التصنيفات » ندوات

الذكرى السنوية الأولى للثورة الشعبية المصرية





إنجازات وإخفاقات!
(ندوة سياسية في بيروت)

 

عقِدت بتاريخ 10/2/2012، ندوة سياسية في مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية في بيروت، بالتنسيق مع مركز النيل للدراسات العقلية في مصر، لمناسبة مرور سنة على الثورة المصرية الشعبية التي أطاحت بالرئيس السابق حسني مبارك، بعد حكمٍ ديكتاتوريٍ للبلاد والعباد استمرّ لنحو أربعة عقود متواصلة!
وكانت الورقة الرئيسية في اليوم الأوّل للندوة للعميد المتقاعد د. محمد عبّاس، والتي شارك في التعليق أو التعقيب عليها عددٌ من الباحثين والمختصّين والمهتمّين بشؤون المنطقة، أبرزهم مجموعة من الشباب المصري الذي شارك في الثورة الشعبية مطلع العام الماضي.
في البداية، تحدّث الدكتور عبّاس عن أن ما حصل في مصر لم يرق –رغم أهميّته الفائقة- إلى مستوى الثورة، التي يجب أن تكون لديها قيادة كاريزمية ومشروع سياسي واضح وأهداف وغايات محدّدة، وأن تقطع –عند انتصارها- نهائياً مع كلّ بنى وسياسات النظام السابق، على الصعيدين الداخلي والخارجي؛ وهذا ما حصل في تجربة الثورة البولشفية وتجربة الثورة الإسلامية في إيران.


أضاف عبّاس: لقد وقفت وراء الحراك الشعبي الأوّل مجموعة نخبوية من الشباب المثقّف والواعي، وجلّهم من الفئات المتوسطة؛ ثمّ استجابت الفئات الشعبية الأخرى بسرعة.
وتابع: لم يكن لدى شباب مصر الثائرين (والمخلِصين لبلادهم) أيّ برنامج أو تصوّر متكامل للنظام البديل؛ وبالتالي، لم تكن أهداف الثورة واضحة للجماهير المنتفِضة.
وأكّد المحاضِر أن عوامل عديدة أسهمت في انطلاق الانتفاضة المصرية، أهمّها تبدّل موازين القوى الدولي-الإقليمي، بعد الأزمة المالية العالمية، وإخفاقات المشروع الأمريكي-الصهيوني في المنطقة، وفشل عملية التسوية بين الكيان الإسرائيلي والفلسطينيين؛ إضافة إلى الظروف الداخلية المرتبطة بالاستبداد والقمع والتبعية والتوريث وتزوير الانتخابات والنهب المنظّم للثروات وشيوع الفقر والبطالة والفساد، مصر حسني مبارك!
وأشار العميد عبّاس إلى أن الجيش، الذي لا يزال يتحكّم بثلث الاقتصاد المصري على الأقلّ، لم يغيّر "عقيدته الثابتة" منذ أربعة عقود بشطب المواجهة مع الكيان الإسرائيلي. بل إن هذا الجيش أجرى المناورات الدورية (السنوية) له مع جيش الولايات المتحدة (النجم الساطع)، والتي لم يكن هدفها بالطّبع "إسرائيل"! فضلاً عن استمرار المساعدات العسكرية الأمريكية للجيش المصري والعلاقات والزيارات والدورات التدريبية المستمرّة بين الجيشين الأمريكي والمصري!




ولا تراهن الولايات المتحدة فقط على استمرار العلاقة السياسية-العسكرية مع مصر ما بعد الثورة (على أساس الالتزام باتفاقية كمب ديفيد وبأمن إسرائيل)؛ بل هي تعمل على نسج علاقاتٍ مع القوّة السياسية الأبرز التي فازت في الانتخابات الديموقراطية الأخيرة، بحسب التوصيف الأمريكي، لضمان مصالحها في مصر والمنطقة، برغم وجود صراعٍ خفيٍّ بين الجيش المصري والإخوان على السلطة، حيث تسعى أمريكا لإنجاز تفاهمٍ بين الطرفين، يستلم بموجبه الجيش الملفّات المرتبطة بسياسة مصر الخارجية والأمن القومي مقابل تسلّم الإخوان للملفّات الداخلية المختلفة!
وأثار عبّاس في هذا السياق غياب موضوع فلسطين عن شعارات "الإسلاميين" في بلدان الثورات العربية، مقابل انتقاداتٍ شديدةٍ وغير مبرّرةٍ من قِبل أغلب هؤلاء للثورة الإسلامية الإيرانية. وتساءل المحاضِر عن مصير حركة حماس في فلسطين بعد وصول "الإسلاميين" إلى السلطة في أكثر من بلد، فيما يمكن وصفه بالانقلاب أو الانتفاضة أكثر من كونه ثورة، في ظلّ الإبهام السياسي والاضطرابات الأمنية والاجتماعية المتصاعدة في بلدان ما يسمّى (الربيع العربي)!
وبعدما ذكّر بالهدف الأمريكي-الصهيوني المركزي بتفتيت المنطقة وتدمير جيوشها وقدراتها المادّية إذا ما خرجت في أيّ وقتٍ عن طوع أمريكا، أبدى عبّاس أملاً كبيراً بالشباب الثوري الثائر، في مصر خصوصاً، كونه غير مرتبطٍ بأجنداتٍ أو مصالح خفيّة أو ارتباطاتٍ خارجية؛ فضلاً عن انفتاحه الفكري وإخلاصه لجهة سعيه لتحقيق مطالب الناس والفئات المسحوقة، واستعادة كرامة بلاده التي أهدرها النظام المصري السابق!
بعد كلمة العميد المتقاعد عبّاس، تحدّث أحد أعضاء الوفد المصري، الدكتور محمّد عبد العزيز عن دور الشباب المصري في الثورة، والذي كان يشعر بالمهانة بسبب فساد النظام وتعبيّته لأمريكا وإسرائيل، وتدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في مصر، من دون وجود أيّ أفقٍ أو أمل، منذ تحكّم نظام مبارك المطلق بالسلطة قبل نحو أربعين سنة مضت!
وقد أجّج غضب هذا الشباب الثائر الموقف المصري الرسمي من الحصار الصهيوني الظالم على قطاع غزّة، حيث أسهم نظام مبارك في الحصار؛ بل وشدّده أكثر بعد فشل الحرب الصهيونية على غزّة نهاية العام 2008!
وذكّر عبد العزيز بمهاجمة سفارة الكيان العنصري في القاهرة أكثر من مرّة، - حيث فرّ السفير الصهيوني منها لفترةٍ قبل أن يعيده النظام الجديد الذي يترأّسه المجلس العسكري-   احتجاجاً على ممارسات الكيان ضدّ الشعب الفلسطيني وقتل الجنود المصريين الستّة على الحدود مع رفح.
وأكّد عبد العزيز أن الثورة المصرية لم تنته بعد، وأن المشروع الثوري لم ينضج حتّى الآن، وهو بحاجةٍ للمزيد من الوقت، موضحاً أن الصراع الحقيقي للشباب الحاضر في الميدان حتّى اليوم، هو مع الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي خصوصاً، مُعرِباً عن أمله بحدوث تغييرٍ عظيمٍ في واقع الشعب المصري المظلوم في حال تسلّم الشباب الثوري السلطة.
بعده، تحدّث من لبنان الأستاذ غالب قنديل، عضو المجلس الوطني للإعلام، حول موقع مصر الاستراتيجي في المنطقة، والتي قد تعود إلى لعب دور يتناسب مع هذا الموقع في وقتٍ قريب، بفعل تضحيات الشعب والشباب المصري الثائر، مشيراً إلى مخاضٍ ثوريٍ قد يستغرق وقتاً طويلاً حتّى تنجح الثورة؛ وهذه المسألة تنسجم مع القوانين التاريخية لكلّ الثورات!



ولاحظ "قنديل" وجود صراعٍ بين الجيش والأخوان الذين فازوا في الانتخابات والثوّار الذين يصعّدون من احتجاجاتهم على استمرار حكم الجيش والأجهزة الأمنيّة، ومن انتقاداتهم لعدم وجود برنامجٍ واضحٍ من قِبل الإسلاميين لحكم البلاد؛ فضلاً عن تحكّم المصالح الخاصّة والفئوية بالكثير من الممارسات والسياسات الحالية في مصر ما بعد الثورة ...
ولفت قنديل إلى تسابق دولي وإقليمي على النفوذ السياسي في مصر (السعودية/الأتراك/الأميركيون...)، حيث يفرض الصراع القائم ضرورة إيجاد جبهة تحالفٍ مرنةٍ بين القوى المصرية الثورية، كي تتصدّى لمحاولات حرف الثورة عن مسارها أو استيعاب أهدافها النبيلة!
ثمّ تحدّث الأستاذ أيمن صبري، من أعضاء الوفد المصري الزائر، حول إشكاليّة النّخب المصرية، في ظلّ الواقع المعقّد حالياً، والذي يتقاسم النفوذ فيه الجيش والإسلاميون والقوى الشبابية المتنوّعة المشارب، منتقداً  الميوعة الفكرية-السياسية للأخوان (وهي حالة تاريخية لديهم). ولفت "صبري"  إلى وجود رهانٍ جدّيٍ من قِبل الأميركيين على استيعاب المدّ الأخواني لصالح تثبيت العلاقة القديمة لمصر مع الولايات المتحدة وكيان العدوّ في فلسطين، معتبراً أن لا مانع لدى أميركا من استلام "الإسلاميين" السلطة إذا ما حافظوا على التحالف معها وحموا النظام الاقتصادي الرأسمالي في مصر، واحترموا ما يسمّى بالتعهّدات الدولية لبلادهم!
كما انتقد صبري النّخب المصرية التي اندفعت لتشكيل أحزابٍ سياسيةٍ على قاعدة أن الديموقراطية باتت هي السائدة في مصر، فيما يغيب التصوّر الواضح والمتكامل لدى الشباب المصري الذي أطلق الثورة، وتزداد سطوة الجيش وقمعه للثوّار؛ هذا الجيش الذي لم يدعم أو يحمي الثورة منذ البداية، كما يروّح البعض في داخل مصر وخارجها!
وكانت كلمة للدكتور عمر بكداش، الذي تحدّث عن استمرار المشروع التآمري الصهيوني-الأميركي ضدّ مصر الثورة، مقدّماً لمحة تاريخية عن الدور الغربي في الانقلابات والاغتيالات والاضطرابات في مصر والدول العربية منذ خمسينيّات القرن الماضي، وحتّى مرحلة ما بعد اتفاقيات كمب ديفيد ووادي عربة، وصولاً إلى تغطية العدوان الصهيوني الوحشي على غزّة، حيث لم يتغيّر سوى الأسلوب أو الشكل فقط!
وأشار بكداش إلى أبعاد ثلاثة في الاستراتيجية الغربية تجاه مصر ما بعد الثورة:
* البعد العسكري: حيث يسعى الأمريكيون لإدامة حصر التسلّح المصري بهم؛ من هنا تفسير رفض "البنتاغون" وقف المساعدات العسكرية لمصر، بعد إثارة قضية الجمعيات والمنظّمات المموّلة من الخارج!
* البعد الاقتصادي: لناحية حرص الأميركيين على إبقاء مصر سوقاً مفتوحة للبضائع الغربية، وعلى اتفاقية تصدير الغاز لكيان العدوّ؛ وكذلك استمرار الالتزام باتفاقية "كويز" التي تصبّ مجمل فوائدها في مصلحة الأميركيين! (مثل رجل الأعمال المصري حسين سالم/ الذي لا يزال يستثمر مع الإسرائيليين  في الغاز حتّى اليوم).
* البعد الديني: حيث يستمرّ العمل على تحييد مؤسسة الأزهر عن العمل السياسي الفاعل، مع تفعيل الفكر الوهابي التكفيري، ونشره بوسائل عدّة  (المال في جوهرها)؛ مع الفصل بين الأزهر ووزارة الأوقاف، بهدف السيطرة على نفوذ الأزهر وتأثيره بين الناس، مع ربط المؤسسة الدينية بالنظام مباشرة!
بعد كلمات أعضاء الوفد المصري، حصل حوارٌ ونقاشٌ مع السادة المشاركين في الندوة (لبنانيين وفلسطينيين)، حول مختلف الأوضاع الراهنة في مصر، الذين أبدوا شكوكاً وتساؤلات حول دور المؤسسة العسكرية التي لا تزال تحافظ على ارتباطاتها بالولايات المتحدة تحديداً، فيما تسعى دول الخليج وبعض الدول الغربية لإرساء مواطئ قدم لها في مصر ما بعد الثورة، في ظلّ غموضٍ كبيرٍ يسود الوضع المصري على كلّ المستويات، بعد سيطرة الكتلة الإسلامية على المجلس التشريعي؛ بموازاة محافظة الجيش على تحكّمه بالقرار السياسي والأمني في البلاد، من ضمن ما يُشاع عن صفقةٍ مشبوهةٍ لإخراج القوى الثورية الأصيلة من المعادلة السياسية الجديدة في مصر، وتغييب النخب الفاعلة عن ساحة العمل المباشر والمؤثّر لصالح فئاتٍ انتهازيةٍ حافظت على وضعها القديم؛ وهي تسعى للعودة بقوّة مجدّداً إلى الساحة!
واتّفقت المداخلات على أهمّية إبراز دور الإسلام الحقيقي و"التقدّمي" والمنفتح مقابل الإسلام المتزمّت أو المرتبط بأجنداتٍ إقليمية – دولية لا تفيد الواقع المصري بشيء؛ بل هي تؤذيه وتؤدّي به إلى التراجع التقهقر بدل التقدّم إلى الأمام. وطالب المشاركون في الندوة  الشباب المصري بالعمل الدؤوب لإعداد نخبٍ مثقّفةٍ وثوريةٍ غير مرتبطة بالدولة أو من يدعمها في الخارج، من أجل الاستمرار بالثورة الشعبية على منظومة الظلم والفساد والتخلّف والتبعية والارتهان. ولم يقلّل المشاركون من أهمّية ما حصل منذ سقوط مبارك، داعين لإعادة قضية فلسطين والقدس إلى أولويّة الاهتمامات الشعبية والرسمية والحزبية في مصر، لما لها من دورٍ أساسٍ في جمع "المختلفين" على قواسم مشتركة؛ ليس فقط داخل مصر وإنّما خارجها أيضاً (السنّة والشيعة)، بهدف إجهاض المشروع التآمري التفتيتي الذي بدأ يحقّق إنجازاتٍ في مصر، كما في سوريا واليمن وغيرها، بدعمٍ مباشر من مال النفط الفاسد والمفسِد!
وفرّق المشاركون بين قيادة الجيش المصري وكوادره وضبّاطه المخلصين لبلادهم، وغير المرتبطين بمصالح أو بدولٍ معادية، وذلك للمراهنة على دورٍ مستقبليٍ لهؤلاء، كما للنّخب والفئات الثورية الشعبية غير المنظّمة، في تفعيل الثورة وإيصالها إلى أهدافها الحقيقية، والتي لا تختصرها جهةٌ أو طرف، مهما بلغت شعبيّته، التي يمكن تفهّم ظروفها أو عواملها!
وقد ردّ بعض أعضاء الوفد المصري على المداخلات، مرحّبين بالملاحظات التي تدلّ على معرفةٍ جيّدةٍ لدى أصحابها بالواقع المصري، مع تشديدهم على السعي لإسقاط اتفاقية كمب ديفيد في المستقبل، بالوسائل المناسبة، في ظلّ الحديث المتصاعد عن عدم موافقة الأخوان المسلمين على المسّ بهذه الاتفاقية (في المدى المنظور على الأقلّ)، حيث يسود أو يتحكّم التيّار المتشدّد في قيادة الأخوان، والذي لا يمتلك خبرة عميقة بالمتغيّرات السياسية والفكرية على امتداد العالم؛ أو أنه لا يعيرها الأهميّة المناسبة!
ووعد الضيوف المصريون بالاستفادة من التجارب الثورية الرائدة في إيران ولبنان وفلسطين وغيرها، على كافّة الصعد والمستويات، وبما يناسِب الواقع المصري!
في اليوم الثاني للندوة السياسية الخاصّة، حول مصر، في الذكرى السنوية الأولى لإسقاط مبارك، قدّم مدير عام مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية، الأستاذ وليد محمّد علي، للمتحدّث الرئيسي العميد المتقاعد د. أمين حطيط، الذي وافق رؤية مدير مركز باحث حول الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، والتي كانت تعتمد وسيلة التدخّل المباشر منذ أحداث أيلول 2001، بعدما فشلت في ضبط التحوّلات غير المؤاتية لها طيلة العقود الماضية؛ وتحديداً بعد انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية في العام 1979، الذي أعقب توقيع اتفاقية كمب ديفيد المذلّة (1978) وصولاً إلى انتصاري المقاومة في لبنان وفلسطين قبل سنواتٍ قليلة؛ ما أكّد فشل الأدوات السياسية والعسكرية المرتبطة بالاستراتيجة الأمريكية في الحفاظ على المصالح الأميركية الكبرى في هذه المنطقة الحيويّة من العالم!
وتحدّث حطيط عن مراحل أربع يجب على كلّ ثورة أن تعبرها حتّى يمكن أن نطلِق عليها مصطلح (الثورة)؛ وهي (ظلم الحاكم/الداخلي والخارجي- شعور المحكوم بالمظلومية الشديدة- الحاجة الملحّة للقيام والنهوض/ حياة أو موت- البيئة الملائمة لحصول الهبّة الشعبية أو الانفجار).
واستنتج د. حطيط بأن النظام المصري السابق فقد رأسه فقط ولم يسقط، وأن "الثورة" الشعبية لم تكتمل بعد، رغم حصول إنجازاتٍ تستحقّ التقدير والتأمّل.
ثمّ تحدّث عن الموقع الاستراتيجي لمصر، مميّزاً إيّاه عن الجغرافيا السياسية، وعن الفضاء الاستراتيجي الذي هو موطن المصالح والتهديدات بالنسبة لأيّ دولة؛ أيّ أنه يقع خارج الجغرافيا السياسية للدولة (التي تتحكّم بالممرّات الحيوية) وخارج الموقع الاستراتيجي الذي هو حيّز جغرافي  يؤثّر ويتأثّر بسياسات الدول الأخرى، مشيراً إلى أن محور الممانعة والمقاومة (إيران وسوريا ولبنان وفلسطين) عوّض خسارة العرب والمسلمين لهذا الدور المصري الرائد (تجربة عبد الناصر)؛ لكنه لم ينفِ الحاجة إليه يوماً!
وأشاد العميد حطيط بثورة الشباب المصري الوفيّ لتضحيات الشعب، مع تحذيره من الإعداد لبدائل إسلامية خصوصاً، تحت يافطة الواقعية والاعتدال، تسعى لحفظ مصالح الأعداء، مقابل تحكّمها بالسياسات الداخلية للشعب المصري؛ فيما يبقى الجيش هو المحرّك الأساس للسياسات الكبرى، في سياق استمرار ارتباط قيادته الوثيق بالمشروع الأميركي-الصهيوني، في البعد المصري منه تحديداً!
وأخيراً، أمل الدكتور حطيط بأن تحقّق انتفاضة الشعب المصري أهدافها في مستقبل قريب، مشدّداً على البعد الشعبي للانتفاضة، والتي يمكن أن تحدّد مصير المنطقة برمّتها، وكذلك مصير الهبّات أو الثورات الشعبية فيها، باتجاه الانتصار أو الهزيمة لا سمح الله!
وداخل الدكتور أيمن المصري (من الوفد الزائر) حول ما يجري في مصر، مؤكّداً  أن الثورة الشعبية انطلقت، كما كلّ الثورات في العالم، في سبيل إسقاط النظام العميل والفاسد وإقامة نظام شعبي يحقّق العدالة والكرامة والحرّية لكلّ الناس، ويقطع علاقات مصر مع أميركا و"إسرائيل"، ويسعى للاستغناء المادّي والفكري عن الغرب وأدواته، باستعادة هويّة الإسلام الأصيل أوّلا.
وأشار المصري إلى أن الطريق ما زالت طويلة أمام الثورة؛ لكنّ الرؤية واضحة، والأمل بانتصار الشعب المصري المسلم كبيرٌ جداً.
 ثمّ تحدّث من لبنان، العميد المتقاعد مصطفى حمدان، مشدّداً على مركزية القضية الفلسطينية بالنسبة لأبناء مصر والأمّة، وعلى موقعيّة مصر الاستراتيجية في المنطقة، وبما يخصّ الصراع مع العدوّ الأمريكي-الصهيوني تحديداً.
وتوقّع حمدان أن لا يتمكّن الأخوان المسلمون من قيادة مصر (ما بعد مبارك) لأسبابٍ عديدة، أبرزها غياب المشروع الواضح والمنفتح على  القوى الأخرى، داخل وخارج مصر، معلّقاً آمالاً كبيرة على الضبّاط والكوادر المصريين لتصحيح مسار الثورة وتحقيق أهدافها في قطع التبعية للخارج والإسهام  في تحرير فلسطين، بالتوازي والتكامل، وليس بالتنافر أو التناقض فيما بينها.
بعده، حاضرت الدكتورة دينا الخطيب (من أعضاء الوفد المصري)، حول دور المجلس التشريعي المصري المنتخب في الواقع السياسي والاجتماعي الجديد، بعدما قدّمت الشكر الجزيل للمقاومة في لبنان على حُسن الضيافة، ولجهة التعلّم من التجربة الرائعة للمقاومين اللبنانيين في مواجهة الظلم والاحتلال والتبعية للخارج.
ولفتت الخطيب إلى المنهج الإصلاحي التدرّجي لجماعة الأخوان المسلمين الذي ما يزال سائداً بعد الثورة(!)، وإلى وجود انسجامٍ نسبيٍ للأخوان مع القوى السلفية فيما يخصّ السياسات الخارجية تحديداً
ثمّ تحدّثت الدكتور أحلام بيضون (من لبنان)، متسائلة حول موقع مصر الراهن فيما يخصّ العلاقة مع الولايات المتحدة أو الصراع مع المشروع الصهيوني؛ كما تساءلت عن دور الشباب المصري الذي أطلق الثورة، مع استمرار غياب القيادة والمشروع الواضح، وفي ظلّ تحكّم الجيش والإسلاميين بمقاليد الأمور بنسبة كبيرة، منذ سقوط نظام مبارك الحليف الوفيّ لأميركا ولـ"إسرائيل"، حيث لم يهدأ الشارع المصري، ولم تتوقّف حملات قمعه حتّى اليوم!
كذلك، أبدى الأستاذ إحسان مرتضى (خبير في الشؤون الصهيونية/من لبنان) المخاوف نفسها حول مستقبل الثورة أو الانتفاضة المصرية، داعياً الثوّار المصريين للاستفادة من تجربة الثورة الإسلامية العظيمة في إيران، على الصّعد كافّة، وخاصّة على مستوى تحقيق الاكتفاء الذاتي والاستغناء عن الارتباط بالغرب أو بالكيان الإسرائيلي؛ مؤكّداً أن لا تناقض بين الإسلام الأصيل وبين الدولة المدنية "الديموقراطية" التي تسعى لتحقيق الحرّية والكرامة والعدالة لكلّ الناس.
ثمّ عقّب الأستاذ شحادة جمال الدين (من لبنان) على المداخلات، مشيراً إلى أنه لم يحصل تقدّمٌ فكريٌ إلى الأمام، بموازاة الإنجازات المادّية والسياسية لثورة الشعب المصري، التي مرّ على اندلاعها عامٌ كامل!
وحذّر جمال الدين من سياسات المحور المعادي الماكرة لحرف الثورة عن مسارها، داعياً إلى تبنّي النهج الثوري في التعامل مع الغرب وكيان الاحتلال، لأن البراغماتية العربية أدّت إلى كوارث أحاقت بشعوبنا وبأمتنا، خلال العقود الفائتة، ولم تحقّق تحريراً ولا عزّة ولا حرّية؛ بل أدّت إلى المزيد من التبعية والتخلّف والظلم، ليختم بالدعوة إلى وقفةٍ وجدانيةٍ لتحديد هويّة الذين قتلوا أو اغتالوا مفكّرينا وعلماءنا وكوادرنا، خلال الأعوام الماضية، مذكّراً بالتجارب المريرة مع الرؤساء الأمريكيّين (بوش الأب، كلينتون، وبوش الإبن، وحتى أوباما اليوم)، لجهة رفض المطالب المشروعة للعرب والفلسطينيين، والمساندة العمياء لـ"إسرائيل" الغاصبة.
وبعد مداخلاتٍ من بعض المشاركين اللبنانيين(الأستاذ حسن نصّار، الأستاذ حسن شقير، الأستاذ يوسف بسّام، الأستاذ محمّد شرّي...)، ردّ بعض أعضاء الوفد المصري الضيف بطرح أفكارٍ جديدةٍ لمواكبة ما يجري في مصر وللحفاظ على المكتسبات التي تحقّقت حتّى اليوم، مركّزين على استمرار دور الشباب المصري الثائر، على عدّة مستويات، من دون كللٍ أو ملل، في مواجهة تسلّط  المجلس العسكري الحاكم، المُدار أميركياً وخليجياً كما تؤكّد التطوّرات الأخيرة في مصر؛ وكذلك لمنع تحكّم حالات التخلّف والتعصّب والفئوية في الشارع أو في صفوف الأحزاب والقوى التي فازت بتأييد كبير في الانتخابات؛ وذلك بالاعتماد على نخب شبابية مصرية واعية ومثقّفة ومناضلة على الأرض، تتّخذ من الإسلام التقدّمي المنفتح إطاراً مرجعياً للجميع (مع تبيانٍ لأسس هذا التيّار ومبادئه، بحسب د. محمّد سيّد طناوي، من الوفد المصري)، مع تمام الاقتناع بأن على ثورة مصر الاستفادة من ثورات الشعوب الأخرى، بما يتناسب مع واقع الشعب  المصري وتطلّعاته ومصالحه، ومن دون التصادم المباشر مع الأطراف الجديدة في المعادلة المصرية، حيث يجب أن تسود لغة الحوار والجدل والنقاش المفتوح وتصمت لغة الرصاص والتكفير والإبعاد، لمصلحة مواجهة التحدّيات الكبرى أمام مصر؛ ومن أهمّها وأخطرها استمرار الارتباط بالمشروع الغربي في المنطقة، مع استفحال منطق التخوين والتكفير والتحدّي، الذي تصاعد بشكلٍ مخيفٍ في مصر مؤخّراً!
وختاماً، دعا الجميع إلى تشكيل أطرٍ أو مرجعيّاتٍ منفتحة، تسعى لخدمة الشعب المصري ومصالحه وحقوقه؛ بموازاة فتحها لقنوات اتصالٍ مع الدول أو الجهات الإسلامية والوطنية والقومية خارج مصر، تسهِم في تفعيل الثورات أو الحراكات العربية، وتبعِد عنها شبح الفتنة والاقتتال المرعِب، الذي يعمل الأعداء على استحضاره بكلّ إصرار، بعد فشلهم في قهر شعوبنا بالقوّة العسكرية أو الاقتصادية أو الفكرية...

 

2012-03-13 13:51:04 | 2327 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية