط: اهرون زئيفي فركش
- التعريف الإسرائيلي لموضوع نزع السلاح هو منع تطور تهديد أمني – متناظر أو غير متناظر [نظامي وغير نظامي] عسكري أو ارهابي – داخل أو عبر الأرض الفلسطينية وأيضاً منع تشكيل جيش فلسطيني أو بنية تحتية عسكرية تشكل تهديداً لإسرائيل.
- أثناء المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين رفض قادة التحرير والسلطة الفلسطينية حتى الآن الموافقة على "نزع سلاح" الدولة الفلسطينية. وهم يطالبون بحق امتلاك الاسلحة ذات المسار المنحني (مدافع هاون) وقذائف مضادة للدروع (آر.بي.جي) وسيارات مصفحة ضرورة برشاشات من أجل المحافظة على الأمن وحماية السلطة المركزية في اراضيهم.
- حرية الحركة حالياً في الضفة، التي تسمح للجيش للإسرائيلي بالوصول إلى أي مكان يجري فيه انتاج او اخفاء اسلحة غير مسموح بها، هي التي منعت حتى لأن القدرة على صناعة صواريخ واطلاقها على القدس وتل ابيب. وهذه القدرة هي التي اتاحت للجيش الإسرائيلي أيضاً بمطاردة الانتحاريين قبل أن يصلوا لتنفيذ عملياتهم القاتلة.
- تواجه إسرائيل صعوبة جوهرية عندما يتطلب منها الأمر الأمر العمل ضد عامل غير دولتي مثل السلطة الفلسطينية. وخلافاً لدول مثل مصر والأردن، من غير الممكن، في حالة كهذه، تفعيل مبادئ الردع والمعاقبة بصورة فعالة، وذلك لعدم توفر حكومة مركزية تفرض سيادتها على الأشخاص والوسائل القتالية والمجموعات الإرهابية. والتمزق ما بين فتح في الضفة وحماس في غزة يعطينا مثالاً على هذه المشكلة.
- يجب على السلطة الفلسطينية الالتزام بوقف التحريض على ممارسة الإرهاب والانتقال لتطوير "ثقافة سلام". وهذا الأمر منوط بإقامة أجهزة مشتركة لمنع التحريض، واقفال السبل الآيلة إلى دعم المنظمات الإرهابية (مثل نقل الأموال إلى المنظمات الإرهابية، والأنشطة التي تقوم بها جمعيات متطرفة تحت ستار الجمعيات الخيرية المؤسسة من أجل دعم المحتاجين) بالاضافة إلى إلغاء البرامج التعليمية التي تشجع على العنف والانتحار. لذلك سيكون من المطلوب أيضاً من قبل الدولة الفلسطينية الاقلاع عن الحملات المعادية في المساجد والمؤسسات الدينية والثقافية الأخرى.
السيطرة على المجال الجوي والحقل الكهرمغناطيسي
العميد في الاحتياط اودي ديكيل
- في إزاء قمة كامب ديفيد اصرت إسرائيل على مطلبها باستمرار سيطرتها على المجال الجوي فوق الضفة الغربية كشرط حيوي لمنع حصول هجوم جوي معاد أو ارهاب جوي مثل القيام بعملية انتحارية بواسطة طائرة مدنية محملة بالمواد الناسفة ضد أحد التجمعات السكانية في إسرائيل. وقد زعمت جهات أميركية بأن المقصود بها هو سيناريو خيالي هدفه تبرير مطالب أمنية مبالغ فيها من جانب إسرائيل. وبعد مرور عام أي في 11 أيلول 2001 حصل الهجوم الإرهابي الذي نفذته القاعدة عندما ضربت طائرات مدنية المركز التجاري العالمي ومبنى البنتاغون [وزارة الدفاع] وتسببت بموت الآلاف.
المسافة بين نهر الأردن والبحر المتوسط هي نحو 40 ميل بحري. والطائرة الحربية بوسعها اجتياز البلد خلال 4 دقائق أو الدخول إلى دولة إسرائيل عبر غور الأردن والوصول على القدس خلا أقل من دقيقتين.
في الماضي، عندما حضر العراقيون رداً على مهاجمة المفاعل الذري العراقي من قبل طائرات سلاح الجو الإسرائيلي، سمح الأردن للطائرات القتالية العراقية باستخدام مجاله الجوي والتحليق عبر المسار المقابل لخط الحدود مع إسرائيل من أجل القيام باعمال تصوير جوي للأراضي الإسرائيلية. وحالياً أيضاً، بالرغم من الهدور النسبي الحالي، ممنوع على إسرائيل أن نترك امنها هملاً اعتماداً على النوايا الطيبة لدى الأردنيين والفلسطينيين.
إن إسرائيل تعاني من ضعف طوبوغرافي أمني خطير، وذلك لأن كل الرحلات الجوية المدنية الدولية من شأنها أن تكون مكشوفة أمام هجوم محتمل من جانب جهات فلسطينية معادية. وهذه الجهات قد تقدم باستخدام صواريخ تطلق من على الكشف من منطقة ظهر الجبل في الضفة الغربية باتجاه طائرات مدينة اثناء تحليقها أو هبوطها في مطار بن غوريون.
إن الكيانية الفلسطينية التي قد تقام على ظهر الجبل تتمتع بتفوق طوبوغرافي بوجه إسرائيل الممتدة في المنخفضات على مدى الخط الساحلي. وأي جهاز بن لاسلكي فلسطيني موضوع على جبل عيبال بالقرب من نابلس بوسعه أن يعطل تماماً تقريباً اجهزة الاتصالات في الأراضي الإسرائيلية التي ثبت على ترددات مماثلة.
حول الترتيبات الأمنية المطلوبة
اللواء (احتياط) غيورا آيلند
- التهديد الحقيقي ليس الدبابات، بل الصواريخ، صواريخ ضد الطائرات وأخرى ضد الآليات أو الدبابات، علماً بأن القاسم المشترك لكل وسائل القتال هذه هو سهولة التهريب والانتاج سراً، مثلما يحصل حالياً في غزة.
- إذا انسحبت إسرائيل فعلاً إلى خطوط تلهتك 1967 فشرق الحدود الإسرائيلية – الفلسطينية لن يكون فقط السلطة الفلسطينية بل سيكون هناك أيضاً اعداء محتملون آخرون.
المخاطر المنوطة بنشر قوات سلاح أجنبية في الضفة الغربية.
اللواء احتياط يعقوف عاميدرور
- خلال الأيام التي سبقت حرب الأيام الستة عام 1967 انسحبت من سيناء قوات الطوارئ الدولية (UNEF) التابعة للأمم المتحدة. وبعد عدة سنوات غادر مراقبون أو روبيون مواقعهم على طول خط الحدود بين مصر وغزة (وفقاً لاتفاق العام 2005 الذي تم التوصل إليه بوساطة وزير الخارجية الأميركية كوند وليسارايس) هاربين اثر تزايد حدة الصراع الداخلي بين حماس وفتح.
- قوات اليونيفيل في لبنان لم يلق القبض قط على أي ارهابي من حزب الله. وعندما قرب حزب الله مرابض المدفعية إلى مسافة أقل من 50 متراً من مواقع الأمم المتحدة واطلق من هناك النار على أهداف إسرائيلية، لم تحرك اليونيفيل ساكناً. لكن عندما مارست إسرائيل اطلاق نار مضاد على تلك المدفعية التابعة لحزب الله، أرسل القسم الدولي المسؤول عن أنشطة قوات السلام، احتجاجاً دبلوماسياً رسمياً.
- الحضور الغربي المكثف كان الطابع المسيطر على حرب البوسنة. ومع ذلك فإن القوة الهولندية في قوات الطوارئ الدولية تركت المسلمين يواجهون مصيرهم في سربرنيتشا عندما هاجمهم الجيش البوسني العربي، الأمر الذي انتهى بمجزرة جماعية قضت على أكثر من ثمانية آلاف مدني عام 1995.
- بعد أن تم ارسال قوة مراقبين تابعة للامم المتحدة إلى لبنان في شهر تشرين الأول عام 1983، تمت مهاجمة قاعدة المظليين الفرنسيين وقيادة المارينز الأميركيين بناء على تعليمات من طهران، من قبل انتحاريين شيعة. واقي نحو 300 جندي حتفهم في هذه الهجمات، وفي ظرف عام واحد انسحبت هذه القوات من لبنان، وهذه الأحداث تشكل اثباتاً صارخاً على أن قوات السلام تغادر المكان عندما تتحول إلى هدف اللهجوم.
- سيكون من التوهم المأساوي الاعتقاد بأن القوى الدولية العاملة في الضفة سوف تفرض نزعاً للسلاح الفلسطيني الكامل. وفي كل مرة كان أحد الاطراف المعنية يتجاهل احترام التزاماته، فإن القوات الدولية لم تتمكن من تحقيق أي نجاح.
خلاصة: لا يوجد أي سبب لتقدير أنه في المستقل وفي يهود أو السامرة بالذات، ستكون هناك قوات دولية فعالة أكثر من الماضي. وممنوع على إسرائيل السماح بذلك، ومن غير الاخلاقي مطالبتها باهمال أمنها وحياة مواطنيها وتسليمها لقوة لم تثبت قط قدرتها على تنفيذ المهمة المطلوبة منها. يضاف إلى ذلك أن تنازل إسرائيل عن المبدأ الذي حدده بن غوريون وهو أن تدافع إسرائيل عن نفسها بنفسها، إنما ينطوي على خطر حقيقي يهدد سيادتها ومشروعيتها.
عودة إسرائيل إلى الدبلوماسية المرتكزة على الأمن
دان دايكر
منذ التوقيع على اعلان المبادئ في أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف) بقيادة ياسر عرفات عام 1993 جرى إلقاء احتياجات إسرائيل الأمنية جانباً. والمقاربة الإسرائيلية التقليدية التي تؤيد الدبلوماسية المرتكزة على الأمن جرى تنحيتها أيضاً لصالح مفهوم أمني مرتكز على الدبلوماسية. والمقاربة الجديدة التي سيطرت على التفكير الدبلوماسي الإسرائيلي، آمنت بأنه من الممكن ضمان أمن إسرائيل بواسطة اتفاقات سلام.
- تسلسل الأمور في السياسة الإسرائيلية السابق الذي اتاح تقديم تنازلات إسرائيلية ومن تم من بعدها فقط القيام بمحاولة فرض الاحتياجات الأمنية الحيوية الخاصة بالدولة، انتج جملة من التوقعات الدولية بحصول تنازلات إسرائيلية أكثر اتساعاً ازاء قيادة فلسطينية متشددة. وخلال كل هذه الحقبة، رفض الفلسطينيون اقتراحات السلام الإسرائيلية التي لم يسبق لها مثيل، ولكنهم في الوقت نفسه حددوا التنازلات الإسرائيلية باعتبارها نقطة انطلاقا نحو الجولة المقبلة من المفاوضات.
- خطاب رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو السياسي في جامعة بار ايلان بتاريخ 14 حزيران 2009 أعاد إسرائيل إلى مدرج المقاربة المرتكزة على الأمن والحقوق. وشدد نتنياهو على أن تكون العلاقات بين الأطراف مبنية على أساس (  ): الاعتراق بإسرائيل باعتبرها الدولة القومية للشعب اليهودي ونزع سلاح الدولة الفلسطينية العتيدة واحترام احتياجات إسرائيل الأمنية الحوية.
- إن اصرار نتنياهو على قيام دولة فلسطينية منزوعة السلاح وعلى الحدود القابلة للدفاع عنها، لا يشكل استراتيجية جديدة. فرئيس الحكومة اسحق رابين قال أمام الكنيست بتاريخ 5 تشرين الأول 1995: "إن الحد الأمني لحماية دولة إسرائيل سيكون موجوداً في غور الأردن، بالمعنى الأوسع لهذه الكلمة". وأضاف رابين أن الحدود النهائية ستشمل أراض أخرى تتجاوز خطوط الرابع من حزيران 1967. وعملياً يكون رابين قد ابلغ قيادة الجيش الإسرائيلي بأن إسرائيل ستضطر للسيطرة على 50% تقريباً من الضفة الغربية في أي اتفاق مستقبلي.
- يغال آلون الذي تولى في حينه منصب وزير الخارجية في حكومة رابين الأولى، اعتبر بأنه مهندس نظرية الحدود القابلة للدفاع عنها. وبحسب مفهوم آلون الذي جرى تبنيه بصورة دائمة من قبل رؤساء حكومة متعددين في إسرائيل، فإن مصطلح "حدود للدفاع عنها" إنما يعطي إسرائيل الحق والمسؤولية عن حدود قابلة للدفاع عنها" إنما يعطي إسرائيل الحق والمسؤولية عن حدود تستجيب لمتطلبات الأمن الأساسية لمواطنيها بدلاً من التسليم بحدود تستدرج العدوان. معنى هذا الأمر هو استمرار السيطرة الإسرائيلية على جزء من الأراضي شرقي خطوط وقف اطلاق النار عام 1949 كجزء من اتفاق سلام مع الفلسطينيين وخصوصاً في غور الأردن حيث الكثافة السكانية ضئيلة عادة.
عودة إلى سياسة سلام تعطي اولوية للامن
الجنرال – احتياط – موشيه يعلون
احتياجات إسرائيل الأمنية الحيوية، بالإضافة إلى التأييد المشروط لقيام دولة فلسطينية، قد تم التعبير عنها وعرضها في خطاب رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو السياسي المركزي الأول في جامعة بار إيلان، بعد مرور شهرين فقط من تسلمه مهام منصبه في شهر نيسان 2009. وبالرغم من أن نتنياهو قد عبر، في النظرة الأولى، إلى خطابه، عن تحول ملموس عن السياسة الإسرائيلية التي كانت سائدة قبل تسلمه زمام منصبه، فإنه يتضح بأن الأفكار التي ايدها إنما تمثل عودة إلى السياسة الإسرائيلية التقليدية حول الأمن كمفتاح من أجل احراز سلام دائم. هذه السياسة تعتمد على فهم البيئة الإستراتيجية في الشرق الأوسط وأيضاً ف6هم جذور المواجهة الفلسطينية – الإسرائيلية. ومنذ بداية المواجهة، منذ ما قبل تأسيس الدولة وحتى اتفاقيات أوسلو، لم يتمكن استعداد القيادة الصهيونية للوصول إلى حل وسط تاريخي، من لأن ينجح في اقناع الفلسطينيين بالتنازل عن ارتباطهم بالكفاح المسلح واشكال المقاومة الأخرى والاعتراف بحق الشعب اليهودي بالعيش بسلام في دولة قومية خاصة به، في وطنه التاريخي في أرض إسرائيل.
على هذه الخلفية بوسعنا أن ندرك أهمية البحث الراهن الذي يفصل ويحلل احتياجات إسرائيل الأمنية الحيوية سعياً للوصول إلى سلام دائم وقسم من الأدمغة العسكرية اللامعة تعرض، بمناسبة هذا السلام، احتياجات إسرائيل الأمنية في أي تسوية مع الفلسطينيين. والمقصود هنا مجموعة من الأشخاص الذين عما عايشوا عن كثب المخاطر المحدقة بإسرائيل في كل الجبهات، وخاصة في قطاع غزة وفي يهودا والسامرة، والمخاطر التي تنطلق من مجموعات ودول تنشط في ظل رعاية إيران.
على مدى كل تاريخي المهني العسكري، بما في ذلك أثناء "مسار السلام" في أوسلو في تسعينيات القرن الماضي، (  ) كضابط في الجيش الإسرائيلي في جملة من المناصب، مسألة الإرهاب الفلسطيني والإسلامي المتطرف. عملت كرئيس "أمان" الاستخبارات العسكرية وكنائب لرئيس الأركان وبعدئذ كرئيس اركان، أثناء تنفي العمليات ضد قوى شبه عسكرية تابعة للسلطة الفلسطينية، ميليشيات فتح وقوات حماس في غزة وفي يهودا والسامرة [الضفة الغربية] خلال الأعوام 2000 – 2005. والحقيقة القاسية التي تعلمتها من تجربتي إزاء هذه التحديات قد اقنعتني بأنه من الحيوي مواجه التهديدات الأمنية وضمان تثبيت منظومات دفاعية امنية ملائمة وعدم القتناع بالأوهام والأحلام. وبالتالي ممنوع على الهدوء النسبي الذي يسود حالياً على الحدود الإسرائيلية وداخل يهودا والسامرة، أن يفسر بصورة غير صحيحة، على الرغم من التحسينات الأمنية المداخلة على قوى الأمن الوطني الفلسطيني عبر تدريبات الجنرال كيت دايثون ضمن اطار برنامج الاصلاحات الأمنية بدعم أميركي، والجيش الإسرائيلي من جهته يعمل من دون توقف من أجل القضاء على البنى التحتية للإرهاب في مناطق فلسطينية عديدة، في الوقت نفسه، طورت حماس، بدعم إيراني، قدراتها العسكرية في غزة، كما فعل ذلك أيضاً وكيل إيران – حزب الله – في مختلف ارجاء لبنان. ويتوجب على إسرائيل بالتالي العمل وفقاً لكل هذه الاعتبارات عند اقدامها على البحث في اقامة دولة فلسطينية مستقبلية.
هذا البحث يشكل رداً على الرأي الشائع والقائل بأن السلام يستوجب انسحاباً إسرائيلياً إلى خطوط الهدنة الخطرة منذ العام 1949. إن حرمان الدولة اليهودية من العمق الاستراتيجي وقدرات الدفاع الطوبوغرافية على هذه الحدود، إنما تشكل دعوة مفتوحة لشن حرب ضد إسرائيل.
هذا البحث هدفه تصحيح الرأي الشائع لدى أوساط دولية كثيرة، بل وحتى لدى أوساط إسرائيلية معينة، بأن انسحاباً إسرائيلياً على خطوط الهدنة الخطرة العام 1949 (المسماة خطأ حدود العام 1967)، الأمر الذي يشكل خطوة ضرورية وحتمية من أجل السلام. هذه الحدود لن تجلب معها السلام لأنها تضعف الدولة اليهودية وتستدرج الحروب، لأنها تحرم إسرائيل من عمقها الاستراتيجي ومن إمكانية الحماية الطوبوغرافية بوجه أي هجوم فلسطيني – سواء بواسطة الصواريخ أو أي وسيلة أخرى. إن خطوط العام 1949 قد مكنت اعداء إسرائيل من الانتشار ومن العمل على مسافة قصيرة خطيرة من المراكز السكانية الإسرائيلية الأمر الذي شكل خطراً وجودياً على إسرائيل.
السياق التاريخي
السياسة الإسرائيلية المعتمدة فور انتهاء حرب الأيام الستة وحتى اتفاقيات أوسلو (1967 – 1993) تركزت في السعي لايجاد صيغة معينة تمكن إسرائيل من عدم السيطرة على الفلسطينيين من دون العودة إلى خطوط العام 1967. لهذا السبب لم تضم إسرائيل أراضي يهودا والسامرة وغزة، بل جرى الحديث في الوقت نفسه عن اقامة دولة فلسطينية داخل هذه الأراضي. وعملياً، وعلى مدى هذه السنوات – بما في ذلك اتفاقي كامب ديفيد عام 1978 بين رئيس الحكومة مناحيم بيغن والرئيس المصري أنور السادات، اللذين تحدثا عن "حكم ذاتي للشعب الفلسطيني"، وكذلك الأمر في اتفاقي أوسلو عام 1993 أثناء ولاية رئيس الحكومة اسحق رابين – فإن إسرائيل لم تلمح، لا بالكلام ولا بالافعال، إلى استعدادها للموافقة على قيام دولة فلسطينية داخل الخطوط التي سبقت حرب عام 1967. وقد فهم قادة إسرائيل آنذاك بأنه من غير الممكن الدفاع عن هذه الحدود.
حلم رابين بالنسبة ليهودا والسامرة كان مماثلاً "لمشروع آلون" الذي تمت صياغته في الأصل على أيدي يغال آلون قائد رابين في قوى البالماح [القوات الخاصة الصاعقة للهاغاناه] عشية قيام الدولة، وهو أيضاً سيق له أن شغل منصب وزير الخارجية في حكومة رابين الأولى. وبرنامج آلون الذي وضع فور انتهاء حرب الأيام الستة، حدد بانه يجب على إسرائيل أن تبسط سيادتها على قسم من الأراضي التي احتفظت بها في يهود والسامرة، مع عدم الاستيطان في أراضي ذات كثافة سكانية عربية. والبرنامج ذات رسم حدوداً أمنية تمتد من غور الأردن وحتى سفوح ظهر الجبل في يهودا والسامرة واصر على الاحتفاظ بالسيادة الإسرائيلية على القدس العاصمة الموحدة لإسرائيل. ومشروع آلون شكل المرجعية الأمنية بالنسبة لكل حكومات إسرائيل منذ العام 1967 وحتى آخر التسعينيات.
لقد تحدث رابين صراحة عن ضرورة منح إدارة ذاتية للفلسطينيين جنباً لجنب مع الاحتفاظ بحدود قابلة للدفاع لصالح إسرائيل. وهو في خطابه أمام الكنيست بتاريخ 5 تشرين الأول/1995 – أثناء مناقشة مسألة التصديق على الاتفاق المرحلي الإسرائيلي – الفلسطيني - قبل شعر من مصرعه – قال: "كنا نريد أن تكون تلك كيانية أقل من دولة، بحيث تسيطر على حياة الفلسطينيين بصورة مستقلة. وحدود دولة إسرائيل أثناء الحل الدائم، سوف تتجاوز الخطوط التي كانت قائمة قبل نشوب حرب الأيام الستة. لن نعود إلى خطوط 4 حزيران 1967". في الخطاب ذاته شدد رابين على أن "حدود دولة إسرائيل الأمنية ستكون في غور الأردن بالمفهوم الواسع للكلمة". وأضاف أن القدس ستبقى عاصمة إسرائيل الموحدة.
مفهوم الحدود القابلة للدفاع عنها بدأ يتلاشى عام 2000 عندما توجه رئيس الحكومة أيهود باراك إلى قمة كامب ديفيد مع رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات والرئيس الأميركي بيل كلينتون لاجل اجراء مفاوضات لانهاء النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني. وباراك الذي أحس بأن الجمهور الإسرائيلي مستعد لتقديم تنازلات جوهرية مقابل اتفاق سلام، قرر وضع الفلسطينيين في على محك امتحان، وانتظر ليرى ما إذا كان عرفات سيوافق على اقتراح سلام، لم يسبق له مثيل، أو أنه سيكشف وجهه الحقيقي. وكانت النتيجة رفضاً فلسطينياً لهذه الاقتراحات.
النتيجة الخطيرة الأخرى تمثلت في الثمن الباهظ الذي دفعته إسرائيل في الماضي والحاضر لقاء هذه الاستراتيجية. باراك انتج نموذجاً جديداً يتلخص في عبارة "أراض مقابل سلام"، وهذا المصطلح لم يكن وارداً في قرار مجلس الأمن رقم 242 المتخذ عام 1967، وهو الذي أدى إلى صياغة كل المبادرات السلمية الإسرائيلية – العربية منذ حرب الأيام الستة. انطلاقاً من هذه النقطة وما بعدها كان المتوقع من إسرائيل أن تتقوقع داخل الحدود الضيقة التي اقترحها باراك. والظاهرة البعيدة المدى الأخرى أيضاً كانت في أن القيادة الفلسطينية تمكنت من أن تزرع في عقل صانعي القرار الغربيين، فكرة أن خطوط العام 1967 – أي خطوط الهدنة منذ العام 1949 – سوف تشكل من الآن فصاعداً اطاراً لأي مفاوضات مستقبلية مقابل مصطلح "حدود آمنة ومعترف بها" الذي تم تبنيه من قبل مجلس الأمن بالاجماع بعد حرب الأيام الستة.
إزاء الاحداث التي وقعت خلال السنوات الأخيرة، بدءاً بالانتفاضة التي اندلعت اثر رفض عرفات اقتراح السلام المقدم من باراك، وانسحاب آرييل شارون من قطاع غزة، وحرب لبنان الثانية وفشل محادثات نابوليس والحرب الأخيرة في غزة، عادت حكومة نتنياهو وتبنت من جديد المفهوم القائل بأن ضمان احتياجات إسرائيل الأمنية الحيوية يشكل السبيل الوحيد الموصل للسلام الستقر والدائم مع جيراننا الفلسطينيين، وهذا الأمر يشمل حدوداً قابلة للدفاع عنها، وكيانية فلسطينية منزوعة للسلاح، والسيطرة على المجال الجوي الموحد مع يهودا والسامرة وحماية ترددات الاتصالات الالكترومغناطيسية وضمانات أخرى. وهذا يعتبر بمثابة انعطاف وتحول عن المقاربة الخاطئة السابقة والقائلة بأن الانسحابات هي التي ستشق الطريق نو اتفاق سلام وأن هذا الاتفاق هو الذي سيوفر السلم. ورئيس الحكومة نتنياهو انما يكون يعبر بهذا الموقف عن اجماع إسرائيلي واسع النطاق تحقق في ظل مخاوف الاحداث الأخيرة، وهو ينادي بوضع الأمن أولاً باعتباره الطريق الوحيد المفضي إلى سلام حقيقي.
العامل المهم في تسوية أمنية قابلة للتنفيذ يكمن في واجب الفلسطينيين برعاية ثقافة سلام ترفض التحريض والدعوة إلى العنف والإرهاب وتعترف بعلاقة عمرها 3300 سنة بين الشعب اليهودي وأرض إسرائيل وصفة بالعيش في إسرائيل – الدولة القومية للشعب اليهودي – بسلام وأمن.
إن العودة إلى مقاربة الأمن أولاً هي مسألة متجذرة جيداً في الالتزام الإسرائيلي على مدى سنين بالدفاع عن انفسنا من دون الاعتماد على قوى اجنبية. إن إسرائيل لم تطب قط من أي دولة عظمى أجنبية بأن تعرض حياة جنودها للخطر من أجل الدفاع عن إسرائيل. وإصرار إسرائيل على حدود آمنة كان بمثابة ضمانة مركزية في عملية تبادل الرسائل بين الرئيس جورج دبليو بوش ورئيس الحكومة آرييل شارون عام 2004 من أجل ضمان أن تكون إسرائيل قادرة على الدفاع عن نفسها في المستقبل أيضاً.
إنهيار صيغة "أراض مقابل سلام" وتداعياته.
لقد بدأت فكرة "أراض مقابل سلام" بالانهيار والسقوط تدريجياً منذ سنوات أوسلو في منتصف التسعينيات، وذلك عندما تحولت الأراضي التي سلمت للسيطرة الفلسطينية إلى دفيئة ملائمة لانتاج كادر إرهابي هدفه شن هجمات على إسرائيل – الأمر الذي انتهى بنشوب الانتفاضة الثانية (أو انتفاضة الاقصى). ونظرية "أراض مقابل سلام" تلقت ضربة أخرى أيضاً مع انسحاب إسرائيل من قطاع غزة عام 2005 مما أدى إلى سيطرة حماس على القطاع وإلى التصعيد في هجمات الصواريخ على المدن الإسرائيلية.
الدروس التي استخلصت في الحالتين هي أن الفلسطينيين متمسكون بروايتهم التاريخية التي ترفض الإقرار بحق الوجود لدولة إسرائيل كدولة القومية اليهودية؛ بالرغم من اتفاقات موقعة وانسحابات إسرائيلية من جانب واحد.إن التخلي عن الصيغ الفاشلة التي تبنتها الحكومة السابقة، لا يشكل نقطة التحول الوحيدة في الاستراتيجية الإسرائيلية التي تبنتها حكومة نتنياهو، فثمة عامل آخر يرتبط بالتوقعات المنتظرة من المجتمع الفلسطيني. فمن الآن لم يتطرق الفلسطينيون على مسار سلام سوى من الأعلى إلى الأسفل، بحيث تضمن مشاركة قادتهم في اللقاءات والمصافحات وحضور مؤتمرات السلام بل والتوقيع على اتفاقات مع قادة إسرائيليين. إلا أن هذا المسار لم يحظ بتأييد من الأسفل إلى الأعلى.
عندما لا يكون مسار السلام نائباً من الأرض ومن داخل المجتمع فإنه يكون بلا جدوى ولا فائدة. والحقيقة أنه طالما يتعلم الأولاد من عمر ثلاث سنوات في رام الله احترام الشهداء الذين يفجرون أنفسهم في حرب جهاد ضد الإسرائيليين واليهود، وطالما تتم عملية غسل الادمغة باستمرار في التلفزيون الفلسطيني والراديو والانترنتيت، فإن مسار السلام لا يحصل إلا في المخيلة المبدعة للذين يتقبلان خداع الذات.
لو كانت التجربة الإسرائيلية مع الفلسطينيين انتهت بشكل مختلف أي لو كان مسار أوسلو أدى سلام بدلاً من أن يؤدي على العمليات الانتحارية، ولو كانت عملية الانسحاب من طرف واحد أدت إلى مجتمع مزدهر داخل غزة بدلاً من انتاج الصواريخ واطلاقها على أيدي حماس مع ما يعني ذلك من تخزين أسلحة إيرانية – فإن الاعتبارات التي كانت ستوجه الحكومة الإسرائيلية نحو حل وسط مع دولة فلسطينية مختلفة تماماً. في الوضع الحالي من الجدير تذكر أن أمن إسرائيل مرتكز على حدود قابلة للدفاع عنها. وهذا يعني استمرار السيطرة على مناطق حساسة في يهودا والسامرة والقدس غير المجزأة. إن تقسيم القدس سيستدرج حصول هجمات القناصة واطلاق قذائف الهاون والصواريخ على عاصمة الدولة من الأراضي المسيطرة المحيطة بها. وفي حال احرز الفلسطينيون سيادة كاملة في يهودا والسامرة، فإننا سنعود إلى سابقة غزة، وهذه الأراضي ستقط بسرعة بايدي حماس وستتحول إلى ساحة انطلاق هجمات ضد إسرائيل. الأمر الذي سيشلك تهديداً جدياً على ضوء طوبوغرافيا المنطقة التي تسمح باطلاق صواريخ بدائية بل وقذائف هاون على مطار بن غوريون.
حدود قابلة للدفاع عنها في عصر الهجمات الإرهابية بواسطة بصواريخ
النقاش حول حدود قابلة للدفاع عنها هو قبل أي شيء نقاش حول يهودا والسامرة والتهديد الماثل على أبواب إسرائيل في حال سيطرت على المنطقة مجموعات متطرفة في فتح أو كما حصل في غزة، مجموعات من حماس. إن استراتيجية الحفاظ على حدود قابلة للدفاع عنها هدفها الأساسي هو منع حصول وقائع كهذه – وفي حال حصولها فعلاً، اتاحة المجال أمام قيام رد فعل إسرائيلي سريع على التهديد.
الحدود القابلة للدفاع عنها من شأنها أن تحول دون حصول عدد من التهديدات الخاصة. وحالياً يوجد لدى حماس صواريخ ذات مدى يتجاوز 50 كلم. وإذا اطلقت هذه الصواريخ من ظهر الجبل في يهودا والسامرة فإن باستطاعتها أن تصيب وسط البلد حيث يتجمع أكثر من 70% من مواطني الدولة. لذلك فإن سيطرة إسرائيل على غور الأردن تشكل أمراً حيوياً. وفي حال عدم امتلاك هذه السيطرة، فإن الوضع على طول الحدود مع الأردن من شأنه أن يتدهور إلى الوضع السائد حالياً على طول الحدود بين غزة ومصر، أي تهريب أسلحة ومخربين وأشكال أخرى من المساعدات لحماس.
والتهديد المركزي الثاني الذي من شأن الحدود القابلة للدفاع عنها أن تضمن تقليص حجمه هو المحاولة التي قد تقوم بها جهات إسلامية متطرفة لتهديد الاستقرار في الأردن أو استغلال أراضيه كقاعدة لاطلاق العمليات الإرهابية والعمليات العسكرية ضد إسرائيل عبر أراض  فلسطينية. إن اتفاق السلام بين إسرائيل والمملكة الهاشمية يشكل حجر الأساس لأمن إسرائيل ومن هنا فإن الحفاظ على أمن الأردن يتمتع بأهمية بالغة جداً بالنسبة لإسرائيل.
إن انسحاب الجيش الإسرائيلي إلى خطوط عام 1949 سوف يسهل عملية سيطرة جهات متطرفة على يهودا والسامرة، وسيريه من الأهمية الإستراتيجية لكل من حماس وسيدها الإيراني، اللذين سيوظفان بالتأكيد وسائل جديدة لتنفيذ هذه المهمة. إن القسم الأكبر من الجهد سيتركز على تشكيل شبكات إرهابية جديدة وخلق أوضاع مريحة لتهريب السلاح من الجانب الأردني للحدود. إن محاولة (  ) في يهودا والسامرة سوف تشكل تهديداً لإسرائيل والمملكة الهاشمية على حد سواء.
إن إسرائيل على استعداد للتفاوض مع الإدارة الحالية للسلطة الفلسطينية حول العناصر المكونة لدولة فلسطينية منزوعة السلاح، إلا أنه ينبغي عليها أن تأخذ بالحسبان إمكانية أن تكون حكومة كهذه هشة وبالتالي تنتقل الدولة الفلسطينية إلى سيطرة قوى معادية مثل فصائل متطرقة في فتح أو خصومها في حماس. ليس المقصود هنا مجرد تهديد نظري، لا سيما على ضوء التحريض والدعوة لممارسة الإرهاب التي تحصل في ظل سيطرة السلطة الفلسطينية. ومن أجل الحرص على أمن كل من إسرائيل والأردن، كما ومن أجل حماية الفصائل المعتدلة داخل السلطة الفلسطينية، من الحيوي أن يبقى وجود أمني إسرائيل على حدود الأردن.
ضعف استراتيجي
إن إسرائيل ما قبل حرب الأيام الستة كانت تشكل هدفاً سهلاً لأي هجوم معاد. وحالياً وإزاء توفر الوسائل القتالية والتطور التكنولوجي لدى أعدائها، وحيث أن حركة حماس على مسافة نحو 70 كلم من تل أبيب، فإن إسرائيل إذا عادت إلى وضعية الخصر الضيق بعرض 14 كلم (المسافة بين نتانيا وطولكرم، فهي ستتحول إلى هدف سهل ويستدرج هجوماً غير قابل للرد. لا بد لإسرائيل من المحافظة على قدرتها على منع شن هجمات من قبل قوى جيوش أجنبية ضد خصرها النحيل، وخاصة في لحظة من لحظات حالة الطوارئ الأمنية التي تتطلب وجود قوات إسرائيلية ضخمة في مناطق أخرى مثل سوريا أو لبنان. واللواء في الاحتياط أهرون فركش رئيس الاستخبارات العسكرية (أمان) سابقاً يتطرق لهذه الموضوعات بالتفصيل.
لا بد لنا من أن نؤكد على عدم الوضوح المطبق بالنسبة لكل ما يتعلق بامن الشرق الأوسط وبالنسبة لمسألة استقرار الأنظمة في الدول المحاذية لإسرائيل. وهذا الخوف يتصاعد أكثر فأكثر فيما لو توصلت إيران إلى المقدرة النووية العسكرية. وبالتالي أن أي انقلاب في ميزان القوى الاقليمي من شأنه أن يضعضع استقرار الأنظمة السنية أو أن يفرض عليها القيام بعقد صفقات مع السادة الجدد في طهران، ويلزمها بالانضمام إلى إيران في دعم المنظمات الإرهابية. جرأة المنظمات الإرهابية ستتزايد على ضوء الموقع النووي الجديد لسيدها، وهي سوف تتظلل تحت المظلة النووية التي تسغطي على هجماتها. في هذه الأثناء، تكدس وحزب الله المزيد من الأسلحة الفتاكة والبعيدة المدى. وهذه المجموعات الإرهابية تنجح منذ الآن في التغلب على عقبات في البر والبحر كانت تمنعهم في الماضي من نقل أسلحة متطورة من دول مثل إيران وسوريا. إن إسرائيل بحاجة لحدود آمنة من أجل مواجهة تحديات محتملة، بما في ذلك مواجهة هجوم غير تقليدي، لا يمكن التفاضل عنه. إسرائيل ليست لوحدها التي تواجه قبل هذه المخاطر في الماضي والحاضر. فالولايات المتحدة تعرضت لخطر خوض حرب نووية من أجل منع الاتحاد السوفياتي من نصب صواريخ نووية على مسافة 146 كلم عن شواطئها الجنوبية.
إن احتفاظ إسرائيل بسيطرتها على حدودها سوف تزيد من الصعوبات بوجه المجموعات الإرهابية من أن تستغل أراضي الدول المجاورة كقاعدة انطلاق لشن هجمات. وهذا الأمر لا يؤدي فقط إلى تعزيز أمن إسرائيل بل أيضاً إلى تحسين ظروف استقرار الحكومات المجاورة والأنظمة السنية الأكثر بعداً في المنطقة. إن الاحتفاظ بحدود قابلة للدفاع عنها لإسرائيل، يشكل مصلحة مشتركة لجميع هؤلاء اللاعبين.
نزع السلاح
هنا نصل إلى شرك أساسي آخر في الطريق نحو اقامة دولة فلسطينية وهو شرط نزع سلاحها.
إن التجربة الإسرائيلية الماضية بخصوص السعي لتحقيق سلام مع جاراتها قد باءت بالفشل. فعندما اجتاز ياسر عرفات معبر رفح ووصل إلى قطاع غزة في شهر أيار 1994 وفقاً لاتفاق "غزة وأريحا أولاً" مع إسرائيل، قام بانتهاك اتفاقيات أوسلو منذ اللحظة الأولى لعودته، عندما خبأ مخرباً وأسلحة في سيارته في مخالفة صريحة للاتفاقات. ومنذ ذلك الحين وحتى الآن أسست السلطة الفلسطينية لنفسها سمعة مشكوكاً في صدقيتها ولا تسمح لإسرائيل التعامل مع وعودها بجدية. حالة الهدنة الأخيرة على صعيد ممارسة العنف الفلسطيني لا تشكل مبادرة حسن نية سخية رداً على مبادرات إسرائيل الطيبة. والسبب الحقيقي للهدنة الأخيرة هو اقامة الجدار الأمني والأنشطة الجارية للجيش الإسرائيلي التي ترغم الإرهابيين على الغرار، والخصومة المتفاقمة بين فتح وحماس، والإقرار بأن الإرهاب الفلسطيني لا يؤدي دوره بصورة جيدة.
الدولة الفلسطينية غير المنزوعة السلاح، ستشكل دعوة مفتوحة لمنظمات الإرهاب من أجل التدخل وشن الهجمات: فبالإضافة لا ملها في السيطرة على الأرض، سوف تنشط من أجل السيطرة على مخازن أسلحة باهظة القيمة ومن ثم توجيهها ضد إسرائيل. كما وأن الدولة غير المنزوعة السلاح سوف تفتقر لاجهزة الرقابة الخاصة بمنع انتقال أو استخدام الأسلحة بصورة مشتركة من قبل قوات أمن فلسطينية شرعية ومجموعات إرهاب وميليشيات تتداخل ما بينها في حالات كثيرة.
لذلك سيكون من الخطورة بمكان ومن غير المعقول التوقع أو الاعتقاد بأن مبادرات السلام والتنازلات الإسرائيلية ستحظى في المستقبل بنتائج مختلفة – على الأقل حتى يتمكن المجتمع الفلسطيني من ضبط أوضاعه الداخلية ويتبنى مقاربة التعايش المشترك بسلام. وطالما أن هذا الأمر لم يحصل بعد فلا بد لإسرائيل من أن تحول دون امكانية حصول الدولة الفلسطينية على أسلحة أو أن تحتفظ بعدد من القوات يتجاوز ما هو مطلوب فقط لاحتياجات الأمن الداخلي الفلسطيني ومنع حصول عمليات تخريبية ضد إسرائيل.
لكن اقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح أيضاً لا تعني تخلي إسرائيل الكامل عن السيطرة الأمنية. فعملياً، وحسبما عاد وحذر رئيس الحكومة نتنياهو تكراراً، لا بد من سيطرة إسرائيلية دائمة على المعابر الحدودية خاصة على الجانب الشرقي لحدود أي دولة فلسطينية مستقبلية، ولا بد من ضمان حق الجيش الإسرائيلي في الدخول إلى الكيانية الفلسطينية عندما تستدعي الضرورة ذلك.
الانسحابات الإقليمية تشجع أعداء إسرائيل
بالنسبة لمسألة اخلاء مستوطنات يهودية على أساس نموذج فك الارتباط عام 2005، لا بد من بحث هذا الموضوع في إطاره الواسع، وبما يتجاوز حتى الهواجس الأمنية الفورية الخاصة بالفلسطينيين. ذلك أن مجرد الحديث عن اخلاء مستوطنات إسرائيلية من شأنه أن يشجع ناشطي الجهاد في مختلف انحاء العالم. واهداف هؤلاء المعلنة لا تختصر باقامة دولة فلسطينية بل "محو إسرائيل من الوجود". كما وأن مجموعات إسلامية متطرقة، حتى تلك ذات الإمكانيات المحدودة لجهة المس بإسرائيل، إنما تتطلع إلى تدمير إسرائيل على مراحل: غزة أولاً، وفي المرحلة المقبلة يهودا والسامرة [الضفة الغربية] وعندها يأتي دور تل أبيب. وليس المقصود هنا مجرد امنيات بل المقصود هو هدف استراتيجي – ونحن سبق لنا أن تعلمنا من التجربة المرة للانسحاب من الأراضي بأن هذا الانسحاب لا يؤدي إلى التهدئة على الأرض بل يفسر على أنه مؤشر ضعف وهو بالتالي يقنع أعداء إسرائيل بأن النصر قريب وقابل للتحقق.
من أجل ذلك يجب على إسرائيل أن تتبنى إستراتيجية مضادة تعتمد على قدرة الصمود. وبدلاً من الايحاء بأن إسرائيل هي في حالة انسحاب مستمر، لا بد لها من أن تظهر بمظهر الدولة القادرة على الدفاع عن نفسها وأن تنتقم من أعدائها حتى يعيد هؤلاء التفكير في الثمن المنوط بمهاجمتها قبل أن يشنوا هذا الهجوم.
الخطر الكامن في نشر قوات دولية
في هذا القسم يتطرق رئيس الاستخبارات العسكرية (امان) السابق اللواء في الاحتياط يعقوف عميدرور، إلى موضوع نشر قوات دولية كجزء من اتفاق سلام يشمل انسحاباً إسرائيلياً من أراض اضافية. في هذا الخصوص أيضاً انطوت التجربة الإسرائيلية على معالم كارثة، ليس فقط أثر فقدان النية الطيبة من جانب هذه القوات بل أيضاً لجهة مهمتها المستحيلة المتعلقة لمنع الأنشطة المعادية على طول الحدود الإسرائيلية.
ثمة أسباب كثيرة جداً فيما يتعلق بالتجربة المخيبة للامل مع قوات السلام الدولية، التي تؤكد عدم فاعلية هذه القوات بشكل فاضح. فلنتأمل على سبيل المثال بقوات اليونيفيل على الحدود مع لبنان. فهذه القوات تعمل وفقاً لتكليف وارد في الفقرة السادسة من ميثاق الأمم المتحدة، وهذا التكليف يمنعها من اتخاذ موقف مستقل تجاه حزب الله، وهي بحاجة لأن تحصل مسبقاً على موافقة الحكومة اللبنانية التي يشارك فيها حزب الله. إن قوات السلام الدولية غير مزودة وغير منظمة عسكرياً من أجل مواجهة التهديدات التي تعترضها. وهي خاضعة لمحفزات بيروقراطية ترغمها على التزام جانب الحذر والامتناع عن المجازفات – وذلك خلافاً للدوافع والحوافز التي تحرك القوات العسكرية التابعة للدولة القومية. ومحفزات القوات الدولية هذه تشجعها على اعتماد موقف التقليل من أهمية التهديدات وتقلل من فعاليتها. وهذا الأمر قد ينفع القوات الدولية لكنه يعرض للخطر الجهات التي تتوقف حياتها على طريقة اداء هذه اقوات.
القوات الدولية لا تلك القوة ولا القدرة على منع تسلح أو انتظام مجموعات إرهابية تنشط بصورة سرية لكن يكفي وجودها لايجاد عقبة خطيرة في ميدان المعركة الخاصة بالجيش الذي يحارب الإرهاب. هذا الأمر شكل عائقاً بوجه قدرة الجيش الإسرائيلي على تنفيذ مهام حيوية، إثر احتكاكات مع جنود اليونيفيل، الأمر الذي يفرض صعوبات على تركيز الجيش كل جهوده في المواجهة مع العدو.
وحتى عندما طاردت قوات الأمم المتحدة مهربي أسلحة أو اكتشفت خلايا إرهابية، فإنها لم توقفها سوى لمدة زمنية قصيرة في أسوأ الحالات ومن ثم تطلق سراحها وتعيد لها سلاحها. هذا يذكرنا بالحادثة التي هرب فيها مراقبو الاتحاد الأوروبي، المتمركزون عند معبر رفح في قطاع غزة، من المكان عندما تدهور الوضع الأمني هناك، وذلك قبل أن تسيطر حماس على غزة في شهر حزيران 2007.
إن إسرائيل لا تستطيع الموافقة على وجود قوات أجنبية على أراضيها ولا على أراضي الدولة الفلسطينية العتيدة المنزوعة السلاح.
التغيير الآخر في الاستراتيجية الإسرائيلية، الذي توليه حكومة نتنياهو أهمية قصوى، هو النضال ضد ظاهرة نزع الشرعية عن إسرائيل، والتي تحولت إلى وسيلة مركزية في استراتيجية اضعافها والقضاء عليها. إن تقرير غولدستون الذي وضع باشراف الأمم المتحدة والمعروف بأنه منحاز وشائن، يثبت المخاطر التي تواجهها إسرائيل ودول ديموقراطية أخرى لدى اقدامها على محاربة الإرهاب ولا سيما في المناطق المأهولة بالمدنيين بصورة مكتظة مثل غزة، حيث تتمتع القوات الإرهابية بحرية الحركة داخل السكان.
لإسرائيل أيضاً حقوق وطنية وتاريخية
أخيراً، شددت سياسة إسرائيل الحالية على الحقوق الوطنية والتاريخية للشعب الإسرائيلي في أرض إسرائيل. وهذا العامل يوفر الرابط التاريخي والجدلي للمزاعم المتعلقة بالأمن والحدود. فمن بين التحديات المركزية التي تواجهها إسرائيل في نضالها ضد العدوانية الفلسطينية، النجاح الذي أحرزه الفلسطينيون في المعركة "غير المتناظرة" لكسب الرأي العام الدولي. ميدان المعركة هذا يتميز بوجود ماكينة دعائية ضخمة ومزيفة تماماً، وتسعى لاقناع العالم بأن إسرائيل غير شرعية، وتعمل على عزلها اقتصادياً ودبلوماسياًُ.
إسرائيل، المنشغلة بإحراز سلام من ناحية والمحافظة على أمنها من ناحية ثانية، تنسى في بعض الأحيان تذكير نفسها والعالم بالخلفية المتعلقة بإقامتها كدولة يهودية – والسبب لا يمكن في المحرقة اليهودية. إسرائيل هي الوطن اليهودي منذ القدم. واليهود في كل أنحاء العالم عبروا عن شوقهم لأرض إسرائيل في كل الحقب والمراحل، حسبما يتجلى من خلال المقولة الأبدية في صالة الليل وفي ختام مراسم يوم الغفران "العام المقبل في القدس". كذلك فإن اكتشافات أثرية جديدة تظهر بين حين وآخر وتثبت قيام حياة قومية يهودية في إسرائيل منذ ثلاثة آلاف سنة. الحضور اليهودي في أرض إسرائيل – بشكل مكثف أحياناً وبشكل اقل احياناً أخرى بسبب الاضطهاد والطرد – كان حضوراً دائماً على مدى الأجيال. والذي يحاول سلب الشرعية من إسرائيل إنما يتجاهل أو ينفي هذه الحقائق. لقد آن الأوان لإظهار الحقيقة والتأكيد على الحقوق اليهودية والتاريخ اليهودي ضمن جبهة الجدال الدائر واستغلال ذلك كجزء لا يتجزأ من مجمل عناصر عناصر الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية.
الحدود القابلة للدفاع عنها لضمان مستقبل إسرائيل
اللواء احتياط عوزي ديان
لإسرائيل الحق الطبيعي والمعترف به دولياً بحدود قابلة للدفاع عنها
الحق الأساسي لدولة إسرائيل في حدود قابلة للدفاع عنها، إنما يرتكز على الملابسات الاستراتيجية والقانونية التي تبلورت في أعقاب حرب الأيام الستة، حين تم احتلال الضفة الغربية للاردن وسيناء وهضبة الجولان. "الخط الأخضر" الذي تحدد في اتفاق وقف اطلاق النار عام 1949، وصف بأنه خط عسكري بين الجيشين الإسرائيلي والأردني وليس كخط سياسي دائم. هذا الواقع شكل الخلفية للقرار الصادر عن مجلس الأمن الدولي رقم 242 في شهر تشرين الثاني 1967، والذي لم يطب في الجيش الإسرائيلي الانسحاب التام إلى الخط المذكور، بل حدد بأن إسرائيل بحاجة على "حدود معترف بها وآمنة". وليس بالضرورة متماهية مع الخطوط غير القابلة للدفاع عنها التي كانت قائمة قبل نشوب الحرب.
حالياً يميل الكثيرون إلى نسيان إلى أي حد كانت إسرائيل معرضة للخطر في الماضي. قبل العام 1967 كانت خواصر إسرائيل ضيقة، أي أن المسافة بين مدن الشاطئ الأساسية لإسرائيل وبين الضفة الغربية الواقعة تحت الاحتلال الأردني نحو 12 كلم فقط وهذه المسافة غير قادرة على أن توفر عمق الحماية الدنيا في حال حصول غزوا أن إسرائيل هي دولة صغيرة لا تتجاوز مساحتها 25900 كلم2 فقط – أي بحجم ولاية نيوجرسي بالقياسات الأميركية. إن حقيقة أن 705 من سكان الدولة و80% من طاقتها الصناعية مجمعة داخل شريط ضيق بين البحر المتوسط والضفة الغربية التي تسيطر طوبوغرافياً على الشريط الساحلي المنخفض والمكشوف نسبياً، إنما تشكل واقعاً يوفر الافضليات الواضحة للمهاجم من ناحية السيطرة في المراقبة والرامية والقدرة على الحماية بوجه أي هجون مضاد إسرائيلي. وعلى طول المنطقة الساحلية الضيقة تنتشر أهداف من البنى التحتية ذات الأهمية الوطنية: مطار بن غوريون الدولي، طريق عابر إسرائيل (الطريق رقم 6) الذي في بعض الأماكن منه لا يبعد بضع عشرات الامتار فقط عن الخط الأخضر وكذلك انبوب المياه القطري وخطوط التوتر العالي.
هذا يعني أن خطوط وقف اطلاق النار عام 1949 لم تكن قابلة للدفاع عنها، وهذه الاسباب حملت مهندسي نظرية الأمن القومي الإسرائيلي، بدءاً بيغآل آلون ومروراً بموشيه ديان وحتى اسحق رابين، على الرفض الفاضح لعودة إسرائيل إلى خطوط العام 1967 السريعة العطب، والتي كانت بوضعها القديم تستجلب الاعتداءات وتهدد مستقبل إسرائيل بدلاً من أن تشق طريقاً نحو السلام.
هؤلاء القادة الإسرائيليون سعوا إلى حدود جديدة تسمح لإسرائيل بأن تدافع عن نفسها. وهكذا تشكل نوع من الاجماع الواسع النطاق في المؤسسة الأمنية الوطنية على تسمية هذه الخطوط الواجبة الوجود باسم "الحدود القابلة للدفاع عنها" وأصرت على احرازها وحيازتها في أي اتفاق سلام مستقبلي. عام 2004 أعطت الولايات المتحدة إسرائيل رسالة وقعها الرئيس جورج دبليو بوش وحصلت على تأييد الأغلبية من قبل الحزبين الممثلين في الكونجرس الأميركي.
الهجوم التقليدي
خلافاً للقوات المسلحة في الدول العربية المحيطة بنا، يتألف الجيش الإسرائيلي في اغلبيته من وحدات احتياط تحتاج إلى نحو 48 ساعة حتى تستكمل تجنها والتحاقها بجبهة القتال. والحدود القابلة للدفاع عنها إنما رمت إلى توفير الظروف الطوبوغرافية المثالية لخوض حرب نظامية والصمود بوجه هجوم بري لقوات ذات تفوق عددي، إلى حين انجاز عملية تجنيد القوات الاحتياطية. وحتى بعد انجاز تجنيد الاحتياط، فإن الحدود القابلة للدفاع عنها يجب أن تؤمن لإسرائيل العمق العملاني المطلوب لخوض حرب دفاعية. وإذا افتقدت إسرائيل هذا العمق الدفاعي فلسوف تضعف طاقتها الردعية أيضاً إلى جانب ذلك وستزداد الاغراءات لدى الاعداء لشن هجوم مباغت عليها من أجل تحقيق حسم سريع ضد الجيش الإسرائيلي قبل إنهاء مسار تجنيد الاحتياط.
هذه هي الاعتبارات المركزية الداعمة لفكرة الحدود القابلة للدفاع عنها بوجه ائتلافات الحرب العربية التي تبلورت في الأعوام 1948 و1967 و1973 والتي ضمت أيضاً تدخل قوات دعم ومساندة عراقية في المعركة. منذ حرب الخليج الأولى عام 1991 واحلال السلام بين إسرائيل والأردن، انخفض هذا الخطر في المدى القريب، إلا أنه لا شيء يضمن مسألة امكانية تطور العراق في المستقبل. لا يمكن استبعاد أن يكون تطوراً معادياً بل من المحتمل أن يتحول العراق إلى دولة تابعة لإيران وتساعد على بسط النفوذ الإيراني في مختلف انحاء العالم العربي. لا أحد يستطيع أن يستشرف بصورة مؤكدة كيفية تطور الاحلاف والتشكيلات في العالم العربي خلال السنين المقبلة.
وإسرائيل لا تستطيع أن تخطط لا منها على أساس صورة الوضع السياسي الحالي فقط، ولا بد لنا بالتالي من أن نأخذ بالحسبان أيضاً سيناريوهات ذات طابع تهديدي، مثلما يعلمنا تاريخ الشرق الأوسط على مستوى واسع.
يجب التشديد على أن توفير الأمن في حال حصول هجوم تقليدي مكثف إنما يشكل بالنسبة لإسرائيل بالذات الامتحان الحساس. وحتى في عصر الصواريخ والمقذوفات المنحية المسار، يبقى الهجوم العسكري البري – وليس الهجمات الجوية أو الصاروخية – هو الذي يحسم الحرب في آخر المطاف. وطالما بقيت القوات البرية تشكل العنصر الحاسم في نتائج الحرب فلسوف تبقى العوامل المؤثرة على الحرب البرية مثل: عمق الأرض، الطوبوغرافيا، وحجم القوات (أعدادها) وطابعها، هي العوامل الحيوية المشكلة للأمن القومي الإسرائيلي.
إرهاب.
إن إسرائيل منذ تأسيسها اخطرت إلى محاربة الإرهاب المدعوم من قبل دول في المنطقة باكملها، وهذا التهديد لا يزال قائماً اليوم كما كان قائماً من قبل. وإسرائيل من خلال وجودها على طول الغلاف الشرقي للضفة الغربية في غور الاردن وصحراء يهودا، فقد تمكنت من أن تحول دون تهريب الأسلحة والمتسللين المعادين. وبنتيجة ذلك حيل دون تحويل الضفة الغربية إلى ميدان حرب ذي أفضلية بالنسبة لدعاة الجهاد العالمي مثلما يحصل في أفغانستان والعراق والصومال. ومن بين الشروط المسبقة المركزية في استراتيجية القتال ضد الإرهاب نجد ضرورة عزل منطقة المواجهة ومنع دخول تعزيزات من جانب قوات معادية باسلحتها وعتادها. ونحن دفعنا الثمن من لحمنا ودمنا في لبنان وغزة من جراء عدم القدرة على منع تدفق السلاح والرجال حيث تحولت تلك المناطق إلى مصدر للهجمات واطلاق الصواريخ وقذائف الهاون والتسبب بعدم الاستقرار والتعقيدات الدبلوماسية بل والحربية.
مقذوفات وصورايخ
إذا اطلقت قوات ارهابية قذائف هاون وصواريخ من منطقة يهودا والسامرة (الضفة الغربية) مثلما هي تفعل حالياً من قطاع غزة، فإن الجبهة الداخلية الإسرائيلية باكملها سنكشف أمام هذه النيران. وبما أن الضفة الغربية تسيطر من مسافة بضع كيلومترات على المدن المركزية الإسرائيلية، فمن الحيوي منع دخول الهاونات والصواريخ المضادة للطائرات وسائر المقذوفات إليها. نحن لا نتحدث هنا عن قلق نظري ولا عن طرح الافتراض الأسوأ، بل عن تهديد ملموس جداً. فعلى سبيل المثال، لقد قام أحد رجال القاعدة باطلاق صاروخ كتف مضاد للطائرات من نوع سام 7 ضد طائرة مدينة في مومباسا في كينيا عام 2002، وحماس تبذل جهوداً حثيثة لتهريب صواريخ مضادة للطائرات إلى داخل غزة.
الصواريخ القصيرة المدى تشكل تحدياً من نوع خاص بالنسبة لإسرائيل، وهي تحول المساحة الجغرافية الضيقة التي تمتلكها إلى منطقة ذات أهمية كحاجز دفاعي من الدرجة الأولى ولا يمكن الاستغناء عنها. ومن باب السخرية أن الصواريخ والمقذوفات البعيدة المدى وذات الرؤوس المتفجرة الضخمة، تشكل مشكلة أقل أهمية من مشكلة الصواريخ والمقذوفات القصيرة المدى، لأن الصواريخ البعيدة المدى تحتاج إلى قواعد اطلاق يمكن اكتشافها (حتى ما بعد الإطلاق) في حين أن رماية المقذوفات القصيرة المدى من الصعب جداً احباطها أو اصابتها بعد اطلاقها، لاسيما عندما تكون مخفية داخل مجمعات سكانية مدنية، واعدادها كبيرة بسبب كلفتها المتدنية. وإذا كانت إسرائيل تريد منع نشرها بالقرب من أهداف استراتيجية حيوية وسريعة العطب، فلا بد لها من احتلال مناطق الاطلاق الظاهرة.
 كذلك فإن اعتراض الصواريخ والقذوفات ذات المدى الابعد تستوجب نشر أنظمة الانذار والكشف والمطاردة على مسافة ملائمة يكون من الممكن لها (  ) الكشف والمطاردة ضمن الوقت الكافي لذلك.
التهديد غير التقليدي
الحدود القابلة للدفاع عنها تبقى مطلوبة حتى في حقبة القلق المتزايد من احتمال دخول سلاح غير تقليدي على المواجهة، وخاصة السلاح النووي، في الشرق الأوسط. إن إسرائيل هي دولة صغيرة جداً إلى حد أنه يتواجب عليها توزيع سكانها وقواتها وثرواتها الدفاعية (عناصر الانذار والمطاردة) على نطاق واسع قدر الامكان من أجل تقليص ثقة العدو بقدرته على احراز تفوق عسكري حاسم من خلال المبادرة لتوجيه ضربة أولى لا تصطدم برد انتقامي إسرائيلي. وكلما تزايد انكشاف إسرائيل الجغرافي، يتزايد معه التهديد ضدها سوا، في شكل هجوم تقليدي من جانب جيوش شرق أوسطية أو في شكل هجمات ارهابية غير تقليدية.
منذ العام 1967تحول غور الأردن، بفضل موقعه وخصائصه الطوبوغرافية المميزة إلى العنصر الأهم في التفكير الإسرائيلي بشأن الحدود القابلة للدفاع عنها.
فيما يلي مجموعة من المعطيات والمعلومات الأساسية بشأن غور الأردن.
- عرض إسرائيل من شاطئ البحر الأبيض المتوسط وحتى نهر الاردن هو في المتوسط 64 كلم فقط. وهذا يشكل عمقاً استراتيجياً ضئيلاً وممنوع علينا المخاطرة بتقليصه.
- عرض غور الأردن هو بين 6.7 – 14.5كلم. ونهر الأردن يقع على عمق 396 متراً تحت سطح البحر، إلا أنه قريب من السطح الشرقي لهضبة ظهر الجبل في الضفة الغربية – التي يصل ارتفاع أعلى نقطة فيها (باعال حتسور) إلى 1011 متراً فوق سطح البحر. وهكذا يشكل وادي غور الأردن عائقاً مادياً فيزيائياً ارتفاعه بين 914 و1402 متراً.
- هذه المنطقة هي منطقة جافة وذات كثافة سكانية فلسطينية ضئيلة.
- إن أي جيش مهاجم لا يستطيع التحرك من غور الأردن باتجاه الغرب إلا عبر خمسة معابر، يمكن الدفاع عنها بسهولة نسبية حتى بواسطة القوة النظامية الإسرائيلية المحدودة العدد.
إزاء الأهمية الاستراتيجية التي يتمتع بها غور الأردن على صعيد أمن إسرائيل، يحرص الجيش الإسرائيلي – حتى ما بعد اتفاق السلام الناجح مع الأردن – على الاحتفاظ فيه ليس بقوة أمن جارٍ تستعين بجدار أمني منيع فقط، بل أيضاً بقوات كبيرة على مستوى الوية مع امكانية تعزيزها ودعمها بقوات احتياط والاعتدة المطلوبة في حال حصول تهديد بري جوهري من ناحية الشرق. القوة الإسرائيلية في غور الأردن تشكل أيضاً نوعاً من اللغم مع سلك تفجير تأخيري، بحيث أن أي هجوم عليه سوف يجر معه تجنيد الاحتياط الشامل، كما وفي أي مفاوضات مع الفلسطينيين تصر إسرائيل على حقها في تحريك قوات إضافية تابعة لها على الغور عبر طرق استراتيجية عندما تدعو الحاجة.
هل من غير الممكن الاعتماد على الانذار المبكر بدلاً من التواجد الفعلي؟
بعض الأحيان يتكرر السؤال: لماذا لا تستطيع إسرائيل الاعتماد على قدرات الاستخبارات العسكرية للانذار من هجوم وشيك، بهدف تجنيد القوات الاحتياطية في الوقت المناسب لتعطيل أي هجوم بري محتمل، وبالتالي التخلي عن نشر "قوات متقدمة" في غور الأردن؟ والجواب هو أنه عام 1973 كان الجيش الإسرائيلي يحتفظ بقوات غير كافية في الجبهتين المصرية والسورية من منطلق الثقة بأنه سيتلقى في كل الحالات انذاراً استخبارياً مسبقاً بما فيه الكفاية لتعزيز قواته. والكشف هذا التقدير بعد فوات الأوان بأنه كان تقديراً خاطئاً تماماً: فالمصريون والسوريون نجحوا بشن هجمات مباغته ونحن علينا أن نتعلم هذا الدرس المؤلم في اعقاب حرب يوم الغفران.
ثمة مجال آخر ثبت فيه أن الاعتماد على الانذار الاستخباري من شأنه أن يكون اشكالياً، وهو مجال توقع الموقف السياسي الذي قد تتخذه بعض الدول في الشرق الأوسط. فعلى سبيل المثال، ما من شك بأن الأردن قد اثبت نفسه بأنه شريك مأمون وحيوي للسلام مع إسرائيل، لكن حصلت حادثتان في الماضي غير البعيد، حيث تسببت تطورات مفاجئة من التصعيد العسكري في المنطقة بتوجيه ضغط هائل على القيادة الأردنية مما اضطرها لاتخاذ مواقف أكثر عدائية تجاه إسرائيل. ففي العام 1967 كان الملك حسين الزعيم الأخير الذي انضم إلى الائتلاف العربي ضد إسرائيل، حين سمح لجيوش اجنبية بدخول مملكته للمشاركة في الحرب. وخلال الفترة التي سبقت الغزو العراقي للكويت، مورس ضغط شديد على الأردن لكي يقف لجانب معسكر صدام حسين، وفي عام 1989 حصلت طائرات تجسس عراقية على إذن بدخول المجال الجوي الأردني من أجل تصوير اهداف محتملة في إسرائيل.
الدرس المستفاد هو أنه ممنوع على إسرائيل التخلي عن غور الأردن من منطلق الافتراض بأنه لن يكون هناك احتمال يشن هجمات من الشرق، أو بأن الجيش الإسرائيلي سوف يتلقى فترة انذار كافية لتحريك قوات نحو الغور من أجل الرد على هجوم كهذا.
يضاف إلى ما تقدم أن الاعتماد على تعزيزات سريعة تضخ إلى الجهة الشرقية لإسرائيل بواسطة قوات احتياطية، يتحول إلى عمل معرض للخطة أكثر فأكثر. ومثلما أثرنا آنفاً، فإن لدى جارات إسرائيل أفضلية امتلاك فائض من القوات البشرية النظامية، مع اعطاء دور ثانوي لقوات الاحتياط. وهي لديها مصلحة بتأجيل تجنيد الاحتياط الإسرائيلي قدر الإمكان، وبالتالي الاستمرار الاحتفاظ بميزان قوى ايجابي لصالحها لاطول فترة ممكنة. الصواريخ من شأنها إلحاق الضرر بمسار تجنيد الاحتياط بالذات، من خلال توجيهها نحو نقاط التجمع ومراكز توزيع السلاح. وضمن ظروف كهذه يجب توقع أن تستخدم الدول المجاورة ترسانة الصواريخ البالستية والمقذوفات البعيدة المدى المتوفرة لديها لتحقيق هذا الهدف بالذات – وهو منع مجيء تعزيزات كافية إلى الجبهات الإسرائيلية بما فيها غور الأردن.
ثمة من يقولون بأن بوسع إسرائيل الاعتماد على القوة الجوية من أجل شل حركة أي جيش مهاجم، بحيث يصبح بالإمكان التخلي عن المجال الدفاعي الأمثل. لكن في أي ميدان حرب مستقبلية، سوف تخصص لسلاح الجو مهمات على مستوى عال من الأهمية قبل أن يتمكن من التوجه لتقديم دعم جوي لعملية نشر قوات برية. وفي كل الأحوال، المتوقع منه أولاً هو احراز التفوق الجوي من طريق تدمير الوسائل المضادة للطائرات التي تمتلكها الدول المعادية وتعطيل عملية اطلاق الصواريخ البالستية ضد المدن الإسرائيلية. بناء عليه نجد أن دخول الصواريخ البالستية والمقذوفات المتعددة الأنواع إلى الميدان، إنما زاد فقط من أهمية الأرض والعمق الاستراتيجي بالنسبة لإسرائيل، التي سيضطر جيشها الصغير إلى كبح هجوم العدو خلال فترة زمنية أطول من دون تعزيزات قوات الاحتياط، التي من شأن وصولها إلى الجبهة أن يتأخر بسبب اطلاق الصواريخ. ومن المحتمل جداً أيضاً أن يضطر الجيش النظامي الإسرائيلي للعمل لفترة زمنية ملحوظة وطويلة من دون دعم مكثف من قبل سلاح الطيران الذي سيكون مشغولاً. أيضاً في مهاجمة قواعد اطلاق هذه الصواريخ.
لهذه الأسباب لا يوجد بديل عن التمسك والاحتفاظ بغور الأردن كمدى أمني إسرائيلي. وبمقتضى ذلك حدد رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق اسحق رابين في خطابه الأخير في الكنيست في شهر تشرين الأول 1995، بأن على إسرائيل الاحتفاظ بغور الأردن "بالمعنى الأوسع للكلمة" في أي اتفاق سلام.
الأهمية الحساسة التي يتمتع بها غور الأردن بالنسبة لأمن إسرائيل تتكشف أيضاً من خلال التجربة الإسرائيلية في غزة. ذلك أن إسرائيل، عندما طبقت اتفاقيات أوسلو في غزة عام 1994، أوجدت شريطاً أمنياً بين جنوب غزة والأراضي المصرية. وهذا الشريط الضيق الذي لا يزيد عرضه في بعض الأماكن الحيوية عن مئة متر(!) دعي باسم محور فيلادلفي". وقد استغلت مجموعات فلسطينية هذا الشريط الضيق وحفرت من تحته انفاقاً للتهريب من الجانب المصري لمدينة رفح في سيناء إلى الجانب الفلسطيني حيث تم تهريب صواريخ وأسلحة ومعدات قتالية أخرى إلى داخل غزة. إسرائيل كافحت هذه الانفاق بنجاح جزئي حتى العام 2005 عندما انسحبت نهائياً من قطاع غزة بما في ذلك محور فيلادلفي.
بعد أن تخلت إسرائيل عن محور فيلادلفي، تزايدت عمليات تهريب الأسلحة وتحولت غزة إلى ميدان لاطلاق الصواريخ ذات المدى الأبعد والقدرة التدميرية الأكبر تجاه المراكز السكنية الإسرائيلية. حماس ومجموعات إرهابية أخرى وسعت جهود التهريب من قبلها، مستقدمة السلاح من إيران واليمن والسودان. ونجح ناشطو حماس في الخروج من غزة والوصول إلى طهران حيث حصلوا على تدريبات من قبل حراس الثورة الإيرانيين قبل أن يرجعوا ويبنوا القوات الفلسطينية. في الوقت نفسه، وفرت "صناعة الانفاق" مصدر رزق لالاف المصريين وبالتالي فهم لا مصلحة لهم في اقفالها.
ضمن معان كثيرة، يعتبر غور الأردن بمثابة محور فيلادلفي الخاص بالضفة الغربية. وفي حين أن حفر الانفاق تحت الأرض عملية شاقة لا تحتمل، فإن غور الأردن هو اطول بكثير من محور فيلادلفي ويوفر مجموعة منوعة من الامكانات والفرص للتهريب. والطريق الوحيد لتحقيق المطلب الإسرائيلي بأن تكون أي دولة فلسطينية مستقبلية منزوعة السلاح وبالا تتحول هذه الكيانية مستقبلاً إلى كيانية إيرانية، إنما يكمن في متابعة السيطرة الإسرائيلية على غور الأردن.
تتمتع السيطرة الإسرائيلية على غور الأردن بتداعيات هامة أيضاً بالنسبة لأمن الأردن. فإذا اخلى الجيش الإسرائيلي غور الأردن، فسيسقط الجهد الأساسي المبذول لمنع التهريب على اكتاف الجيش الأردني. ومنذ اللحظة التي ستنسحب فيها إسرائيل من غور الأردن ستسارع مجموعات إرهابية اقليمية كثيرة، تبذل جهدها من اجل الدخول إلى يهودا والسامرة لدعم حماس والانضمام إلى حربها ضد إسرائيل، إلى استغلال نقطة الضعف الجديدة، وستبحث لاجل ذلك عن مواقع متقدمة لها داخل الأردن. عامل الجاذبية نحو غور الأردن كمعبر تسلل، من شأنه أن يؤدي إلى تطور مجموعات إرهابية كثيرة داخل المملكة الأردنية نفسها، الأمر الذي سيؤدي من دون شك إلى زيادة العبء الأمني على كاهل الأردنيين، بل ومن الممكن أن يؤدي أيضاً إلى مخاطر جمة وضخمة مثلما حصل في آخر الستينيات مما أجبر الملك حسين آخر المطاف عام 1970 إلى وضع حد للبنية التحتية الإرهابية الواسعة التي تشكلت من قبل منظمة التحرير الفلسطينية وهددت باحداث حرب أهلية وبالتالي تدمير المملكة.
الحدود القابلة للدفاع عنها والقدس
القدس موجودة في منطقة تستوجب بشكل خاص توفر حدود قابلة للدفاع عنها، وهي حدود سيكون تأثيرها على المدينة بالغاً جداً. فقيل العام 1967 كانت القدس واقعة في نهاية منحدر ضيق يبدأ عند السهل الساحلي الإسرائيلي وكانت محاطة بالاعداء من ثلاث جهات. وإذا اضفنا المسافة القصيرة والسيطرة الطوبوغرافية فهذا يعني قيام تهديد مباشر للعاصمة (ففي عام 1967، على سبيل المثال، استغل الجيش الأردني المنطقة المشرقة على القدس من أجل اطلاق نحو 9 آلاف قذيفة مدفعية إلى داخل الأحياء اليهودية في المدينة) وايضاً تهديد شريان المواصلات الرئيسي الوحيد الذي كان يربط القدس بوسط البلد (الطريق رقم 1). وهكذا أوجدت، على سبيل المثال، قرية بيت اكسا، الموجودة ما وراء الخط الأخضر، على مسافة بضع مئات من الامتار فقط من الطريق الرئيسي الذي يربط القدس بتل أبيب.
بعد العام 1967 عملت إسرائيل، لاعتبارات دفاعية، من أجل احراز سيطرة دائمة على الجبال المشرقة على عاصمتها، في حين كانت تعمل على تطوير مستوطنات غفعات زئيف من ناحية الشمال وغوش عتسيون من الجنوب ومدينة معاليه أدوميم من الشرق. ومدينة معاليه أدوميم تقع أيضاً على امتداد أحد المحاور الاستراتيجية الخاصة بتدفق التعزيزات الإسرائيلية إلى غور الأردن في حال نشوب حرب. كذلك تم شق الطريق رقم 443 شمالي الطريق رقم 1، من القدس وحتى مدينة مود يعني – كطريق استراتيجي إضافي نحو القدس.
في الوقت الراهن، من الحيوي التشبث بهذه المناطق الاستراتيجية والمحافظة على تموضع إسرائيلي ملموس في غور الأردن من شأنه أن يضمن ذلك.
ترتيبات أمنية بديلة؟
ثمة فكرة أخرى تطرح بين حين وآخر وهي فكرة "الترتيبات الأمنية البديلة"، وتقوم على الجمع بين حضور إسرائيلي محدود في غور الأردن وبين محطات انذار مبكر داخل أراض خاضعة للسيادة الفلسطينية ونشر قوات أجنبية (دولية، أمم متحدة، ناتو) في المنطقة. إنه لمحظور على إسرائيل أن توافق على "حلول" كهذه. ذلك أن جذور نظرية الأمن القومي الإسرائيلي إنما تكمن في مبدأ الاعتماد على النفس.
إن أي انتشار إسرائيلي في غور الأردن لا يسمح بوجود قدره على الدفاع عن النفس، لن يوفر أي رد أو حل – لا لإدارة معركة دفاعية عند الضرورة ولا لنزع سلاح الكيانية الفلسطينية .
إن أي تنصيب قوات إسرائيلية، حتى ولو في محطات انذار مبكر فقط، ضمن أراض خاضعة للسيادة الفلسطينية، سوف يتعارض مع مصلحة أي قيادة فلسطينية، وسيشكل عامل احتكاك داخل المنظومة السياسية الفلسطينية.
ليس بالإمكان ضمان الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية في غور الأردن من خلال تسليم الأرض للفلسطينيين أو نشر قوات أجنبية من أي نوع كان في المنطقة. المراقبون الدوليون بوسعهم الإشراف على تطبيق ترتيبات سابقة لكن بشرط مواقفه كل الأطراف على وجودهم. ولن يكون هناك أي دولة ترغب بتعريض حياة جنودها للخطر بدلاً من حياة جنود إسرائيليين. والحقيقة أن تجربة إسرائيل مع تموضع قوات دولية في شروط كهذه، لم تكن تجربة باهرة. اليونيفيل في لبنان لم تلبي تطلعات إسرائيل بخصوص منع اعادة تسلح حزب الله بعد حرب لبنان الثانية عام 2006. وفي صورة مماثلة، نجد أن مراقبي الاتحاد الأوروبي قد هجروا مواقعهم عند معبر رفح عام 2006 عندما تعرضوا للتهديد من قبل مثيري شغب في داخل غزة.
خلاصة:
إن لإسرائيل الحق الطبيعي والحاجة المثبته تاريخياً والمعترف بها دولياً، في امتلاك حدود قابلة للدفاع عنها تسمح لها بالدفاع عن نفسها بقواها الذاتية. إن تحليل التهديدات الأربعة الأساسية (هجوم تقليدي، ارهاب، إطلاق مقذوفات وصواريخ، وهجوم غير تقليدي) وتفحص الرد عليها بدلان على أنه: لا خطوط العام 1967 ولا خط السياج الأمني بوسعهما أن يشكلا خط حدود قابل للدفاع عنه بالنسبة لإسرائيلي، والسيادة الإسرائيلية الكاملة لوحدها، في غور الأردن باكمله كمنطقة أمنية تستند إلى نهر الأردن كخط حدود، هي التي ستسمح بتوفير الأمن لإسرائيل.
يجب على إسرائيل الانتقال من سياسة "أمن مرتهن لاتفاقات سياسية وضمانات دبلوماسية". إلى سياسة "اتفاقات تستند إلى توفير الأمن بواسطة قوات إسرائيلية متمركزة في مناطق قابلة للدفاع عنها".
وفي أي مفاوضات مع السلطة الفلسطينية لا بد من الاصرار على تثبيت سيادة إسرائيلية في جميع المناطق ذات الأهمية الأمنية الحيوية، حتى كجزء من تسوية شاملة لحل وسط اقليمي، ولا ينبغي لنا التفتيش عن حلول خارج – إقليمية غير مجدية.
الحدود القابلة للدفاع عنها هذه، لن توفر لإسرائيل إمكانية تقديم الأمن المطلوب لسكانها فحسب، بل أنها ستضمن ديمومة أي اتفاق سلام مستقبلي.
الولايات المتحدة والحدود الممكن الدفاع عنها: كيف فهمت واشنطن قرار مجلس الأمن 242 واحتياجات دولة إسرائيل الأمنية؟
 الدكتور دوري غولد
   رئيس مركز القدس للشؤون العامة
وسفير إسرائيل السابق في الأمم المتحدة
السياسة الأميركية لا تسعى لاعادة
إسرائيل إلى خطوط العام 1967
من الناحية التاريخية أيدت الولايات المتحدة موقف إسرائيل القائل إن قرار مجلس الأمن رقم 242 الذي اتخذ في أعقاب حرب الأيام الستة بتاريخ 22 تشرين الثاني 1967، لا يستوجب انسحاباً كاملاً على خطوط الهدنة عام 1949 (التي تدعى أيضاً حدود العام 1967). وبالإضافة إلى هذا التفسير للقرار الدولي رأت الإدارات الأميركية الديموقراطية والجمهورية على حد سواء، إن لإسرائيل الحق في حدود قابلة للدفاع عنها. وهذا التأييد الأميركي لهذا النوع من الحدود والمدعوم من الحزبين، قد تجلى وتجسد في رسالة الرئيس جورج دبليو بوش عام 2004.
وهذا التفاهم تجذر في الدعم الأميركي الطويل الأمد للأمن الإسرائيلي، بما يتجاوز مختلف التأويلات والتفسيرات القانونية المختلفة لقرارات الأمم المتحدة.
لماذا يجب ايلاء الاهتمام الكبير إلى هذا الحد للموقف الأميركي؟ صحيح أنه يتوجب على إسرائيل والفلسطينيين في نهاية المطاف أن يحسموا سوية موضوع ترسيم الحدود كجزء من أي مفاوضات، إلا أن موقف الولايات المتحدة ازاء الحدود يؤثر تأثيراً مباشراً على مستوى التوقعات لدى الجانب العربي لجهة عمق التنازلات الإسرائيلية التي سيكون بمقدورهم إحرازها. وكلما قلصت الولايات المتحدة مطالبها من إسرائيل بواسطة تصريحات رئاسية أو مقولات من جانب وزير الخارجية، فلسوف تضطر الدولة العربية والفلسطينيون على الاكتفاء بالحد الأدنى بالنسبة لكل ما يتعلق بأي انسحاب إسرائيلي. السياسة الأميركية المعلن عنها تؤثر بصورة جوهرية على مسألة ما إذا كان من الممكن التجسير فوق الخلافات بين إسرائيل والعرب حول مائدة المفاوضات أو أن الفجوة ما بينهما ستبقى واسعة جداً. يضاف إلى ذلك أن ديناميكية معينة إضافية هي التي تصوغ نتائج المفاوضات. الدبلوماسيون العرب فضلوا باستمرار أن يصار على فرض تنازلات على إسرائيل بواسطة هيئات دولية مثل الأمم المتحدة أو حتى الولايات المتحدة، وأن يصار بالتالي على تقليص التنازلات المباشرة من قبلهم لصالح إسرائيل. بناء على هذا السيناريو ستقوم الأمم المتحدة بموافقة أميركية، بتحديد شروط الانسحاب التي ستفرض على إسرائيل في الضفة الغربية، في حين أن الالتزامات الثنائية الجانب التي ستضطر الدول العربية لتقديمها في المقابل ستكون ضئيلة. لقد كان ذاك الرئيس المصري أنور السادات الذي قال قبيل توقيعه اتفاق السلام الإسرائيلي – المصري عام 1979"، إن الولايات المتحدة تحتفظ بـ"99% من الأوراق في يديها بشأن مسار السلام". بناء عليه، إذا فهمت الدول العربية بأن الولايات المتحدة لن تمارس ضغوطات على إسرائيل من أجل تحقيق مطالبهما، فلسوف تضطر للتفاوض مباشرة مع إسرائيل.
البلبلة في القدس بشأن الموقف الأميركي
على الرغم من الأهمية الحساسة التي يتمتع بها دعم الولايات المتحدة للتفسير الإسرائيلي للقرار 242، فقد سادت في القدس حالة من عدم الوضوح بخصوص هذا الموضوع. ويخطئ الدبلوماسيون الإسرائيليون في تحديدهم بأن إسرائيل ستضطر بناء على الموقف الأميركي، في آخر المطاف، إلى الانسحاب إلى خطوط عام 1967، ما عدا بعض التعديلات الطفيفة في الحدود هنا وهناك. وهؤلاء الإسرائيليون الذي يتبنون هذه المقاربة الخاطئة إزاء السياسية الأميركية، يميلون إلى الاستنتاج بأنه لا مناص أمام إسرائيل سوء القبول بهذه السياسة كمعطى ثابت وبالتالي التنازل عن حقها في حدود قابلها للدفاع عنها.
إلا أنه من خلال التحليل الحذر للتطور الذي طرأ على الموقف الأميركي إزاء القرار 242، يتبين بأن التفسيرات المبالغ فيها السياسة الأميركية إنما هي تفسيرات خاطئة من أساسها. وعملياً، نجد أن الإدارات الأميركية المتعاقبة التي أتت بعد حرب الأيام الستة، قد أبدت على مر السنين مرونة كبيرة جداً بخصوص عمق الانسحاب المطلوب من إسرائيل القيام به. صحيح أنه كانت هناك حالات معينة حيث اتخذ موظفو وزارة الخارجية – وخاصة بعض الدبلوماسيين الموجودين داخل قسم الشرق الأوسط المعنيين بالعالم العربي – مواقف أكثر تشدداً إزاء الانسحاب المطلوب من إسرائيل تنفيذه، إلا أن حسم القرار ليس بايدي هذا المستوى الدبلوماسي. وعلى مر الزمن أدلت إدارات أميركية متعددة بتوضيحات صريحة ترفض الانسحاب الإسرائيلي الكامل إلى حدود العام 1967 بل وتؤيد حق إسرائيل باحتلال حدود قابلة للدفاع عنها.
لكن من أين (   ) هذا الدعم الأميركي لإسرائيل؟ الجدير التذكير به هو أن القرار 242 كان بمثابة جهد مشترك بذله اللورد كارادون، سفير بريطانيا في الأمم المتحدة، وزميله السفير الأميركي آرثورغولدبرغ. وجاء التركيز في القرار على فقرة الانسحاب التي طلبت من إسرائيل الانسحاب من "أراض" وليس "من كل الأراضي" أو "من الأراضي" حسبما طلب الاتحاد السوفياتي.
إن حذف "ال التعريف" من فقرة الانسحاب لم يتم من قبل طاقم صياغة ضيق ولا على مستوى سفراء أيضاً. وليس المقصود هنا مجرد خدعة أو مسألة فذلكة لفظية صغيرة. بل أن القرار اتخذ على أعلى مستوى في الإدارة الأميركية ونوقش على مستوى المحادثات المباشرة بين البيت الأبيض والكرملين. وعملياً كان الرئيس ليندون جونسون بذاته هو الذي تمسك بهذه الصيغة بالرغم من الضغط الذي مارسه عليه رئيس مجلس الوزراء السوفياتي الكسي كوسيجين، الذي طالب بصياغة أكثر تشدداً تؤدي إلى انسحاب إسرائيلي كامل.
الغاية المقصودة من القرار 242 كانت واضحة تماماً بالنسبة للذين ساهموا في صياغته. فجوزيف سيسكو، الذي عين بعدئذ نائباً لوزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى وجنوب شرق آسيا، علق على القرار 242 في مقابلة معه ضمن برنامج "واجه الصحافة" بعد مرور بضع سنوات وقال: "كنت مشاركاً في المفاوضات حول هذا القرار على مدى عدة أشهر. وهذا القرار لم يتحدث عن انسحاب كامل. وجورج براون الذي شغل منصب وزير الخارجية البريطانية عام 1967 في حكومة حزب العمال برئاسة هارولد ويلسون، لخص القرار على الشكل الآتي: "القرار حدد بأن إسرائيل "ستنسحب من أراض احتلت" وليس من "الآراضي" ومعنى هذا الأمر هو أن إسرائيل لن تنسحب من جميع الآراضي.
الرئيس جونسون: خطوط العام 1967 تشكل قاعدة لاعادة استئناف أعمال العنف
إن إصرار الرئيس جونسون على الغموض الاقليمي في القرار 242، كان قد بدأ منذ في تصريحاته التي أدلى بها منذ 19 حزيران 1967، أي فور انتهاء الحرب. وأوضح جونسون بأن "العودة الفورية إلى الوضع الذي ساد بتاريخ 4 حزيران – قبل نشرب الحرب – "لن تشكل خطة للسلام، بل لاستئناف أعمال العنف". وحدد بأن "خطوط وقف اطلاق النار" كانت سريعة العطب. وبناء لموقف جونسون تمت المطالبة بحدود معترف بها" بحيث تضمن "الأمن بوجه الإرهاب والدمار والحرب". وساهم عدد من الرجالات القيادية الكبرى في بلورة مواقف كبار المسؤولين في إدارة جونسون إزاء احتياجات إسرائيل الأمنية بعد حرب الأيام الستة. وسأل وزير الدفاع الأميركي روبرت مكثمارا رئيس أركان القوات المشتركة الجنرال آرل فيلر: ما هي "رقعة الأرض في حدها الأدنى" التي يمكننا تبرير استمرار سيطرة إسرائيل عليها من أجل السماح لها بالدفاع عن نفسها بصورة انجع؟
فيلر أجاب ضمن مذكرة قدمت بتاريخ 29 حزيران 1967 والتي تفيد ما يلي: "من الناحية العسكرية الصرف، تحتاج إسرائيل إلى قسم من الأراضي العربية المحتلة من أجل أكسابها حدوداً قابلة للدفاع عنها من الزاوية العسكرية". وبالنسبة للضفة الغربية اقترح رؤساء القيادات العسكرية "حدوداً تمر في الأرض المشرقة والمسيطرة على الأردن". وبناء على اعتبارات مهنية – فإن خط الدفاع من المفترض به أن يمتد حتى سلسلة ظهر الجبل. كذلك تمت مناقشة امكانية تغيير خطوط وقف اطلاق منذ العام 1949 لاسباب إضافية أيضاً. وقد أوضحت الفقرة الثانية من اتفاقية الهدنة آنذاك بأن هذه الاتفاقية لا تحد من حقوق الاطراف أو مطالبهم المستقبلية، لانها، أي الاتفاقية، "امليت بناء على اعتبارات عسكرية صرفة". وبناء عليه، فإن خطوط وقف اطلاق النار القديمة لم يعترف بها قط على أنها حدود دولية معترف بها. وبتاريخ 31 أيار 1967 – قبل أيام معدود من نشوب الحرب، أكد السفير الأردني في الأمم المتحدة أمام مجلس الأمن التابع للامم المتحدة هذه النقطة بالذات – أي أن اتفاق وقف اطلاق النار القديم "لم يرسم حدوداً".
بعدئذ اشار السفي غولدبرغ إلى أن وجهة نظر اضافية في سياسة إدارة جونسون قد تم التعبير عنها أيضاً في صيغة اقتراحات الولايات المتحدة للامم المتحدة. "القرار 242 لا يتطرق إلى القدس، وهذا الاغفال كان مقصوداً.
الولايات المتحدة لم تكن مستعدة لأن توصي باعادة الوضع القديم في القدس إلى قدمه، حتى وأن اطلقت إدارات أميركية لاحقة في بعض الاحيان انتقادات حول البناء الإسرائيلي في شرقي القدس.
وخلال بضع سنوات كشفت الدبلوماسية الأميركية عن المفهوم القائل بأن لإسرائيل الحق باحداث تغييرات في خطوط حدود العام 1967. بداية مالت التصريحات العلنية الصادرة عن إدارة نيسكون، نحو مقاربة الحد الأدنى. وأوضح وزير الخارجية الأميركي وليام روجرز 1969 بأنه سيتم الحاق تغييرات غير ذات أهمية كبرى على حدود عام 1967. وفي ذلك الحين تم توجيه انتقادات قاسية لسياسة روجرز من قبل ستيفان دبليوشوفال. مدير عام الرابطة الأميركية للقانون الدولي، الذي صار بعد حين المستشار القانوني لوزارة الخارجية الأميركية، تم عين قاضياً في المحكمة الدولية في هاغ. وذكر شوفال روجرز بحقوق إسرائيل القانونية في الضفة الغربية في مقال نشره في Americon journal of international Law (64/344/1970) حيث كتب يقول: "عندما يشغل مالك الأرض السابق هذه الأرض بصورة غير قانونية، فإن الدولة التي تسيطر على الأرض نفسها من خلال ممارسة قانونية للدفاع عن النفس، تتمتع بحق أفضلية على المالك القديم".
الأسرة القانونية الدولية كانت تدرك بأن الأردن كان قد غزا الضفة الغربية بصورة غير قانونية عام 1948 واحتفظ بها حتى العام 1967، عندما احتلت إسرائيل المنطقة في حرب دفاعية عن النفس. ولم يعترف بالسيادة الأردنية على الضفة الغربية بين عام 1948 – 1949، سوى دولتين فقط هما المحكمة المتحدة البريطانية وباكستان، وحتى الدول العربية لم تعترف بالمطالبة الأردنية بهذه الأرض. وهذا يعني، بناء لتفسير شوفال، إن حق إسرائيل باحداث تغييرات على خطوط العام 1967 لا تنبثق فقط من حالة سرعة العطب التي كانت تعاني منها قبل الحرب بل من كونها ضحية لعدوان شن عليها عام 1967.
الرئيس ريتشارد نيكسون: الإسرائيليون غير قادرين على "العودة" إلى حدود عام 1967.
عندما عين هنري كيسينجر، مستشار نيسكون للأمن القومي، مساعداً لروجرز قام باحداث تغييرات جوهرية على مواقف سلفه. ومنذ العام 1973، وفي حديث خاص مع كيسنجر نشر بعد حين، اعترف الرئيس نيكسون بما يلي: "نحن الاثنين ندرك تماماً بانهم (الإسرائيليون) لا يستطيعون العودة إلى الحدود الأخرى". وهذا الأمر تأكد في ظل ولاية الرئيس فورد ضمن اتفاق فصل القوات الثاني. وحيث أن الاتفاق دار حول انسحاب إسرائيل اضافي في شبه جزيرة سيناء، فإن رئيس الحكومة الإسرائيلية في حينه اسحق رابين، توصل إلى سلسلة اتفاقات مع الولايات المتحدة طاولت جبهات أخرى في مسار السلام الإسرائيلي – العربي. وعلى سبيل المثال، قام الرئيس فورد بتزويد رئيس الحكومة رابين برسالة تخص مستقبل هضبة الجولان جاء فيها ما يلي:
إن الولايات المتحدة لم تبلور بعد موقفاً نهائياً بالنسبة للحدود. وفي حال هي فعلت ذلك، فإنها ستولي اهتماماً جدياً بموقف إسرائيل القائل بأن أي اتفاق سلام مع سوريا يجب أن يكون مرتكزاً على بقاء إسرائيل فوق هضبة الجولان".
هذه الصيغة الحذرة لم تقم بتفصيل مدى موافقة الولايات المتحدة على السيادة الإسرائيلية في أجزاء من هضبة الجولان أو على تموضع دائم لقوات إسرائيلية في أرجاء الجولان. وفي كل حال، نجد أن رسالة فورد لم تتحدث عن انسحاب إسرائيلي كامل إلى خطوط العام 1967 أو حتى عن تعديلات طفيفة على حدود 1967 بالقرب من بحيرة طبريا.
مدى أهمية وأثر التزامات رئاسية: حالة الرئيس فورد
رسالة فورد لا تشكل مجرد خلفية ارشيفية بالنسبة للاكاديميين الذين يقومون بابحاث حو الدبلوماسية الأميركية. ويكفي تذكر أن الولايات المتحدة قد جددت صراحة في رسالة فورد التزاماتها تزامناً مع افتتاح مؤتمر السلام في مدريد عام 1991 عندما قام وزير الخارجية الأميركي جيمس بيكر بتزويد رئيس الحكومة الإسرائيلية اسحق رابين برسالة ضمانات. كذلك فإن رئيس الحكومة الحالية نتنياهو استحصل على التزام جديد من ادارة كلينتون برسالة فورد قبل البدء بالمفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية بشأن مدينة الخليل عام 1996. أي أن رسائل الضمانات الأميركية اعتبرت على أنها التزامات على المدى الطويل، وبناء على الإجراءات المعهودة في الدبلوماسية الأميركية، فإن صلاحيتها لن تنته عندما تحصل هناك تغييرات في الإدارة.
الرئيس ريغان: لا استطيع مطالبة إسرائيل بالعودة إلى حدود العام 1967
لقد كان الرئيس الأميركي رونالد ريغان هو الذي أدلى بالتصريح الأكثر فصاحة بشأن حق إسرائيل بامتلاك حدود قابلة للدفاع عنها وذلك فور انتهاء ولاية الرئيس جيمي كارتر، الذي اعرب عن تعاطف فقط مع التفاهمات الأميركية – الإسرائيلية المحققة في اثناء ولاية فورد – كيسنجر. وقد أوضح ريغان شخصياً في خطاب ألقاه في أول شهر أيلول 1982، والذي دعي بعدئذ باسم "خطة ريغان" بأنه "ضمن حدود العام 1967 لم يصل عرض إسرائيل في النقطة الأضعف بالكاد إلى 10 أميال. وأغلب سكان إسرائيل موجود دون تحت مدى مدفعية الجيوش المعادية. وأنا لا أنوي مطالبة إسرائيل بالعودة للعيش ضمن صورة كهذه". وأوجد ريغان صيغة مرنة بالنسبة لانسحاب إسرائيل وهي: "عمق التنازل الاقليمي الذي سيطلب من إسرائيل القيام به سوف يتحدد إلى حد كبير وفقاً لمدى السلام والتطبيع". ووزير الخارجية جورج شولتس صاغ كلام الرئيس بصورة أوضح اثناء خطاب ألقاه في شهر أيلول 1988 بالقول: "إن إسرائيل لن تتفاوض انطلاقاً من حدود عام 1967 ولن تعود إليها".
ما الذي قصده شولتس بهذا التصريح؟ هل أنه عبر بذلك عن الاعتراف بحق إسرائيل في الاحتفاظ باراض شاسعة من الضفة الغربية؟ فقبل نصف عام من ذلك كان قد كشف عن ابتكار دبلوماسي واسع عندما فكر في بدائل عن الانسحاب الإسرائيلي الشامل حتى حدود عام 1967. فهو اقترح ما اسماه "الحل الوسط الوظيفي" خلافاً لـ"الحل الوسط الاقليمي" في الضفة الغربية. والذي قاله شولتس عملياً هو أن الضفة الغربية ستقسم بين إسرائيل والأردنيين على قاعدة وظائف حكومية مختلفة، مقابل رسم حدود داخلية جديدة. وحدد ضمن خطاب ألقاه أمام مجلس العلاقات الخارجية في شباط 1988 ما يلي: "ثمة تغيير في تحديد مغزى السيادة ومعنى الاقليمية. ومسألة على ماذا تسيطر الحكومة، أو على ماذا تستطيع كل وحدة ترى نفسها بأنها مخولة صلاحية السيادة والسيطرة القانونية على منطقة معينة – تختلف من حالة لأخرى".
وأضاف شولتس في كتاب مذكراته بعض الكلام على خطابه الذي ألقاه عام 1988. فهو كتب أنه تحدث مع قادة إسرائيليين واردنيين بروحية خطابه وزعم إمامهم بأن "الجواب عن مسألة من يسيطر على ماذا – إنما يتغير وفقاً لوظائف مختلفة مثل الأمن الخارجي، المحافظة على الأمن والنظام، مقاربة مسألة التزويد المحدود للحياة، إدارة التعليم والصحة ووظائف مدنية إضافية وما إلى ذلك". النتيجة المباشرة لخط التفكير هذا تكمن في الحاجة إلى الدفاع عن المصالح الأمنية الخاصة بإسرائيل والاهتمام بحدود قابلة للدفاع عنها وتختلف جوهرياً عن خطوط العام 1967.
إدارة كلينتون تصادق من جديد على مبدأ حدود قابلة للدفاع عنها.
الدعم الأميركي للحدود القابلة للدفاع عنها، تحول بشكل واضح إلى موقف اجماع لكلا الحزبين، وقد بقي هذا الدعم على حاله اثناء التسعينيات من القرن الماضي، بالرغم من حقيقة أن الفلسطينيين قد حلوا محل الاردن باعتبارهم الادعياء الأساسيين لامتلاك أراضي الضفة الغربية. ومنذ أن تم انجاز بروتوكول الخليل عام 1997، بعث وزير الخارجية الأميركي وورين كريستوفر برسالة ضمانات لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. ومن خلال هذه الرسالة أوضحت إدارة كلينتون عملياً بأنها لا تنوي طرح تحفظات أو اعتراضات خاصة من قبلها بالنسبة لاحتياجات إسرائيل الأمنية. "إن الذي يميز السياسي الأميركية هو التزامنا بالعمل بصورة مشتركة من أجل محاولة الاستجابة للمتطلبات الأمنية التي تحددها إسرائيل. ومعنى هذا الأمر أن إسرائيل هي التي ستتخذ القرار النهائي بشأن احتياجاتها الأمنية". وأضاف كريستوفر يقول: "أخيراً بودي أن أكرر موقفنا وهو أن لإسرائيل الحق في حدود مضمونه وقابلة للدفاع عنها يتم التوصل إليها عبر مفاوضات مباشرة ومن خلال الاتفاق مع جيرانها".
رسالة كريستوفر منذ العام 1997 ذات أهمية بالغة لأنها تشهد على الاستجابة الأميركية لوجهة النظر الإسرائيلية بخصوص احتياجات إسرائيل الأمنية. وخلال هذه الحقبة كان من المفترض بإسرائيل أن تعين "مناطق أمنية محددة" كجزء من عملية إعادة انتشار لقواتها على أساس اتفاقيات أوسلو. وقال كريستوفر في مناسبة أخرى أن تحديد المناطق الأمنية الإسرائيلية خاضع لمسؤولية إسرائيل. وهذه التطمينات اشتملت على الرسالة المهدئة والمطمئنة إلى أن الولايات المتحدة لن تشكك في قدرة الحسم لدى إسرائيل بخصوص احتياجاتها الأمنية. في المحصلة، لا يوجد أي أساس للزعم بأن الولايات المتحدة قد طلبت تقليدياً من إسرائيل الانسحاب الكامل أو بدلاً من ذلك الانسحاب شبه الكامل من أراض احتلتها في حرب الأيام الستة. وهذه الأمور تنطبق بشكل خاص على الضفة الغربية وقطاع غزة حيث تحددت خطوط وقف اطلاق النار عام 1949 على أساس المكان الذي أوقفت فيه الجيوش المتخاصمة تقدمها، ولم يعترف بتلك الخطوط على أنها حدود دولية ثابتة. والحافز الوحيد لوجود تغييرات في الموقف الأميركي المؤيد لحدود قابلة للدفاع عنها إنما كان يكمن في التغييرات الطارئة على الموقف الإسرائيلي.
تأثير قمة كامب ديفيد
ما من شك بأنه كلما قامت الولايات المتحدة وإسرائيل بتحرك عن المواقف النظرية بشأن مسألة حقوق إسرائيل في حدود قابلة للدفاع عنها، ودخلنا في مفاوضات حقيقية، فإن الحاجة للتوصل إلى اتفاق هي التي كانت تؤثر على الطرفين. وهكذا عندما وصل رئيس الحكومة ايهود باراك إلى قمة كامب ديفيد في تموز عام 2000، فإنه قلب السياسة الإسرائيلية التقليدية تجاه غور الأردن عبر تلقي تشجيع كبير من قبل الولايات المتحدة. وقبل شهر واحد من انعقاد مؤتمر كامب ديفيد تحفظ باراك عن اعطاء التزام بانسحاب إسرائيلي من غور الأردن، لكن بعد مرور فترة وجيزة من الزمن، تمظهر بمظهر من هو على استعداد للموافقة على فكرة أن يسمح للفلسطينيين بالاستحواز على سيادة معينة في غور الأردن بشرط ايجاد حل وجواب على احتياجات إسرائيل الأمنية.
في خصوص التنازل الاقليمي الإسرائيلي، كانت إدارة كلينتون على استعداد لأن تنتزع تواجداً إسرائيلياً من المكان الذي كان يفترض به أن يتحول إلى أراض سيادية فلسطينية. وبعد مرور ثلاث سنوات على تنفيذ الاتفاق، بناء على البرنامج الذي حظي بموافقة أميركية، يتم استبدال وجود الجيش الإسرائيلي في غور الأردن بقوة متعددة الجنسيات بقيادة الولايات المتحدة ويشارك فيها أيضاً الجيش الإسرائيلي. والدولة الفلسطينية العتيدة ستكون ملزمة بالسماح للجيش الإسرائيلي بالاقتراب المباشر من الضفة الغربية وغور الأردن في حالات الطوارئ. وفي وقت لاحق تم التوضيح بأن إسرائيل ستقيم أيضاً محطات انذار في الضفة الغربية. وفي كامب ديفيد تم ابلاغ الفلسطينيين بأن الولايات المتحدة تدعم أيضاً السيطرة الإسرائيلية على المجال الجوي.
لكن بعد قمة كامب ديفيد، وبعد أن وافقت إسرائيل على فكرة القوات المتعددة الجنسيات التي تضم جنوداً إسرائيليين من الجيش الإسرائيلي، نجحت الولايات المتحدة في تغيير موقفها بسهولة نسبية عندما اقتراحت قوات دولية من دون جنود إسرائيليين من دون أن يفسر ذلك على أنه قضم من احتياجات إسرائيل الأمنية.
والذي يثير القلق بشكل خاص بالنسبة لهذا التغيير بالذات هو حقيقة أنه من المشكوك فيه حتى، أن تكون القوة الدولية الخالية من الإسرائيليين مقبولة من جانب ياسر عرفات.
والدرس المستفاد من تلك الحقبة هو أن الفلسطينيين نجحوا بتغيير مواقف كل من الولايات المتحدة وإسرائيل بخصوص الحدود، وذلك من خلال اغرائهما باتفاق في حين كانوا يمتنعون عن تقديم تنازلات مقابلة من جانبهم. المصلحة الفلسطينية تكمن في تحصين هذه الانجازات وفي إلزام الحكومات الإسرائيلية التي ستشكل في المستقبل بالتنازلات التي قدمتها إسرائيل أثناء المفاوضات، وذلك على الرغم من أن محادثات كامب ديفيد والمفاوضات التي اعقبتها، لم تؤسس بصورة رسمية على مبدأ أنه لم يتم الاتفاق على أي شيء حتى يتم الاتفاق على كل شيء.
مخطط كلينتون – باراك غير الرسمي تم الإلغاؤه من جدول الأعمال.
بتاريخ 7 كانون الثاني من العام 2001، وقبل اسبوعين من إنهاء الولاية الثانية من حكمه، عرض الرئيس كلينتون خطة خاصة به لتسوية النزاع الإسرائيلية – الفلسطيني.
اعتبارات كلينتون ارتكزت بصورة جزئية على الأفكار التي سبق أن عرضها رئيس الحكومة الإسرائيلية في حينه ايهود باراك اثناء القمة الفاشلة في كامب ديفيد في شهر تموز العام 2000. ففي المجال الاقليمي تحدث باراك عن ضم "كتل استيطانية" في الضفة الغربية من قبل إسرائيل. إلا أنه ربط هذا الضم بشرط تنفيذ عملية تبادل أراض، أي أن تقوم إسرائيل بالتنازل عن أراض كانت تحت سيادتها مقابل أي ارض جديدة في الضفة الغربية. عملية "تبادل الأراضي" هذه لم تنبثق عن القرار 242 بل شكلت تنازلاً إسرائيلياً جديداً من قبل حكومة باراك وكلينتون تبنى الموضوع. الجدير بالذكر أن اللواء (احتياط) داني ياتوم، الذي ترأس القيادة الأمنية – السياسية الخاصة بباراك، زعم بأن باراك نفسه لم يقتر اجراء تبادل أراض من هذا النوع في كامب ديفيد.
يضاف إلى ما تقدم أنه بناء على خطة كلينتون، كان من المفترض بإسرائيل أن تنسحب من غور الأردن (الذي حاول رابين ابقاءه تحت السيطرة الإسرائيلية) وبالتالي أن تتنازل عن فكرة الحدود القابلة للدفاع عنها. وفي المقابل اقترح كلينتون "انتشار قوات دولية" كبديل عن الجيش الإسرائيلي. هذا العامل أدى إلى اضعاف النظرية الإسرائيلية الخاصة بالاعتماد على النفس في القضايا الأمنية وإلى تجاهل التجربة المشوبة بالاشكالية بين إسرائيل والأمم المتحدة وقوات دولية أخرى ضمن اطار انتداب أكثر ضيقاً ومحدودية مثل مراقبة السلام.
رئيس الأركان في حينه الجنرال شاؤول موفاز كان قد انتقد بشدة خطة كلينتون أمام اللجنة الوزارية المصغرة ووصفها بأنها كارثة لإسرائيل. وأفادت صحيفة يديعوت أحرونوت بأن موفاز شدد بتاريخ 29 كانون الأول على أن "اقتراح (  ) المقدم من كلينتون لا يناسب المصالح الأمنية الإسرائيلية وهو فيما و اعتمد فلسوف يؤدي إلى تعريض أمن إسرائيل للخطر". وموفاز لم يكن يعبر عن رايه الشخصي فقط بل عن رأي الأركان العامة باكملها أيضاً. وهكذا تكشف خلافات حقيقية في الرأي بين الولايات المتحدة وإسرائيل في ذلك الحين إزاء احتياجات إسرائيل الدفاعية الذاتية.
خطة كلينتون لم تتحول إلى لسياسة رسمية للولايات المتحدة. وبعد أن تسلم الرئيس جورج دبليو بوش السلطة في البيت الأبيض، ابلغ موظفون اميركيون حكومة شارون المنتخبة حديثاً، بأن اعتبارات كلينتون لن تلزم الإدارة الأميركية الجديدة، وفي المقابل لن تكون حكومة شارون أيضاً ملزمة باقتراحات سابقة. إلا أن الأفكار التي طرحت خلال هذه الحقبة كانت لا تزال تحوم فوق أغلب المحادثات بين اصحاب القرار في واشنطن بصدد حل النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني، لاسيما لدى طواقم التفكير ومعاهد الابحاث.
الرئيس بوش: سيكون من غير الواقعي توقع العودة إلى خطوط الهدنة عام 1949.
الاثبات الملموس لكون الولايات المتحدة قد تبنت مجدداً سياستها التقليدية إزاء حق إسرائيل في حدود قابلة للدفاع عنها، برز في رسالة الضمانات التي بعث بها الرئيس بوش لرئيس الحكومة شارون بتاريخ 14 نيسان 2004، وذلك بعد أن عرض شارون خطة فك الارتباط الإسرائيلية عن قطاع غزة. وجاء في الرسالة: "إن الولايات المتحدة تكرر التزامها الشديد مره أخرى بأمن إسرائيل، بما في ذلك الحدود الآمنة والقابلة للدفاع عنها، بالإضافة إلى حفظ وتعزيز قدرتها الردعية وامكانية الدفاع عن نفسها بقواها الذاتية، ضد أي تهديد أو أي ائتلاف من التهديدات المحتملة". إن ظهور هذين التعبيرين سوية في جملة واحدة، يدل على الربط في الرسالة بين الطرق إلى الحدود القابلة للدفاع عنها وبين قدرة إسرائيل على الدفاع عن نفسها بنفسها.
بوش، بالتأكيد، لم يفكر بانسحاب إسرائيل إلى حدود العام 1967. وقد جاء في الرسالة نفسها: "على ضوء الواقع الجديد على الأرض، بما في ذلك التجمعات السكانية الإسرائيلية القائمة، سيكون من غير الواقعي توقع أن تكون نتيجة المفاوضات حول التسوية الدائمة، انسحاباً كاملاً حتى حدود الهدنة العام 1949". بوش لم يستخدم مصطلح "الكتل الاستيطانية" مثلما فعل كلينتون، إلا أنه قصد على ما يبدون الفكرة ذاتها. فبعد مرور أقل من عام، وبتاريخ 27 آذار 2005، أوضحت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليسا رايس للاذاعة الإسرائيلية بأن مصطلح "التجمعات السكانية الإسرائيلية" إنما يقصد به الكتل الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية.
من المهم الإشارة إلى أن بوش لم يربط ربطاً شرطياً بين استمرار السيطرة على "التجمعات السكانية الإسرائيلية" في الضفة الغربية بأي شكل من أشكال المواقعة الإسرائيلية على تبادل أراض، عبر استخدام أراض كانت خاضعة للسيادة الإسرائيلية ما وراء خطوط العام 1967 حسبما اقترح كلينتون. ضمن هذا المفهوم، أعاد بوش الخطوط الأساسية في مسار السلام إلى القرار 242، من خلال تقليص النزاع الاقليمي الخاص بإسرائيل ضمن الضفة الغربية من دون القيام بعمليات تبادل أراض اضافية.
إن اعتراف بوش بحق إسرائيل في حدود قابلة للدفاع عنها، كان واضحاً وصريحاً جداً، لأن رسالة بوش أيدت بشكل حاسم ضرورة أحداث تغييرات في خطوط العام 1967. يضاف إلى ذلك أنه من خلال إيجاد ربط بين حدود قابلة للدفاع عنها وقدرة إسرائيل على الدفاع عن نفسها بنفسها. فقد أوضح بوش بأن "الحدود القابلة للدفاع عنها" من شأنها أن تحسن مقدرة إسرائيل في الحفاظ على أمنها. صحيح أنه كان من الممكن بهذه الطريقة أن نفسر مصطلح "حدود آمنة" حسبما ورد في القرار 242، إلا أن التفسير البديل الممكن كان أيضاً: الحدود الآمنة بواسطة ضمانات أميركية، قوات الناتو أو حتى قوات دولية أخرى. إن عدم الوضوح هذا لم يكن وارداً في رسالة بوش التي ربطت ربطاً خاصاً محدداً بين حدود قابلة للدفاع عنها وقدرة إسرائيل على الدفاع عن نفسها بقواها الخاصة.
في 25 آذار 2005 نقل عن لسان سفير الولايات المتحدة في إسرائيل، دانيال كارتسر، في صحيفة يديعوت أحرونوت، إنه ربما أراد أن يقول بأنه لا يوجد أي "تفاهم" إسرائيلي – أميركي بخصوص الابقاء على الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية بايدي إسرائيل. كارتسر نفى هذا التقرير، إلا أن الخبر الصحافي طرح سؤالاً حول ماهية الالتزام الوارد في رسالة بوش. وبناء على العرف الأميركي، فإن أي ميثاق بين دولتين إنما يشكل التزاماً على أعلى مستوى ومن بعده يأتي الاتفاق بين رئيسي دولتين (مثل مذكرة التفاهم من دون مصادقة الكونجرس). مع ذلك، فإن تبادل الرسائل يشكل هو أيضاً التزاماً دولياً. وكارتر نفسه عاد وكرر هذه النقطة في القناة التلفزيونية الإسرائيلية العاشرة. حيث قال: "إن هذه الالتزامات هي التزامات جدية جداً بخصوص التجمعات السكانية الإسرائيلية، وتوقعتا نحن هو ألا تعود إسرائيل إلى خطوط العام 1967". وعندما سئل هل تقصد بعبارة "المجتمعات السكنية". الكتل الاستيطانية. أجاب: نعم. الأمر هو كذلك".
في مناسبة أخرى، عرض بوش فكرة، دولة فلسطينية متواصلة وقابلة للوجود – وهي فكرة ذات ابعاد إقليمية. التواصل المذكور هنا هو في ادنى حدوده ايجاد ربط من دون عقبات أو حواجز، بين كل مدن الضفة الغربية، بحيث أن أي فلسطيني بوسعه الانتقال من جنين إلى الخليل. الفلسطينيون أنفسهم من شأنهم أن يفسروا التطرق الأميركي لموضوع الربط بين الضفة الغربية وقطاع غزة، على أنه ربط في السيطرة الفلسطينية أيضاً، مثل مسألة "الممر الآمن" الذي أتي على ذكره في اتفاقيات أوسلو، إلا أن هذا التوصل من شأنه أن يقسم إسرائيل إلى قسمين. وفي كل الأصول لا يوجد أي حق قانوني دولي للدول بأن تحتفظ بمعبر تحت سلطتها السيادية بين أجزاء منفصلة جغرافياً: فالولايات المتحدة لا تملك أي أرض خاضعة لسيادتها تربط بين الاسكا وولاية واشنطن. وثمة مثال آخر حول انعدام وجود ربط سيادي بين أجزاء دول أخرى مجزأه جغرافياً وهو عمان. ففي تاريخ 21 شباط 2005، أوضح الرئيس بوش أن دعوة الإدارة الأميركية لقيام تواصل اقليمي انما يقصد به التواصل داخل الضفة الغربية حصراً.
في السنة الأخيرة لادارة بوش اقترح رئيس الحكومة أيهود أولمرت تقديم تنازلات بعيدة المدى اثناء المحادثات الخاصة مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس. وضمن مفاهيم متعددة، نجد أن اقتراحات أولمرت عام 2008 قد تجاوزت كل ما هو متوقع من إسرائيل الوارد في رسالة بوش، إلا أنها بالتأكيد لم تلغ الالتزامات المقدمة سابقاً لرئيس الحكومة شارون. وزير الخارجية كوندوليسا رايس حضرت محادثات اولمرت – عباس، إلا أن المحادثات لم تفلح في النهاية في بلورة اتفاق إسرائيلي – فلسطيني. رايس قدمت تقريراً حول انطابعاتها إلى الادارة الجديدة المنتخبة لرئاسة باراك أوباما. مع ذلك، ومثلما حصل بعد محادثات طامت ديفيد وطابا عام 2000، لم يتم اقتراح بأن تكون إسرائيل ملزمة بالاقتراحات السياسية التي طرحت ضمن إطار مفاوضات فاشلة.
إدارة أوباما والحدود القابلة للدفاع عنها
أثناء السباق إلى الرئاسة عام 2008، تحدث السناتور، في حينه، باراك أوباما بتاريخ 4 حزيران 2008 أمام المؤتمر السنوي لمنظمة الايباك الداعم لإسرائيل حول اقامة دولة فلسطينية تكون "متواصلة وكاملة"، إلا أنه أشار أيضاً على أن "أي اتفاق مع الشعب الفلسطيني لا بد له من أن يحافظ على هوية إسرائيل كدولة يهودية، ذات حدود مضمونة وآمنة ومعترف بها، وقابلة للدفاع عنها". صحيح أن أوباما صحح بعد ذلك التصريح الذي أدلى به أمام الايباك في موضوع القدس – وخفف من حدة التصريح الأساسي بأن عيها أن تبقى غير مقسمة – إلا أنه لم يغير قط من تصريحاته بشأن حق إسرائيل في حدود قابلة للدفاع عنها.
لكن بعدما انتخب أوباما رئيساً، ظهرت علامات استفهام حول تمسك إدارته بفكرة الحدود القابلة للدفاع عنها. مستشاره الخاص للأمن القومي الجنرال جيمس جونس، كان معروفاً بأنه يؤيد نشر قوات الناتو بدلاً من الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية. كذلك ساد نوع من الغموض بشأن مسألة ما إذا كانت إدارة أوباما ملتزمة قانونياً برسالة بوش المقدمة منذ عام 2004. وعندما سئل روبرت وود، نائب المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية بتاريخ 1 حزيران ثم 2 حزيران من العام 2009، هل إن الإدارة الأميركية ملتزمة بالرسالة، اكتفى بالقول أن الإدارة الأميركية تطلب من الطرفين تطبيق التزاماتهما بناء على خارطة الطريق. وعندما ضغطوا عليه مرة أخرى، أجاب أخيراً: "اثني اعطيكم ما هو موجود عندي". بتعبير آخر أن وود لم تكن لديه تعليمات بتأكيد دعن الإدارة الأميركية الحالية لرسالة بوش.
لقد بدا بأن إدارة أوباما تفضل الامتناع عن الإدلاء بتصريحات واضحة لجهة موضوع الحدود القابلة للدفاع عنها. وفي شهر تشرين الثاني 2009 عندما أعلن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو عن استعداده لتجميد البناء في مستوطنات الضفة الغربية لمدة عشرة أشهر، اطلقت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون تصريحاً قصيراً لخصت فيه سياسة ادارة الرئيس اوباما بالنسبة للحدود حيث قالت: إننا نؤمن بأنه من خلال مباحثات جدية وصادقة، بوسع الطرفين التوافق على نتيجة تنهي النزاع وتوصل إلى حل وسط ما بين الهدف الفلسطيني بإقامة دولة مستقلة وقابلة للحياة ضمن حدود العام 1967، مع تبادل أراض متفق عليه، والهدف الإسرائيلي بتحقيق دولة يهودية ذات حدود آمنة ومعترف بها تعكس التطورات التي طرأت مع مر السنين وتستجيب لاحتياجات الإسرائيليين الأمنية.
هكذا تفادت وزيرة الخارجية كلينتون من التأييد الصريح للهدف الفلسطيني بالوصول إلى حل وسط اقليمي على حدود العام 1967، أو تأييد الهدف الإسرائيلي الخاص بحدود آمنة، ووضعت الولايات المتحدة في موقع وسطي ما بين الطرفين. وهذا الموقف شكل تغيراً وانزياحاً عن التزامات بوش عام 2004، لكن لم تصل الأمور بعد إلى حد التنكر الكامل لمصطلح حدود قابلة للدفاع عنها.
الولايات المتحدة لم تطالب قط بانسحاب إسرائيلي شامل.
في المحصلة، لم تصر الولايات المتحدة قط على انسحاب إسرائيلي شامل من الأراضي التي احتلتها في حرب الأيام الستة إلى حدود الهدنة عام 1949. مع ذلك ثمة تساؤل حول أهمية تل التصريحات الأميركية فيما لو اضفنا إليها التحديد القائل أن تموضع الحدود الإسرئايلية يجب أن يكون ثمرة قرار الطرفين نفسيهما. والأمر يصح أيضاً فيما يتعلق برسالة بوش عام 2004، التي تتطرق صراحة إلى هذه النقطة.
المفروغ منه أن الولايات المتحدة لا تستطيع فرض مضامين رسالة بوش على إسرائيل والفلسطينيين، إذا كان المطرفان يرفضان القبول بشروطها. رسالة بوش تصحح وتحدد المقاربة الأميركية بخصوص التفسير الصحيح للقرار 242 الصادر عن مجلس الأمن التابع للامم المتحدة، في أي مفاوضات مستقبلية. وأهميتها تنبع من أربعة اعتبارات مستقبلية محتملة وهي:
1 – لقد اعتادت إسرائيل أن تطلب ضمانات من الولايات المتحدة قبل البدء رسمياً بأي مفاوضات. وهكذا فعلت إسرائيل قبل مؤتمر السلام في جنيف اثر حرب يوم الغفران عام 1973، وقبل مؤتمر مدريد عام 1991. إلا أن "خارطة الطريق" المقدمة من الرباعية في نيسان 203، لا تتطرق إلى حدود إسرائيل المستقبلية ولا الدولة الفلسطينية المقترحة. رسالة بوش دافعت عن مصالح حيوية لإسرائيل قبل البدء بأي مفاوضات مستقبلية. وكان المقصود في الواقع ما يشكل شبكة أمان دبلوماسية على إسرائيل.
2 – في المستقبل، إذا وجدت الولايات وإسرائيل في مؤتمر قمة على غرار كامب ديفيد، وإذا كلب الفلسطينيون من موظفين أميركيين الكشف عن الموقف الأميركي من مسألة الحدود، فعندئذ إذا كانت رسالة بوش لا تزال سارية المفعول، فإن من المفترض بهؤلاء الموظفين أن يستفيدوا مضمون الرسالة.
3 – التزامات بوش كان من المفترض بها أن تظل ثابتة بصرف النظر عن الشخصية الحاكمة في واشنطن. ورسالة بوش حظيت بموافقة الحزبين في الكونجرس بتاريخ 23 و24 حزيران 2004. مجلس النواب صدق عليها باغلبية ساحقة بلغت 407 مقابل 9 ومجلس الشيوخ باغلبية 95 ضد 3. والجدير بالذكر أن عضو مجلس الشيوخ رام عمانويل والسناتور هيلاري كلينتون قد أيدا الرسالة.
4 – في شهر تموز 2009 اقترح مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي بأنه إذا لم يتوصل الإسرائيليون والفلسطينيون إلى اتفاق، فلا بد لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة من الاعتراف بالدولة الفلسطينية. واقترح بأن يقوم قرار دولي كهذا بتحديد وضعية القضايا الجوهرية بما في ذلك قضيتي الحدود والقدس.
وإذا تم تقديم مبادرة بفرض حدود العام 1967 على إسرائيل بواسطة مجلس الأمن، فإن التزامات بوش تعطي توقعاً بأن تقوم الولايات المتحدة باستخدام الفيتو ضد قرار كهذا.
الحدود القابلة للدفاع عنها دخلت القاموس الدبلوماسي الأميركي لعدد من الإدارات الأميركية بالنسبة لكل ما يتعلق بالجهود المبذولة لاحلال سلام في الشرق الأوسط حالياً. لا بد لإسرائيل من تثبيت مضمون حقيقي للمعنى الاقليمي للحدود القابلة للدفاع عنها ولمحاولة التوصل إلى تفاهم أكثر خصوصية مع ادارة أوباما فيما يخص التزامها بهذا العنصر القديم في الدبلوماسية الأميركية الشرق أوسطية.
الحدود القابلة للدفاع عنها دخلت القاموس الدبلوماسي الأميركي لعدد من الإدارات الأميركية بالنسبة لكل ما يتعلق بالجهود المبذولة لاحلال سلام في الشرق الأوسط حالياً. لا بد لإسرائيل من تثبيت مضمون حقيقي للمعنى الاقليمي للحدود القابلة للدفاع عنها ولمحاولة التوصل إلى تفاهم أكثر خصوصية مع إدارة أوباما فيما يخص التزامها بهذا العنصر القديم في الدبلوماسية الأميركية الشرق الأوسط.
الأمن كرد على مروحية التهديدات المحدقة باسرائيل
العميد احتياط يوسي كوبر فاسر
نائب مدير عام وزارة الشؤون الاستراتيجية
ورئيس وحدة الابحاث والتقدير في (أمان)
الاستخبارات العسكرية سابقا.
عندما نقدم على تحليل التهديد المفترض أن تستعد إسرائيل لمواجهته وهي على وشك بلورة احتياجاتها الأمنية إزاء امكانية اقامة دولة فلسطينية، فإننا لا نستطيع اعتماد مقاربة ضيقة أو مستخفة لا تنظر إلا إلى سلسلة التهديدات المباشرة التي تواجهها حالياً. وهذا، لأنه فيما لو تم التوصل، بالرغم من كل الصعوبات والعقبات إلى اتفاق مع الفلسطينيين حول أي شكل من أشكال الاتفاق لحل النزاع (وهذه امكانية بعيدة المنال ومشكوك فيها في الوقت الحاضر)... فستكون ثمة حاجة لضمان أن يكون الحل حلاً طويل الأمد وبحيث تكون الترتيبات الأمنية الواردة فيه من النوع الذي يعطي رداً على المجموعة الواسعة من التهديدات المحتملة لفترة طويلة من الزمن وليس فقط على التهديدات المنظورة والآتية. بالإضافة إلى ذلك، وحيث أن الواقع السياسي، وليس الواقع الأمني فقط، من شأنهما أن يتغيرا، فلا بد من التطرق إلى الترتيبات الأمنية التي من شأنها أن تعطي جواباً ضمن رؤية شاملة وجامعة. أي أن نأخذ بالحسبان أيضاً إمكانيات حصول تغييرات في صورة المشهد السياسي وليس فقط التغيرات في خصوصيات التهديد العسكري.
إن الحاجة إلى الأخذ بعين الاعتبار أيضاً التهديدات السياسية والمفهومية تبرز بشكل خاص لأن أحد التهديدات الأساسية التي تواجهها إسرائيل حالياً – وهي محاولة ضرب شرعية دولة إسرائيل وبالتالي حرمانها من امكانية الدفاع عن نفسها – ليس تهديداً عسكرياً عندما تصل قافلة بحرية من السفن، في الظاهر من أجل الوصول إلى قطاع غزة، فإن القصد الحقيقي لمنظميها وراعيها ليس ضرب إسرائيل بالنار ولا باستخدام القوة المباشرة. كما وليس في نية هؤلاء السيطرة على مرفأ اشدود أو اغراق السفن الإسرائيلية التي تتصدى لهم. إلا أنهم، بوسائل محكمة وذكية، وتحت تمويه النشاط الإنساني، يحاولون زعزعة شرعية دولة إسرائيل ضمن إطار معركة مركبة وشاملة وذكية جداً تقودها مجموعة من كل أنحاء العالم. عندما تطلق المنظمات الإرهابية الصواريخ مستخدمة الدروع البشرية، فهي لا تريد أن تضرب قدرة إسرائيل القتالية بصورة مباشرة، بل تريد إلزامها بالعمل بطريقة تسمح لها ولسائر عناصر هذا الائتلاف المساعد، بأن تعرقل قدرة إسرائيل على تفعيل حقها في الدفاع عن نفسها. لذلك فإننا عندما نقرر مطالبنا الأمنية، لا بد لنا من التأكد من أنها توفر لنا الوسائل والأدوات التي ستسمح لنا بأن نكون فعالين حتى في هذه المواجهة. ونحن إذا أدركنا مدى تعقيد هذا التحدي وإذا أدركنا إل أي مدى وضعنا اليوم بعيد عن أن يكون مرضياً في هذا المجال، فلا بد لنا من التأكد بأن الترتيبات الأمنية سوف تحد من امكانيات إلحاق الضرر بحرية حركة إسرائيل وقدرتها على منع تحطيم شرعيتها.
ما خلا ذلك، من المهم أن تكون مطالب إسرائيل من النوع الذي يحول تحقيقها ابتداءاً دون تشكل التهديدات التي من المفترض بهذه المطالب أن تعطي جواباً لها. وإذا تشكلت تهديدات كهذه بالرغم من كل شيء، فإن المطالب من شأنها أن تسمح بتوفير جواب مثالي عليها، إلا أن التطوير الصحيح لمطلب أمني والإصرار على المطالبة الأمنية من شأنها في نهاية المطاف أيضاً أن تقلص من احتمال تطور الخطر. والمثال البسيط الذي يؤكد صحة هذه المقولة هو الجدار الأمني. فالجدار يردع المخربين من محاولة اختراقه وبالتالي فهو بوجه عام لا يواجه أي امتحان كعقبة مادية الهدف منها منع تسلل المخربين. الوضع لا يكمن في أن بعض المخربين يحاولون طيلة الوقت اجتياز الجدار ويتم اعتقالهم من قبل قواتنا. الوضع هو أن المخربين بكل بساطة لا يصلون إلى الجدار ولا يحاولون أخضاعه للامتحان. وبنتيجة اعطاء جواب ناجح على المطلب الأمني فقد يتشكل وضع، حيث أن التهديد الذي جرى تطوير الجواب لاجله، لا يتكون، وعندها يتشكل ضغط يكون في أساسه الزعم بأنه كان من الممكن التنازل والتخلي عن هذا الجواب. من الناحية العملية يجب الاستمرار في تشكيل هذه الأجوبة التي من شأن تعطيلها أو إلقائها أن يؤدي إلى تطور التهديدات التي كانت قد أعدت لمواجهتها. في حينه، عندما فكرنا بالتهديدات التي من شأنها أن تتطور في حال قيام كيانية فلسطينية، كان هناك قلة فقط فكروا، على سبيل المثال، بأن استمرار بقائنا في محور فيلادلفي بعد فك الارتباط، سيكون حيوياً إلى هذا الحد، لأننا لو لم نكن موجودين هناك لكانت دخلت إلى قطاع غزة صواريخ ومقذوفات يصل مداها حتى 60 كلم. وكالما بقي ثمة احتمال جدي بأن التهديد سيتحقق فعلاً، فلا بد من توفير رد عليه. الامور لها تقرعاتها حالياً، حيث نجد أن ضعف القدرة الأميركية على تحصيل مطالب أمنية، يؤدي على أن إسرائيل لن تستطيع أن تتوقع قيام الولايات المتحدة بالتأكد من عدم قيام تطورات ذات اشكالية عالية. الوضع الاستراتيجي في الشرق الأوسط يتسم بانعدام الاستقرار إزاء الصراع بين المعتدلين والراديكاليين، في وقت نجد أن الهدف الابرز خلال السنوات الأخيرة، يكمن تزايد قوة وفعالية الجهات الراديكالية. حالياً يوجد غلاف من الجهات المعتدلة نسبياً في جوار إسرائيل، إلا أننا لا نستطيع أن نكون ضامنين لاستمرار هذا الوضع المريح إلى الأبد. إيران أخذه في زيادة قوتها وفي تعميق نفوذها في المناطق المجاورة لحدودنا، مع استمرارها في تسليح وتدريب الجهات المتطرفة. فحزب الله منتشر حالياً، حسبما قال وزير الدفاع الأميركي، مع المزيد من السلاح بما يفوق مالدى أكثرية الدول في العالم. وحماس في قطاع غزة تزيد من قوتها وقدراتها وكذلك فالسوريون ليسوا غافلين. ولذلك فالطريق التي سنتبعها لا بد لها من أن تأخذ بالحسبان مسألة انعدام الإستقرار هذه.
بناء عليه من الممكن القول أنه يوجد ثمة خمسة أنواع من التهديدات التي يتوجب علينا مواجهتها وهي كالتالي:
1 – التهديدات العسكرية المنظورة والقائمة حالياً والتي من الواضح ضرورة الاستعداد لمواجهتها. وفي مقدمتها امكانية حصول عمليات ارهابية عبر الحدود في مختلف المجالات البرية والبحرية والجوية، أو اطلاق صوارخ عبر الحدود ضد اهداف داخل الأراضي الإسرائيلية. هذا تهديد مركزي وأساسي لا بد من الاستعداد لمواجهته ومعالجته. من الجدير تذكر أن قسماً من دولة إسرائيل من شأنه أن يكون في المستقبل، ضمن إطار تسوية، في مناطق يصعب الدفاع عنها لأن أي تسوية مستقبلية ستأخذ بالحسبان الواقع الجديد الذي سيطرأ في أراضي يهودا والسامرة منذ العام 1967، أي بمعنى أن هذه المناطق ستشمل امتدادات (أصابع) إسرائيلية في عمق الأراضي الفلسطينية، والتي سيكون الدفاع عنها بمثابة تحد لا يمكن الاستخفاف به. ولمواجهة مثل هذه التهديدات لا يمكن الاكتفاء بترتيبات أمنية ترتكز على نشاط الطرق الثاني أو جهات دولية.
2 – النوع الثاني: هو تهديدات عسكرية محتملة. هي غير موجودة حالياً، لكن من شأنها أن تنوجد في المستقبل. تنفيذ عمليات ارهابية أو أعمال عدوانية من قبل جيوش نظامية، ومنظمات ارهابية أو أنشطة عدائية من خارج أراضي الدولة الفلسطينية أو من فوقها. حالياً احتمال حصول هذه الأمور ضعيف، لكن في المستقبل وإزاء التطورات الآنفة الذكر من شأنه أن يتزايد.
3 – النوع الثالث من التهديدات التي ينبغي علينا الاستعداد لها هو التهديدات شبه العسكرية. أي ليست بتهديدات عسكرية مباشرة، بل هي من نوع التشويش على الوسط الكهرمغناطيسي بهدف إلحاق الأذى بإسرائيل. وهذا التهديد تتزايد احتمالاته وعلينا الاستعداد لمواجهته بسبب حيوية هذا القطاع بالنسبة لأمننا (   ) بشكل طبيعي. وإذا نحن لم نتمكن من الحفاظ على الوسط الكهرومغناطيسي تحت السيطرة الكافية، مع الاعتراف باحتياجات جيراننا فإن من شأننا أن نواجه صعوبات عندما نقدم على تشغيل قواتنا عند الضرورة.
4 – النوع الرابع يكمن في التهديدات السياسية التي لا بد لنا أيضاً من الاستعداد لمواجهتها. فنحن نواجه معركة متواصلة من أجل عزل إسرائيل واظهارها بمظهر الدولة المجرمة، بل وربما العمل في المستقبل على إيجاد مسار من قبل المنظومة الفلسطينية الهدف منه محاولة استخدام العرب الذي يعيشون داخل إسرائيل كرافعة من أجل مواصلة قضم مكانة إسرائيل وهويتها. وثمة حاجة لضمان عدم تطور قدرة عسكرية وإرهابية داخل مساحة مدنية، حيث معالجتها ستسمح بإظهار إسرائيل على أنها تعمل على ضرب المد=نيين، مع الحرص بأن يعتبر الفلسطينيون التسوية بأنها نهاية لمطالبهم ونهاية للنزاع معهم، وبالتالي يجب عدم الاعتماد على أقوال عامة بل لا بد من عناصر حيوية تدرج ضمن ترتيبات أمنية تضمن استقرار واستمرارية الاتفاق، وهذا يعني ضرورة اعتبار هذه الأمور على أنها مطالب أمنية.
5 – النوع الأخير هو التهديدات الاستراتيجية وفي مقدمتها الجهد المتواصل، الذي سبقت الإشارة إليه، من أجل ضعضعة حق إسرائيل في الوجود بأمن وحدود قابلة للدفاع عنها ومعترف بها كدولة قومية حرة وديمقراطية للشعب اليهودي. وإزاء هذه الجهود المتواصلة، لا بد لنا من التأكد من أن الإستقرار الذي يمكن الايحاء به بواسطة ترتيبات أمنية ملائمة تمنع الذين يريدون الشر لإسرائيل، من مواصل العمل في هذا الاتجاه. وهذا هو السبب الذي يجعل العنصر الأكثر حيوية وأهمية في الترتيبات الأمنية كامناً في بناء ثقافة سلام تتضمن في صلبها الاعتراف من جانب منظمة التحرير الفلسطينية و"السلطة الفلسطينية" بحق إسرائيل في الوجود بأمن كدولة قومية، حرة وديمقراطية، للشعب اليهودي مع توضيح بأن استخدام العنف والإرهاب ضد إسرائيل عموماً وضد المدنيين الإسرائيليين خصوصاً، لا تتناقض مع المصالح الفلسطينية وحسب وإنما هي اعمال غير أخلاقية أيضاً.
ثمة حاجة إذن لاجراء التغييرات اللازمة والمناسبة في المنظومة الأمنية الفلسطينية وطريقة معالجتها للإرهاب، كما وأيضاً في الأجهزة التربوية والتعليمية والرسائل التي تطلقها وتوجهها النخب الفلسطينية الدينية والثقافية للجانب الفلسطيني. ولا بد من تشكيل أجهزة متابعة ومراقبة تسمح بالتأكد من أن هذه التغييرات قد ترسخت فعلاً في التفكير الفلسطيني، في مقابل المعارضة المتوقعة من قبل جهات متطرفة. وحيث أن بناء ثقافة سلم والقيام بالتغييرات المطلوبة في المنظومة الأمنية وفي معالجة الإرهاب هي بمثابة مسارات متواصلة وطويلة الأمد، فمن الواضح أن مسارات بناء واقع سلمي من الأسفل إلى الأعلى (Bottom – up) يجب أن ترافق المفاوضات والاستخلاصات التي سيتم التوصل إليها بين القيادات في قضايا النزاع المختلفة (Top-Down)، وتحقيقها سيتطلب وقتاً وتنفيذها سيتم على مراحل.
في كل حال، ثمة تخوف من أن أي نوع من أنواع الترتيبات الأمنية من شأنه ألا يعجب جيراننا الفلسطينيين لانهم يعتبرونه بأنه يمس بيسادتهم. من أجل ذلك يجب أن يجري أثناء المفاوضات تفحص مدى مساهمة السلام في الأمن، لا سيما وأننا لا نعتقد بأن السلام لا يساهم بأي شيء في الأمن. لكن ضمن المعطيات القائمة، طالما أن الفلسطينيين غير مستعدين للاعتراف بحقنا بالوجود في أرض إسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي، فإن على الأمن أن يشكل القاعدة الأساس التي يجب أن ترتكز عليها أية تسوية، وإذا تغير هذا الوضع مع مرور الوقت، ونحن نصلي جميعاً لكي يحصل ذلك، فسيكون من الممكن تكييف وبرمجة الترتيبات الأمنية مع الواقع المستجد. وطالما أن السلام لا يرتكز على الاعتراف بحق دولة إسرائيل بالوجود بامن كدولة قومية للشعب اليهودي، فلن يكون أمامنا من خيار سوى أن نؤسس التسويات والاتفاقات المستقبلية على المتطلبات الأمنية الواسعة النطاق.
مبادئ أساسية لقيام دولة فلسطينية منزوعة السلاح
اللواء احتياط اهرون زئيفي
فركش. رئيس الاستخبارات
العسكرية سابقاً ورئيس معهد سياسة الشعب اليهودي
إسرائيل سعت لنزع سلاح الدولة الفلسطينية منذ اتفاق أوسلو
مطالبة إسرائيل بنزع سلاح الدولة الفلسطينية العتيدة، بقيت على حالها منذ اعلان المبادئ الذي شكل قاعدة لمسار أوسلو وإقامة السلطة الفلسطينية. إلا أن مصطلح "نزع السلاح" في مفهومه المتعارف عليه (أي وضع قيود على الوسائل القتالية) يشكل تعريفاً ضيقاً جداً لا يفي بجملة المطالب والمتطلبات الأمنية الإسرائيلية. وهذا المصطلح في مفهومه الأوسع يشمل منع تطوير تهديدات عسكرية متناظرة أو غير متناظرة ضد إسرائيل، بما يشمل الحرب التقليدية والإرهاب وحرب العصابات – من داخل أراضي السلطة الفلسطينية أو عبرها. نزع السلاح، اذن، هو وسيلة للمحافظة على أمن إسرائيل وليس هدفاً بحد ذاته.
منذ العام 1936 – أي حتى قبل قيام الدولة – وحتى يومنا هذا، تمسكت إسرائيل بالحل الاقليمي الوسط. وهي فعلت ذلك بالرغم من المخاطر الأمنية الكبرى الكامنة في هذه السياسة، على أمل احراز السلام، والاستقرار والإزدهار لمواطنيها، وبناء علاقات طيبة مع جيرانها.
بالرغم من الفشل المتكرر لمبادرات السلام المختلفة، وبالرغم من العمليات العسكرية والانشطة الإرهابية من قبل الدول العربية المجاورة، وحتى من قبل السلطة الفلسطينية أيضاً خلال السنوات الأخيرة، فإن إسرائيل عادت ومدت يدها للسلام والحل الوسط، في وقت اعرب رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو عن موافقته على اقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح في المستقبل. إلا أن الجمهور الإسرائيلي لن يسلم باقامة كيانية فلسطينية تسمح بنشوء بنية تحتية ارهابية أو نشر قوات عسكرية معادية.
هشاشة إسرائيل الاستراتيجية
الموقف الإسرائيلي المتعدد السنوات الذي يدعو للالتزام بنزع سلاح كل اراضي الكيانية الفلسطينية المستقلة، إنما ينبثق من تهديدات استراتيجية من شأنها أن تتطور بسهولة سواء من داخل الدولة الفلسطينية العتيدة أو من خلال لاعبين اقليميين معادين. وإسرائيل منذ انشائها عام 1948 تتصارع مع اشكال متعددة من عدم التناظر الاقليمي مما يؤدي إلى تقليص قدرتها على الدفاع عن نفسها. سكان إسرائيل الذين يبلغ تعدادهم نحو 7.5 مليون نسمة يتجمعون في اغلبيتهم ضمن مساحة 25900كلم2، بما في ذلك الضفة الغربية التي هي محور خلاف، وهي محاطة بدول عربية ذات كثافة سكانية تصل إلى نحو 300 مليون نسمة فوق رقعة جغرافية تزيد مساحتها بـ650 ضعفاً مساحة إسرائيل. ومع مر السنين كان الهدف الأساسي هو الحصول على قدرة دفاعية بوجه قوات معادية، لأن جيرانها العرب والفلسطينيين لم يكفوا عن نواياهم العدوانية والهجومية بالرغم من اتفاقيات السلام التاريخية مع كل من مصر والأردن.
إسرائيل تفتقر أيضاً للتواصل الاقليمي مع دول مجاوره صديقة، الامر الذي من شأنه أن يوجد شرايين مواصلات تساعد على حماية مصالح الدولة القومية والأمنية.
كل هذا الوضع من عدم التناظر الأساسي، دفع بخبراء الأمن والجيش في إسرائيل إلى تطوير نظرية أمنية نشمل الردع والانذار والحسم. والملاحظ أن الدولة لا تزال ملزمة بمواجهة اشكالية غير قابلة للتغيير وهي أن عرض إسرائيل بما في ذلك الضفة الغربية هو 64 كلم فقط.
إن فقدان العمق الاستراتيجي يكشف إسرائيل أمام أوضاع مستحيلة، حيث يضطر الجيش الإسرائيلي معها إلى الدفاع عن الدولة من داخل مدن كبيرة (  ) صفد ونهاريا وكريات شمونة في الشمال، واشكلون [عسقلان] واشدود في الجنوب. هذه الاحتمالات تحولت إلى واقع ملموس في أعقاب الانسحاب الإسرائيل من طرف واحد من جنوب لبنان عام 2000 ومن قطاع غزة عام 2005، مما أدى إلى انكشاف مراكز التجمع السكاني في الشمال والجنوب أمام آلاف الصواريخ ذات المدى القصير والمتوسط التي اطلقها ازلام ايران – حزب الله في لبنان وحماس في غزة. والارجح أن هؤلاء يمتلكون صواريخ بوسعها أن تطال تل أبيب.
في حال عقد اتفاق سلام مع السلطة الفلسطينية سيكون من الممكن أن تضطر إسرائيل إلى التنازل عن العمق الأدنى الذي توفره لها الضفة الغربية حالياً، ومثل هذا الوضع سوف يضع أمام إسرائيل عقبة كأداء دائمة، بحيث يرغمها بصورة تكاد تكون مؤكدة على مواجهة تسلل مخربين من أجل القيام بعمليات التحديات الأمنية المنصوبة عند أبوابنا.
من الممكن الافتراض بأن إسرائيل ستواجه على الأقل سيناريوهين مركزين في أعقاب اقامة دولة فلسطينية وإزاء التوجهات المرتسمة معالمها في الشرق الأوسط:
- بموجب السيناريو الأول، ستشكل الدولة الفلسطينية قاعدة سهلة لتطوير بنية تحتية ارهابية، مثلما حصل في غزة في أعقاب الانسحاب الإسرائيلي من طرف واحد عام 2005.
مثل هذا الوضع سيضع أمام إسرائيل عقبة كأداء دائمة، بحيث يرغمها بصورة تكاد تكون مؤكدة على مواجهة تسلل مخربين من أجل القيام بعمليات تخريبية أو اطلاق مقذوفات صاروخية منحنية المسار إلى وسط البلد، مثلما حصل في أعقاب انسحابات إسرائيلية سابقة. هكذا نجد أنه ما بين 2005 و2006 تزايدت عمليات اطلاق المقذوفات الصاروخية. من قبل حماس بـ500 ضعف. ولا بد من افتراض أن أي انسحاب إسرائيل من الضفة الغربية من شأنه هو أيضاً أن يؤدي إلى مواجهات متواصلة، ستؤدي إلى إلقاء اعباء كثيفة على مجرى حياة الإسرائيليين وإلى عرقلة تطبيق اتفاقات السلام.
بناء على السيناريو الثاني، الذي ينطلق من منطلق اقليمي، نجد أن التهديد لاسرائيل سيأتي من شرقي الدولة الفلسطينية، عندما ستشكل الأراضي الفلسطينية قاعدة لشن هجمات على إسرائيل. والدافع للقيام بهذه الهجمات سيكون ماثلاً في التطرف الإسلامي – النظام الإيراني يقف عند عتبة بناء قدرات نووية وهو يتمتع منذ الآن من القدرة على إطلاق صواريخ بالستية على إسرائيل وعلى مختلف الدول العربية وروسيا وقسم من أوروبا. إن حراس الثورة في إيران يسيطرون على أنظمة الأسلحة الأكثر حساسية، بما في ذلك البرنامج الذري، وهم يوفرون مظلة استراتيجية للمجموعات المتطرفة التي يجندونها ويرسلونها إلى مختلف أنحاء الشرق الأوسط. والمقصود هو ميليشيات شيعية متطرفة في العراق وحزب الله في لبنان وحماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني في غزة والضفة الغربية.
إن إيران ستواصل استغلال قدراتها النووية المتعاظمة وصورتها كدولة نووية عظمى من أجل تحقيق تطلعاتها في السيطرة الإقليمية. والنظام الإيراني سيواصل بذل جهوده باستمرار من أجل السيطرة على مجريات الأمور في العراق بواسطة الأغلبية الشيعية المحلية اثر انسحاب القوات الأميركية. كما وأن بلورة محور شيعي متطرف بقيادة إيرانية، يشمل العراق وسوريا وحزب الله في لبنان، بالإضافة إلى الأنشطة المتواصلة التي تقوم بها القاعدة وحماس، من شأنها أن تلحق الضرر باستقرار النظام في الأردن.
هذا التجمع من القوى المعادية من شأنه أن يشكل تهديداً عسكرياً تقليدياً من ناحية الشرق، وإن تهديداً كهذا يمكن أن يوضع موضع التنفيذ عبر شن هجمات جوية واطلاق صواريخ أرض – أرض ونشر قوات عسكرية و/أو شبه عسكرية و/أو استخدام مندوبين – وهذا كله عبر الدولة الفلسطينية (هذا السيناريو سيتحقق بصورة تكاد تكون مؤكدة فيما لو سيطرت حماس على الدولة الفلسطينية بالتعاون مع مجموعات إرهابية محلية تتمتع بدعم إيراني). وضمن ظروف كهذه، ستضطر إسرائيل لمواجهة إرهاب لا ينقطع وسيكون من الصعب عليها الحفاظ على أمن مواطنيها.
الدروس المستفادة من اتفاقات فشلت مع الولايات المتحدة
إن قدرات إسرائيل على أن تستشرف مسبقاً وجود تهديدات عليها، ترتكز على دروس مستقاة من تجارب الماضي. فمنذ عام 1993 عندما اطلقت حكومة إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية انتاج وتهريب السلاح إلى الأراضي الفلسطينية. كما أن منظمة التحرير الفلسطينية وفتح ورئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات قد مولوا ودربوا وسلحوا نحو اثنتي عشرة منظمة أمنية متنافسة بالإضافة إلى تزويد نحو 60 ألف رجل أمن بالسلاح – من طريق الانتاج المحلي والتهريبات – هذا السلاح الذي تم حظره ومنعه بموجب تلك الاتفاقات.
وعملياً منذ مطلع شهر تموز 1994، وهو اليوم الذي دخل فيه عرفات إلى قطاع غزة عن طريق مر للمرة الأولى منذ 27 سنة، فإنه هرب بواسطة سيارته، وتحت غطاء عائلته، سلاحاً وناشطين ارهابيين.
- خلافاً لاتفاقات أوسلو التي حددت بأن لا يستخدم الفلسطينيون سوى قوات أمن داخلي مثل شرطة من دون إشارات عسكرية على الاطلاق، فإن عرفات وقادة فتح منحوا اجهزة الأمن القومي كامل المظاهر العسكرية (أي البنية التنظيمية، والوظائف العملانية، وأسماء الوحدات والرتب وما إلى ذلك) ووسعوا مجالها أوسع بكثير مما هو متفق عليه. وحماس أيضاً اثر سيطرتها على غزة، اقامت اطراً تنظيمية عسكرية مكشوفة مع الوية محلية جرى تسليحها كقوات عسكرية وعملت كذراع عسكري للحركة.
- منذ عام 2005 ثم تزويد إرهاب حماس المتواصل ضد إسرائيل بقدرات عسكرية مركزية أكثر مثل استخدام صواريخ غراد وصواريخ ضد الدروع وضد الطائرات واسلحة أخرى تؤدي إلى الاخلال بالتوازن مع إسرائيل. إن وقف هذه الظاهرة ومنعها يشكلان مبدأ حيوياً في مسألة نزع السلاح ولا بد من ضمان فرض ذلك.
- الهجوم الإرهابي ضد مواطنين إسرائيليين ابريا، الذي شنته السلطة الفلسطينية منذ خريف العام 2000 (الانتفاضة الثانية) يشكل خلفية وحافزاً لمطالبة إسرائيل بتطبيق اتفاقات موقعة ومنع تطوير قدرات عسكرية وإرهابية في الأراضي الخاضعة لسيطرة فلسطينية، وهو يشكل نموذجاً على تفاضي الفلسطينيين عن هذه الاتفاقات.
- منذ توقيع اتفاقات أوسلو قامت المنظمات الإرهابية وقوات الأمن التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية بتهريب سلاح ومعلومات لتصنيع سلاح من إيران عبر مصر لداخل غزة (عبر محور فيلادلفي) بل ومن داخل غزة إلى الضفة الغربية (في بعض الأحيان استخدموا لهذه الغاية فلسطينيين دخلوا إسرائيل لتلقي العلاج الطبي). إن السيطرة الإسرائيلية والتفتيش الدقيق في المعابر الحدودية هي وحدها التي منعت تدفق كميات متزايدة من السلاح ومن معلومات تضنيع السلاح إلى داخل الضفة من قطاع غزة.
على الرغم من أن الواقع المتطور في يهودا والسامرة قد تغير في السنة الأخيرة، فثمة حاجة ماسة للتعلم من الماضي ولمحاولة تطبيق الدروس المستفادة في الاتفاقات المستقبلية. إن حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية هي التي تتيح للجيش الإسرائيلي الوصول إلى أي مكان يتم فيه انتاج أو اخفاء اسلحة، وقد أدى هذا الأمر حتى الآن إلى حرمان المخربين من مقدرة انتاج واطلاق صواريخ باتجاه القدس وتل أبيب. وحرية الحركة هذه قد سمحت للجيش الإسرائيلي من مطاردة الانتحاريين ومنعهم من تنفيذ مهماتهم الفتاكة قبل الأوان.
مواجهة التهديدات الإرهابية والعسكرية.
بتشكل التهديد من الدمج بين النوايا العدوانية والقدرة الهجومية. لقد تبين لإسرائيل من خلال المواجهات التي خاضتها على مر السنين في المجالين العسكري والإرهابي، بأن الانذار المبكر من نوايا عدوانية إنما يشكل مهمة صعبة للغاية لاسيما في مواجهة منظمات إرهابية ودول لا تتحمل مسؤولية دولتية. وإسرائيل لدى اقدامها على التعامل مع لاعب ليس بدولة، مثل السلطة الفلسطينية، لا بد لها من استخدام وسائل مختلفة بحيث تكون فعاليتها أقل من فعالية الوسائل الكلاسيكية مثل الردع والمعاقبة المحدودة التي اثبتت فعاليتها بوجه الدول. إن الانقسام بين فتح في الضفة الغربية وحماس في غزة، يؤكد هذه الصعوبة أكثر وأكثر. بناء عليه لا تستطيع إسرائيل التساهل أزاء نزع سلاح البنى التحتية الإرهابية داخل حدود السلطة الفلسطينية وعلى طولها. والنجاح الكبير نسبياً الذي حققته إسرائيل بنزع سلاح البنى التحتية الإرهابية قد اعتمد على استخبارات نوعية ودقيقة وعلى حرية حركة كاملة، تشمل القدرة على الدخول إلى مراكز المدن والقرى الفلسطينية، من أجل اكتشاف وتدمير مختبرات انتاج القذائف والعبوات والمخارط الخاصة بصناعة الصواريخ والأسلحة الأخرى ومخازن الأسلحة والذخيرة. هكذا تعالج إسرائيل التهديدات غير المنتظرة الصادرة عن المنظمات الإرهابية.
فيما يتعلق بالتهديدات المتناظرة في مواجهة دول، يجب على إسرائيل أن تأخذ بالحسبان دروس الماضي، بما في ذلك محاولة جيوش سوريا والعراق السيطرة على الأردن واستغلاله كقاعدة هجوم ضد إسرائيل من دون موافقة المملكة الهاشمية. في الماضي، حاولت منظمة التحرير الفلسطينية أيضاً اسقاط حسين ملك الأردن. وفي الآونة الأخيرة نشهد جهوداً حثيثة ودائمة من قبل النظام الإيراني من أجل بلورة محور شيعي فتطرف بمشاركة العراق وسوريا ولبنان تحت المظلة النووية المتطورة في إيران. في الوقت نفسه تحاول إيران توصية صفوف قوى متطرفة تحت اشراف الحرس الثوري الإيراني داخل الأراضي الفلسطينية من أجل ضرب الجبهة الداخلية الإسرائيلية.
وهذه الأمور كلها من شأنها أن تشكل تهديداً عسكرياً ملموساً من ناحية الشرق على إسرائيل.
ضمن هذه الروحية نجد أن أي اتفاق بين إسرائيل والفلسطينيين لا بد من أن يضمن بأن أي دولة فلسطينية ستقوم يدب ألا تسمح بتطور كيانية إرهابية ذات قدرة عسكرية متناظرة وغير  متناظرة، بحيث يكون بوسعها مهاجمة إسرائيل في كل حين. الاتفاق يجب أن ينطوي على حظر قيام أي نشاط ارهابي أو نشر قوات جيش اجنبي بهدف مهاجمة إسرائيل. كما ويجب أن يحتوي على مطلب حاسم وواضح يقضي بمنع تطوير أي قدرات عسكرية فلسطينية ذات اهمية تحت حماية أو داخل أراضي أي طرف قالت وكذلك منع عقد أي احلاف عسكرية واستراتيجية مع أعداء إسرائيل أو مع أي كيانات لا تعرف بحق إسرائيل في الوجود.
تفاهمات وخلافات في الرأي اثناء المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين – الماضي والحاضر.
مع مرور السنين تم التوصل إلى تفاهمات بشأن أهداف إعادة التصحيح في قوات الأمن الفلسطينية على أساس حلم رئيس السلطة محمود عباس بروحية المبدأ القائل: "سلطة واحدة، قانون واحد وسلاح واحد". والمهمة التي ألقيت على عاتق هذه القوات تشمل القيام باعمال الشرطة الداخلية مثل احلال القانون والنظام، ومنع الارهاب والعنف، ونزع سلاح البنى التحتية الإرهابية، ونزع سلاح مجموعات مسلحة وتأمين الحدود بهدف منع عمليات تهريب الأسلحة. وتسلل المخربين والمهربين. وعلى الرغم من التحدي الأمني المعقد والصعب الذي يفرضه الفلسطينيون بوجه إسرائيل – مثلما كانت عليه الحال في الماضي وقد تتكرر هي نفسها في المستقبل ايضاً فإن رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ورئيس السلطة الفلسطينية قد رفض الموافقة على فكرة نزع سلاح الدولة الفلسطينية. وعملياً نجد أن قيادة السلطة الفلسطينية في رام الله تبدي اهتمامها بتفريغ مسألة نزع السلاح من أي معنى. وقد قال ممثلو السلطة الفلسطينية صراحة أنهم سيوافقون على "قيود على الأسلحة" مثل الامتناع عن شراء طائرات حربية ودبابات (وفي التعبير العسكري: اسلحة ثقيلة)، إلا أنهم يصرون على حقهم في امتلاك أسلحة ذات مسار منحن (هاونات) وصواريخ مضادة للدبابات (آر. بي. جي) ومجنزرات حاملة رشاشات.
الفلسطينيون أوضحوا الحاجة لسلاح من هذه الأنواع بكونهم يريدون أن يكونوا القوة المسيطرة على الأرض بما في ذلك امتلاك القدرة على حماية السلطة المركزية. وهم أيضاً اشاروا إلى حقهم كدولة ذات سيادة في امتلاك قوة عسكرية، على الأقل من أجل الدفاع عن النفس، وحماية الحدود بوجه مخاطر خارجية ونوع سلاح ميليشيات مسلحة تشكل تهديداً من الداخل. ليس من الممكن التطرق إلى هذا المطالب الفلسطينية إلا من الداخل. ليس من الممكن التطرق إلى هذه المطالب الفلسطينية إلا من خلال علاقتها باتفاق شامل حول بناء الثقة بين الأطراف. لا بد للتسوية من أن تشمل اعترافاً سياسياً متوازياً ومتبادلاً – دولة فلسطينية ودولة يهودية، تعليم ثقافة السلام، حكومة فلسطينية موحدة ومسؤولة، وضمان استمرار النوايا السلمية لدى الدولة الفلسطينية الجديدة.
أثناء انعقاد قمة كمب ديفيد عام 2000، التي تمت تحت إشراف ومبادرة الرئيس كلينتون بهدف تحديد عوامل التسوية الدائمة بين إسرائيل والفلسطينيين، حاولت الولايات المتحدة تلطيف مصطلح "نزع السلاح" من طريق استخدام كلمة جديدة غير معروفة في القانون الدولي وهي nonmilit.gation "عدم اعطاء طابع عسكري" إلا أن الجانب الفلسطيني رفض ذلك ايضاً.
بتعبير آخر، وبناء على تجربة الماضي، من الصعب التجسير فوق فجوة الخلافات التي تفصل الطرفين بالنسبة لكل ما يتعلق بمستوى القيود التي ستفرض على قدرات الدولة الفلسطينية العسكرية في حال قيامها.
سوء التفاهم هذا بقي سائداً أيضاً إزاء مسائل أمنية أخرى مثل:
- الترتيبات الأمنية الخاصة لصالح إسرائيل في غور الأردن (حتى طريق آلون ضمناً) من أجل وقف عمليات تهريب الأسلحة وتسلل المخربين (مثلما هي عليه الحال في معبر فيلادلفي على الحدود مع مصر وغزة). مثل هذه الترتيبات سوف تضمن لاسرائيل التمتع بخيار عملاني ضد أي تهديد عسكري من الشرق بحيث أن أي قوة عسكرية تجتاز نهر الأردن إلى دخل الدولة الفلسطينية، سيتم ايقافها حتى قبل أن تصل على سلسلة الجبال المركزية وإلى القدس العاصمة.
- توطيد العلاقات القائمة بين الأردن وإسرائيل وفقاً لإيقاف السلام ما بينهما الموقع عام 1994، بما في ذلك الملحق الأمني الخاص بمواصلة نشاط الأردن بهدف منع أي تهديدات إرهابية من الجانب الشرقي للحدود والمحافظة على الأمن البحري سواء في البحر الأحمر أو في البحر الميت.
- مجال جوي مسيطر عليه من قبل إسرائيل لمنع الإرهاب الجوي أو منع أي هجوم عسكري جوي ضد إسرائيل.
- السيطرة البحرية مقابل شواطئ غزة، بما في ذلك مرفأ غزة عندما سيقوم، بهدف منع حصول تهريب أسلحة إلى داخل غزة ومنع حصول هجمات من ناحية البحر ضد إسرائيل. وهذا بالتعاون مع مصر – حسبما تم الاتفاق عليه في الملحق الأمني لاتفاق السلام مع إسرائيل عام 1979.
موقف إسرائيل من نزع السلاح.
إن تطرق إسرائيل إلى مصطلح نزع السلاح يرتكز على تعريف واسع النطاق أكثر مما هو متعارف عليه أو ما يمكن استشفافه من خلال القانون الدولي، وذلك لكون المصطلح الشائع لا يعطي جواباً على التداعيات المترتبة عن المواجهات والتهديدات العسكرية المتغيرة باستمرار. نزع السلاح بناء للتعريف الإسرائيلي، هو وسيلة للوصول إلى الهدف، وهو منع تطور أو نشوء أي تهديد أمني – سواء كان تهديداً متناظراً أو غير متناظر، عسكرياً أو إرهابياً أو غير ذلك، من شأنه أن يشوش مجرى الحياة الطبيعية في إسرائيل – من داخل الأراضي الفلسطينية أو عبرها.
إلا أن السياق الذي يندرج فيه نزع السلاح هذا هو سياق خاص ومتميز، لكونه لا يتطرق إلى دولتين ذواتي قوات نظامية، بل المقصود هو دولة فلسطينية تنطوي عملية اقامتها على ماض من العمليات الإرهابية المتواصلة ضد إسرائيل. وبناء عليه لا بد لإسرائيل من التأكد من عدم وجود سلاح استراتيجي "يخل بالتوازن" لدى الجانب الفلسطيني، كما وينبغي عليها المطالبة بفرض قيود واسعة على قدرات الدولة الفلسطينية العتيدة الأمنية، بما في ذلك تشكيل جيش نظامي مع طائرات ودبابات ومدرعات ثقيلة وأسلحة تقليدية أخرى.
بناء على التوصيف الإسرائيلي يندرج السلاح ضمن وضع يحول دون تطور أي تهديد أمني من داخل أو عبر الأراضي الفلسطينية.
البعد العسكري
نزع السلاح من زاوية يعني منع اقامة جيش فلسطيني او منع اقامة أو تشكيل قدرات عسكرية من شأنها أن تشكل تهديداً. ونزع السلاح هذا سيرتكز على المبادئ التالية:
الموافقة على اقامة الشرطة الفلسطينية واطر أمنية داخلية مثل "قوات دايتون" تحت اشراف أميركي. لن يسمح باقامة اطر عسكرية أو بخير ذلك ذات مظاهر عسكرية بارزة.
السماح للفلسطينيين بعدم امتلاك أي سلاح سوى السلاح المعد لاهداف داخلية وبوليسية.
لن يكون من المسموح قيام احلاق عسكرية أو أي تعاون عسكرية بين قوات الأمن الفلسطينية وبين جيوش اجنبية. وهذا الأمر يشتمل أيضاً على منع انتشار أي جيش اجنبي أو أي مجموعات مسلحة داخل أراضي الدولة الفلسطينية.
حظر نشر أي قوات عسكرية تابعة للدولة الفلسطينية خارج تخوم الدولة الفلسطينية، فمثل هذه القوات تشكل تهديداً محتملاً يتمثل في شن هجوم على إسرائيل في وقت الأزمات والظروف غير المتوقعة الأخرى.
عدم وجود بنى تحتية عسكرية – مثل بنى تحتية أمنية – ومنع انتاج مركبات ذات هدف مزدوج تحمل في ظاهرها مظهر الاستخدام المدني.
السيطرة، والمراقبة والتفتيش الفعال في الغلاف الأمني حول الحدود ومعابر الحدود الدولية من أجل منع تهريب السلاح المحظور والمواد ذات الاستخدام المزدوج.
اقامة جهاز فعال للمراقبة والتفتيش، يعتمد على مراقبين دوليين، مهمتهم وظيفتهم التأكد من أن الجانب الفلسطيني يفي بالتزاماته لجهة مسألة نزع السلاح.
البعد الإرهابي
مبادئ نزع السلاح ستكون من النوع الذي يحول دون تطور تهديدات من داخل الدولة الفلسطينية أو من خلالها. كذلك سوف تلتزم الدولة الفلسطينية بمنع قيام أنشطة ارهابية أو تحريض او دعوة لممارسة الارهاب داخل المجتمع الفلسطيني، ومنع انتاج بنى تحتية ارهابية داخل حدودها. والمطالب الأمنية التالية من شأنها أن تعزل هذه التهديدات بمختلف أنواعها:
- التزام الشرطة الفلسطينية وقوات الامن الأخرى بالعمل من تحت إلى فوق (بدلاً من فوق لتحت). وهذا يشمل ضمان حماية القانون والنظام ومنع الارهاب وتفكيك البنى التحتية الإرهابية والميليشيات المسلحة، ومنع تهريب الأسلحة وتسلل الناشطين الإرهابيين.
- منع التدخل بالقوة أو منع التدخل الأيديولوجي من قبل متطرفين راديكاليين ومعادين للسلام في الادارة المنتظمة للدولة الفلسطينية، خصوصاً بالنسبة لكل ما يتعلق بمساعدة المتطرفين والمنظمات الإرهابية والمجموعات المسلحة بما في ذلك محاولات تشويش انشطة الحكومة الفلسطينية وقدرتها على الامساك بالأرض.
- منع التحريض على الإرهاب وبناء "ثقافة سلام" – الأمر الذي سيستوجب اقامة اطر مشتركة لمنع التحريض وتعطيل كل سبل دعم المنظمات الإرهابية (بما في ذلك نقل أموال إلى المنظمات للممارسة أنشة تفضي إلى اقامة مجموعات متطرفة تحت ستار جمعيات مساعدة المحتاجين)، ونزع أي مواد تعليمية تشجع على العنف والعمليات الانتحارية. وهذا الأمر ينطوي أيضاً على ضرورة الالتزام من جانب الدولة الفلسطينية لمنع التحريض في المساجد والمؤسسات الدينية والثقافية الأخرى.
- التعاون بين إسرائيل والقوى الأمنية الفلسطينية في المجال العملاني وفي مجال جمع المعلومات العسكرية بهدف وقف الإرهاب ومنع اقامة بنى تحتية إرهابية داخل الدولة الفلسطينية.
- إقامة جهاز مراقبة وحراسة الهدف منه المراقبة والتأكد من أن الجانب الفلسطيني سيفي بالتزاماته لمنع حصول أنشطة إرهابية أو اقامة بنى تحتية إرهابية. والمراقبون الدوليون سيكون بوسعهم المساهمة بجزء من هذا الجهد ومساعدة قوات الأمن الفلسطينية على امتلاك قدرات الأمن الداخلي المطلوبة بل ولتدريب قوات أمنية فلسطينية ميدانياً.
تطبيق نزع السلاح
إن تحقيق الهدف الاستراتيجي بمنع تطور تهديدات على إسرائيل من جانب الدولة الفلسطينية يستلزم مساراً متعدد المراحل:
المرحلة الأولى: نزع السلاح وفرض ترتيبات أمنية تحد من قدرات الدولة الفلسطينية على اقامة جيش وتحد أيضاً من عدد قطع السلاح المتوفرة بأيدي قوات الأمن الفلسطينية. في مراحل البداية ستعطى مسألة نزع السلاح معنى واسعاً جداً بحيث يشمل على منع الإرهاب ومنع قيام بنى تحتية إرهابية في الدولة الفلسطينية. ومن المحظور على هذه الترتيبات الأمنية أن تضر بقدرة إسرائيل على الرد من منطلق الدفاع عن النفس بوجه التهديدات المحتملة التي تشكلها الدولة الفلسطينية أو التهديدات التي تنطلق منها.
المرحلة الثانية: تطبيق الترتيبات المعتمدة على تدخل مراقبين دوليين، مع تفضيل المراقبة الأميركية، بحيث تضمن تنفيذ جميع البنود المشمولة ضمن الاتفاقات الأمنية. في الوقت نفسه يتم تقديم مساعدة لقوات الأمن الفلسطينية في تنفيذ المهام المتعلقة بالأمن الداخلي، ومنع الإرهاب وتفكيك البنى التحتية الإرهابية. يجب التأكد من أن استخدام المراقبين لن يلحق أي ضرر كان وبأي طريقة كانت بقدرة إسرائيل على الدفاع عن نفسها بواسطة الجيش الإسرائيلي.
المرحلة الثالثة ضمان رافعة تساعد على تطبيق الاتفاقات. إن هدف أي ضمانات أو أجهزة أو وسائل مساعدة دولية وعربية هو التأكد من أن الثمن الذي سيدفعه الفلسطينيون من جراء عدم تطبيق الاتفاقات سوف يزيد بكثير على الربح الذي سيجنونه من ذلك.
مع مرور الوقت سيكون من الممكن خفض مستوى القيود الخاصة بالترتيبات الأمنية المفروضة على الفلسطينيين وذلك وفقاً للتطورات في الأوضاع الأمنية الإسرائيلية من طريق تقليص تواجد الجيش الإسرائيلي على أراضي الدولة الفلسطينية.
واجبات الدولة الفلسطينية
في البداية سيكون على الدولة الفلسطينية مسؤولية منع ظهور وتحقق أي تهديدات ضد إسرائيل وذلك وفقاً للمعطيات التالية:
- سيتم فرض قيود على السلاح واستخدامه من قبل الشرطة والقوى الأمنية الفلسطينية.
- عديد القوات وبنية الوحدات سوف يتم تحديدها لتتناسب مع أهداف الأمن الداخلي والمهمات البوليسية، وهي لن تتحول إلى قوات عسكرية ذات أهداف عسكرية.
- بناء القوات "من تحت لفوق" وهي ستوسع وفقاً لنموذج "دايتون" من أجل تدريب قوات أمنية داخلية على أيدي الولايات المتحدة والغرب، لكن ينبغي على هذه القوات أن تتثبت قدرتها في القتال الفعال لمنع الإرهاب والبنى التحتية الإرهابية والأنشطة المؤيدة للارهاب، من دون تحرك الجيش الإسرائيلي، المسؤول حالياً عن الأغلبية الساحقة من العمليات ضد الإرهاب في الضفة الغربية.
- يجب انتاج "ثقافة سلام" من طريق فرض الحظر ضد التحريض، الذي تتجلى بطرق مختلفة مثل تعليم طلاب المدارس على المقاومة بالعنف والقيام بعمليات انتحارية ضد إسرائيل وكذلك التحريض على المقاومة العنيفة ضد إسرائيل في المساجد والمؤسسات الأخرى في الدولة الفلسطينية.
- سيتم فرض حظر على عقد احلاف عسكرية والتعاون العسكري والمناورات المشتركة بين الدولة الفلسطينية قوات عسكرية أجنبية، كذلك سيتم منع الدولة الفلسطينية من امتلاك وحدات عسكرية خارج أراضيها.
المجال الجوي المشترك بسيطرة إسرائيلية
يتوجب على إسرائيل السيطرة على المجال الجوي المشترك من أجل منع أي عملية عسكرية معادية وأي نشاط إرهابي جوي من فضاء الدولة الفلسطينية أو عبرها. والنقص في موارد الزمن والأرض يجعل من تقسيم المجال الجوي إلى قسمين، في حين أن عرض  هذا المجال لا يتجاوز 64كلم بين نهر الأردن شرقاً وحتى البحر المتوسط غرباً، مهمة مستحيلة. المجال الجوي المشترك يستوجب السيطرة الموحدة في حين أن المسؤولية الأكبر تقع على عاتق إسرائيل وذلك إزاء سرعة عطبها أمام التهديدات العسكرية والإرهابية المحتملة، وحاجتها إلى اكتشاف ومطاردة الطائرات غير محددة الهوية والمعادية قبل دخولها إلى عمق سماء إسرائيل. وضمن هذا الإطار سيتم تشكيل جهاز للتعاون في مجال الطيران المدني.
الترتيبات الأمنية الخاصة في غور الأردن
في غور الأردن، ثمة حاجة لترتيبات أمنية خاصة – ثلاثية: الأردن، والسلطة الفلسطينية وإسرائيل – من أجل انهاء الإرهاب ومنع تهريب الأسلحة المحظورة وتسلل الخربين عن طريق معابر الحدود وعلى امتداد الحدود الشرقية بأكملها.
على ضوء احتمال حصول تهديد عسكري من ناحية الشرق، يجب على إسرائيل أن تحتفظ بقدرتها لمنع مرور الجيوش الاجنبية عبر نهر الأردن إلى داخل الدولة الفلسطينية، وسيطرة جيش أجنبي على المنطقة وعلى السفوح الشرقية لسلسلة جبال يهودا.
بسبب اقتراب الدولة الفلسطينية من إسرائيل توجد ثمة حاجة لضمان مراقبة فعالة على معابر الحدود، من أجل منع تسرب أسلحة ووسائل قتالية عبر غور الأردن إلى الدولة الفلسطينية.
مطالب أمنية إسرائيلية اضافية.
- الوقاية من هجوم قد يشن من جهة السلسلة الجبلية المسيطرة طوبوغرافياً على مطار بن غوريون، وذلك بواسطة السيطرة الإسرائيلية على مناطق حساسة استراتيجياً، وذلك لمنع اسقاط طائرات تحلق وتهبط بواسطة اطلاق الصواريخ المضادة للطائرات انطلاقاً من أراض فلسطينية.
- الرقابة البحرية من قبل سلاح البحرية الإسرائيلية واطر تعاون دولية اقليمية وذلك من أجل توقيق سفن مشبوهة ومنع حصول أنشطة معادية وارهابية من ناحية البحر، واقفال منافذ تهريب الأسلحة القتالية الأخرى إلى داخل الدولة الفلسطينية.
- التنسيق الأكترومغناطيس لمنع حصول تشويشات متبادلة وعرقلة عمل الاعلام الإسرائيلي العسكري والمدني.
- المفضل تركيز المواقع الاستراتيجية ومحطات الانذار داخل إسرائيل. لكن إذا تضررت القدرات الاستخبارية الإسرائيلية بنتيجة ذلك، فلا بد من وضع هذه المحطات داخل الضفة الغربية من أجل تأمين وضمان وقت الرد المطلوب على التهديدات العسكرية والإرهابية من ناحية الشرق.
- تأمين تفاهمات وترتيبات خاصة نسمح بنشر قوات الجيش الإسرائيلي ساعات الطوارئ بوجه قوات عسكرية وغير نظامية تدخل، خلافاً للاتفاقات، إلى أراضي الدولة الفلسطينية.
في المرحلة الثانية، سيكون من الضروري فرض ترتيبات تعكس الدروس المستخدمة مع مرور السنين، والتي لم يطبقها الفلسطينيون من خلال الاتفاقات الثنائية السابقة. يجب ادخال طرق ثالث من أجل المراقبة والتأكد من أن الجانب الفلسطيني يطبق التزاماته الأمنية لصالح الردع الإسرائيلي (من طريق الشفافية واتخاذ الإجراءات) وضد انتهاكات فلسطينية للترتيبات الأمنية. ومثل هكذا ترتيبات يجب أن تتضمن ما يلي:
- فرض رقابة كاملة على تطبيق نزع السلاح يرتكز على المراقبين الدوليين برعاية أميركية أو غيرها بحسب اتفاق الاطراف.
- فرض الرقابة والحراسة من قبل الجيش الإسرائيلي وطرف ثالث، من دون قوات اجنبية، على معابر الحدود الدولية لمنع تهريب الأسلحة الممنوعة والمواد المتعددة الاستخدامات، وتسلل ارهابيين ونقل أموال ومساعدات أخرى إلى مجموعات إرهابية داخل الدولة الفلسطينية.
- مراقبة الغلاف الخارجي على امتداد حدود الدولة الفلسطينية من اجل منع تهريب السلاح والمواد المحظورة وتسلل النشطاء الإرهابيين، واجتياز أو دخول قوات عسكرية وغير نظامية معادية لإسرائيل أي داخل الدولة الفلسطينية.
في المرحلة الثالثة، سيتم تحديد ضمانات دولية ووسائل مساعدة من أجل حث الجانب الفلسطيني على الوفاء بالتزاماته ضمن اطار الاتفاق وتوفير التأكيدات لإسرائيل إزاء احتمال انتهاك الفلسطينيين الترتيبات الأمنية.
قيود على أسلحة
يجب على إسرائيل والفلسطينيين بلورة قائمة متفق عليها من القدرات والأسلحة المسموح لقوات الأمن الفلسطينية التزود بها بحسب استخداماتها. واستناداً إلى التجربة الإسرائيلية مع الملحق العسكري لاتفاق السلام مع مصر والأردن، واتفاق فصل القوات بين إسرائيل وسوريا في هضبة الجولان، فإن إسرائيل تفهم بأنه من الحيوي تحديد توصيف القدرات والأسلحة المسموح بها – وليس فقط الممنوعة – لأنه ليس من الممكن استشراف أو معرفة كل التكنولوجيات العسكرية المستقبلية. وإذا واقف الأطراف على تحديد ذكر الأشياء الممنوعة فقط، فلا بد من تشكيل هيئة مشتركة تتفحص القائمة وتقوم بتعديلها وفقاً للتطورات.
إن مبدأ نزع السلاح هو مبدأ حيوي جداً لجهة الحفاظ على الأمن والسلام وبناء الثقة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل. ثمة طرق مختلفة لفرض ذلك ومن الممكن تأسيس قسم منها على اتفاقات نزع السلاح التي تمت مع الأردن ومصر وسوريا. يجب تطوير أجهزة تنفيذ من أجل مكافحة الأنشطة غير المرئية مثل النشاط تحت الأرض وخاصة بناء الانفاق من غزة إلى سيناء واخل الضفة الغربية.
يجب تطوير طرق لنزع سلاح مناطق ضيقة مثل الضفة وغزة في عصر "الأسلحة ذات الاستخدامات المتضاربة" Stondoff weaponry. من دون جيش، دبابات ومجنزرات، لن تكون الانتهاكات من الجانب الفلسطيني مكشوفة أمام انظار الجميع. وبناء عليه، فإن أجهزة فرض نزع السلاح والتأكد من ذلك ميدانياً في الوضع الراهن ستكون مختلفة عما هو قائم حالياً إزاء الأردن ومصر. كذلك من المهم بشكل خاص الشروع بمحادثات ملموسة مع السلطة الفلسطينية حول مبدأ بناء قوات أمن وحراسة وقوات لحماية النظام كبديل عن قوات عسكرية.
خلافاً للزعم الفلسطيني الشائع بأن اتفاق السلام مع السلطة سيوفر الأمن، فقد ثبت لإسرائيل بأن الشرط المسبق والضروري للسلام المستقر يكمن في المحافظة على المصالح الأمنية الحيوية الخاصة باسرائيل. ويجب على أي اتفاق أن يقلص قدر الامكان العوامل التي من شأنها تشجيع شن هجمات من قبل قوات معادية على إسرائيل.
إن الهدف الأمني الإسرائيلي الأساسي مقابل الفلسطينيين هو منع تطور تهديدات عسكرية متناظرة أو غير متناظرة ومنع الإرهاب وحرب العصابات من داخل الدولة الفلسطينية أو عبرها. الجدير بالذكر أن احتمالية حصول مثل هذه التهديدات واخذها بعين الاعتبار ضمن اتفاق ثنائي، إنما يستوجب على إسرائيل أن تتحمل على عاتقها مخاطر أمنية مراقبة ومسيطر عليها.
السيطرة على المال الجوي والطيف الكهرمغناطيسي.
العميد احتياط أودي ديكيل
قائد لواء التخطيط الإستراتيجي في الجيش الإسرائيلي ورئيس
وحدة التفاوض مع الفلسطينيين أيام ولاية رئيس الحكومة أيهود أولمرت
سرعة غضب إسرائيل أمام هجوم جوي
أثناء مؤتمر كامب ديفيد صيف العام 2000 وضع خبراء عسكريون أميركيون علامات استفهام حول حيوية مطالبة إسرائيل بالسيطرة على المجال الحيوي الموحد فوق الأراضي الواقعة ما بين البحر المتوسط ونهر الأردن. ومن بين الذرائع التي طرحها المندوبون الإسرائيليون، ذريعة احتمال قيام هجوم إرهابي جوي. وقد أوضح الإسرائيليون ضروره الاستعداد لحالة شن هجوم إرهابي جوي بواسطة طائرة مدينة محملة بالمواد المتفجرة تتحطم داخل إحدى المدن الإسرائيلية. احد الأميركيين الذين حضروا النقاش رفض ذلك، واعتبر أن الإسرائيليين يتمتعون بخيال خلاق بالنسبة لكل ما يعلق بتهديدات غير معقولة، تزودهم بذريعة المطالبة بأمن مبالغ فيه.
وبعد مرور عام وفي أيلول 2001 حصلت في الولايات المتحدة سوبر عملية ارهابية جوية من قبل القاعدة التي ارسلت طائرات ركاب مدنية في مهمة انتحارية إلى البرجين التوأمين في نيويورك ومبنى البنتاغون في واشنطن مما أدى إلى مصر آلاف الأشخاص وأوضح الحاجة للاستعداد لمواجهة سيناريوهات مرتبطة بتهديدات ارهابية وبالامن القومي.
إن الجمع بين الملابسات الجغرافية الخاصة مع الاحتمال الكبير في تحقق تهديدات ارهابية وتهديدات عسكرية في المجال الجوي ضد دولة إسرائيل، يوجد حالة أساسية من انعدام توفر الوقت والمساحة من أجل الرد قبل قوات الأوان على التهديدات من الجو ومنع حصول هجوم جوي معاد على دولة إسرائيل.
لإسرائيل خاصرة ضيقة جداً – فالمسافة بين نهر الأردن والبحر والمتوسط هي نحو 40 ميل بحري (نحو 70 كلم). وهذا يعني أن أي طائرة حربية باستطاعتها اجتياز إسرائيل خلال أقل من أربع دقائق. كما وأن أي طائرة بوسعها الدخول إلى إسرائيل عبر نحو الأردن والوصول إلى القدس في ظرف أقل من دقيقتين.
إن التهديد الجوي يشكل تحدياً أمنياً جدياً بالنسبة لإسرائيل. والمطلوب ثلاث دقائق على الأقل من ألج اطلاق طائرات الأعتراض الإسرائيلية للتصدي للطائرة المعادية المحتملة، هذا إذا لم نأخذ بالاعتبار وقت الطيران المطلوب من القاعدة وحتى مكان المواجهة بين الطائرة المتصدية والطائرة المتسللة من أجل تحديد هويتها أو اسقاطها في حال كانت طائرة ذات نوايا عدائية.
في حال حصول هجوم جوي هدفه القدس، لا بد من اسقاط الطائرة المعادية على مسافة 10 أميال بحرية شرقي المدينة على الأقل وليس فوقها مباشرة. وإلا فإن الطائرة وذخائرها قد تتحطم داخل مجمعات سكانية وتتسبب بالتالي بكارثة.
ما سبق ذكره يوضح لماذا تعاني إسرائيل من نقص في الوقت والمساحة الضروريين م أجل حماية نفسها بوجه هجوم جوي على القدس من ناحية الشرق لا سيما إذا فرض حظر على طائرات الاعتراض الإسرائيلية بالعمل فوق غور الأردن.
إن الجيش الإسرائيلي يدفع يومياً بطائرات اعتراضية إلى الفضاء لمواجهة أهداف غير محددة، تكون لا تزال في اجواء الأردن من أجل ضمان أن تحصل المواجهة في حال حصولها مع الطائرة المعادية فور دخول هذه الأخيرة حدود نهر الأردن. وحتى هذا الإجراء يتطلب وقتاً قصيراً من أجل الاستبيان للهدف الجوي وتحديد كونه معانياً أم صديقاً أم أنه مجرد طائرة مدنية عادية شذت عن مسارها.
التصديات من هذا القبيل تحصل يومياً لأنه لا يمكن تشكيل صورة جوية دقيقة ومحددة بصورة مؤكدة حتى مع وجود تواصل مع مراكز السيطرة التابعة للنقل الجوي العسكري والمدني في كل من الأردن وإسرائيل.
بهذه الطريقة أيضاً يتم اعطاء الموافقة على دخول المجال الجوي الإسرائيلي من جهة البحر المتوسط من ناحية الغرب فقط للطائرات التي عرفت بنفسها وتم التأكد منها على مسافة نحو 100 كلم بعيداً عن إسرائيل.
وظيفة الأجهزة المضادة للطائرات
الصواريخ أرض – جو والأسلحة المضادة للطائرات لا تشكل حلاً على صعيد الحماية الجوية بالنسبة لإسرائيل. فخلافاً للطائرات الاعتراضية – المزودة بامكانيات تعرف متعددة بما في ذلك امكانية التعرف بالرؤية – لا تستطيع البطاريات المضادة للطائرات التمييز بشكل دقيق ومؤكد بين الأهداف الجوية المعادية وسائر الأهداف. فأثناء التعقب والاعتراض بواسطة البطاريات المضادة للطائرات لا بد من اسقاط الطائرات المعادية بعيداً عن الهدف المقصود، وفي حالتنا الخاصة هنا لا بد من اسقاطها فوق أراضي الضفة الغربية.
من الصعب جداً تصور وضع يتم فيه اطلاق صواريخ أرض – جو نحو المجال الجوي لدولة مجاورة، من دون التحديد الكامل لهوية الأهداف الجوية مثل الطائرات المعادية التي هي في طريقها لمهاجمة إسرائيل.
هذا العائق المهم اذن لا يسمح لإسرائيل بامتلاك حماية كاملة بوجه هجمات جوية معادية. وبناء عليه فإن نصب بطاريات صواريخ وأسلحة مضادة للطائرات لا يمكن أن تشكل بديلاً عن المطاردة الجوية نفسها.
صحيح أن علاقات سلام تسود حالياً بين إسرائيل والأردن ويوجد احترام متبادل للمجالات الجوية في كل دولة، كما يوجد علاقات طيران مدني وتعاون في مجال مرور الطائرات عبر الكوريدور الجوي الدولي الفاصل ما بينهما. إلا أنه ليس ثمة أي شيء يضمن بأن تعاوناً لهذا سوف يستمر في المستقبل أيضاً. ففي الماضي سمح الأردن الطائرات قتالية عراقية بالدخول إلى مجاله الجوي وسمح لها الدخول إلى محاذاة الحدود الإسرائيلية من أجل القيام بعمليات تصوير جوي للأراضي الإسرائيلية وبتعبير آخر، بالرغم من الهدوء الحالي، فإن إسرائيل لا تستطيع أن تضع في المستقبل امنها بايدي النوايا الحسنة لدى كل من الاردنيين أو الفلسطينيين.
إن إسرائيل ستجد صعوبة بالغة في الوصول إلى اتفاق تزيد في أعقابه المخاطر الأمنية على الجبهة الداخلية والاستراتيجية الخاصة بالدولة بالمقارنة مع الوضع الراهن، والتوصيف المختصر للقضية آنفاً وتعقيداتها يؤكد على الحاجة الحيوية للحفاظ على حرية الحركة العملانية لسلاح الجو الإسرائيلي في مجال جوي موحد. ومن اجل التقدم في المفاوضات مع الفلسطينيين لا بد لنا من ابتكار حلول خلافة سأتناولها في السطور التالية.
الدفاع عن مطار بن غوريون
الدفاع عن مطار بن غوريون سواء بوجه اطلاق النيران المعادية باتجاه مدارج الاقلاع والهبوط أو بوجه محاولات اسقاط طائرات مدنية اثناء اقلاعها أو هبوطها، يشكل تحدياً أمنياً اضافياً. والمعروف أن خطوط الاقلاع أو الهبوط تتأثر باتجاهات الرياح. وبناء عليه يتوجب على الطائرات في بعض الأحيان المرور فوق قرى فلسطينية. وإسرائيل تعاني من دونية أمنية طوبوغرافية خطيرة لأن كل الطيران المدني الدولي مكشوف أمام هجوم محتمل بواسطة اطلاق صواريخ تطلق من على الكثف ضد الطائرات من قبل جهات معادية من جبال الضفة الغربية التي تسيطر على المطار الأساسي في إسرائيل وعلى غوش دان. منذ مطلع الالفية الثانية ومع نشوب الانتفاضة الثانية، الفت شركات طيران كثيرة رحلاتها إلى إسرائيل. ومن الممكن توقع اقدام جميع شركات الطيران على إلغاء رحلاتها فوراً، وبالتالي عزل إسرائيل عن العالم، في حال قام مخربون فلسطينيون باطلاق صواريخ على مطار بن غوريون.
من أجل ذلك ثمة أهمية كبيرة للسيطر الأمنية الإسرائيلية الاقليمية على المناطق القريبة جداً من مطار بن غوريون والطرقات المؤدية إليه.
يجب على سلاح الطيران الإسرائيلي المحافظة على حرية عملانية كاملة ضم المجال الجوي الموحد والمحافظة على الترتيبات الأمنية اللازمة من أجل الدفاع عن الطيران المدني القادم والذاهب إلى ومن إسرائيل، وخاصة بالنسبة لمطار بن غوريون.
من أجل المحافظة على سماء الدولة ومنع حصول هجمات إرهابية ضد التجمعات السكانية وأهداف استراتيجية عسكرية، لا بد لإسرائيل من الاصرار على خمسة مطالب أساسية هي:
1 – السيطرة الإسرائيلية المتزايدة على مجال جوي مشترك (وهذه المساحة في مجملها لا يتجاوز عرضها 40 ميلاً بحرياً) وغير قابل للتقسيم.
2 – حرية الحركة لسلاح الجو الإسرائيلي في شتى أنحاء المجال الجوي ما وراء نهر الأردن والبحر الميت (وفوق الدولة الفلسطينية العتيدة).
3 – عدم وجود تهديد جوي محتمل من داخل أراضي الدولة الفلسطينية ضد إسرائيل. وفي الحال الخاصة من عدم وجود وقت ومسافة للرد، فإن إسرائيل لا تستطيع تعقب طائرة معادية تقلع على سبيل المثال من مطار عطار ومن (قلنديا) وتتحطم فوراً في داخل القدس.
4 – تقليص حركة الطيران الأجنبي داخل المجال الجوي الموحد، على ضوء الاكتظاظ داخل المجال الضيق، بسبب كثافة المواصلات المدنية والعسكرية (بما في ذلك النقص في مجاغلات التدريب الخاصة بسلاح الجو الإسرائيلي).
5 – تحديد ترتيبات أمنية خاصة لمنع اسقاط طائرات تهبط وتقلع من مطار بن غوريون الدولي.
الفلسطينيون يعتبرون السيطرة على المجال الجوي فوق دولتهم رمزاً للسيادة. وهم يسعون أيضاً لاقامة مطار دولي يربط الدولة الفلسطينية بالدول الأخرى ويشكل ممراً دولياً للبضائع والأشخاص.
أثناء المحادثات التي اجريت في الماضي مع إسرائيل، وافق الفلسطينيون على فرض قيود على القدرات العسكرية الجوية الخاصة بهم. ذلك لادراكهم بأنهم لسيوا بحاجة إلى طائرات قتالية أو طوافات هجومية وأسلحة هجومية جوية أخرى تشكل تهديداً مباشراً على إسرائيل. بالرغم من ذلك طالبوا بحرية الحركة في المجال الجوي فوق الدولة الفلسطينية بالنسبة للطائرات والطوافات خدمة للطيران المدني والأمن الداخلي (أعمال الدوريات).
وشمل الموقف الفلسطيني المطالب التالية:
- حظر الأنشطة العسكرية الإسرائيلية في المجال الجوي الفلسطينية.
- تشغيل مطارات وقيام مرفق طيران مفتوح بين الدولة الفلسطينية والعالم الخارجي.
- علاقات جوية دائمة ومنظمة بين الضفة الغربية وغزة بواسطة كوريدور جوي فوق إسرائيل.
- الاعتماد على المعاهدات الدولية – خاصة استناداً إلى اتفاق شيكاغو – التي تحدد بأن الدولة تحتفظ بسيادتها على مجالها الجوي.
بنتيجة ذلك تشكلت فجوة عميقة بين الجانبين. فنقطة الانطلاق الإسرائيلية في أي مفاوضات هي احتياجاتها الأمنية في حين أن المصلحة الفلسطينية تشمل السيادة والكرامة والاقتصاد.
من أجل ردم هذه الفجوة لا بد من تنظيم ترتيبات تحمي مطالب إسرائيل الأمنية، وإلى جانب ذلك تسمح بالتعبير عن السيادة الفلسطينية. وأي اتفاق بين الجانبين في موضوع المجال الجوي الاقليمي يستلزم اتفاقاً على المبادئ التالية:
- يجب المحافظة على مجال جوي موحد مع احتفاظ إسرائيل بالمسؤولة العليا من أجل السماح لها بمعالجة الحالات الطارئة والاستثنائية على ضوء المحدودية الزمنية والمتغيرات لجهة اعطاء الجواب على التهديدات الأمنية المحتملة ضد إسرائيل.
- الدولة الفلسطينية، بداعي سيادتها ستمنح الطرف الإسرائيلي صلاحيات في المجال الجوي فوق أراضي الدولة الفلسطينية.
- سيكون للفلسطينيين الحق في استخدام الطيران المدني الذي يلبي متطلبات السلامة والأمن الخاصة بمصلحة الطيران المدني الإسرائيلية على قاعدة معايير دولية.
- الجانب الفلسطيني سيحصل على تعويض مالي لقاء استخدام مجاله الجوي وفقاً لما هو معمول به في الطيران الدولي.
- الإشراف والمراقبة على حركة الطيران ستكون بايدي إسرائيل.
- سيكون من الممكن اضاف6ة رقيب جوي فلسطيني إلى محطة الاشراف الإسرائيلية على الحركة الجوية وهو يقيم اتصالاً مع الطائرات المدنية الفلسطينية والأجنبية التي تقطع المجال الجوي فوق الدولة الفلسطينية. وهذا كله تحت إشراف إسرائيلي.
- الحدود بين إسرائيل والدولة الفلسطينية يجب أن تعكس الاحتياجات الأمنية الخاصة بمطار بن غوريون. كما والمطلوب أيضاً ترتيبات أمنية خاصة من أجل تأمين المعابر الجوية إلى المطار ومنه.
مطارات فلسطينية
يطالب الفلسطينيون بمطار قلنديا (عطروت) في القدس وذلك من أجل تحويله إلى مطار دولي للدولة الفلسطينية. وهم ينوون أيضاً اقامة مطارات أخرى من أجل حركة الطيران الفلسطيني الداخلية. وتشغيل مطار عطروت من قبل الفلسطينيين إلى جانب عاصمة إسرائيل، يشكل تهديداً أمنياً لا يمكن التسليم به.
إن تشغيل مطار فلسطيني في الضفة الغربية ينطوي على مخاطر أمنية ملحوظة – سواء في المصطلحات الأمنية أو مصطلحات ضمان سلامة الطيران. إن إسرائيل ستفقد القدرة على مطاردة طائرة معادية وهي في طريقها لمهاجمة هدف إسرائيلي.
يضاف إلى ذلك أنه يوجد خطر من جراء كثافة الحركة الجوية في الكوريدور الدولي بين إسرائيل والأردن، ومن جراء الاحتكاك في الأنشطة الجوية في المنطقة التي تشمل مطار بن غوريون والمطارات العسكرية الإسرائيلية والمطارات المدنية في الضفة الغربية.
وفي حال بانت إسرائيل مستعدة لأن تأخذ على نفسها المخاطر الأمنية ومخاطر السلامة العامة الناجمة عن اقامة مطار فلسطيني، فلا بد من اشتراط اقامته بالمطالب التالية:
- لا بد لأي مطار من أن يقام بعيداً عن التجمعات السكنية الإسرائيلية مع أفضلية للجانب الأردني أو المصري على الحدود المشتركة مع دولة فلسطينية محتملة. وعلى الرغم من أن إسرائيل وافقت في الماضي على تشغيل مطار دهنيه على الحدود بين غزة ومصر، فإنها لا تستطيع الموافقة على مجازفة مماثلة في الضفة الغربية على ضوء المسافة القريبة من وسط البلد وجبهته الاستراتيجية الداخلية. بناء عليه ثمة أفضلية لاقامة مطار فلسطيني على الأراضي الأردنية، مع ضمان صلاحية المراقبة والتفتيش الأمني فيما يخص عبور الأشخاص والبضائع إلى داخل المجال الفلسطيني. والسلطات الأمنية التابعة للمملكة الأردنية ستكون مسؤولة عن الاعتبارات الأمنية والرقابة الأمنية على المطار.
- يجب تعيين معابر الاقلاع والهبوط في الجانب المصري أو الأردني من الحدود، في وقت لا بد لأي دخول إلى المجال الجوي الموحد من أن يكون حاصلاً على موافقة إسرائيلية.
- يجب إدارة المطار على أساس المعايير الإسرائيلية والدولية المطبقة في مجال الأمن والسلامة العامة. وإذا استخدم المطار للرحلات الدولية فسوف يعتبر بمثابة ممر دولي وكل الترتيبات الخاصة بمعبر دولي ستكون سارية المفعول بالنسبة إليه، بما في ذلك القدرة على تفحص فعال للبضائع والحمولات ومنع تهريب الأسلحة والبضائع الممنوعة. يضاف إلى ذلك أنه سيتم تعيين طرق لمنع دخول أي جهات إرهابية إلى داخل الدولة الفلسطينية العتيدة، مثل الرقابة – بل وحق التدخل – الإسرائيلية، مع احتمال مشاركة طرف ثالث.
- لن يتم تركيب أي معدات طيران أو توجيه جوي من شأنها أن تشكل تهديداً لإسرائيل أو تغطية لأنشطة جهات معادية لإسرائيل (مثل تركيب رادار للمطار بوسعه مراقبة النشاط الجوي الحساس داخل إسرائيل أو توفير معلومات يمكن نقلها إلى جهات معادية لإسرائيل). يضاف إلى ذلك أنه ستكون ثمة حاجة لتنسيق كهرمغناطيسي بشأن ترددات الاتصال الجوي من أجل منع التشويش المتبادل الذي يمكنه إلحاق الضرر الفادح بالسلامة الجوية.
إن اتفاقاً جوياً بين الجانبين سيتيح فتح معبر طيران دولي يقطع المجال الجوي المشترك ويسمح بالطيران نحو الشرق لقاء بدل مالي متفق عليه مع الجانب الفلسطيني. وإسرائيل قادرة على البحث بفتح معبر جوي كهذا إذا سمح لشركات الطيران الإسرائيلية باستخدام المعابر الجوية الدولية فوق الدول العربية. وهذا الأمر سوف يختصر بشكل ملحوظ مسافة الرحلات الجوية إلى الصين والهند والشرق الأقصى.
السيطرة على الطيف الكهرمغناطيسي.
مثل الاحتياجات الأمنية الحيوية الخاصة بإسرائيل للسيطرة على المجال الجوي الموحد، في حال قيام دولة فلسطينية، فإن الأوضاع الطوبوغرافية والمجالات الضيقة بين المراكز السكانية والاتصالات الخاصة بالكيانين لا تسمح بتقسيم الاطياف الكهرمغاناطيسية السلطة الفلسطينية تتمتع بافضلية طوبوغرافية لكونها موجودة على ظهر الجبل وأجهزة الاتصالات الخاصة بها معرضة بنسبة اقل للازعاج والتشويش في مقابل الأجهزة الإسرائيلية المنتشرة على طول المنطقة الساحلية في وضعية دونية طوبوغرافية.
وعلى سبيل المثال نجد أن محطة إذاعة فلسطينية موجودة على جبل كيبال بالقرب من نابلس، بوسعها أن تشوش تقريباً على جميع أنظمة الاذاعة في المناطق الإسرائيلية التي تبث على الترددات ذاتها.
حتى الآن تعاني إسرائيل من تشويشات متكررة من جراء اقنية البث الجوي المدني في مطار بن غوريون وفي بعض الأحيان تضطر الدوائر إلى اقفال المطار بوجه هبوط الطائرات لدواعي السلامة العامة. بوجه عام تنجم هذه التشويشات بسبب بعض الاذاعات غير الشرعية التي ثبت ضمن مجال ترددات برج المراقبة. وعندما يكون مصدر التشويش من محطة راديو في الأراضي الفلسطينية، تطلب إسرائيل من السلطة ايقاف نشاط المحطة، وإذا استمرت التشويشات يم ارسال قوات مسلحة لمصادرة أجهزة البث.
حيث أن انتشار الموجات الالكترومغناطيسية لا يقف عند حدود وحيث يوجد عدم تناظر في الطوبوغرافيا والتكونولوجيا، فإن أجهزة الاتصال الإسرائيلية هي أكثر تعرقاً للاعتراض والتشويش. وبالتالي فالطيف الكهرمغناطيسي غير قابل للتقسيم، الأمر الذي يستوجب سيطرة وتوجيه موحدين.
ضمن اطار الاتفاق المرحلية بين إسرئايل والسلطة الفلسطينية، تم تشكيل لجنة تنسيق كهرمغناطيسية من أجل تخصيص ترددات محددة لكلا الطرفين ومنع حصول ازعاجات وتشويشات متبادلة. والواقع أنه من الشائع في العالم اقامة اعمال تنسيق كهرمغناطيسية بين الدول على مسافة عشرات الكيلومترات بعيداً عن الحدود. وفي الوضع الحالي، المقصود هو كل المنطقة بين نهر الأردن والبحر المتوسط بما في ذلك كل الأراضي الفلسطينية. وبناء عليه، من الواصح للطرفين ضرورة وجود تنسيق كهرمغناطيسي. إلا أنه بقي السؤال من الطرفين سيتمتع بالمسؤولية العليا ولمن سيعطى حق قول الكلمة الأخيرة؟
إن من الحيوي بالنسبة لإسرائيل المحافظة على أداء وظيفي منتظم لأجهزة الاتصالات العامة، العسكرية والمدنية لديها. ومن الحيوي بنسبة لا تقل عن ذلك ضمان ألا يستغل الفلسطينيون تفوقهم الطوبوغرافي من أجل منع أو شل أجهزة الاتصالات الإسرائيلية أو من أجل جمع معلومات استخبارية لاستخدامها الذاتي أولاعطائها لجهات أو دول معادية.
هذه المخاوف لها ما يبررها. فعلى سبيل المثال نجد أن قوات الجيش الإسرائيلي التي دخلت إلى لبنان أثناء حرب لبنان الثانية عام 2006، اكتشفت أجهزة جمع معلومات إيرانية متطورة وذات قدرة على تغطية عمق الأراضي الإسرائيلية. وعلى ضوء ذلك تصر إسرائيل على ضرورة امتلاك القسم الأكبر من السيطرة على الطيف الكهرمغناطيسي، وعلى اقامة جهاز مراقبة فعال يضمن تنفيذ التزامات الجانبين وتشغيل الأجهزة بصورة منتظمة.
الفلسطينيون في المقابل ينظرون إلى الموضوع – كما هي الحال بالنسبة للمجال الجوي من زاوية مسألة السيادة. وهم يطالبون بالسيادة الكاملة والاستقلال في إدارة الطيف الكهرمغناطيسي، ويعتبرون مطالب إسرائيل بأنها مبالغ فيها وأن إسرائيل ترمي إلى السيطرة على مجال الاتصالات الفلسطيني لأسباب أمنية وتجارية على حد سواء ويستند الفلسطينيون في مطالبهم إلى معاهدات دولية.
الطريق الآيلة للتوفيق بين متطلبات الجانبين تكمن في تشكيل لجنة مشتركة للتنسيق الكهرمغناطيسي تكون مهمتها محصورة في النقاط التالية:
- تخصيص ترددات في الطيف الكهرمغناطيسي لصالح استخدام الجانبين.
- ضمان احتياجات إسرائيل الأمنية وتطبيق تجريد الدولة الفلسطينية من القدرات العسكرية بما في ذلك في مجال الاتصالات (مثل منع امتلاكها أجهزة تشويش واعتراض واعاقة). الأمر الذي يستوجب عملية تفتيش دقيقة على المعابر الحدودية الدولية وذلك لمنع دخول المعدات المحظورة بموجب الاتفاقات.
- المحافظة على التفاهمات بين الجانبين بالنسبة لكل ما يتعلق بالقيود المفروضة على القدرات العسكرية الفلسطينية، التي تعني عدم تخصيص مجالات تردد للفلسطينيين من شأنها أن تؤدي تشويشات عسكرية.
- الحد من استخدام أجهزة تلحق الضرر بانتظام وسلامة الاتصالات للطرف الآخر. وفي هذا السياق يستخدم الفلسطينيون حالياً أجهزة اتصالات ذات تكنولوجيا قديمة، تنزلق في تردداتها وتشوش على أنظمة الاتصال المجاورة.
- منع القرصنة الإذاعية وضمان القدرة على فرض رقابة وحراسة وتفحص في عمق الأراضي الفلسطينية.
- تشكيل جهاز مشترك من أجل وقف الترددات التي تتسبب باعمال تشويش والموافقة على التشغيل المتواصل لاجهزة اتصالات.
- فرض الرقابة على اقامة هوائيات او معدات أخرى من شأنها أن تستخدم بصورة مسيئة من قبل اطراف معادية.
على ضوء الدونية الطوبوغرافية والتكنولوجية الخاصة بإسرائيل واحتياجاتها الأمنية – ومن أجل منع لحاق ضرر بالقدرات الاتصالاتية القائمة حالياً – لا بد لإسرائيل من المحافظة على الحقوق العليا في هذه اللجنة.
إن انعدام الثقة المتبادل بين الجانبين ينبع من المصالح المتناقضة ومن الفروقات القائمة في مقاربة هذه المسألة. فإسرائيل تنظر إلى الطيف الكهرمغناطيسي من زاوية أمنية وزارية الاداء المنتظم والسليم لاجهزة اتصالاتها، في حين يبدي الفلسطينيون اهتمامهم بشكل اساسي في تظهير سيادتهم في الموضوع. ومن اجل التوفيق ما بين هذه الفجوات والاختلافات، من الممكن ادخال طرف ثالث من اجل احترام الاتفاقات من الجانبين، وتفحص ما إذا لحق ضرر فعلي أو مقصود بمصالحهما.
خلاصة:
الفلسطينيون يكررون بأنهم يتفهمون احتجاجات إسرائيل الأمنية، إلا أنهم يصرون على أن السلام هو الذي سيجلب الأمن. وبناء عليه يؤمنون بأن مصالحهم، ولا سيما تحقيق سيادتهم الكاملة، تسبق المصالح الإسرائيلية. وإسرائيل في المقابل، تنظر إلى الأمن على أنه شرط ضروري للحفاظ على السلام والإستقرار، وهي بالتالي لن تستطيع الموافقة على اقتراحات تؤدي إلى الأضرار بوضعها الأمني بصورة ملحوظة بسبب الاتفاق السياسي.
إنه من طريق التفهم المتبادل لاحتياجات كل طرف للآخر – وتشكيل جهاز تنسيق فعال يوفر الحلول المناسبة لمطالب الطرفين – سيكون من الممكن تحصيل اتفاق مستقر ودائم. وعلى ضوء الظروف الخاصة المتعلقة بعدم وجود زمن ومسافة، وبسبب عدم التناظر الطوبوغرافي وطبيعة المنطقة، لن يكون بالإمكان تقسيم المجال الجوي والطيف الكهرمغناطيسي بين إسرائيل والدولة الفلسطينية العتيدة. وهاتان المشكلتان تحتاجان إلى حلول تتعلق بالمجال الكهرمغناطيسي الموحد. والمسؤولية العليا في اتخاذ قرارات بهذا الشأن ومن ثم تطبيقها يجب أن تبقى بأيدي إسرائيل. إن احتياجات إسرائيل الأمنية، بما في ذلك المحافظة على الاستقرار والأمن بعد اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، هي احتياجات كثيرة معقدة، وبالتالي لا بد من أن يكون زمام المسؤولية عنها في أيدي إسرائيل. مع ذلك يجب احترام الحاجة الفلسطينية لاظهار امارات السيادة في مجالي المجال الجوي والطيف الكهرمغناطيسي، ومن الممكن تحقيق ذلك بواسطة اجهزة مشتركة للتنسيق والإدارة وتسوية المشاكل.
التغييرات في طوابع التهديد الموجهة لإسرائيل وتداعياتها على الترتيبات الأمنية المطلوبة
اللواء (احتياط) غيورا آيلاند
ورئيس شعبة العمليات في الجيش الإسرائيلي سابقاً ورئيس مجلس الأمن القومي
قبل أي شيء لا بد من الإشار على أن الحاجة للسيطرة الإسرائيلية على المجال الجوي والمجال الكهرمغناطيسي، لم تتم اثارتها مطلقاً من جانب إسرائيل اثناء المفاوضات التي حصلت عام 2000. وبنتيجة ذلك جرى عرض نقاط كلينتون في نهاية العام 2000 على أنها خطة تتعلق بكل جانب من الجوانب الأساسية الخاصة بالحدود واللاجئين والقدس، بما في ذلك الترتيبات الأمنية، من دون توفير الحد الأدنى المطلوب من الإجابة على هذه القضايا. وإنني افترض بأن أي مفاوضات مستقبلية سوف ترتكز بنسبة كبيرة جداً على ما تم الاتفاق عليه في الأرجح، أو لم يتم الاتفاق عليه عام 2000 – وإسرائيل ستجد صعوبة بالغة في الحصول في آخر المطاف، على ما هو مطلوب لامنها لجهة السيطرة على المجالين الجوي والكهرمغناطيسي.
ترتيبات أمنية اثناء المفاوضات مع سوريا والفلسطينيين
خلال السنوات 1999 – 2000 أجرت إسرائيل مفاوضات متقدمة ومفصلة جداً مع كل من السوريين والفلسطينيين بصورة متناظرة. وكان من الواضح أن إسرائيل ستضطر للتنازل عن أراضي في كلا الحالتين – تنازل عن هضبة الجولان من أجل الوصول إلى تسوية مع سورية والتنازل عن أراض شاسعة جداً بل وربما اغلب اراضي الضفة الغربية لصالح الفلسطينيين، في حين كان من المفترض بالترتيبات الأمنية أن تعوض إسرائيل عما خسرته من أرض. وعلى المسارين كانت هذه المقاربة صحيحة في قسم منها في ذلك الحين، إلا أنها كانت أيضاً ذات نظرة ضيقة جداً.
عندما بحثت إسرائيل في ذلك الوقت في مسألة كيف ستستطيع الدفاع عن نفسها بعد توقيع اتفاق سلام مع سوريا، حدد من كان في حينه رئيس حكومة ووزير دفاع، وعن حق في رأيي، إن إسرائيل لا تستطيع الدفاع عن نفسها من دون هضبة الجولان. لكن كيف ستحل هذه المغالطة حيث بموجب اتفاق السلام سيتم تسليم هضبة الجولان. لكن كيف سنحل هذه المغالطة حيث بموجب اتفاق السلام سيتم تسليم هضبة الجولان للسوريين وفي الوقت نفسه تدعي إسرائيل أنه من المستحيل الدفاع عن نفسها من دون الجولان؟ براءة اختراع الحل الذي كان من المفترض به أن يشكل جواباً على هذه المغالطة كانت تتضمن ادراج ترتيبات أمنية ضمن اتفاق كما يلي: ابعاد الفرق السورية صوب الشرق ونشر الفرق الإسرائيلية على ضفاف الأردن بالقرب من هضبة الجولان. بحيث أنه – يوم الأمر – عندما ستدرك إسرائيل بأن السوريين متوجهون ضوب الحرب وأن فرقهم العسكرية ستبدأ بالتحرك نحو هضبة الجولان فإن القوات الإسرائيلية التي ستكون متمركزة على مسافة اقرب من الجولان، ستعود وتحتل هذه الأراضي من جديد بحث تكون المواجهة مع السوريين بشكل أو بآخر عند الخط الذي تتحفظ به إسرائيل حالياً. هذا المفهوم ارتكز على خمسة افتراضات كلها خاطئة، ومع ذلك يكفي أن تكون واحدة منها فقط خاطئة حتى ينهار المفهوم القائل إن إسرائيل ستكون قادرة على الدفاع عن نفسها حتى بعد التنازل عن الجولان.
والنقطة الثانية المذهلة في توقيتها الحالي هي أنه في عام 2010 أجرت إسرائيل مفاوضات، غير مباشرة بواسطة الاتراك، مع سوريا من أجل تسوية دائمة سورية إسرائيلية. ولدواعي الاستغراب الشديد أنه بالرغم من عدم القيام بعملية استيضاح أمني تخصصي لتداعيات الخروج من الجولان، فإن إسرائيل كانت على استعداد لأن تقول في تلك المفاوضات غير المباشرة مع السوريين، إن باستطاعتها التنازل عن هضبة الدجولان. وإنني أوضح بشكل لا يقبل اللبس أنه منذ العام 2000 وحتى اليوم لم يتم أي بحث أو أي تصور نظري يتنازل قدرة إسرائيل على الدفاع عن نفسها من دون هضبة الجولان. وفقط بعد اجراء مثل هذا البحث والتصور سيكون بوسع المستوى السياسي الزعم بأن باستطاعته تحمل تبعات المجازفة في هذا الخصوص.
الاستعداد لمواجهة انواع التهديد الجديدة
أثناء المفاوضات مع الفلسطينيين قبل عشر سنوات قسمت إسرائيل التهديدات التي تتعرض لها إلى قسمين:
أ‌- التهديد العسكري: خصوصاً بسبب تطورات محتملة في الأردن والعراق (الوضع في العراق في ذلك الحين كان مختلفاً عما هو عليه الآن) وتهديد الجبهة الشرقية.
ب‌- الإرهاب: الذي مصدره الفلسطينيون في الضفة الغربية. وكان المقصود قيام أحد المخربين بمحاولة اجتياز الجدار وتنفيذ عملية انتحارية داخل دولة إسرائيل. والرد على هذا التهديد يجب أن يكون بمستوى عقبة الجدار أو المعلومات الاستخبارية وما إلى ذلك، وذلك من منطلق التفكير بأنه لا قيمة للعنصر الاقليمي من حيث تحديد موقع العقبة المعترضة في مقابل التهديد الذي يشكله مخرب انتحاري.
إلا أن أحداث العقد الأخير تشكل تغيراً دراماتيكياً لجهة نوع التهديد من جراء قيام دولة فلسطينية، في حال قيامها، أو من قبل الكيانية الفلسطينية القائمة حالياً. والمقصود هنا هو ثلاثة أنواع من الأسلحة التي من الصعب جداً مواجهتها وهي:
1 – الصواريخ والمقذوفات الصاروخية بكل أنواعها التي ستنصب في الضفة بحيث تكون قادرة بسهولة على تغطية كل أراضي دولة إسرائيل.
2 – صوارسخ متطورة مضادة للطائرات وقادرة على اسقاط ليس فقط طائرات ركاب ضخمة تحلق فوق مطار بن غوريون، بل أيضاً طوافات بل وطائرات حربية.
3 – الصواريخ المضادة للدبابات التي هي فعالة جداً حتى مسافة خمسة كيلومترات وبوسعها أن تغطي بسهولة ليس فقط أماكن استراتيجية مثل الطريق رقم  بل ما هو أبعد من ذلك بكثير بما في ذلك قسم من المناطق الحيوية جداً لحماية دولة إسرائيل.
 ما هو القاسم المشترك بين أنواع السلاح هذه جميعاً؟ إنها (  ) تتناقض تناقضاً كبيراً مع المبادئ التي تتحكم بالحل الذي الذي سيقترح بخصوص المشكلة الأمنية النابعة من تسوية مع الفلسطينيين. منذ عشر سنوات سبق أن قيل أن الرد على ما تواجهه إسرائيل من مخاطر الفلسطينيين هو في اقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح. لكن ما هو المقصود؟ إذا كانت مجردة من الدبابات والمدافع والطائرات، فمن المحتمل توقيع اتفاق تفصيلي بشأن ذلك ويتم تشكيل جهاز مراقبة monitoring للتأكد من تطبيقه.
الأهمية الحيوية السيطرة على الأرض
إن التهديد الحقيقي في الواقع لا يمكن في الدبابات بل في المقذوفات الصاروخية والصواريخ المضادة للطائرات والصواريخ اضاءة للعربات أو للدبابات، في حين أن القاسم المشترك بين مختلف أنواع الأسلحة هذه هو السهولة في تهريبها وانتاجها بصورة سرية مثلما يحصل حالياً في قطاع غزة. وأي جهاز مراقبة سيتم تشكيله لن يكون بوسعه منع ذلك. وهكذا، على سبيل المثال، هي الحال مع قافلة من عشرات أو مئات الشاحنات المحملة بصناديق الخضار والمنتجات الزراعية، حيث لا شيء يمنع اخفاء صواريخ ما بينها. كما وأنه لا مشكلة قط في الاحتفاظ بها في البيوت والاقبية داخل منطقة عامرة بالمساكن في طولكرم وقلقيلية أو نابلس، ولا توجد أي طريقة لمعرفة وجودها حتى استخدامها ضد إسرائيل. والتهديد الذي بوسعها أن تشكله ضد إسرائيل هو أكثر أهمية وفاعلية من تهديد الدبابات والطائرات، بل على العكس فبوجه الدبابات والمدافع يمكن استخدام وسائل ممتازة، لكن لا توجد أي طريقة فعالة لمواجهة عمليات التهريب أو الانتاج المحلي للصواريخ. ومن أجل ذل فإن مصطلح "دولة منزوعة السلاح" هو مصطلح فارغ من المعنى إذا لم يقترن بجهاز مراقبة. والكل يعلم أنه في أفضل الأحوال لا تستطيع الأجهزة المتوفرة حالياً من فرض المراقبة إلا على الأسلحة العادية. والطريق الوحدية لمنع حصول تهريب مختلف أنواع الأسلحة من هذا القبيل أو منع تصنيعها داخل الأراضي إنما يكمن في السيطرة على الأرض.
التسوية مع الفلسطينيين – البعد الاقليمي
بناء على ما تقدم، لا شيء سوى السيطرة الفعلية على غور الأردن، على طول الحدود الإسرائيلية الأردنية، بوسعه أن يمنع تهريب المعدات والأسلحة الآنفة الذكر. حالياً توجد على الحدود بين غزة ومصر 14 كلم من الأراضي المفتوحة، ومال سيناء، غير الخاضعة لسلطة إسرائيل وبالتالي لا توجد على الحدود بين غزة ومصر 14 كلم من الأراضي المفتوحة، رمال سيناء، غير الخاضعة لسلطة إسرائيل وبالتالي لا توجد مراقبة حقيقية لمنع دخول أو تهريب هذه الأسلحة. وإذا نحن تخلينا عن المراقة الفعالة على المدن الفلسطينية فلسوف نتحمل على عاتقنا مجازفة لا تملك لها حلاً فعالاً.
في عام 2000 قيل لنا أن مواجهة الإرهاب تتم بواسطة الاستخبارات والتعاون الأمني وجدار فعال. إلا أن الإرهاب ارتدى حالياً صوراً جديدة ادت إلى تعميق الاهتمام بالاعتبارات الاقليمية أكثر من الماضي، ليس فقط بالنسبة لغور الأردن بل أيضاً بالنسبة لخطوط الحدود الجديدة في منطقة الخط الأخضر أو المناطق الواقعة شرقه. توجد ثمة عدة مبادئ حديدية يؤدي أي تنازل عنها إلى تشكيل خسارة للسيطرة على قدرة الدفاع عن دولة إسرائيل. وقبل أن أعددها من المهم التذكير بنقطة ربما فاتتنا أثناء ادارة المفاوضات مع الفلسطينيين أو اثناء المحادثات مع الأميركيين بشأن الموضوع الفلسطيني. وقصدي هو تناول الموضوع الإسرائيلي – الفلسطيني بصورة مستقلة وتحديد الترتيبات الأمنية بناء على هذا الافتراض.
عملياً، الواقع مختلف. فإذا انسحبت إسرائيل فعلاً إلى خطوط العام 1967 ففي الناحية الشرقية للحدود الإسرائيلية الفلسطينية لا توجد السلطة الفلسطينية لوحدها بل هناك أيضاً أعداء محتملون اضافيون. فالتسوية مع الفلسطينيين لا تضمن تسوية مع حزب الله أو سلاماً مع سوريا. ومسألة ما إذا كانت إسرائيل قادرة على الدفاع عن نفسها لا تطرح فقط إزاء الفلسطينيين بل لا بد من طرحها أيضاً إزاء سيناريو غير معقول بخوض حرب ضد جبهة تضم سوريا وحزب الله والفلسطينيين. وأن ملابسات كهذه من شأنها أن تشل قدرة إسرائيل على تحريك قواتها إلى هضبة الجولان أو منع المس بمواقع بطاريات صواريخ حتس أو منظومات أخرى حيوية في الحرب ضد نوع آخر من الاعداء. إن مثل هذا الشلل معناه عدم القدرة على استخدام وتحريك ليس القوات البرية وحسب بل أيضاً قسم من الحركة الجوية المطلوبة بل وحتى حركة الطوافات لاجلاء المصابين في اعقاب سيطرة الفلسطينيين بواسطة صواريخ متطورة مضادة للطائرات، على منطقة السهل الساحلي باكملها. وهذا يعني أنه اثناء تحديد الترتيبات الأمنية لا بد من تناول قضايا متعددة جداً تتجاوز احتياجات إسرائيل في مواجهة الفلسطينيين.
السيطرة على الأرض – ابعاد تكتيكية
سأتناول الآن عدة أبعاد تكتيكية، ولكنني سأشير أيضاً إلى أن التكتيك في مثل هذه الحال بوسعه أن يغير بصورة ملحوظة القدرة الدفاعية العملية:
أ – خط الرؤية: خط الرؤية بشكل افضلية بارزة جداً لجهة القدرة على الرماية الخاصة بالعدو. فالسلاح ذو المسار المباشر والسطحي هو اكثر بساطة وأكثر فعالية ومتوفر بكميات كبيرة لكنه بشكل مشكلة بحد ذاته. لذلك لا بد من منع سيطرة العدو على خط الرؤية من طريق ابعاد خط الحدود عدة كيلومترات في اتجاه الشرق وهذا ليس فقط من حيث المسافة بل أيضاً من حيث البعد الطوبوغرافي. وهكذا، على سبيل المثال، لا ينبغي السماح للفلسطينيين بالسيطرة بواسطة السلاح ذي المسار السطحي المباشر على الطريق رقم 6 وأماكن أخرى.
ب – حتى تستطيع إسرائيل استخدام انظمتها الدفاعية ضد الصواريخ بفعالية (ضد السنوات الأخيرة لم تقتصر الأمور على منظومة صواريخ حيتس بل شملت أيضاً القبة الحديدية وأنظمة أخرى) لا يد من توفير الحد الأدنى من المدى المطلوب لاستخدام فعال لهذه الأنظمة. وحتى التكنولوجيا المتطورة لن تتمكن من التعامل مع صاروخ على مسافة كيلو متر واحد أو كيلو مترين. هذه الأنظمة هي بحاجة إلى مدى لعدة كيلومترات من أجل النقاط عملية الإطلاق والتعامل معها. لذلك لا بد لإسرائيل من المحافظة على مسافة تكتيكية تسمح بذلك.
ج – حتى عندما تمتلك إسرائيل قوة عسكرية برية وجوية أو غير ذلك بحجم كبير فثمة حاجة لحد أدنى من المسافة لاستخدامها. والمسافة الدينا المطلوبة غير متوفرة عند خاصرة إسرائيل الضيقة.
هذه المسائل الأساسية تنبع من فقدان إسرائيل هامش الفائض الأمني وهي تطرح الاحتياجات التفصيلية لسيناريوهات غير مستحيلة.
تغييرات في سياسة الولايات المتحدة لناحية حق إسرائيل بالدفاع عن نفسها بقواها الذاتية
حتى الآونة الأخيرة كان هناك خط فاصل وواضح جداً بين السياسة الأميركية والسياسة الأوروبية أو لسواها. فالسياسة الأميركية كان حازمة وواضحة وقد لمستها شخصياص في كلام الرئيس الأميركي جورج بوش الذي مثل مقارب كانت مقبولة من جانب الأميركيين منذ عشرات السنين:
Israel has to be strong enough in order to defend itself by itself against any enemy and against any coalition of enemies.
والتشديد هنا هو على عبارة by itself أي بقواها الذاتية. وبالتالي فنقطة البداية والانطلاق في محادثات مع الأميركيين بشأن الترتيبات الأمنية، التي شملت في بعض الأحيان نقاشات حول درجة أهمية حاجة كهذه أو تلك والطرق المحتملة للتعويض عن فقدان سيطرة كهذه او تلك – كانت أن إسرائيل تدافع عن نفسها بنفسها.
المقاربة الأوروبية مختلفة. فحتى الأوروبيين الذين يرون أنه من المهم ليس الحفاظ على وجود دولة إسرائيل وحسب بل وعلى أمنها أيضاً، غير مقتنعين على الإطلاق بأن إسرائيل لوحدها ستتمكن من توفير الأمن لمواطنيها وبالتالي هم يطرحون حلولاً أخرى: نزع سلاح، نشر قوات دولة، ضمانات دولية وما إلى ذلك. والتاريخ مليء بالنماذج السلبية والمحزنة جراء تطبيق حلول كهذه. حالياً يحصل تغيير جوهري في المقاربة الأميركية، الأمر الذي يثير القلق. ومثل هذا الأمر لا يجري الحديث عن مدى الدعم لعملية إسرائيلية من هذا النوع أو ذاك أو بطرق أخرى: الملاحظ وجود حالة من تفاد الصبر المتزايد إزاء استخدام أي شكل من أشكال القوة من قبل إسرائيل من أجل الدفاع عن نفسها مثلما لاحظنا ذلك في الموقف الأميركي ازاء موضوع معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية NPT وموضوع سفن الحرية إلى غزة.
الولايات المتحدة تتوافق وتنسجم مع المواقف الأوروبية بشأن هذه المسألة الحساسة وإسرائيل تفقد المتكأ الأساسي الذي بوسعه أن يساندها للوصول إلى ترتيبات أمنية يمكن العيش معها. وهكذا من الممكن أن تنجر إسرائيل إلى حل يتضمن اتفاقات وقوات دولية وضمانات دولية ووعود من شأنها أن تخيب الأمل في يوم العسرة.
المخاطر الكامنة في عملية انتشار قوات سلام اجنبية في الضفة الغربية
اللواء احتياط يعقوف عميدرور
رئيس لواء تحقيق وتقدير سابق في المخابرات العسكرية (أمان) والسكرتير العسكري لوزير الدفاع وقائد كلية الأمن القومي
التجربة الإسرائيلية مع قوات سلام دولية
أثناء حرب الأيام الستة خدمت كجندي في الكتيبة 202 من لواء المظليين. وفي اليوم الأول من المعارك دخلنا إلى قطاع غزة في منطقة خان يونس. وأثناء تحركنا تلقينا أمراً بعدم اطلاق النار على مجموعة من الجنود الأجانب الذين كان من المفترض بهم الوصول إلى سكة القطار. وبعد مرور نحو ساعة اقتربت مجموعة من الجنود الهنود وهم يعتمرون عمامة الشيخ، وهم ساروا بين خطي سكة الحديد ضمن رباعيات منظمة وكانت بنادقهم على اكتشافهم وفوهاتها موجهة نحو الأسفل كإشارة واضحة إلى أن ليس بنيتهم استخدامها. هؤلاء كانوا من قوات UNEF أي قوات الطوارئ الدولية التي انسحبت من المكان عشية نشوب الحرب.
قوة UNEF شكلت في ختام عملية سيناء من أجل أن تكون قوة فعل بين مصر وإسرائيل في أعقاب انسحاب من شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة.
لكن، في لحظة الحقيقة، وعندما كان وجود هذه القوة ضرورياً بالذات لمنع حصول حرب جديدة، غادر جنودها بناء لطلب الرئيس المصري جمال عبدالناصر من الأمين العام للأمم المتحد أو (   ). إن انسحاب UNEF من سيناء الذي وافقت عليه الأمم المتحدة بذرائع قانونية، كان بمثابة إحدى التطورات المركزية التي شكلت حافزاً لنشوب حرب الأيام الستة وشكلت حادثاً موجهاً لبلورة موقف إسرائيل تجاه مقترحات مرتكزة على قوى دولية للحفاظ على أمنها.
قوات يونيفيل في لبنان
في وقت لاحق، وفي منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، اتضح لي كضابط استخبارات في قياد المنطقة الشمالية أن اليونيفيل، أي القوات الدولية المنتشرة في لبنان، كانت غير ذات فعالية على الإطلاق. لقد شكلت اليونيفيل عام 1978 بناء على قرار مجلس الأمن رقم 425 في أعقاب عملية الليطاني، حين دخل جنود الجيش الإسرائيلي إلى لبنان كرد على عمليات ارهابية متكررة قامت بها منظمة التحرير الفلسطينية ضد شمالي إسرائيل. المهمة الموكلة إلى اليونيفيل آنذاك كانت التأكد من أن إسرائيل قد انسحبت فعلاً من لبنان وذلك من أجل اعادة السلام والأمن الدوليين وإعادة بناء وترميم سيادة الحكومة اللبنانية في المنطقة. وقد انسحب الجيش الإسرائيلي فعلاً من لبنان (إلى أن عاد إليه مرة أخرى عام 1982) ولكن في المهمتين الإضافيتين لم تقم قوة يونيفيل بما هو مطلوب منها على الاطلاق. فهي لم ترجع الأمن ولم تساعد الحكومة اللبنانية على بسط سيادتها في الجنوب اللبناني حيث السيطرة كانت في يد حركة أمل تم انتقلت إلى حزب الله.
جنوب لبنان عاد ليشكل بؤرة ارهابية تطلق منها قوات معادية النار على إسرئايل بالرغم من وجود اليونيفيل. في المقابل تدخلت هذه القوات وازعجت عمليات الجيش الإسرائيلي. إن انتشار اليونيفيل لم يمنع تدهور الوضع ونشوب حرب لبنان عام 1982. وبعد الحرب واقامة الشريط الأمني عام 1985 بقيت المشاكل مع اليونيفيل على حالها، في حين تحول التهديد ضد إسرائيل من جانب منظمة التحرير الفلسطينية إلى تهديد من جانب حزب الله بدعم من إيران. وخلال السنوات التالية وحتى الانسحاب من طرف واحد عام 2000 نشط الجيش الإسرائيلي وفقاً لما هو مطلوب من جيش نظامي علماً بأنه كان يسيطر على القسم المجاور للحدود الإسرائيلية الشمالية حيث توجد قوات لليونيفيل في المنطقة وفي القسم الشمالي لها.
خلافاً للجيش الإسرائيلي، ومثلما كانت عليه الحال آنذاك وما هي عليه اليوم، فإن حزب الله مؤلف من قوات غير نظامية تهاجم من داخل التجمعات السكانية المدنية وتختبئ في داخلها. ورجالها لا يبلغون أحداً بدخولهم أو خروجهم من المنطقة ولا بتحركاتهم بالتأكيد وهكذا وعلى مدى ثلاثين عاماً من وجود هذه القوات الدولية في المنطقة لم تقم بإلقاء القبض على مخرب واحد من رجال حزب الله، بل وهي لم تقم بأي نشاط ضدهم حتى عندما كانوا يطلقون النار. ومنتهى ما كان بوسع قوات اليونيفيل فعله عندما كان رجال حزب الله يطلقون النار من مشافة خمسين متراً عن أحد مواقع القوة الدولية، هو تقديم شكوى دبلوماسية رسمية. ونحن تعلمنا أن قوات اليونيفيل ليس من شأنها سوى ازعاجنا والتشويش على أنشطة جيشنا ولا اتذكر مرة واحدة منعت فيها هذه القوات أي أنشطة للمنظمات اللبنانية.
وحالياً أيضاً لا تزال قوات اليونيفيل تذكر الجمهور الإسرائيلي باستمرار بضعف هذه القوات الدولية الموكلة بمهمة منع حصول هجمات ارهابية ضد إسرائيل. ومنذ الانسحاب (  ) الجانب للجيش الإسرائيلي جنوب لبنان في شهر أيار 2000 تعاظمت مخزونات الأسلحة الخاصة بحزب الله كماً ونوعاً وبلغت نحو 20 ألف صاروخ اطلق منها نحو 4 آلاف على المدن والمستوطنات الإسرائيلية أثناء حرب لبنان الثانية عام 2006. كما وأنه اثناء عملية حزب الله في شهر تشرين الأول2000، تسللت قواته إلى داخل الأراضي الإسرائيلية، إلى ما وراء الخطوط التي انسحبت إليها إسرائيل بناء لطلب الأمم المتحدة وخطفت ثلاثة جنود إسرائيليين وقتلت الباقين. وكل هذا حصل على مرأى ومسمع من موقع لليونيفيل الذي من المفترض به السيطرة على المكان. وحتى بعد عملية الاختطاف لم تقم قوات يونيفيل أي حواجز لتوقيف السيارات التي استخدمها حزب الله لنقل الأسرى الإسرائيليين.
منذ حرب عام 2006 وبالرغم من ادخال تعزيزات جديدة لقوات يونيفيل قوامها 10 آلاف جندي في جنوب لبنان بناء على قرار مجلس الأمن رقم 1701 فإن حزب الله أعاد تسليح نفسه بصورة جنونية بحيث جمع 45 ألف صاروخ بالرغم من أن اليونيفيل كان من المفترض بها أن تتحول إلى وات لحفظ السلام. صحيح أن حضور القوات الدولية المعززة في جنوب لبنان قد شكلت معوقاً لانشطة حزب الله جنوبي نهر الليطاني واجبرته على نقل قسم كبير من انشطة إلى شمالي الخط،، إلا أن الحزب لا يزال يعمل في المكشوف منتهكاً صراحة قراري مجلس الأمن 425 و1701 علماً بأن هذه المنظمة لم تخضع قط لمطالب قوات اليونيفيل وهو قام باستنساخ هذه الأنشطة وجعلها داخل القرى التي لا تتجرأ قوات اليونيفيل الدخول إليها.
في شهري تموز وتشرين الأول 2009 انفجرت في بعض الابنية في لبنان عبوات ناسفة في مخابئ أسلحة ضخمة والأمم المتحدة زعمت أنها لم تعرف أي شيء عن وجودها. وهذا الزعم وقع قوات الأمم المتحدة النوعية في موضع سخرية، لأن كل لبناني يعرف بأن العشرات من هذه المنشآت منتشرة في شتى أنحاء جنوب لبنان وأن المئات من نشطاء حزب الله يتدربون داخل القرى وبجوارها لكن لم يتم إلقاء القبض على أي منهم. وهذا يعني أن وجود قوات الأمم المتحدة في جنوب لبنان لم يؤد أي مهمة في الصراع الدائر جنوب لبنان ولم يساهم قط في ابقاء هذه المنطقة خالية من الوسائل القتالية غير المتوفرة في أيدي الجيش اللبناني.
قوات دولية والفلسطينيون
ما هو المتوقع حصوله في حال ارسال قوات للأمم المتحدة إلى دولة فلسطينية ذات سيادة، في وقت لا تبدي الحكومة الفلسطينية نفسها اهتماماً في شل أو عرقلة نشاط منظمات ارهابية؟ كيف ستتصرف قوات دولية عندما ستقوم عناصر مختلفة من السكان بتهديد جنود الأمم المتحدة بتشجيع من الحكومة الفلسطينية أو من دونه؟ إذا انتشرت قوات دولية من أجل التأكد من أن الفلسطينيين يطبقون البنود الأمنية الواردة في الاتفاق مع إسرائيل، في وقت تتحفظ السلطات الفلسطينية بشدى على عدد من القيود الأمنية – مثل نزع السلاح – تراها بأنها تشكل مساً بالسيادة الفلسطينية، فمن الممكن توقع ألا تقوم حكومة كهذه بتشجيع مواصلة حضور القوات الدولية. وما الذي تزودنا به التجربة في سياق كهذا؟
لقد جرى في قطاع غزة نشر مراقبين أوروبيين على طول الحدود المصرية، وفقاً لاتفاق المعابر في رفح، الذي تم التوصل إليه بواسطة وزير الخارجية الأميركية كوندوليسا رايس عام 2005. إلا أن الأوروبيين غادروا مواقعهم عندما اندلعت شرارة القتال الداخلي الفلسطيني بين حماس وفتح في أعقاب انتصار حماس في انتخابات السلطة التشريعية الفلسطينية عام 2006. ووقع المراقبون أيضاً ضحية عمليات اختطاف من جانب الفلسطينيين المحليين الأمر الذي أدى إلى قرارهم باخلاء المنطقة.
داخل سجن في اريحا واقع تحت سيطرة السلطة الفلسطينية لم ينجح سجانون بريطانيون وأميركيون بأن يفرضوا عام 2006 عقوبات بالسجن على مخربين فلسطينيين حسبما تم الاتفاق عليه في تفاهمات دولية. وفي النهاية اخطر الجيش الإسرائيلي للعمل ودخل السجن من أجل نقل السجناء الفلسطينيين الذين تجوادا بصورة مكشوفة في شوارع أريحا بحسب هواهم، إلى سجون إسرائيلية. ومن بين هذه المجموعة التي كان يفترض بها أن تخضع لرقابة قوات دولية، كان أيضاً أحمد سعدات رئيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الذي كان مسؤولاً عن قتل الوزير رحبعام زئيفي عام 2001. المقصود هنا هو مهمة ضيقة ومحددة كانت من مسؤولية دولتين من كبار دول العالم وهما الولايات المتحدة وبريطانيا وماذا كانت النتيجة؟
إن تقديم وجود قوات دولية في مكان ما على أنه قادر على (  ) لمشاكل إسرائيل الأمنية في أعقاب انسحاب من الأراضي المحتلة، هو بمثابة خداع للبصر. إن هذا الحل لم يكن مجدياً في المنطقة في الماضي ولا يوجد أي بسبب حتى يكون مجدياً في المستقبل. وحتى القتال ضد القاعدة وطالبان في أقغانستان، وهو المهمة التي اعتبرت مدعومة من قبل الأسرة الدولية برمتها، هو على وشك أن يتلقى ضربة (  ) في وقت راح قسم من الدول يسحب قواته من هناك من دون وجود أي مؤشرات نجاح – وهذا فقط بسبب التعب الذي اصاب الرأي العام. والتجربة الإسرائيلية أفادت بأن القوات الوحيدة التي يمكن الاعتماد عليها لمهمة كهذه إنما هي قوات الجيش الإسرائيلي. وأكثر من هذا أن وجود قوات دولية أو وجود قوات الأمم المتحدة إنما سيشكل عائقاً مؤذياً لمسألة دفاع إسرائيل عن نفسها، بل ومن شأنه أن يشكل تغطية لقوات تنشط ضد إسرائيل. ولذلك لا بد لإسرائيل من أن تحتفظ بالحق الحصري بالعمل ضد مجموعات إرهابية مسلحة وأن تتخلى عن خيار الاستعانة بقوات دولية.
إسرائيل تريد الدفاع عن نفسها بنفسها
المبدأ الأساسي الحيوي القائل بأن تقوم إسرائيل بالدفاع نفسها بقواها الخاصة لا يشكل شيئاً جديداً. وهذا المبدأ كان أحد المبادئ الأساسية في المفهوم الأمني لدى بن غوريون منذ حرب الاستقلال. لقد كان هذا مبدأ أساسياً جوهرياً انبثق من الفهم القائل أنه إذا فقدت إسرائيل القدرة على الدفاع عن نفسها بنفسها فإنها ستفقد بالتالي شرعية وجودها، وايضاً وبشكل تدريجي، ستفقد شرعيتها في نظر العالم. هكذا كانت الأمور دائماً وباستمرار وبالتالي لا عجب أن الكثيرين في العالم، بما في ذلك الأمم المتحدة، قد اعترفوا بحق إسرائيل في "حدود آمنة ومعترف بها" وبتعبير آخر في "حدود قابلة للدفاع عنها" – وهذه المبادئ حصلت على دعم دولي وجرى تكريسها في قرار مجلس الأمن رقم 242 الذي اتخذ في اعقاب حرب العام 1967، والذي كان الموجه للدبلوماسية الإسرائيلية – العربية منذ ذلك الحين وحتى الآن. الرئيس جورج دبليوبوش قال الأمور بكل صراحة ووضوح في الضمانات الرئاسية التي قدمها لرئيس الحكومة السابق آرييل شارون عشية الانسحاب من قطاع غزة عام 2005 حين قال: "الولايات المتحدة تكرر التزامها الثابت بأمن إسرائيل بما في ذلك حدود آمنة وقابلة للدفاع عنها، كما وبالمحافظة على وتقوية قدرة إسرائيل على الردع وعلى أن تدافع عن نفسها بقواها الذاتية ضد أي تهديد أو أي ائتلاف يمكن من التهديدات".
بشكل عام، القوات الدولية لا تستطيع العمل إلا بشرط أن يبدي الطرفان ارادتهما السياسية المطلوبة من اجل تطبيق اتفاقات ثنائية. وفي مثل هذه الحالات بوسع القوة الدولية المساعدة في مراقبة تطبيق الاتفاق مثلما حصل مع اتفاق السلام الإسرائيلي – المصري في شبه جزيرة سيناء أو حتى أن تقوم بدور الوسيط عندما تكون هناك احتكاكات. منذ تاريخ 3 آب 1981 عندما تم الاتفاق على القوة الدولية الممولة من قبل إسرائيل ومصر والولايات المتحدة، ثم تنفيذ البنود الأمنية من قبل الطرفين. والجدير ذكره هو أن الإسرائيليين والمصريين على حد سواء متمسكون بالمصلحة المشتركة لتطبيق بنود الاتفاق. لكن حتى في هذه المنطقة، التي يصعب فيها اخفاء التحركات والقوات، في حال قرر أحد الطرفين انتهاك الاتفاق – فلن تستطيع القوة الدولية أن تمنعه من القيام بذلك.
قوات سلام غربية/ قوات الناتو: دروس من مناطق أخرى في العالم
على ضوء التجربة المخيبة للآمال مع قوات الأمم المتحدة، يتم طرح اقتراح بارسال قوات الناتو كبديل عن ذلك، بافتراض أن هذه القوات هي أقوى واحتمالات صمودها من أجل أداء المهمة أكبر. وفي حين أن قوات الأمم المتحدة من شأنها أن تأتي من دول غير غربية وتكون ذات تسليح وتدريب غير جيد، فإن الآمال المعلقة على عاتق قوات الناتو تكون أكبر. وكما هو معلوم فإن قوات الأمم المتحدة تعمل بحسب العادة كقوات سلام يكون دورها تفحص مدى الوفاء بتطبيق الاتفاقات، إلا أن انتشار قوات الأمم المتحدة من شأنه أيضاً أن يتضمن اهدافاً وتطلعات أبعد، مثل فرض السلام: فرض وقف الأعمال العدائية على الجهات المتحفرة الصغيرة، حتى من دون موافقتها. لكن حتى بالنسبة لقوات الناتو لا بد أن نتذكر بأن لها محاذير ومحدوديات كثيرة.
على سبيل المثال، قوات الناتو، التي نشرت في البوسنة من أجل فرض اتفاق دايثون عام 1995، تصرفت بفعالية في أعقاب استسلام يوغوسلافيا من دون قيد أو شرط. لكن في الوضع الفلسطيني لا يجري الحديث عن استسلام الفلسطينيين أو حماس، ذلك أن إسرائيل والفلسطينيين على حد سواء لا يطلبون استسلام الواحد للآخر. وفي آخر المطاف انسحب الجيش اليوغوسلافي من كوسوفو وبالتالي أوجد حالة من عدم التماس أو الاشتباط بين الفصائل الصقرية. ومثل هذه الشروط لم تتحقق قط في النزاع الإسرائيلي الفلسطيني وهي غير قابلة للتحقيق في المستقبل المنظور.
في المراحل الاسبق من حرب البوسنة، كان هناك حضور عسكري غربي واضح تحت اسم "درع الأمم المتحدة" UNPROFOR، تحت ولاية الأمم المتحدة. وبالرغم من أن تلك القوات كانت عملياً جيشاً غربياً مسلماً كما يلزم فإن UNPROFOR لم تمنع المذابح السيئة الذكر في تلك المواجهات، وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى اهمال المسلمين في ستدبرينتشا عام 1995 من قبل الوحدة الهولندية التابعة للأمم المتحدة، حيث تمت مهاجمة المدينة من قبل الجيش العربي البوسني. في تلك الحالة قتل 8 آلاف شخص من المواطنين. كان من المفترض بالناتو أن يتدخل فقط بوافقة الأمم المتحدة الأمر الذي لم يحصل.
سواء انتشرت القوة الدولية تحت ولاية الأمم المتحدة أو تحت ولاية الناتو، فإنه كلما استخدمت القوات في حالة من حالات المواجهة، فإنها ستصطدم بمشكلة مبدئية مماثلة يمكن أن تواجهها أي قوة سلام من هذا النوع: ضرورة الحفاظ على علاقات عمل منتظمة مع الميليشيات والمجموعات الإرهابية العنيفة. إن قوة UNPROFOR في البوسنة لم تشأ أن توجد حالة من حالات الاستنكار ما بينها وبين الجيش العربي البوسين، الذي هدد بعض الاحيان قوات الأمم المتحدة وأخذ بعضها أيضاً كرهائن.
بوجه عام بوسعنا أن نحدد بأن أي "قوات سلام" تميل إلى تبني موقف محايد تماماً بين الجانب الذي يسعى إلى تخريب السلام والأمن وبين الجانب المفترض بها أن تحميه، وذلك قبل أي شيء لاسباب تتعلق بانقاذ نفسها. وبالتالي فالحاجة إلى الحيادية لحماية الذات وعدم وجود استعداد للمجازفة بالنفس من أجل منع المعتدين من فتح النار، إنما تشكل أحد العوامل المركزية لعدم فعاليتا وعدو موثوقيتها في فظة الحقيقة... والقوة التي أرسلت إلى لبنان في شهر آب 1982 هي أشبه ما تكون لقوة ناتو مسلحة من كونها مجرد قوة مراقبين تابعين للأمم المتحدة. وهي تشكلت من وحدات بريطانية وفرنسية وإيطالية وأميركية. وفي شهر تشرين الأول 1983 تمت مهاجمة قاعدة الجنود الفرنسيين وقيادة المارينز الأميركيين من قبل انتحاريين شيعة بناء على توجيهات من طهران وقتل جراء ذلك نحو 300 من عناصر القوة. وخلال عام انسحبت القوتان من لبنان، الأمر الذي لا يؤكد المخاطر المحدقة بوجه صانعي السلام وحسب، بل يؤكد أيضاً الواقع الذي يترك فيه هؤلاء الساحة أثر تعرضهم لأي هجوم. هذه الحقيقة تحفز قوات السلام من باب أولى على ترضيه الجانب الإرهابي أو الثائر، لأن المواجهة مع هذه القوات ستؤدي إلى فشل مهمة السلام.
اليونيفل اثبتت ذلك مرات عدة. وقواتها فضلت مراراً وتكراراً أن تنفي انتهاك القرار 1701 من قبل حزب الله بالرغم من الاثبتات الدامغة لذلك، أو أنها مالت إلى التقليل من أهمية الانتهاك خصوصاً بسبب الخوف من عمليات انتقامية قد تنفذها المنظمة ضدهم. ما خلا ذلك تتفادى هذه القوات دخول القرى التي نقل إليها حزب الله نشاطه في أعقاب حرب عام 2006 لا سيما بسبب أن القرويين المؤيدين لحزب الله قد حذروا رجال الأمم المتحدة من أنهم سوف يتعرضون لهم بالأذى إذا دخلوا القرى. وهكذا تحولت القرى التي تنشط فيها اليونيفيل نظرياً بتكليف كامل من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى مناطق مقفلة بوجه الأمم المتحدة التي لم تعد تدخلها بكل بساطة. وخوفاً من ممارسة عنف ضدها لا تقوم اليونيفل بالحد الأدنى المطلوب منها بفعل وجودها بالذات على الأرض وهي تفضل غض البصر إذا لم نقل أنها تفضل عدم القيام بأي عمل.
ثمة من يعتبر بأنه إذا تم تزويد قوة غربية على غرار الناتو بدعم وتأييد من الأمم المتحدة، بارعة مناسبة، فلربما أدى ذلك إلى تقليص المخاطر من جراء انتشار قوات غربية في الشرق الأوسط. في الماضي كان المطلوب الحصول على تكليف من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة من أجل منح قوات السلام مشروعية ذات أفضلية توفر الحماية النسبية لقوات السلام. إلا أن الخطر على قوات السلام يتأتى من قبل مجموعات السلامة متطرفة وبالتالي فالتكليف من قبل الأمم المتحدة لن يؤدي بالضرورة إلى تحويلها إلى قوات مرغوب فيها. منذ شهر آب 2003، وأثناء هجوم القاعدة على قيادة الأمم المتحدة في بغداد قتل من جراء انفجار سيارة مفخخة المبعوث الخاص سرجيو ويارا دي ميلو و16 شخصاً آخرين. وعلى ضوء ذلك كيف ينبغي على الأمم المتحدة التصرف إزاء مجموعات ارهابية كهذه؟ سيما وأنه في صفوق الجهات الإسلامية الراديكالية لا توجد أي مشروعية أو أهمية للامم المتحدة.
إزاء الخسائر في الأرواح تفقد القوات الدولية من حين لآخر التأييد السياسي الذي حصلته من قبل الدول التي انتدبتها لاداء مهمة السلام. ففي حرب العراق، فقط الائتلاف بقيادة الولايات المتحدة وحدات من دول تخوفت على أمنها. وأثر هجوم القاعدة على مدريد تم تشكيل حكومة جديدة قامت بسحب جميع القوات الاسبانية من العراق. واستمرار انتشار القوات الهولندية في افغانستان تحول إلى عامل خلاف في البلدان المنخفضة عام 2010 وأدى إلى اخراجها والأمر يصح أيضاً على كل من بولونيا وكندا اللتين اعلنا عن اخراج قواتهما من افغانستان في ذروة الحرب هناك.
الاشكالية لجهة مبادئ التصرف الجديرة بالقوات الدولية، بما فيها قوات الناتو، سواء كانت منتدبة للحفاظ على السلام أو لفرض السلام – بقيت على حالها. فعل سبيل المثال هل من السموح لقوة دولية بفتح النار عندما تتعرض لهجوم، أو هل مسموح لقوة دولية استخدام نيرانها من أجل منع حصول عمل عدواني. بحكم مهمتها كقوى سلام منتدبة من قبل الأمم المتحدة حظر على القوات البليجيكية في رواندا القيام بأي عمل ضد الإبادة الجماعية التي مارستها ميليشيات الهوتو ضد أبناء قبيلة التونس، والأمم المتحدة في لبنان لم تفتح النار ولو مرة واحدة لمنع الإرهاب أو أي هجوم على الجيش الإسرائيلي على مدى عشرات السنين من انتشارها في لبنان.
حتى عندما يجري الحديث عن الانتشار الكثيف لقوات الناتو في افغانستان، فغن الدول الأوروبية حرصت على الحذر الشديد في استخدام قواتها وحدت من استخدامها إلا في العمليات المأمونة جداً، ومنعت منها العمليات الليلية وحصرتها ضمن المناطق المعتبرة آمنة نسبياً. الكثير من العمليات استوجبت مشاورات بين القادة الميدانيين وبين عواصمهم في أوروبا قبل السماح بانفاذها وفي بعض الاحيان تم تعطيل قوى كانت تشكل جزءاً من حلف الناتو تماماً من المشاركة في عمليات ضد المنظمات الإرهابية. واعترف الجنرال جون كرادوك، القائد الأعلى السابق لقوات الحلف، عام 2009 بأن قوات الناتو كانت تخضع لـ 83 قيداً من القيود الوطنية، وأنه تم خفضها فيما بعد حتى 70 قيداً.
لقد بقي الناتو جسماً ثقيلاً خصوصاً في مجال اتخاذ القرارات وبطيئاً في الرد على مطالب القادة السريعة، علماً بأن اثناء العمليات ضد الإرهاب تتمتع القدرة على العمل بسرعة وحزم بأهمية حيوية من أجل حاية السلام ومنع الاعتداءات. وبناء على المعايير المتبعة في اناتو في أفغانستان من الصعب التفكير في أن تكون قوات مماثلة ناجعة في الضفة الغربية – المنطقة المكتظة سكانياً أو المناطق القروية التي لا تستقبل أجانب.
قوات دولية تحد من القدرة الإسرائيلية على الدفاع عن النفس
لا بد لإسرائيل من أن تكون على استعداد، ما بعد التوقيع على اتفاقات واقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح، لمواجهة احتمال أن تستمر ضدها عمليات وانشطة مجموعات مثل حماس والجهاد الإسلامي بل وقوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية التي تم تدريبها على أيدي الأميركيين حتى لو شكل ذلك انتهاكاً للاتفاقات. لا بد لإسرائيل من أن تأخذ بالحسبان ضمن ظروف كهذه من ألا تقوم القوات الدولية بأي عمل.


ومن الناحية العملية يمكننا أن نستخلص من خلال هجمات حماس الصاروخية على إسرائيل أثر انسحابها من قطاع غزة، بأن سيناريو مماثل قد يتكرر في الضفة الغربية أيضاً وبالتالي تكون المنطقة الساحلية من إسرائيل عرضه لهجوم صاروخي من الشرق.
ضمن سيناريو كهذا، ليس فقط أن انتشار قوة للامم المتحدة على أرض فلسطينية لكن يكون مجدياً، بل أنه سوف يعيق حرية حركة الجيش الإسرائيلي أيضاً. فالجيش الإسرائيلي لن يطلق النار على العدو من دون أن يتأكد من مكان انتشار رجال الأمم المتحدة. وهكذا قد تجد إسرائيل نفسها مقيدة اليدين ومن دون قدرة على التحرك ضد الإرهابيين: القوات الدولية ستفشل في منع شن هجمات إرهابية على إسرائيل، لكنها ستنجح في منع إسرائيل من الدفاع عن نفسها. هذا ليس مجرد سيناريو وهمي، لكنه نسخة مكررة لاداء قوات الأمم المتحدة في لبنان على مدى تواجدها هناك.
اسحق رابين اثناء إلقائه خطاباً أمام الكنيست عام 1995 قال إن على الجيش الإسرائيلي السيطرة على غور الأردن "بالمعنى الواسع للكلمة". وسبب ذلك واضح لكل انسان يفهم في الشؤون الأمنية ويريد الأمن لإسرائيل – لا بد لإسرائيل من عزل المنطقة على طول نهر الأردن من أجل منع عمليات تهريب الأسلحة والمخربين والمعلومات إلى الإرهابيين.
في عمق المنطقة ستنشط قوة شرطة فلسطينية للاهتمام بالقضايا الداخلية وتطبيق القانون، لكن ستفرض قيود على أنواع الأسلحة المعطاة لها لجهة النوعية والكمية.
لا بد من أن يكون ثمة توافق مسبق على أنه في حال حصول عملية إرهابية أو حالة من "الأبواب الدوارة" الفلسطينية، فإن الجيش الإسرائيلي سيدخل إلى المنطقة من أجل ايقاف مشبوهين ومنع حصول هجمات إضافية. من غير الممكن وطالبة الفلسطينيين بالحاق الاذى بابناء شعبهم لمجرد نشاطهم ضد إسرائيل – فهذا مطلب من غير الممكن تحقيقه إلا في اوقات محددة عندما تكون لإسرائيل والسلطة الفلسطينية المصلحة المشتركة أو الخوف المتساوي من منفذي الإرهاب – ولا شيء يضمن أن يكون الوضع كذلك في المستقبل بل العكس هو الصحيح.
من الذي سيكفل نزع السلاح؟
إن الإقامة المحتملة لدولة فلسطينية تطرح تحديات أمنية مبدئية بوجد إسرائيل. وحتى إزاء كيانية فلسطينية ذات سيادة ومنزوعة السلاح وخاضعة للرقابة، نجد أن التنازل عن السيطرة الأمنية على الضفة الغربية سوف يطرح أسئلة صعبة في وجه قدرة إسرائيل على ضمان أمنها في المستقبل. هل ستتحول الكيانية الفلسطينية المستقبلية إلى دولة ذات إلتزام قوي بسلطة القانون؟ ومن دون مساعدة الجيش الإسرائيلي في مكافحة الإرهاب، هل ستنجح قوات أمن السلطة الفلسطينية في التوصل إلى سيطرة تامة على الأرض وبالتالي نزع سلاح مجموعة إرهابية مثل حماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني وكتائب شهداء الأقصى؟ إن التعامل مع الوضع الحالي في صيف 2010 يتجاهل كون الجيش الإسرائيلي قد طارد الإرهاب بجميع تشكيلاته بصورة متواصلة وجدة منذ عملية الجدار العراقي واحتلال المنطقة من قبله مجدداً في ربيع عام 2002. هل من دون توفر مظلة الجدار الواقي واحتلال المنطقة من قبله مجدداً في ربيع عام 2002. هل من دون توفر مظلة من قبل الجيش الإسرائيلي ومن دون مشاركة الجيش الإسرائيلي في استئصال الإرهاب كان من الممكن الاعتماد على الفلسطينيين؟ لا شيء يضمن ذلك بل العكس هو الصحيح وثمة أساس واسع للتشكيك في الأمر. في آخر المطاف، اثناء الانتخابات الفلسطينية التي حصلت مؤخراً عام 2006 حصلت حماس على أكثرية حتى في صفوف ممثلي يهودا والسامرة في البرلمان وليس صحيحاً أن أغلب قوتها كانت محصورة في قطاع غزة.
أثناء تطبيق اتفاقات أوسلو أقام ياسر عرفات ما عرف باسم "التنظيم" كقوة أمنية متفصلة من خارج السلطة الفلسطينية، التي لم تكن سيطرة فتح ولم تكن ملتزمة باتفاقات ثنائية. التنظيم نشط ضد إسرائيل أثناء عمليات التصعيد على غرار الانتفاضة الثانية. من الذي سيمنع هيئات شبه عسكرية من النمو مجدداً؟ كيف سيكون الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة إزاء ما تقوم به إيران من أنشطة تخريبية اقليمية وإزاء أنشطة تنظيم القاعدة التي تقترب من الحدود الإسرائيلية؟
في هذه الاثناء من شأن السيطرة الفلسطينية على أراض مستقلة، إن تعيد تقوية وتعزيز الحوافز الفلسطينية من أجل إنزال ضربة قاصمة بإسرائيل من خلال شن هجوم استراتيجي شامل  ضدها. إن سيناريو كهذا يمسي أكثر معقولية إزاء المسافة القصيرة – 13 – 19 كلم فقط – بين البحر المتوسط والدولة الفلسطينية.
وبالمصطلحات العملانية هذا يعني أن أي هجوم بالصواريخ الفلسطينية طويل الأمد، أو أي هجوم عسكري على مراحل من الضفة الغربية، سوف يشكل تهديداً خطيراً للجبهة الداخلية الإسرائيلية، وسوف تضطر إسرائيل معه إلى المبادرة لتحييد الهجوم الفلسطيني.
هكذا ستضطر إسرائيل إلى بلورة مشاريع دفاعية من دون التمتع بالتفوق الطوبوغرافي الحساس الناجم عن السيطرة على ظهر الجبل في الضفة الغربية. هكذا، سيكون أي فلسطيني مزود بصاروخ بدائي من نوع قسام من انتاج محلي أو من سيكون لديه مدفع هاون مي عيار 82 مم وهو موجود في منطقة مطلة وسيطرة في اتجاه الغرب، قادراً على اصابة المطار الدولي الوحيد في إسرائيل والمدن الساحلية المركزية. هذا واقع جديد ستجد إسرائيل معه نفسها عاجزة عن الدفاع عن نفسها في مواجهة قوات متحركة أو رمايات صاروخية وما شابه. ومع وضع غير مستقر ومع انعدام توفر قدره دفاعية حقيقية سوف يطرح السؤال الصب التالي: هل وكيف ستتمكن إسرائيل في مواجهة مثل هذه الظروف الدفاع عن نفسها؟ الجواب عن ذلك لن يكون واضحاً مع الظروف الجديدة.
في بعض الأحيان ثمة من يميل للاجابة على من يطرحون أسئلة من هذا النوع بأنهم يبالغون وأنهم يذهبون بعيداً في تشاؤمهم لأن إسرائيل ليست ارملة مهجورة وأن الجيش الإسرائيلي لديه ما يكفي من الحكمة والشجاعة لكي يوجد الحلول الملائمة حتى للاوضاع المستجدة، وأنه إذا تبين بأن الوضع هو أصعب مما هو متوقع، فإنه ستتوفر لإسرائيل باستمرار الإمكانية والحق لاعادة احتلال الأراضي الضرورية. هذا كلام من شأنه أن يثير السخط لأنه غير مستند إلى أساس ولا علاقة له بالواقع المستقبلي. وبعد دروس أوسلو، وبعد أن اتضح بأن السيناريوهات المتشائمة جداً فيما يخص النتائج الأمنية للمسار، كانت اقل خطورة مما يحصل في الواقع، وأن الجيش الإسرائيلي لا توجد لديه أجوبة المتوفرة لديه لا يستطيع تطبيقها بسبب عوائق سياسية، ستكون أكثر تشدداً (  ) بعد احراز الاتفاق، فبعد كل هذه الأمور كيف يمكن تجاهل التقديرات التي تصور المستقبل بالالوان نفسها على غرار ما كان يحصل في الماضي؟
يبدو أنه في أعقاب الانسحاب من يهودا والسامرة (الضفة الغربية) في حال حصول ذلك على هذا الأساس أو ذاك، لن يكون هناك أي سيبيل لتعطيل هذه التهديدات بصورة قطعية، لكن من الممكن تقليص الخطر بنسبة كبيرة من طريق منع تعاظم قدرات الفلسطينيين العسكريين – سواء القدرات المتعلقة بشن هجمات متحركة ضد إسرائيل، أو القدرات المرتبطة باستخدام قوة النيران التي يمكن بناؤها بسهولة في ظل الهدوء المكفول من قبل قوات دولية، أو القدرات الإرهابية بشتى أنواعها.
إزاء هذه المخاوف لابد من الاصرار على المبادئ التالية:
- ممنوع على أي جيش أجنبي الدخول إلى أراضي السلطة أو الدولة الفلسطينية.
- لن يسمح باقامة أي تنظيم عسكري من أي نوع كان في المناطق الآنفة الذكر سواء انتمى هذا التنظيم لدولة أو لا.
- لن يسمح بأي عمليات تهريب لاي نوع من أنواع الأسلحة إلى داخل المنطقة من ناحية الشرق أو من أي اتجاه آخر.
وإذا انتهك أي من هذه الشروط، سيكون لزاماً على الجيش الإسرائيلي أن يكون في وضعية تخوله التدخل والقضاء على التهديد وكلمة "تخوله" هنا تعني المقدرة السياسية – أي أن تحصل إسرائيل هنا على دعم سياسي وعلى مشروعية دولية للتصرف حتى لو أدى ذلك إلى سقوط ضحايا في الطرف الآخر – وأيضاً القدرة العسكرية من حيث توفير المتطلبات الاستخبارية والتكتيكية المناسبة.
هذه الشروط الثلاثة تنبع من ضرورة الحاجة إلى نزع شامل للسلاح من أي كيانية فلسطينية، ولسوف يكون من الخطأ الفادح ايلاء واجب المراقبة على نزع السلاح لقوى دولية في الضفة الغربية. فالقوات الدولية لم تنجح قط في مهامها عندما تخلى أحد الأطراف عن التزاماته، ولا يوجد ثمة أي سبب في الوضع الحالي يدعو لتوقع حصول أي تحسن في الأمور. لا بد لنا من أن نتأكد من أن الجيش الإسرائيلي هو الذي سيكون مسؤولاً عن الحدود الخارجية للسلطة الفلسطينية من أجل الحيلولة دون تشكل المخاطر.
استنتاجات
في الشرق الأوسط، كما هي الحال أيضاً في أي مكان في العالم، تبين أن القوات الدولية وبصورة قاطعة غير موثوق بها كقوات قادرة على أداء مهامها في منع العنف، لاسيما عندما يتحداها أحد الأطراف مثلما حصل مع عبد الناصر عام 1967 أو كما يحصل حالياً مع حالة حزب الله. الإرهابيون يجرحون ويقتلون جنوداً من هذه القوات من أجل كسر عزيمة الدول التي ترسلها. وفي كل الأحوال، أثبتت هذه اقوى تاريخياً عدم استعداد للدخول في مواجهة عسكرية مع من يتحدى ويستفز وجودهم. وحتى في حال قوات الناتو فإنها تتصرف على الأرجح على أساس مبادئ مقيدة جداً وفي ظل سلسلة من التراتبية القيادية التي تضر بمستوى الأداء العملاني في سيناريوهات قد تواجهها إسرائيل في المستقبل.
بناء عليه، نجد أن مطالب الحكومات الإسرائيلية بنزع سلاح أي دولة فلسطينية، من شأنها أن تمنع حضور أي قوى لطرف ثالث مسلح أو لقوات دولية داخل أراضي أي دولة فلسطينية مستقبلية.
وفوق وبعد كل ما تقدم نجد أنه حتى لو كان الناتو قادراً على حل مشاكله من جراء القيود المفروضة من قبل الدول المختلفة وقوانين الحرب التي تقلص من فعالية قواته، وحتى لو كانت نجاعة وفعالية قوات الأمم المتحدة تتحسن بنسبة كبيرة، فإنه يبقى ثابتاً في العقيدة العسكرية الإسرائيلية مبدأ أن "تدافع إسرائيل عن نفسها بقواها الذاتية فقط". لقد فاخرت إسرائيل باستمرار بحقيقة أنها لم تطلب قط من جنود غربيين، بما فيهم جنود أمركيين، تعريض حياتهم للخطر من أجل الدفاع عنها. إن تدخل الآخرين في الدفاع عن إسرائيل إنما يشكل سبباً مؤكداً لافساد العلاقة مع هذه الدول، التي ستكون ذات حساسية عالية تجاه أمن وسلامة جنودها أكثر من حرصها على أمن إسرائيل وهي غير ملامة على ذلك.
إن مبدأ أن تعتمد إسرائيل على نفسها وقدراتها الأمنية الذاتية بقي ذا أهمية خاصة على ضوء سيناريوهات التهديد المحتملة أو المؤكدة بعد التوقيع على اتفاق مع السلطة الفلسطينية. وحالياً وفي المستقبل المنظور أيضاً ليس بمقدور أي طرف من الأطراف في السلطة الفلسطينية أن يفكك المنظمات الإرهابية مثل حماس والجهاد الإسلامي ولا بد لإسرائيل من الاستعداد لخوض حرب ضد الإرهاب حتى بعد توقيع الاتفاقات.
بالإضافة إلى ذلك تعرضت إسرائيل لهجوم تقليدي من الشرق، فستضطر لكبح هذا الهجوم في غور الأردن – وإلا فإنها سوف تضطر للقال داخل أراض فلسطينية مكتظة بالسكان وظهرها إلى الحائط.
تجدر الإشارة إلى أن الفائدة التي ستنجم عن حصور قوات دولية في تسوية إسرائيلية – فلسطينية مستقبلية، تبقى محدودة. إن قوة السلام ناجعة في السياسة الدولية إلا أنها بطبيعتها محدودة ومقيدة. إن باستطاعتها مواجهة انتهاكات محلية لكن على هامش مسار السلام فقط. وكلما تفاقم التهديد وتزايد كلما تضاءلت قدرة القوة الدولية على مواجهته. والضعف الكامن في القوات الدولية يزيد من أهمية وضرورة، مبدأ الاعتماد على الذات الإسرائيلي حتى بعد التوقيع على اتفاقات السلام.
هذه المسائل والشواهد من التاريخ تدل على عدم تحمل المسؤولية الكافية من قبل الذين يقترحون بأن تكون القوات الدولية هي المستند والمعتمد الذي تتكل عليه إسرائيل لضمان أمنها ووجودها.
إسرائيل تعود إل الدبلوماسية المرتكزة على الأمن
دان دايكر. استاذ محاضر في
مركز القدس للشؤون العامة والدولة ومدير الشؤون الإستراتيجية في
المؤتمر اليهودي العالمي.
الدبلوماسية المرتكزة على الأمن مقابل الأمن المرتكز على الدبلوماسية
منذ أن تم التوقيع في أوسلو على اعلان المبادئ مع منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات عام 1993، تم تنحية متطلبات إسرائيل الأمنية إلى المرتبة الثانية. والمقاربة الإسرائيلية التقليدية المؤيدة للدبلوماسية المرتكزة على الأمن تم تنحيتها جانباً لصالح نظرية الأمن المرتكز على الدبلوماسية. والمقاربة الجديدة التي سيطرت على التفكير الدبلوماسية الإسرائيلي آمنت بأنه من الممكن ضمان أمن إسرائيل بواسطة اتفاقات سلام.
بناء على هذه النظرية الجديدة انطلقت الجهود الإسرائيلية الرامية إلى انهاء النزاع العربي – الإسرائيلي، بما في ذلك مسار أنابوليس عام 2008، وفك الارتباط مع غزة عام 2005، وذلك عبر تنازلات بعيدة المدى كانت في الكثير من الحالات احادية الجانب من قبل إسرائيل فقط. في المقابل، طلب من الجيش الإسرائيلي أن ينسق مطالب إسرائيل الأمنية مع الخط السياسي وذلك كبديل عن التعريف القائل بالخطوط الحمر الأمنية، كمنطلق للمبادرات الدبلوماسية قبل البدء بالاجراءات التمهيدية بها.
سياسة التنازلات الإسرائيلية أولاً، والقيام بعد فوات الأوان بمحاولة فر ض الحقوق والمطالب الأمنية الحيوية بالنسبة لإسرائيل، قد انتجت توقعات دولية بأن تواصل إسرائيل عروضها على القيادة الفلسطينية المتشددة لجهة تقديم تنازلات أكبر "كبادرة حسن نية" من أجل جذبها للدخول في مفاوضات. الفلسطينيون في المقابل، زادوا الادراك في وعي الأسرة الدولية بشأن ما تسميه السلطة الفلسطينية بأنه "حقوق فلسطينية" تعرض كقاعدة أساسية لتطلعاتهم نحو اقامة دولة خاصة بهم. إن سكوت الحكومات الإسرائيلية إزاء حق إسرائيل في دولة يهودية مع حدود قابلة للثبات والاستمرار وآمنة وقابلة للدفاع عنها، قد انتج حالة من البلبلة لدى حلفائها وزاد من عدوانية اعدائها.
خطاب رئيس الحكومة بنيامين نتنباهو غب جامعة يارايلان بتاريخ 14 حزيران 2009 قد أعاد إسرائيل إلى المقاربة المرتكزة على مبادئ الأمن والحقوق. فلقد أصر نتنياهو على أن تدار العلاقات بين الأطراف على اساس التبادلية: "الاعتراف بإسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي، ونزع سلاح الدولة الفلسطينية العتيدة وتلبية متطلبات إسرائيل الأمنية الحيوية.
نتنياهو بذلك يكون قد عبر عن اجماع سياسي إسرائيلي جديد بالنسبة لمسار السلام، ويكون أيضاً قد أعاد المقاربة الإسرائيلية التقليدية القائمة على دبلوماسية "الأمن أولاً" إلى نصابها، وهي التي ميزت سياسة جميع الحكومات الإسرائيلية منذ 1967 وحتى السنوات الأولى من مسار اوسلو.
رئيس الحكومة الراحل اسحق رابين كما رئيس الحكومة الحالي بنيامين نتنياهو قد أيدا مقاربة "الأمن أولاً" فيما يتعلق بالضفة الغربية. وآرييل شارون هو أيضاً دافع عن الحقوق والمصالح الأمنية الإسرائيلية في الضفة بالرغم من فك الارتباط من جانب واحد الذي قام به في غزة. إن احياء هذه المقاربة من قبل نتنياهو أثر انتخابه عام 2009 يبدو مناسباً بشكل خاص على ضوء التهديد الناجم عن دعم إيران وعن تهديد القاعدة لانظمة الحكم العربية المتعاطفة مع الغرب مثل السعودية والأردن ومصر ولبنان ودول الخليج. وفي حين يتآمر النظام الإيراني على استقرار الأنظمة السنية التي عقدت تحالفاً رسمياً أو عملياً مع إسرائيل، فإن هذا النظام يمول ويدرب ويسلح أيضاً مجموعات إرهابية تنتشر على حدود إسرائيل الشمالية والجنوبية وحتى في الضفة الغربية.
إن عودة إسرائيل إلى الدبلوماسية المرتكزة على الأمن والإصرار على نزع السلاح الفلسطيني والحدود القابلة للدفاع عنها هي بمثابة ضمانات حيوية لا من إسرائيل إزاء عدم الوضوح الشديد بالنسبة للفلسطينيين وأيضاً بالنسبة للقوى الإيرانية المتصاعدة في المنطقة.
خطاب نتنياهو في يار ايلان
خطاب رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في مركز بيغن السادات للدراسات الإستراتيجية في جامع يار ايلان قد تحول إلى نقطة تأسيسية في السياسة الإسرائيلية. فقبل بضعة أشهر من ذلك شكل نتنياهو ائتلاف وسط يمين ثوي عكس حقيقة صعود 30% في الدعم الشعبي لاحزاب اليمين. فالجمهور الإسرائيلي طالب بتغيير الاتجاه من سياسة رئيس الحكومة السابق أيهود أولمرت الذي اقترح اثناء محاولته الفاشلة للوصول إلى اتفاق سلام وإقامة دولة فلسطينية، تقديم تنازلات لم يسبق لها مثيل لمحمود عباس. وعلى الرغم من الاقرار العلني من قبل عباس بالتنازلات البعيدة المدى هذه، فقد اشار الزعيم الفلسطيني إلى أنه بقيت هناك "فجوات واسعة بين الأطراف" أدت إلى فشل محادثات السلام. رئيس الولايات المتحدة ياران أوباما مارس ضغطاً متقطع النظير على حكومة نتنياهو لتقديم تنازلات إضافية، بما في ذلك التجميد الكامل للبناء اليهودي في الضفة الغربية واقسام من القدس، وهذا الضغط تناقض مع التفاهمات الواضحة ما بين إسرائيل وحكومة بوش، بل وتعارض مع اتفاقات أوسلو وسياسة إدارة كلينتون.
نتنياهو اعترف بفكرة دولة فلسطينية عتيدة، لكنه أصر أيضاً على أن يقوم الفلسطينيون من ناحيتهم برد الجميل بالموافقة على مبدأين: الاعتراف بإسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي ونزع سلاح الدولة الفلسطينية العتيدة عبر الاستجابة لضمانات امنية اضافية بما في ذلك الحدود القابلة للدفاع عنها بالنسبة لإسرائيل. وهو أوضح أيضاً أن القدس ستبقى موحدة تحت السيادة الإسرائيلية.
لقد وضع نتنياهو على رأس سلم أولوياته حقوق إسرائيل القومية واحتياجاتها الأمنية الحيوية، وبعدئذ فقط اعترف بمطالب الفلسطينيين. والذي حصل هنا هو تغيير جوهري جداً في مقابل مقاربة أولمرت في أنابوليس، حيث تم حذف الكثير من مطالب إسرائيل الأمنية التقليدية الأساسية.
إن التزام رئيس الحكومة نتنياهو بالاعتبار الذي يضع الأمن في المقام الأول قد استقبل في إسرائيل بكل ارتياح، وذلك بعد نحو عقدين من الدبلوماسية المرتكزة على تنازلات لم تثمر عملياً أمناً ولا إرادة طيبة دولية، وفي رأي الأغلبية في إسرائيل أن تلك السياسة إنما أدت إلى زيادة الحرج في أوضاع إسرائيل الأمنية.
وعلى مدى السنوات الثلاث الأولى من مسار أوسلو قتل المزيد من الإسرائيليين فيهجمات ارهابية فلسطينية مقابل الخمس عشرة سنة التي سبقت التوقيع على الاتفاقات عام 1993. وفشل قمة كامب ديفيد عام 2000 أدى إلى انتفاضة ذهب ضحيتها أكثر 1100 إسرائيلي. وانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000 زاد من جرأة حزب الله الذي أطلق أكثر من 4 آلاف صاروخ على المدن الإسرائيلية أثناء حرب لبنان الثانية عام 2006. يضاف إلى ذلك أن انسحاب إسرائيل من قطاع غزة عام 2005 قد ضاعف عدد الهجمات الصاروخية وقذائف الهاونات على جنوب إسرائيل ووصل إلى 12 ألفاً منذ العام 2001 وأدى إلى العملية الوقائية الإسرائيلية في غزة في شهر كانون الأول 2008 وكانون الثاني 2009 والتي بسببها تلقت إسرائيل إدانة عالمية. تجدر الإشارة إلى أن فشل أوسلو وأنابوليس والانسحاب الإقليمي من أجل السلام لم تردع الإسرائيليين عن السعي للسلام لكن الشعب الإسرائيلي بات واعياً حالياً لناحية المخاطر الكامنة في الأمنيات وهو غير مستعد لتبني برامج غير واقعية تعتمد على الأمل ولكنها تفتقد إلى الصدقية. الشعب الإسرائيلي يريد في الدرجة الأولى الأمن والقدس الموحدة. وبالتالي فإن خطاب بار ايلان قد وقع على آذان صاغية في إسرائيل لكونه قد عبر عن الاجماع الشعبي العام.
لقد حظيت مقاربة نتنياهو بتأييد ما يزيد عن 70% من الرأي العام الشعبي في إسرائيل، وذلك بناء لدراسة اجرتها هآرتس غداة القاء الخطاب. لقد دعا آري شافيط، الكاتب الكبير في صحيفة هآرتس الخطاب باسم "ثورة نتنياهو" وقارن رئيس الحكومة بتيودور هرتسل مؤسس الصهيونية الحديثة. واشار شافيط إلى أنه بالعبارة المؤلفة من سبع كلمات هي – دولة فلسطينية منزوعة السلاح إلى جانب دولة إسرائيل يهودية" – قد غير النقاش حو النزاع من أساسه. ووضع نتنياهو بخطابه تحدياً لم يسبق له مثيل بوجه الشعب الفلسطيني والأسرة الدولية.
وفي سياق هذا التفكير أشار نتنياهو أيضاً في خطاب تشرين الثاني 2009 إلى أنه: "يجب علينا التأكيد من أن الأسلحة لن تتدفق إلى المناطق الفلسطينية في الضفة الغربية المشرقة على تل أبيب وتحيط بالقدس". وبتاريخ 3 آذار 2010 أبلغ نتنياهو لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست أنه على ضوء الأهمية الاستراتيجية التي يتمتع بها غور الأردن فإن إسرائيل لن تستطيع الانسحاب من هناك.
لم تكن هذه المرة الأولى التي يشدد فيها نتنياهو على مقولة "الأمن أولاً" من أجل صناعة السلام. ففي العام 1997، وأثناء ولايته الأولى، طلب إليه من قبل إدارة الرئيس كلينتون الموافقة على "إعادة انتشار اضافية" وفقاً لاتفاقات أوسلو، التي طلبت من إسرائيل القيام بانسحاب آخر من أراض غير محددة المساحة في الضفة الغربية.
بدلاً من البحث مع الإدارة الأميركية حول الشروط لاعادة انتشار "معقول"، تشمل ساحات دقيقة من الأرض، طلب نتنياهو من الجيش الإسرائيلي تزويده بخريطة أمنية توضح تفصيلياً احتياجات إسرائيل الأمنية الحيوية في الضفة الغربية. ودعيت تلك الخريطة باسم "خريطة المصالح" وعرض نتنياهو نسخة منها على الرئيس بيل كلينتون. واتخاذ القرارات من قبل نتنياهو في ذلك الحين يعطي نموذجاً لمبدأ هام في مقاربته لصنع السلام، وهو النموذج الذي لا يزال ملتزماً به: المواقف الدبلوماسية الإسرائيلية تجاه مسار السلام إنما هي محصلة ونتيجة لاحتياجات الإسرائيليين الأمنية المحددة وليس العكس.
إعادة مقاربة "الأمن أولاً" الإسرائيلية إلى نصابها
إن اصرار نتنياهو على دولة فلسطينية منزوعة السلاح وحدود قابلة للدفاع عنها لا تشكل استراتيجية جديدة. فرئيس الحكومة اسحق رابين عرض تصوره لحدود قابلة للدفاع عنها في ذروة مسار أوسلو، في 5 تشرين الأول 1995، عندما وافق الكنيست على الاتفاق المرحلي أوسلو 2. وبالنسبة للاتفاق الدائم قال رابين بـ"حدود دولة إسرائيل أثناء الحل الدائم ستتجاوز الحدود التي كانت قائمة قبل حرب الأيام الستة. لن نعود إلى خطوط الرابع من حزيران 1967". وعملياً، قال رابين لقادة الجيش الإسرائيلي أن إسرائيل ستضطر إلى الاحتفاظ بنحو 50% من الضفة الغربية في أي اتفاق مستقبلي.
رابين مثله مثل نتنياهو حالياً، أصر على الاحتفاظ بغور الأردن تحت السيطرة الإسرائيلية، مبلغاً الكنيست في تلك اللحظة ما يلي: "الحد الأمني سيكون في غور الأردن بالمعنى الأوسع للكلمة". وكان قصد رابين أن نهر الأردن بحد ذاته لم يشكل عقبة دفاعية كافية لمنع انتقال قوات معادية وأسلحة إلى المناطق المسيطرة في الضفة الغربية، وأن غور الأردن يشمل من خلال هذا الاعتبار السفوح الشرقية لجبال الضفة الغربية التي يتراوح ارتفاعها بين 700 – 1000 متر. هذا كان قصد رابين عندما اشار إل أن إسرائيل بحاجة إلى هذه المنطقة "بالمعنى الأوسع للكلمة". وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن رابين اصر على الاحتفاظ بالقدس الموحدة تحت السيادة الإسرائيلية. لقد رفض رابين فكرة دولة فلسطينية ذات سيادة بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى وقال في الكنيست عام 1995 "إننا نريد أن تقوم كيانية فلسطينية أقل من دولة لكي تعتني بصورة مستقلة بالفلسطينيين الذين يعيشون تحت سيادتها".
في 14 نيسان 2004 اثناء تبادل رسائل بين رئيس الحكومة آرييل شارون والرئيس جورج دبليو بوش تم الاتفاق على التزام إسرائيل بالانسحاب من غزة في مقابل تأييد الولايات المتحدة لحدود قابلة للدفاع عنها لصالح إسرائيل. وبعد مرور اسبوع أوضح شارون في الكنيست فحوى الرسالة الأميركية لدى اشارته إلى أن الضمانات الأميركية شملت عنصرين اقليميين: إسرائيل ستحتفظ بالكتل الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية وستحصل على حدود قابلة للدفاع عنها. وفي خطاب ألقاه شارون باللغة العبرية عاد واكد على عبارة "حدود قابلة للدفاع عنها" وبالإنكليزية Defensible Borders بهدف التأكيد على الالتزام الرئاسي الأميركي. والذي يستفاد من كلام شارون. بخصوص الرسالة الأميركية هو أنه ما عاد الكتل الاستيطانية الكبرى القريبة من حدود عام 1967، كان هناك اعتراف بمناطق حيوية جغرافية في الضفة الغربية أي غور الأردن. وفي مقابلة مع صحيفة هآرتس بتاريخ 24 نيسان 2005 قال شارون: "غور الأردن حيوي جداً وليس المقصود الوادي بحد ذاته فقط بل المناطق الممتدة حتى طريق الون وما فوقها. وفي رأيي أن هذه المنطقة هي منطقة حيوية جداً".
حدود قابلة للدفاع عنها: البعد التاريخي
خطوط الهدنة عام 1949 التي بقيت عملياً الخطوط الشرقية لإسرائيل حتى عام 1967 تركت إسرائيل في ظل خطر وجودي. ووصف آبا ايبان وزير الخارجية الإسرائيلي في حينه تلك الحدود عام 1969 بأنه "حدود آوشوتس التي ممنوع علينا العودة إليها من جديد".
يغآل آلون الذي قاد البلماخ (القوات الخاصة التابعة للهاغاناه) في أيام ما قبل قيام الدول وعمل كوزير للخارجية في حكومة رابين، كان هو مهندس نظرية الحدود القابلة للدفاع عنها. وفي مقال نشرة في مجلة (  ) آفيرز الأميركية قال:
لا ضرورة ليكون المرء خبيراً عسكرياً حتى يكتشف العيوب الفاضحة في خطوط الهدنة حتى الرابع من حزيران 1967... المشكلة الأكثر خطورة هي في الحدود الشرقية حيث نجد أن عرض السهل الساحلي يتراوح بين 16 – 24كلم وتنتشر فيه الكثافة السكانية الإسرائيلية الأكبر  بما في ذلك تل أبيب وضواحيها. القدس أيضاً بقيت في حالة من الخطورة يرثى لها. وفي داخل هذه الخطوط يكفي لضربة ناجحة أولى من جانب العرب حتى تمزق إسرائيل في أكثر من نقطة واحدة، وإن تقطع شرايين الحياة الحيوية، وأن تضعها أمام مخاطر ما كان لأي دولة أن تكون على استعداد للصمود بوجهها. الحدود القابلة للدفاع عنها إنما ترمي إلى اعطاء جواب على نقطة الضعف هذه وأن توفر لإسرائيل العمق الإستراتيجي في حده الأدنى المطلوب، وإن تمنحها أيضاً حدوداً ذات مغزى طوبوغرافي استراتيجي.
بحسب رأي آلون، الذي شاركهن فيه ايضاً رؤساء الحكومات الذين اتوا من بعده، فإن مصطلح "حدود قابلة للدفاع عنها" معناه أن لإسرائيل الحق والمسؤولية عن حدود ستوفر لمواطنيها الشروط الأمنية الأساسية وأنه لا ينبغي لها التسليم بالشروط والظروف الجغرافية التي تستدعي الهجوم. نتيجة هذا الموقف كانت أنه لا بد لإسرائيل من السيطرة على الأراضي الواقعة شرقي خطوط الهدنة عام 1949 كجزء من أي اتفاق سلام مع الفلسطينيين ولا سيما في غور الأردن الذي هو في اغلبيته قليل السكان.
مشروع آلون الحدود القابلة للدفاع عنها شكل نقطة محورية في اهتمامات نتنياهو الأساسية على مدى 14 سنة الأخيرة. الدكتور دوري غولد الذي عمل في السابق كمستشار لنتنياهو للشؤون الخارجية، أشار أن نتنياهو في عام 1997 اقترح خطة "آلون زائد" من أجل تسوية دائمة مع الفلسطينيين.
الرسائل الدلوماسية الغامضة من جانب إسرائيل
من الممكن فهم الانتقادات الدولية الموجهة لموقف نتنياهو، الذي يضع الأمن في رأس سلم افضلياته، عندما نتفحصها على ضوء استعداد حكومات إسرائيلية سابقة لتقديم تنازلات ملحوظة سلفاً ولتحديد الإحتياجات الأمنية بعدئذ على أساسها. والحلات الثلاثة التالية تعطي فكرة نموذجية عن المخاطر الكامنة في دبلوماسية التنازلات.
العام 2000 – ايهود باراك في كمب ديفيد
إن اصرار رئيس الحكومة ايهود باراك على التوصل إلى اتفاق "يضع حداً للنزاع" مع ياسر عرفات في كمب ديفيد في شهر تموز 2000 ومرة أخرى في طابا في مطلع العام 2001، كان بمثابة القوة الدافعة وراء المقاربة الجديدة بشأن ترتيبات أمنية ضمن أراضي الدولة الفلسطينية المستقبلية. اقتراحات باراك جسدت حقيقة أنه للمرة الأولى منذ اقامة الدولة تخلت حكومة إسرائيل عن الاصرار على امتلاك حدود يمكن الدفاع عنها في الضفة الغربية. وباراك على ما يبدو آمن بأنه يمكن ضمان أمن إسرائيل من خلال الاكتفاء بالسيطرة الإسرائيلية على 12% أو أقل من ذلك حتى في الضفة الغربية، وهذا بالمقارنة مع نسبة 33 – 45% بناء على مفهوم الحدود القابلة للدفاع عنها. ومن المحتمل أن يكون اقتراح باراك قد اتى من أجل نزع القناع عن وجه عرفات، إلا أن هذه الأفكار إنما أدت إلى ضخ التوتر في مسار السلام خلال السنوات المقبلة.
لقد اقترح باراك أيضاً دولة فلسطينية ذات سيادة بشرط أن يم نوع سلاح الضفة الغربية ويتم وضع محطات إنذار إسرائيلية وقوات للجيش الإسرائيلي على الأرض الفلسطينية. لكن بالرغم من هذا الاقتراح الذي لم يسبق له مثيل الذي تقدم به باراك فإن مسؤول الأمن الفلسطيني في حينه محمد دحلان، الذي عاد ليشكل عاملاً بارزاً في فتح، قد رفضى تبني الاقتراح الأمني الإسرائيلي. وقد كتب الموفد السابق إلى الشرق الأوسط، دنيس روس، إن دحلان رفض بشدة أي وجود إسرائيلي أو اجنبي غربي حدود الضفة الغربية ورفض فكرة أن تكون إسرائيل بحاجة إلى طرقات مأمونة تفضي إلى داخل الضفة الغربية.
إن التخلي عن فكرة الحدود القابلة للدفاع عنها وقبول باراك بمسار الترتيبات الأمنية قد أدت إلى تآكل وتهافت التصلب الإسرائيلي القديم العهد بشأن استمرار سيطرتها على غور الأردن وأراض أمنية حيوية أخرى في الضفة الغربية. وعلى الرغم من حقيقة أنه في عهد إدارة بوش قد تم رفع وإزالة خطوط كلينتون واقتراحات كامب ديفيد عن الطاولة، فإن الفلسطينيين قد ادخلوا التنازلات في جيبهم واصروا عليها لتكون نقطة انطلاق لاي مفاوضات مستقبلية.
حسبما أشار نائب رئيس الحكومة موشيه يعلون في مقدمة هذا البحث فإنه "انطلاقاً من هذه النقطة وما بعدها برزت توقعات بأن تكتفي إسرائيل بالحدود الضيقة التي اقترحها باراك. والاخطر من ذلك هو أن استنتاج واضعي السياسة الغربيين من خلال مقاربة باراك الجديدة، تمثل في أن خطوط العام 1967 – أي خطوط الهدنة للعام 1949 – ستشكل إطار التعامل الجديد مع أي مفاوضات مستقبلية".
الانساب من طرف واحد الذي اقره شارون من قطاع غزة
رئيس الحكومة آرييل شارون بحد ذاته رفع من مستوى التوقعات الدولية بشأن انسحاب شامل حتى حدود 1949 بنتيجة قراره الانسحاب من قطاع غزة. وقد تنازل شارون عن قطاع غزة عام 2005 بدافع الرغبة لتوفير الأمن للإسرائيليين والحصول على التعاطف والإرادة الطيبة في الساحة الدولية بسبب منحه الفلسطينيين للمرة الأولى نوعاً من "ميني دولة" – دولة مصغرة – لهم انفسهم. إلا أن الاعتراف يبادره حسن النية الإسرائيلية هذه، لم يحظ بالتأييد الطويل الأمد في أوروبا بل وأنه أثار الشك في أن المقصود هنا هو مجرد مناورة للحيلولة دون حصول تنازلات أخرى.
الأسرة الدولية قللت من أهمية التنازل الإسرائيلي في قطاع غزة كما وأن منظمات دولية مثل الأمم المتحدة ومنظمة امنستي ومنظمة HRW واصلت النظر إلى غزة على أنها "أراض محتلة". والتوقع الأوروبي لحصول انسحابات إسرائيلية مستقبلية إنما يشهد على عمق الضرر الذي حصل بسبب الانسحاب الأحادي الجانب من قبل إسرائيل من دون شروط من قطاع غزة والذي لحق بالاعتراف بحق إسرائيل الأقليمي في الضفة الغربية. وهنا كان السبب أيضاً لرفض نائب رئيس الأركان السابق ورئيس مجلس الأمن القومي، اللواء (احتياط عوزي ديان)، بصورة علنية الانسحاب الكامل من قطاع غزة. وقد أشار في 4 حزيران 2007 إلى أن غزة قد شكلت "سابقة غير اخلاقية وخطيرة بالنسبة للضفة الغربية".
تنازلات أولمرت غير المسبوقة ارتدت ضرراً على إسرائيل
الاثبات الأفضل على أن التنازلات الإسرائيلية قد غذت التوقعات الدولية لحصول تنازلات اضافية، إنما يكمن في تصرف رئيس الحكومة السابق ايهود أولمرت أثناء محادثات أنابوليس التي انهارت في نهاية العام 2008. فاولمرت ذهب بعيداً أكثر من أي رئيس حكومة آخر سابق له من زاوية الاستعداد لتقديم تنازلات بهدف التوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين. وهو اقترح انسحاباً بنسبة 93.5 – 97% من الضفة الغربية، وتقسيم القدس، ووضع سلطة دولية على الحوض المقدس (الذي يشمل جبل الهيكل – المجد الاقصى – والأماكن المقدسة الإسلامية) واعرب عن استعداده للسماح لعشرة آلاف لاجئ فلسطيني بالإقامة مجدداً في إسرائيل لأسباب إنسانية.
طاقم المفاوضات الخاص باولمرت برئاسة العميد أودي ديكيل، المشرف على كتاب البحث الموجود بين ايدينا، قد حاول أيضاً تكييف مطالب أمنية مثل نزع سلاح الدولة الفلسطينية والترتيبات الأمنية الخاصة في غور الأردن والسيطرة الأمنية الإسرائيلية على شواطئ غزة، مع مضمون الاتفاق النهائي، إلا أن كل هذه المطالب رفضت من قبل الفلسطينيين. لقد كان من الواضح أمام من يديرون المفاوضات على الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، بأن أي شيء لن يكون متفقاً عليه حتى إقرار الاتفاق نفسه. إلا أنه مع انهيار المفاوضات عادت وطرحت النماذج المعهودة من خلال اقتراحات باراك: التنازلات الإسرائيلية غير المسبوقة قد رفضها الفلسطينيون إلا أنهم أدخلوها في حسابهم كنقطة انطلاق نحو الجولة المقبلة من المفاوضات.
إعادة النظر في الحقوق القانونية والسياسية الإسرائيلية
التوتر القائم بين إدارة أوباما وحكومة نتنياهو يكمن، من ضمن أمور أخرى، في حقيقة أن الأميركيين قد اعتادوا على الدبلوماسية الإسرائيلية المرتكزة على تنازلات، قد أدت إلى تهميش حقوق إسرائيل الدبلوماسية والسياسية.
وعودة إسرائيل إلى الدبلوماسية المرتكزة على الأمن تنطلق من القرارات الدولية مثل قرار مجلس الأمن رقم 242 الذي اتخذ بالاجماع والذي يلحق الضرر بحقوق إسرائيل في الضفة الغربية استناداً لخوضها حرباً دفاعية في العام 1967. وعلى مدى أربعة عقود شكل القرار 242 منارة بالنسبة للدبلوماسية العربية – الإسرائيلية كمرجع قانوني يدعم حق إسرائيل في امتلاك "حدود آمنة ومعترف بها" ويعتبر آخر حدود قابلة للدفاع عنها على أساس اعتراف مجلس الأمن يكون العرب وليس الإسرائيليين هم الذين بدأوا الهجوم في هذه الحرب.
والقرار 242 شكل قاعدة قانونية لمسارات السلام التي اعقبته مثل اتفاق السلام مع مصر عام 1979 ومؤتمر مدريد 1991 وتبادل الرسائل مع منظمة التحرير الفلسطينية عام 1993 واتفاق السلام مع الأردن عام 1994 والالتزام بالرسالة الرئاسية من بوش إلى شارون عام 2004.
لقد اعتادت الولايات المتحدة على الدبلوماسية الإسرائيلية المرتكزة على تنازلات تؤدي إل تهميش حقوق إسرائيل الدبلوماسية والسياسية. إلا أن التنازلات الإسرائيلية إنما تؤدي إلى تغذية التوقعات بحصول تنازلات إضافية.
إن عودة إسرائيل إلى الدبلوماسية التي تضع الأمن في المقدمة، تحتم عليهم الدخول في مواجهة مع إدارة أوباما التي ترى في ذلك انحرافاً حاداً عن الاتفاقات السابقة بين إسرائيل والولايات المتحدة. الإدارة الأميركية تلتزم جانب الصمت التام نقريباً أزاء القرار 242 ويبدو أنها تتجاهل رسالة الرئيس بوش عام 2004 التي حظيت بتأييد الحزبين بالاجماع في مجلسي النواب والشيوخ.
الرئيس بوش استند بدقة إلى القرار 242 من أجل أن يضمن لشارون أنه "كجزء من اتفاق دائم لا بد لإسرائيل من الحصول على حدود آمنة ومعترف بها وذلك بنتيجة المفاوضات التي اجراها الجانبان وفقاً لقراري مجلس الأمن الدولي رقم 242 و338... والولايات المتحدة تكرر التزامها بالدعم القومي لأمن إسرائيل، بما في ذلك حدود آمنة ويمكن الدفاع عنها، والتزامها بتعزيز قوة وقدرة إسرائيل على الردع وعلى الدفاع نفسها بنفسها بوجه أي تهديد أو جملة تهديدات. وطالما أهملت إدارة أوباما العلاقات التقليدية والتفاهمات التي صنعت في الماضي الدبلوماسية الشرق أوسطية منذ عشرات السنين، فإن الحكومة الإسرائيلية ستضطر إلى أن تؤكد من باب دولي على أهمية سوابق قانونية وضمانات دبلوماسية.
تهديدات اقليمية وعودة إسرائيل إلى دبلوماسية "الأمن أولاً"
التهديدات الاقليمية لكل من الدول العربية وإسرائيل على حد سواء من قبل ايران التي تسعى للتسلح النووي، وحليفتها سوريا، والمنظمات الإرهابية الاقليمية، بالإضافة إلى النشاط المتجدد والدائم لتنظيم القاعدة الذي يقترب من الحدود الإسرائيلية، إنما تساعد على تبرير اصرار إسرائيل على التمسك بتفضيل الأمن على الدبلوماسية. وفي حين أن نشاط منظمة القاعدة التخريبي يقترب. من الحدود الإسرائيلية ويعطي الايحاء لمؤيدي المنظمة في كل من مصر والسعودية وسوريا ولبنان وغزة، فإن الأردن تحول أيضاً ليصبح مستهدفاً من قبل هجمات القاعدة المتكررة، وحالياً تجد حماس صعوبة في منع اطلاق الصواريخ من قبل مجموعات القاعدة في غزة في اتجاه إسرائيل.
هذه التطورات، ولا سيما صعود "محور الشر" بدعم إيراني والذي يضم سورية وحزب الله وحماس، وقد نسفت الوهم القائل أنه بالامكان عزل النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني عن اتجاهات اقليمية واسعة تدعو لامكانية التوصل إلى تسوية وسط اقليمية مستقرة عبر تجاهل هذه التطورات الاقليمية.
إن أي انسحاب إسرائيلي منذ العام 2000 قد انتج فراغاً أمنياً ثم استغلاله بصورة سيئة من قبل قوى معادية في لبنان وغزة إيراني. إن حرب لبنان الثانية وعملية "الرصاص المصبوب" قد أبرزا التهديد الناجم عن الصواريخ القاصيرة المدى على الجبهة الإسرائيلية وأكدا أهمية الدفاع الإقليمي بالنسبة لإسرائيل.
خاتمة
إن الرئيس باراك أوبام يعرض جدول أعمال جديد يضع في مركز الاهتمام مسار السلام الفلسطيني الإسرائيلي واقامة دولة فلسطينية على أساس خطوط الهدنة منذ العام 1949. وهو من شأنه أيضاً أن يتقدم بمشروع أميركي بل وربما أن يفرضه في حال عدم نقدم مسار السلام بالوتيرة المطلوبة، وذلك بالرغم من المعارضة الشديدة لذلك في إسرائيل. إن المقاربة السياسية الجديدة للولايات المتحدة قد وضعت حكومة نتنياهو في موقف دفاع وسمحت للفلسطينيين بتصليب مواقفهم في مواضع أساسية تتجاوز مطالبهم في انابوليس. وهي اشعلت أيضاً الأمل في صدور الفلسطينيين للحصول على دولة يعلن عنها من طرف واحد – وهذا بديل اسمته القيادة الفلسطينية باسم "استراتيجية كوسوفو" التي حظيت بالتفضيل في أعقاب قرار محكمة العدل الدولية في هاغ في شهر تموز 2010 القاضي بأن اعلان الدولة من طرف واحد في كوسوفو لا يمكن اعتباره غير قانوني. وفي اجواء كهذه المطلوب أكثر من أي وقت مضى قيام إصرار إسرائيلي على وضع الأمن في المقدمة. إن إسرائيل ستجد نفسها مجدداً في المستقبل تحت ضغط ثقيل لتقديم تنازلات للفلسطينيين وفي حالات عديدة من يطلب من الفلسطينيين القيام بخطوات رد الجميل بالمثل، وعدم استعداد إسرائيل للخضوع للمطالب واشنطن من شأنه أن يجري الانتقاد والعقوبة. وفي بيئة كهذه يجب على الحكومة الإسرائيلية تركيز موقفها على أسس متينة وثابتة. والأساس الوحيد الذي يوفر امكانية الصمود بوجه الضغط الأميركي لتقديم تنازلات اضافية وبرامج لدولة يعلن عنها من طرف واحد بناء على خطوط الهدنة عام 1949، إنما يكمن في إصرار إسرائيل الصلب والنهائي على احتياجاتها الأمنية الأساسية والحدود القابلة للدفاع عنها ونوع سلاح الدولة الفلسطينية هما من صلب هذه الاحتياجات.



 

2012-01-25 14:17:49 | 2564 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية