التصنيفات » دراسات

حرية المشاركة السياسية كحق أساسي للإنسان



  
الباحث : منيب شبيب

مقدمة :
     رغم كل شيء حينما هوالتقليد  والتطبيق الــذي يشهد الكثير من الزيـــغ بل واختلاف القول عن الفعل إلى هذا الحد أو ذاك ، رغم كل هذا فإن حقوق الإنسان كمسألة و موضوع لم يشهد من الاهتمام في أي عصر سابق كما تشهد اليوم ، هذه الحقوق التي يجب ان يعترف بها ، و يجب أن تحترم و لا يجوز الاعتداء عليها أو المساس بها .
    وهذه الحقوق تغطي في الواقع كل العلاقات التي تتعلق بمختلف الجوانب من حياة الإنسان ، و هي تشمل في البدء الحق في الحياة و العيش و كل ما يحفظها ، و من بعد ذلك تتسلسل مجموع الحقوق في قائمة طويلة تمتد من الحرية الشخصية أو الخاصة إلى آخر ما هناك من الحريات العامة ، و مروراً بالمساواة و عدم التعرض للتمييز بسبب اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين مع التوضيح لوجهة نظر الإسلام بإدخال عامل العدالـة و شرطها في حالة الرجل و المرأة ، و سوف يكون الحق في  المشاركة السياسية وبالحرية الحقيقية المطلوبة له مكانة المتقدم بين هذه الحقوق والذي لا يمكن القول عن ترتيبه الثابت المحدد ، بل أنه التبادل للمواقع حسب الظروف و الأحوال و لكل إنسان و أنسان و لكل مجتمع و مجتمع .
    إن كل حق من  هذه الحقوق و بالأحرى كل حرية يكفي لوحده أن يكون موضوعًا لدراسة مستقلة كاملة ، بل أنه يستحق و جدير بذلك ، و من هذا المنطلق كان اختيارنا أن تتناول هذه الدراسه ذلك الحق أو الجانب من الحرية الذي مجاله هو المجال السياسي لما له من التأثير الكبير المباشر على حياة الناس و على حرياتهم الأخرى بشكل عام ،  أنه الحق و الحرية الحقيقية بالمشاركة السياسية سواء لأجل التأثير على عملية صنع القرار الحكـومي أو المشاركة باتخاذ القرار نفسه إذا تحقق الحصول على التأييد و الثقة الكافيين لذلك .
تتناول هذه الدراسة بالتحليل كلًا من مفهومي الحرية و الحق كمضمون أكثر اتساعاً منها بعض الشيء  وكذلك المشاركة السياسية كمفهوم و ممارسة ، و تنتقل هذه الدراسة بعد ذلك الى متابعة المسيرة التاريخية للمشاركة السياسية ، و في هذا الصدد ، فإنها تنطلق من رؤية مفادها أن حرية المشاركة السياسية هي حق أساسي للإنسان و لكن ليس من خلال صيغة واحدة و إنما من خلال صيغ تختلف من مجتمع إلى آخر حسب ثقافته و معتقداته و أحواله و مستوى تطوره العام .

     


أولا:
حقوق الإنسان و حرياته الأساسية في الفكر الفلسفي الغربي و الدين الإسلامي
الجانب المفاهيمي لثالوث الحرية و المساواة و الحق .
إن الحرية و المساواة والحق يتداخل كل مفهوم فيها مع مفهوم الآخرين بحيث لا يذكر أي منها إلا ويتبادر إلى الذهن الآخران و تلقائياً ، لهذا فإنها جميعاً تمثل ثالوثاً واحداً متكاملاً ولا يمكن أن يفهم أي منها بمعزل عن فهم الآخرين إلا كان الفهم ناقصاً وغير متكامل و مبتور ، ومن هذا الإدراك لهذه الحقيقة فنحن ننطلق لتناول الواحدة  بعد الأخرى .
أ) الحرية كمفهوم :
لم يتفق الفقهاء في الواقع على تعريف واحد للحرية بسبب تشعب منطلقاتهم الفكرية و الفلسفية حول مفهوم الحرية ، تلك المنطلقات التي كانت و ما زالت تتراوح ما بين الدعوة إلى الحرية المطلقة أو المقيدة و تداخلها في نفس الوقت مع القانون كحامي لهذه الحرية و ضابط لها في آن واحد .
و رغم عدم الاتفاق هذا فإن العلماء قد جاءوا للتفريق بشكل عام بين الحرية التي يمارسها المرء على ذاته وبين العلاقات الخاصة التي تمنح المواطن سلطة تجاه الآخرين ، و قد سميت الأولى بالحريات العامة لأنها تمنح لعموم الناس و تتدخل الدولة  لحماياتها ، بينما الأخرى امتيازات تجاه الآخرين و تمنح لفئات محدودة من المواطنين بحسب عقود شخصية مباشرة ولا تتدخل الدولة لحمايتها إلا بواسطة القضاء .
و مرة أخرى يذهب بعض العلماء من العرب و الغربيين  إلى التفريق في إطار الحريات العامة إلى الحريات العامة الفردية أي حرية التصرف الشخصي و الحريات العامة السياسية أي حرية المشاركة السياسية والعلاقة بين االحكام و المحكومين ، فهذا العلامة رفاعة الطهطاوي يقسم الحرية العمومية إلى خمسة أقسام : 1) الحرية  الطبيعية . 2) الحرية السلوكية . 3) الحرية الدينية . 4) الحرية المدنية . 5)  الحرية السياسية؛ ويميز المفكر رانيال بين الحرية الطبيعية  و هي حرية الإنسان و الحرية المدنية  و هي حرية المواطن و الحرية السياسية و هي حرية الشعب ، أما الماركسيون فإنهم يقولون بالحريات الحقيقية و الحريات الشكلية حيث أن الحريات التقليدية في رأيهم هي حريات شكلية أو وهمية ، أما الحريات الحقيقية فهي تمكين المواطن من ممارسة هذه الحريات بوضع الوسائل المادية اللازمة لتصرفه .
و قد توجهت نسبة من المفكرين في الغرب إلى اعتبار أن التعريف الذي جاء به جون ستيوارت ميل للحريات العامة و الذي بحسبه " الحرية هي جزء من السلوك الذي لا يؤثر فيه  المرء على أحد ولا يعني أحد غيره "  هو أوجز وأوضح تعريف في هذا المجال .
و في الحقيقة أن هذا التعريف و كل التعريفات التي تتوافق معه و تنطلق منه يوجد فيها خلل جوهري و له طابع سلبي وذلك أنه ما من تصرف شخصي مهما كان إلا و يمس حتماً أو يمكن أن يمس  حياة الآخرين ، ومن هنا فالباحث لديه الميل إلى الأخد بالتعريف الذي أوجده العميد دوتش للحرية حين جعل الحرية " أنها السلطة التي تعود لكل فرد لأن يمارس ملكاته الجسدية و الذهنية و الأخلاقية بحيث لا يمكن للدولة أن تضع قيوداً عليها إلا بقدرما هو ضروري لحماية حريات المجتمع " ، فهذا التعريف الأخير لا يترك للفرد هو الذي يقدر إذا كان هناك التأثير على الغير أم لا ، بل يجعله من واجبات الدولة كطرفليس عنده التحيز كما يمكن أن يكون في الحالة الأولى .
    ب) المساواة و مفهومها ووضعها في القوانين و الشرائع :
إن المساواة بمفهومها المباشر المطابق للكلمة ليست إلا عدم التمييز المطلق بين هذا الشيء وهذا الشيء ، أو هذا الكائن وهذا الكائن ، أو بين هذا الإنسان وهذا الإنسان لكن حين دخولها في الحياة و العلاقات والحقوق فلسوف تتحول إلى قضية خلافية عويصة ، فقد يحصل التساوي في حالات معينة بين أشياء مادية يمكن اعتباره إلى درجة تكاد تكون المطلقة  ، أما الأحياء و خصوصاً الناس أنفسهم فلا يمكن أن يتشابه و يتساوى اثنان ذلك التشابه والتساوي المطلق حتى لو كان التوأمان السياميان ، و كل اختلاف بين الناس خصوصاً بالقدرات والظروف المحيطة هي الأخرى يستتبع بالضرورة والحكم الاختلاف بالأداء و في كل شيء يترتب على الاختلاف في الأداء بما في ذلك الموقع في المجتمع و الحق الذي يستتبع هذا الموقع الذي ينبغي كما تقضي العدالة أن يكون على مقياسه الذي لا يتعداه ولا يقصر عنه و إلا سيكون هو التمييز و الظلم عند ذلك .
ان  النظرة  هذه بين التساوي المطلق أو التساوي غير المطلق تماماً الذي  يسمح بالاستثناء المشروط كما  سبقت الاشارة اليه ، هذه النظرة هي التي كانت ومازالت  تعطي لكل  ثقافة في هذا العالم خصوصتها  التي  تميزها  عن غيرها ، فالشريعة الاسلامية لا تقبل  بالتساوي  الملطلق  بين الرجل والمرأة على سبيل  المثال ، وجاء  النص  واضحاً في القرأن الكريم في أمور  محددة  منها  الارث  قال  تعالى :(.... ولذكر مثل حظ الأنثيين...:) ، وقال أيضا  في النصاب  المطلوب للأدلاء  بالشهادة (... واستشهدو شهيدين من رجالكم فان لم يكونا رجلين فرجل  وامرأتان ممن ترضون من الشهداء ...) ، أما في القوانين الوطنية  الغربية  وفي المواثيق الدولية فان  النص  بعدم  التفرقة ( التميز) من اي  نوع على أساس اللون أو الجنس  أو اللغة  أو الدين  هو سمة  جامعة  فيما  بينها  بصورة  تكاد  تكون مطلقة ان لم تكن هي المطلقة بالفعل .
ج) الحق كمفهوم وكقيمة انسانية كبرى :
      وكما اختلف الفقهاء  حول المفهوم المحدد  للحرية  ووضع  تعريف محدد وشامل  لها فان الفقهاء  قد اختلفوا أيضاً  عندما حاولوا وضع تعريف  شامل  للحق  فقال  بعضهم ان الحق  مصلحة مادية أو أدبية يحميها  القانونية ، وعرفه  بعضهم  الآخر بأنه  سلطة ادارية تثبيت للشخص وتخوله أن يجري  عملاً معيناً، أما معنى الحق في الاسلام  فان الدكتور  عبد الستار  قاسم  يقول  في هذا  الخصوص "مع أنه لا يوجد في القرآن  ما يفسرالحق غير كلمة الحق ذاتها ، غير انني استطعت من خلال قرأة القرآن تحديد أربعة  مفاهيم مترابطة  ومتسلسلة بتدرج  مرتبي  وهي كالتالي:
1) الحق هو الله  سبحانه وتعالى وهو الحق المطلق  ومصدر كل حق آخرعلى الاطلاق .
2) والله أعلم بالنسبة للتصنيف في هذا المستوى الثاني ولكنه  كما أرى أنه الحق الكوني  أو  الخلق الذي ان عمل الانسان  حسبه عاش  حياة اسلامية حسب ما أراد الله.
3) الحق الدنيوي الذي يحكم  الحياة الدنيا  وهو الذي يصارع  الباطل الذي  يتمسك الكافرون . وهذا المستوى  ينقسم الى شقين  :  شق يتعلق  بنواميس  الكون وهي آيات الله التي تشكل المادة العلمية  للبحث  الانساني  في عالم  الطبيعة  وشق  يتعلق  بالحلال و الحرام  او  بالعلاقات بين الناس والمعاملات والسلوكيات اليومية.
ان كل رأي من الآراء التي جاء بها المفكرون قد تعرض لانتقادات مما جعل بعضهم يؤكد أن تعريف الحق  تعريفا شاملاً ينطبق على مفاهيمه في كل زمان ومكان هو أمر غير ممكن ، وهذا ما نوافقهم عليه  فقد تسود في مجتمع  من المجتمعات نظرة واعتقاد  بالحق  يختلف عما  لدى مجتمع آخر أو مجتمعات أخرى، ومن هنا يختلف  تعريف الحقوق في الفقه الانجليزي مثلاً عنه الفقه الفرنسي ، أو الفقه الاسلامي وغيره، وهكذا يمكن القول أن الحق  مرتبط بالمجتمعات البشرية  يتطور  بتطورها  ويظل  دائماً  أمراً اجتماعياً محدداً  بجملة من المعايير والقوانين، وهو بذلك ليس  مقولة انسانية  مجردة وانما هو تعبير تاريخي وضوروة  تاريخية  لتنظيم علاقات المجتمع.  وعلى كل حال  فليس  الحق  ينفصل عن الحرية ولا تنفصل هي بدورها عنه ،  هذا ما خرجنا  به من  استخلاص  بعد امعان النطر  بكل  الفلسفات . وبالمستطاع القول أن اكثر  ما  يميز الحق  هو تضمنه للجانب  المادي  في الحياة  وربطه للحرية كقيمة معنوية أساسية  ذات أهمية  قصوى للحياة  بالقانون كنظام علاقات محدد في المجتمع.
ثانياً: حقوق الانسان  وحرياته الاساسية  في المدارس والمذاهب الفلسفية الغربية.
     ان معظم الآراء  المعاصرة  في البلدان والدول الغربية  حول  حقوق  الانسان مستمدة من  ثلاث مذاهب فسلفية هي : المذهب المحافظ والمذهب  الليبرالي  والمذهب الجماعي ، بيد أن هذه الذاهب  قد استمدت آرائها  من  مدارس فلسفية  سابقة  لها  هي مدرسة  القانون  الطبيعي  ومدرسة  العقد الاجتماعي  وفلسفة عصور  الأنوار ، ولهذا فسوف  نبدأ بهذه المدارس  الواحدة تلو اآخرى وهي  :
1- مدرسة القانون الطبيعي: امتدت جذور هذه المدرسة  منذ  عهد اليونان ، وبعد ذلك  ومع مرور  الزمن اصبحت  احدي الدعائم الأساسية  التي ارتكز  عليها  الفكر الأوروبي في القرنين السابع والثامن  عشر  .
     وقد قام  فكر القانون الطبيعي  في ذلك الوقت على مبدأ أساسي  وهو ان  الحقوق التي  يمتلكها  الانسان بصورة طبيعية  هي حقوق  فوق  التشعريعات  المدونة والاتفاقيات  التي  تعقد   بين الحكومات ، هي حقوق لا يمنحها  المجتمع المتمدن  وانما  يعترف  بها ويقرها  باعتبارها شيئاً نافذ  المفعول  في العالم  أجمع، ولا تستطيع  أي ضرورة  اجتماعية ان تلغيها  او تمليها .
     فالقانون  الطبيعي – وبحسب  هذا الفكر-  ليس قانوناً مدوناً وانما هو قانون  الله فهو أزلي خالد أبدي ثابت  وعالمي وهو لكل زمان ومكان ملزم لكل الشعوب  والعهود يأمربعمل الخير وينهى عن المنكرو الشر.
وقبل أن ننهي الحديث عن القانون الطبيعي لابد لنا   ان نشير الى قضية هامة تلك المتعلقة بالمعرفة والملكية ، فالناس وفق  هذا القانون متساوون من حيث انهم يمتلكون عقولاً ولديهم تركيبهم النفسي  رغم انهم لا يتساون في المعرفة وليس من مهام الدولة ان تجعلهم متساوون في الملكية  .
لقد لعب هذا الفكر  دوراً بارزاً في مقاومة الاستبداد وفي الدعوة  للحرية  والمساواة  عبر  مراحل  الزمن   المختلفة  وخصوصاً بالقرن  السابع عشر  بقيام الثورتين  الأمريكية  والفرنيسة .
2- نظرية العقد الاجتماعي :  لقد كان  لهذه النظرية  جذورها منذ ايام  اليونان وتداولها الكتاب ورجال الدين في أوروبا في القرنين السابع والثامن عشر  ولكن  اسمها مع ذلك ارتبط باسم الفيلسوف  الفرنسي  روسو وذلك لما له من دور  كبير في  التعريف بها  والتعبير  عنها  بأسلوب فذ ومميز.
وينطلق روسو في "العقد الاجتماعي " من ايمانه بالاراده العامة ووضعها في الأمة ، ويظهر هذا جلياً بقوله"هناك غرض مشترك يسعى اليه الجميع  ويريده الجميع وهو الحياة الانسانية الطيبة فاذا ما اتجهت الاراده العليا اليه فانما تنفذ رغبة المجتمع حتى حينما تمنع بالقوة بعض الأفراد من الحصول على رغبات عارضة جامحة". فالعقد الاجتماعي وفق روسو يقوم على اساس اتفاق وتعاقد الأفراد جميعاً على اقامة سلطة عليا (الدولة) غايتها تحقيق الحياة الانسانيةالطيبة ، وتبنى لوك وهوبز هذا الرأي مع اختلافهم في تحديد طرفي هذا العقد وذلك لأنطلاق كل منهم من رؤية مختلفة عن الآخرين .
3-فلسفة عصر الأنوار ونظرياتها: وتتميز هذه الفلسفة بتأثرها بالفلسفة الانجليزية خاصة أفكار لوك، حيث مثلت الحرية الانجليزية مثلاً يحتذى به لعدد من فلاسفة ومفكري ذلك العصر،مع أن الحرية  هذه لم تكن الا من نصيب طبقة واحدة هي الطبقة الأرستقراطية ولكنه ورغم هذا فقد كان  النظام الانجليزي متميزاً بتجربته البرلمانيه وأفضل بكثير من نظم حكم التي كانت سائدة في بقية  الدول الأوروبية وخاصة نظام لويس الرابع  عشر في فرنسا حيث الملكية  المطلقة المبنية على الحق الالهي والتاريخي في الحكم ، وفي ظل الأجواء المفعمة بالفساد وعدم المساوة والتسامح في شؤون الدين في فرنسا ظهرت طائفة من الكتاب والمفكرين الداعين الى رفض الامتيازات والحكم المطلق لأنها تناقض مبادئ الاخاء الانساني والقواعد التي قامت  عليها الحكومات مع المطالبة  باعادة تلك الحقوق الطبيعية للأمة.
لقد آثرت هذه النظريات الفلسفيةفي حقوق الانسان للمدارس المختلفة على تطور الفلسفة والفكر في مجال هذه الحقوق في الزمن اللاحق فيما بعد حيث تبلورت في الواقع وأخيراً ثلاثة توجهات فلسفية رئيسية أو مذاهب جاءت كلها لتصب في الآراء المعاصرة التي  تطورت في جلها في العالم الرأسمالي الغربي الذي فرض سيطرته الاستعمارية المباشرة في القرنين الأخيرين بشكل خاص وسيطرته الامبريالية غير المباشرة في مرحلة متأخرة وأخيرة على أوسع الأجزاء في الكرة الأرضية . هذه الآراء المعاصرة التي تعتبر في الواقع مستمدة بصورة رئيسية من المدارس الفلسفية هذه، وهذه التوجهات هي :
1) المذهب المحافظ : وهو فلسفة  الحقوق  غير المتساوية /ولا يزال  له وجود بل وسائر في ممارسات بعض الدول  وان كان الناس قل أن يصرحوا بصورة علنية وبتبنيه وذلك بسبب ما هنالك في أواخر القرن العشرين من التركيز البلاغي على المساواة والتي جاء  الحديث عنها أيضاً والتأكيد عليها في ميثاق الأمم المتحدة في مادته  الخمسة والخمسين ومثله أيضاً الإعلان العالمي لحقوق الإنسان .
   إن أحدث قلاع هذا المذهب بثوبه الحديث يتكون من دوائر غربية تقوم فلسفتها  على حرمان  الجماهير بحيث يبقى لها وحدها نظم  البنوك والنقد باعتبارها  الصفوة المؤهلة القادرة وحدها على ذلك ، والحق           الأساسي عند هذه الدوائرهو فقط الحق في الحريه الاقتصادية ، لهذافإن الحكومات التي تنتخب  بطريقة ديموقراطيه تعتبرعندها بغيضة وغير مرغوبة.
2) المذهب الليبرالي: وهو فلسفة معروفة بالتشدد بصورة أساسية على القيم المتساوية للفرد واستقلاله وعند التطبيق على الحقوق الليبرالية كفلسفة بطرق مختلفة وخاصة بشأن موضوع ما إذا كانت المساواة تمتد الى  الحق في فائدة مالية متساوية أوأنها تشمل المساواة  في الحقوق المدنية والسياسية . وبعض الدول التي كانت أكثر اهتماماً بحقوق الإنسان المعترف بها تعكس فلسفة ليبرالية أساساً لنهجها حيال الحقوق ولكنها ليس لديها دائماً نفس التعريف لليبرالية .
إن اعتبارات  المذهب الليبرالي قد استحدثت بطرق عديدة ،ولكن معناها الرئيسي والتاريخي هو الإيمان بأن أعلى  خير أو قيمة  هو خير للفرد ، وأن خير الفرد يوجد من خلال الحريةو المساواة ، ويعتقد الليبراليون أن الإنسان  المتمسك بالأخلاق والمجتمع يمكن ان يتطور ليكونا معا إنساناً ومجتمعاً أفضل .
هناك أساسان أولويان للمدرسة الليبرالية لكل منها تأثيره على حقوق الإنسان الحديث أولهما هو مدرسة القانون الطبيعي أي الفكر الذي يفترض ان الجنس البشري حرمتساوٍ بطبيعته ، هذا الفكر الذي ظلت لهُ جاذبية منذ اليونان والرومان ومروراً بفلسفة روسو وفلسفة عصر الأنوار  وانتهاءً إلى الثورتين الأمريكية والفرنسية في القرن الثامن عشر .
   رغم الجاذبية هذه التي قلنا عنها إلا  أنه وجد من ناحية أخرى مفكرون عارضوا فلسفة القنون الطبيعي وبلغوا في ذلك إلى وصف القانون الطبيعي بالحمقاء.
أما الأساس الثاني لهذه المدرسة فهو الفكر النفعي  الذي أوجده وتبناه المشروع الإنجليزي جيرمي بنتام  الذي كان من دعاةوقادة الإصلاح عن طريق القانون والحكومة رغم أن القانون في رأيه شر لابد منه وستكون الحكومة تلقائياً على هذه النحو، وقد أخذ هذا الفكر للمذهب  النفعي يخلى مكانه تدريجياً أمام أفكار جون ستيورات ميل ومن لحقه من مفكري المذهب النفعي . وأصبح المذهب النفعي  ينطلق  من رفاهية المجموعة عن طريق المذهب الفردي وليس العكس على أن تقرره المجموعة بالنظر إليه كشيء طيب وفيه مصلحة المجموعة الأكبر . وعليه فإن حرية ومساواة الفرد على هذا الأساس تحظى بالتقدير في حد ذاتها حتى لو كانت تقيد حكم الأغلبية .
    ومع أن كلي نوعي المذهب اليبرالي يقدمان الكثير من التأييد لحركة حقوق الإنسان آنذاك وفيما بعد أوروبا ، ثم جاء الغرب ليفرضها بصورتها الأوروبية على الشعوب الأخرى وما انفك جاهداً في ذلك، وسيظهر هذا التأييد المشار إليه بوضوح في المبادئ الأولى للمواثيق الوطنية لدول متعددة ، وقد كان مقنعاً في تلك المجتمعات كما كان غير قابل للإثبات في نفس الوقت ،ذلك أن الليبراليين قل أن اتفقوا ولم يتفقوا حتى الأن على كيفية انسجام الحرية مع المساواة ، فالليبراليون الكلاسيكيون يؤكدون على الحرية وينزلون المساواة الى مرتبة أدنى ، وعلىى عكس هؤلاء فإن ليبراليين آخرون يشددون على المساواة ويقيدون الحرية بشدة، الأمر الذي يوقع البلبلة ولا شك مهما كان .
3) المذهب الجماعي ( المدرسة التضامنية ): وهو على العكس من المذهب الليبرالي الذي يؤكد على استقلالية الفرد وذاتيته،فهذا المذهب الجماعي يؤكد على وجود الفرد في مجموعات يتعصب لها بشكل قوي وعليه فخير الفرد مرتبط دائماً بمصير المجموعة .
كما هنالك الانقسام عند الليبراليين في النظرة للأمور حول الحقوق واولوياتها فإنه بوجد انقسام أيضاً لدى أصحاب المذهب الجماعي ، ويحدث الانقسام الأساسي حول مسألة أي مجموعة يجب أن تكون مؤهلة للعمل والتحليل ، فالماركسيون يقولون الطبقة الاجتماعية الاقتصادية في حين أن بعض غير المراكسيين يقولون الشعب الوطني ، بالطبع فإن ماركس نفسه أصدق من يمثل الاتجاه الأول ، بينما توجد في الفلسفة هيجل عناصر من تلك لدى الاتجاه الثاني والذي يرى ان الحقوق مستمدة في النهاية ،  ليس من الطبقة الاجتماعية الاقتصادية وإنما من تجارب واحتياجات وطنية .
لا نريد القول ولسنا في الواقع من المقتنعين لمنطلقات هذا المذهب والأفكار الذي يقوم عليها ، شأننا في ذلك كما هو شأننا مع المذهبين الآخرين اللذين سبق لهما التناول ولسنا نرفض إذا كانت هنالك أشياء إيجابية ولو بسيطة في هذا  الذهب أو ذلك ولكن بعد القناعة والتثبت الكاملين ، كل شيء قابل للموازنة  الدقيقة  وبكل طاقة العقل وتفتحه، وإنما ماذا بالنسبة حين هوالشعب تحت سطوة محتلة تسومه كل القهر والاضطهاد وتحرمه من كل الحقوق دون تفرقة  بين احد واحد من أبنائه في ذلك ، فهل  الحقوق في حالة كهذه هي من  الطبقة ومحكومة إليها أم أنها من الشعب  الوطني حيث الجميع من أبنائه تحت البلاء ؟
     لا نظن احداً يملك أن يقول الطبقة  وليس  الشعب، وعلى هذا الأساس فإننا مع أصحاب التوجه القائل  بالشعب  الوطني ونعتبره التوجه الأصح على أن لا ينحو إلى عنصرية أو عدوائية والإ فإنها الازدواجية التي يمارسها ويطبقها حاملي  شعارات الإنسانية وحقوقها  من أجل فرض عبوديتهم  على الآخرين كما هو  حال قوى عديدة في إطار المذهبين المحفظ والليبرالي.
     وفي رأينا وزيادة على ذلك فإن الانطلاق من الشعب الوطني  في تحليل  الحقوق  يبقي  هوالصحيح  لا يختلف  الأمر  في عهد الحرية  والاستقلال  عما هو الأمر في فترة الكفاح لأجل التحرر ، الحق الوطني  هو الأهم  دائماً وهو أولاً ، والمتبقى  بعد ذلك _  المشكلة الطبقية إذا وجدت _ فيمكن معالجته بأي طريق عدا الطريق التي هي القوة المجسدة والعنف كما يطالب أولئك  الماركسيون المتعصبون الذين غطى التعصب  على مداركهم وتوازنهم ، وقد حدث في التاريخ من بعض  حالات معينة أمكن فيها التعديل  لكل شيء أو بعضه بأسلوب مختلف تماماً عن الأسلوب الذي يعتمدونه لطروحاتهم كأساس للتعديل والتغير .
     ثالثاً: الإسلام ورؤيته العامة لحقوق الإنسان :
  إن الاسلام كدين ودنيا جاء   بنظام شامل وكامل للحياة ، وقد اهتم هذا النظام  بتنظيم كل العلاقات في المجتمع ، وكان لابد على هذا الأساس ان يكون له موقف من قضية الحرية وقضية المساواة وقضية الحق ، وينطلق موقف الإسلام بخصوص الحريات  العامة كما أقرتها الدولة الإسلامية - فإنها تنطلق من مبدأ أساسي مفاده أن الأصل هو الإباحة وكل ما ليس محظوراً فهو مباح ، غير أن بعض الحريات والحقوق وكانت  موضع حماية خاصة من قبل لدولة وأولها حق  الحياة  حيث لا هوادة  بمعاقبة الجناة وبالنسبة للعمل فعلى الدولة  أن تهيئ الفرص اللازمة والكافية لطالبيه، وقد اعطى  الإسلام  لكل فرد الحق  ان يمارس  العمل  المناسب له وبكامل  الحرية والاختيار وجعل العمل بذاته واجباً على كل قادر .
   أما بالنسبة للمساواة فإن الإسلام إذا كان  قد ميز بين الرجل والمرأة فيما يتعلق بالإرث والشهادة انطلاقاً مما هنالك من فرق بيلوجي  يجعل فيها من دور وظيفة مختلفة بعض الشيء بينهما في الحياة  وبعض الشيء من الاختلاف من الناحية النفسية والعاطفية والظروف المترتبة  على ذلك ، والتي هي في نظرنا أسباب وجيهة ومنطقية ولا محيد فيها - إذا كان  الإسلام قد فعل هذا فإنه منح للمرأة في جيمع المجالات الأخرى حقوقها المتساوية مع الرجل كحق التملك والتصرف بكل الحرية بما لها وذلك طبعاً عند بلوغ سن الأهلية مثلها مثل الرجل تماماً .
   أما فيما يتعلق  بموضوع الرق  فإن الاسلام  إذ لم  يلغي  الرق كلياً ودفعة واحدة فإنه ضيق من أسبابه كثيراً وحض على  العتق بحيث جعله كفارة على عدة ذنوب كالقتل والحنث باليمين ، الأمر الذي  من نتيجته التقليص  للرق والى حد يكاد يمضي به  في النهاية  الى مستوى الصفر ، علماً أن الإسلام قد ساوى  أيضاً الارقاء بسادتهم في الحقوق المدنية بإستثناء الولاية مادام عبداً ولم ينتقل إلى درجة الحر بالعتق .
    والناحية الأخرى الهامة ذات العلاقةالاساسيه والمباشرة بموضوع حق المشاركة السياسية وهي  حرية الرأي والاجتهاد والتعبير فإن الإسلام انطلق من مبدئه من هذه الحرية وأمر كل مسلم أن يتبين الأمور دائماً ولا يتسرع بأي حكم إلا على أساس المعلومات الدقيقة المحققة، وأوجب الإسلام على كل من لديه العلم أن يفيد به الآخرين ، كما أوجب على كل من  ليس لديه العلم ان يسعى إليه، ويظهر هذا جلياً في الحديث الشريف الذي نصه "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أوعلم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له ". ويفهم من هذا الحديث أيضاً أن المسلم لا يجوز له حجب المعلومات المفيدة عن المسلمين الآخرين ، وبهذا فإن الإسلام  عند المنصفين ومن رؤيتنا العقلية البحتة وبغض النظر عن التطبيقات المغايرة لتعاليمه من بعض اهله قديماً وحديثاً ما شوه صورته وساعد المغرضين على زيادة التشويه، هذا الإسلام يتفوق على الأنظمة الأخرى وخاصة الأنظمة الديمقراطية في حرصه على هذه الحرية وحفظه لها  على أن تكون من النوع الذي يدعو إلى الخير وينهى عن المنكر وبشرط أن تمارس ضمن حدود عدم الإساءة والنيل من حقوق الآخرين وشرفهم والمصلحة العامة .
    والبديهي الذي يمكن استنتاجه هنا وبوضوح لا يقبل اللبس أن الإسلام حين منح الحيز الواسع لحرية الرأي  والاجتهاد والتعبير فإنه يكون أيضاً قد منح وتلقائياً الحق لكل مسلم أن ينظم الناس ويكتلهم خلف هذا الرأي ، ولكن حين قيد الإسلام حرية الرأي والاجتهاد والتعبير بأن لا يكون فيها خروج عن مبادئ الدين فإنه يجعل القيد منسحبا مره أخرى على حق التنظيم والتكتل هذا وبما ينسحب على العمل السياسي في الدولة الإسلامية بما في ذلك الأحزاب السياسية العامة .
    إن  الحرية في الإسلام على هذا النحو هي في رأينا مستمدة من العقل والحكمة حيث هناك العدل المساواة والاحتكام بين الناس للشريعة بالتحاكم والمحاكمة ولكل مسلم مقيم في دولة الإسلام الحق ان يدافع عما لحقه من ظلم ، ولا يؤخذ الإنسان في الإسلام بجريرة غيره وهذا هو عينه مبدأ شخصية العقوبة في القانون الوضعي المصدر على النطاق العالمي في الزمن الحديث  .
    أما فيما يخص القضاء نجد ان القضاء في الإسلام لا يستمد الحق من القانون الطبيعي الذي يرتكز على الحرية  التي هي في ذاتها مسألة غير محدودة وغير دقيقة تماماً بل هو ملتزم بالقانون الالهي القائم على  العدل ، وكما جاء التحديد في القرآن الكريم وبدرجة تالية ،وكما جاء في السنة النبوية الشريفة ثم أيضا بالقياس على سوابق الصحابة وخصوصاً الراشدين منهم، ويبقى للاجتهاد مكانه ودوره في نهاية المطاف . ومما تجد الاشارة إليه أن الإسلام قد ارتكز وركز على  المساواة أمام القضاء بين الجميع تحقيقاً لمبدأ العدل وبما يجل لكل فرد عادي مهما كان موقعه ومركزه في المجتمع أن يخاصم الخليفة نفسه وعلى قدم المساواة إذا حصل واقتضى الأمر ، وينطبق هذا الوضع على الطعنبشرعية الخليفة إذا كان هنالك ما يثبت الأنحراف والفسق عليه وبالتالي عزله وخلعه من الخلافة كما يأمر الدين والشرع والقضاء.
   ومن كل ما تقدم وجرى من سوق للآراء والنظريات والمدارس والمذاهب والرؤى المتعددة لحقوق الإنسان سيتضح بسهولة كم هناك من الاختلافات الكبيرة في المواقف نحو هذه الحقوق،وإذا كان الجدل بلغ درجته إلى هذا الحد في المجتمع الوطني ، فكيف يكون إذا انتقلت المناقشة الى موقف مجتمعات عديدة أو إلى المجتمع الدولي ؟ إنها بلا شك مهمة صعبة أن يكون الاتفاق ويكون التطبيق على كل شيء وهذا ما نراه على أرض الواقع وبأم العين في أيامنا هذه .

ثانياً :
المشاركة السياسية كمفهوم وحق وممارسة .
كثيرة هي التساؤلات التي تثار عند الحديث عن المشاركة االسياسية ، و لهذا فقد وجدنا من الأنسب أن نرتب الأمور ، فسوف نبدأ أولاً بالجانب المفاهيمي والنظري للمشاركة االسياسية ثم نتبعه بعد ذلك بعلاقة المشاركة السياسية و  بالتنشئة السياسية والثقافة السياسية و في النهاية و أخيراً نخلص إلى الحديث عن علاقة المشاركة السياسية بالديمقراطية .
أولاً : الجانب المفاهيمي و النظري للمشاركة السياسية .
إن مفهوم المشاركة لغة لا يثير أي إشكالية ، فالمشاركة هي ان يكون للمرء نصيب معين في الشيء المعين ، إنما عند قرن هذا المفهوم بالسياسة فسيغدو مثاراً للتساؤلات ، ما المقصود بالسياسية التي يشارك فيها الفرد ؟
و حتى يأخذ مفهوم المشاركة مدلوله العلمي الدقيق فإن الأمر لا بد من إحالته إلى ما هو المقصود " بالسياسة " ، أي إحالته إلى التعريفات السياسية ، و قد قال جوليان فروند عن السياسة " بأنها تشبه كيس سفر يحتوي ما تنوع من الأشياء ، فيه ما شئت من الصراع و الحيلة و القوة و التفاوض و العنف و الإرهاب و التخريب و الحرب و القانون ..... ".
إن كلمة سياسة في اللغة العربية و كما ورد في ( لسان العرب ) مأخوذة من السوس ، و بهذا المعنى فهي تعني الرياسة ، غير أن التعريف الدقيق للسياسة بالمفهوم الذي هو مفهومها العام ليس هو الأمر بالهين ، و تذهب غالبية التعريفات التي اعطيت لكلمة سياسة إلى ربطها بنظام الحكم أو بعلاقة الحاكمين بالمحكومين . فالسياسة لا تكون إلى في المجتمعات الكلية التي تقاد عن طريق هيئة سياسية تصدر قوانين ملزمة للأفراد ، و تمارس عليهم الضغط و الإكراه ، فلا يمكن تصور سياسة دون وجود سلطة سياسية ، إن وجود السياسة يستدعي تلقائياً وجود سلطة سياسية .
لقد تعددت تعريفات السياسة كثيراً كما توردها القواميس المتخصصة ، فمعجم روبير عرفها عام 1962 بأنها " فن إدارة المجتمعات الإنسانية " و معجم كاسل يقول " أن السياسة ترتبط بالحكم و الإدارة في المجتمع المدني " ، أما قاموس ليتره الفرنسي لعام 1870 فقد قدم ثمانية تعاريف لكلمة سياسية منها " فن حكم الدولة " ، " السياسة علم حكم الدولة و إدارة العلاقات مع الدول الأخرى " ، و هناك تعريفات أخرى كثيرة غيرها بطبيعة الحال .
و عند الانتقال من التعريف القاموسي لكلمة سياسة إلى التعريفات التي أعطاها المختصون لهذه الكلمه فإننا سنجد نفس التنوع و التعدد ، فقد عرفها جوليان فروند " بأنها الفعالية الاجتماعية التي تأخذ على عاتقها عن طريق القوة المرتكزة إجمالاً على القانون تأمين السلامة الخارجية و الوفاق الداخلي لوحدة السياسة خاصة و صيانة النظام  وسط  الصراعات الناجمة عن تنوع الآراء و المصالح " . و عرفها جابرييل ألموند بأنها  " نظام التفاعلات الذي يوجد في جميع المجتمعات المستقلة ، و الذي يقوم بوظائف التوحيد و التكيف و يؤديها في الداخل تجاه المجتمعات الأخرى ، و يمارس هذه الوظائف باستخدام القصر المادي أو التهديد سواء أكان استخدامه شرعياً تاماً أو بعض شرعي " .
أما المفكرون المسلمون فقد تم التعامل مع الموضوع عندهم بقدر من الحذر و الغموض حتى لا يحدث تضارب بين المنظور الإسلامي للحياة كدين و دنيا و بين السياسة كأمر دنيوي محض يعود للناس أمر التصرف فيه ، و هذا الغموض ما زال سائداً إلى اليوم ، فالفارابي مثلاً قد  عمم مفهوم السياسة  لتصبح معرفة قواعد التصرف الأنسب في مجالات المنزل و الحياة الفردية عموماً و السلوكيات الاجتماعية مخرجاً بهذا علاقة الحاكم و المحكوم منها ، في حين يحلل ابن خلدون السياسة و يقسمها إلى ثلاثة أنواع : السياسة الطبيعية و السياسة العقلية و السياسية الشرعية .
إن علم السياسة كان ينظر إليه في بداية ظهوره كعلم مستقل قائم بذاته في منتصف القرن التاسع عشر كعلم الدولة ، و هذا يتضح من خلال التعريف الذي أعطاه معجم ليتره عام 1870 ( السياسة علم حكم الدول ) ، إلا أنه مع تطور علم السياسة بدأ هجر هذا المفهوم بإحلال المفهوم الجديد بالنظر إلى سياسة كعلم القوة و السلطة و أصبح هذا هو التوجه الحديث للتعامل مع علم السياسة .
لقد أدى هذا الرابط الذي لا يمكم تحاشيه بين المشاركة السياسية و مفهوم السياسة – و مع عدم الاتفاق النهائي على معنى الأخيرة ( علم الدولة أو علم السلطة ) – إلى تنوع و تعدد التعريفات التي أعطيت للمشاركة السياسية فهذا هنتجتون و هذا نلسون يعرفها بأنها " النشاط الذي يقوم به مواطنون معينون بقصد التأثير على عملية صنع القرار الحكومي " . اما وينر فيعرفها بأنها " كل عمل إرادي ناجح أو فاشل ، منظم أو غير منظم ، ترحلي أو مستمر ، يفترض اللجوء إلى وسائل شرعية أو غير شرعية بهدف التأثير على اختيارات سياسية أو إدارة الشؤون العامة أو اختيارات الحكام و على كل المستويات الحكومية ، محلية أو وطنية " .
فالعمل السياسي وفق هذا التعريف و لكي يكون مشاركة سياسية  أو يؤدي إليها يجب ان يؤثر على السياسة العامة للدولة و على عملية اتخاذ القرار السياسي فيها ، ولا يتحول السلوك الفردي إلى سلوك سياسي فعلي إلا إذا كان متجهاً نحو التأثير على النسق السياسي أو على المجتمع بشكل عام . و هكذا فليست المشاركة السياسية تصرفاً فردياً عفوياً بل علاقة تفاعلية و مقصودة ، و إذا لم يحدث التأثير المتبادل بين المواطن السياسي و النسق السياسي فسوق يصعب الحديث عن مشاركة سياسية .و في رأينا فإن وينر قد اصاب تماماً بإدخال هذا العنصر و هذا الشرط لتحديد معنى المشاركة السياسية و مفهومها ، حيث أصبحت المشاركة السياسية على النحو هي عمل إرادي مطلق و ليست فعلاً مادياً بل معنوياً فقط ( قيم و عواطف و شعور و انتماء و إرادة في التغيير و إحساس المواطن بأنه جزء من الوطن  و أن  المشاركة حق من حقوقه السياسية و أنه عن طريقها يستطيع ان يغير في سياست الدولة و توجهاتها العامة ) .
ثانياً : علاقة المشاركة السياسية بالتنشئة السياسية والثقافة السياسية .
إن السياسة ليسا مجرد أشخاص حاكمين و محكومين و لكنها أيضاً ثقافة سياسية تصهر الحاكمين و المحكومين في بوتقتها ، و تنظم علاقة الصراع و التعاون بينهما ، فالثقافة السياسة لها آليات لاكتسابها و مناهل تنهل منها تكمن في المجتمع و تنظيماته و قيمه و عقائده ، و عليه فإن التنشئة السياسية هي الآلية التي بمقتضاها يتكون الإنسان السياسي و تتبلور الثقافة السياسية لمجتمع ما ، و بالتالي طريقة المشاركة السياسية  و مقدارها و درجتها و نوعها . و مادام الأمر هو هكذا و ما دامت التنشئة هي أمر  يصب في الثقافة و تستمد منها بطبيعة الحال في نفس الوقت ، و ما دامت الثقافة السياسية تصب بدورها في المشاركة السياسية ، فلا بد لنا من الحديث عن هاتين الأولتين قبل الحديث عن المشاركة السياسية و علاقتها بالديمقراطية .
(أ) التنشئة السياسية – تكتسب التنشئة السياسية اليوم أهميتها من الصراع المحتدم ما بين النظام السياسي من جهة و مؤسسات المجتمع المدني من جهة أخرى في السيطرة على قنوات التنشئة السياسية المختلفة ، فالنظام السياسي يسعى إلى التحكم و التأثير على قنوات التنشئة الرسمية ( المدارس و وسائل الإعلام ..إلخ ) للحفاظ على النسق السياسي و إضفاء طابع المشروعية على نفوذه و سلطته ، في المقابل تسعى مؤسسات المجتمع المدني إلى خلق ثقافة سياسية معاكسة و ذلك عن طريق مد نفوذها إلى بعض قنوات التنشئة الأخرى كالمساجد و الكنائس و غيرها .
و منذ القدم اهتم المفكرون بكيفية خلق المواطن السياسي الذي يساهم في الحياة السياسية ، و انصب تركيزهم في تحقيق ذلك على الدولة و دورها في التلقين و نقل التراث السياسي من جيل إلى جيل لأجل التجانس و الانسجام بين ثقافة المجتمع و مؤسساته القائمة و بالتالي خلق المواطن الصالح المدرك لحقوقه و واجباته .
أما بالنسبة لتعريف التنشئة السياسية فيمكن القول أن أول محاولة جادة لتعريفها  كانت على يد المفكر هربرت هايمان عام 1959 حين عرفها بنأها " تعلم الفرد لانماط سلوكية – اجتماعية تساعده على أن يتعايش مع الأعضاء الآخرين في المجتمع و ذلك عن طريق مختلف مؤسسات المجتمع مما يساعد هذا الفرد على أن يتعايش سلوكياً مع هذا المجتمع  ككل ".
ثم توالت الدراسات التي تركز على السلوك السياسي للأفراد و فهم توجهاتهم السياسية و تعددت التعريفات التي أعطيت للتنشئة السياسية ، و كان أهمها التعريف الذي أعطاه جرين شتاين و سدني حيث عرفاها معاً بانها  " التلقين الرسمي و غير الرسمي ، المخطط و غير المخطط للمعارف و القيم و السلوكيات السياسية و خصائص الشخصية  ذات الدلالة السياسية و ذلك في كل مرحلة من مراحل الحياة عن طريق المؤسسات المختلفة في المجتمع " .
و تتباين  هذه التعريفات – كما يراها المحللون و نتبينها نحن من خلال هذين التعريفين السابقين – و ذلك حسب الوظيفة التي تؤديها للنسق السياسي ففي حين أن شتاين و سدني جعلاها  مجرد أداة للحفاظ على النسق السياسي القائم و ذلك بتلقين الفرد التوجيهات و القيم السياسية النابعة من الثقافة السياسية السائدة في المجتمع و الداعمة لنسقه السياسي ، فإن هربرت هايمان و آخرون قد أعطياها تعريفاً محايداً بحيث تصبح أداة في خدمة التنمية السياسية المفتوحة على كل التوجهات و الاحتمالات .
(ب) الثقافة السياسية – لقد سبقت الإشارة و القول أن التنشئة و الثقافة بالمعنى العام الواسع لهذه الأخيرة مترابطتان معاً و مع المشاركة الاجتماعية و المشاركة السياسية هي الأخرى من بعدها ترابطاً عضوياً ، فالثقافة هي المحيط العام أو النسق العام الذي تتفاعل فيه التشئة و تستمد منه مضمونها الاجتماعي و السياسي ، ثم أن كل المحصلة الناتجة عنهما تصب في المشاركة السياسية التي تتأثر بدورها هي الأخرى بعوامل عديدة تلعب فيها الاعتبارات النفسية و الاجتماعية و الاقتصادية دورها الذي يتفاوت بينهما بحسب  ما عند كل مجتمع و مجتمع و فرد و فرد من أحوال و ظروف بما في ذلك نوعية الثقافة و خصائصها و مستواها .
و تعرف الثقافة بوجه عام بحسب التعريف الذي قال به المفكر الإنجليزي تايلر حيث قوله " الثقافة بمعناها الانثوغرافي ( السلالي ) الواسع هو ذلك الكل المركب الذي يشمل المعرفة و العقائد و الفن و الأخلاق و القانون و كل القدرات و العادات الاخرى التي يكتسبها الإنسان من حيث هو عضو في المجتمع .
أما الثقافة السياسية فإنها قد أعطيت عدة تعاريف لا مجال لذكرها جميعاً و لكننا نكتفي بالتعريف الذي قدمه كل من الموند و فيربا – لما فيه من تحديد و دقة و شمول – حيث انطلقا من أن الثقافة السياسية تحتوي على ثلاثة أبعاد : جانب معرفي يتكون من المعارف العامة حول النظام السياسي ، و جانب عاطفي  يتعلق بالولاء الشخصي للزعماء و المؤسسات  السياسية ، و جانب تقيمي يتضمن الاحكام القيمية حول الشأن السياسي . و انطلاقاً من هذا التعريف و على أساسه وضعا ثلاثة أنماط للثقافة السياسية ، فهناك الثقافة السياسية الرعوية وهي ثقافة تستوعب الثقافات المحلية  القائمة على علاقات القرابة و العرف و الدين فهي ثقافة ما قبل الثقافة السياسية الخاصة بالدول أو المجتمع الوطني ، و ينتشر هذا النوع من الثقافة في بلدان العالم الثالث الذي تلعب فيه العلاقات العشائرية دوراً أساسياً في تحديد الولاءات و الانتماءات السياسية ، و هذه الثقافة ترتبط ببنية تقليدية غير مركزيه إلى حد كبير . و النوع الثاني هو ثقافة الخضوع و هو يتعلق ببنية سلطوية و مركزيه .  و الثالث ثقافة المشاركة و هي تتعلق ببنية ديمقراطية . و هذان النوعان الأخيران من الثقافة يبلوران توجهاً من المواطنين تجاه النظام السياسي بكامله ، فالعواطف و الولاءات و المشاركة لا تتجه نحو أنظمة فرعية او ثانوية – كالعشيرة أو الطائفة – بل نحو النظام ككل .و عليه  يمكن القول أن كل نمط من الأنماط الثلاثة هذه للثقافة يبلور لنفسه نوعاً خاصاً  من التنشئة السياسية يدعم توجهاته و يحافظ على وجوده و يعزز لدى الأفراد القيم و التوجهات المتوافقة مع بنيته الثقافية و مرتكزاته السياسية التي يعتمد عليها ، و أحياناً تتعايش هذه الأنماط الثلاثة في مجتمع واحد مما يفسح المجال للحديث عن " تنشئتان " سياسية و ليس تنشئة واحدة ’ و هذا يظهر في المجتمعات التي تكافح للتحرر من الثقافة الرعوية و ثقافة الخضوع و التحول إلى ثقافة المشاركة .
و هناك وسائل متعددة لاكتساب و تعلم أفراد المجتمع لثقافة المجتمع السياسية ، و إن كان يمكن تحديدها عدداً فيصعب ترتيبها من حيث الأهمية و ذلك أن نوع الثقافة السياسية في كل مجتمع و درجة النضج المؤسساتي و طبيعة النظام السياسي تلعب دوراً في تحديد أي من الوسائل أنجع في القيام بمهمة التنشئة السياسية  ، فبينما نجد وسائل الإعلام تلعب دوراً مركزياً في الدول الديمقراطية ، نجد المؤسسات الدينية و الأسرة في المجتمعات التقليدية أكثر أهمية من  وسائل الإعلام .
ثالثاً : المشاركة الساسية و الديمقراطية .
إن المشاركة السياسية – كما أجمعت الدراسات و الآراء التي تناولتها – هي حق يمنح للمواطنين يتجسد عملياً بعمل إرادي يقوم به المواطنون الراشدون للمشاركة في الحياة السياسية ، إما من خلال التأثير على متخذي القرار أو بالمشاركة في اتخاذ القرار ، ولا شك هنا أن صيرورة المشاركة السياسية حقاً للمولطنين يعبر عن مرحلة من مراحل تطور الحياة السياسية و الاجتماعية في أي مجتمع من المجتمعات .
و في العالم الغربي الذي حقق بلا شك نجاحاً لا يمكن إنكاره بانتزاع حق احتكار الحكم و التفرض به من الحكام و إسناده للشعب صاحب السيادة و ثبت ذلك في الدساتير الوطنية و القوانين نلاحظ تساوق الحديث عن المشاركة السياسية تاريخياً بالحديث عن الديمقراطية حيث تحيل الأولى – في رأيهم – إلى الثانية و بالعكس . لكن في واقع ما يجري على الأرض و من خلال الأرقام التي تصدر دائماً بعد إجراء الانتخابات لتحدد عدد الذين أدلوا بأصواتهم و نسبتهم إلى كل أصحاب الحق في الإقتراع يتبين أنه قد تكون مشاركة سياسية دون ديمقراطية حقيقية ، بل يمكن أن تكون مشاركة سياسية في ظل أنظمة ديكتاتورية و استبدادية ، و قد تصل أنظمة ديمقراطية إلى ذروة استقرارها مع ضعف المشاركة السياسية مما يعني أن هاتين ليستا على التلازم دائماً و لا يجوز التعميم .
و من ناحية أخرى فإن مفهوم الديمقراطية قد ارتبط لدى الإنسان العادي بالمساواة و الحرية و حق الجميع في المشاركة في الحياة السياسية انطلاقاً من التعريف الاشتقاقي لمصطلح ( حكم الشعب بالشعب ) . إنما كان يجدر و ينبغي أن ينتبه الإنسان هذا إلى ما تعنيه كلمة الشعب قديماً و حديثاً ، فالشعب في التعريف الاجتماعي الواسع هو المجتمع كله لجميع أفراده من شباب و شيوخ و نساء و رجال عاقلين و غير عاقلين ، أحرار أو فاقدي الحرية ، لكن الشعب في التعريف السياسي القديم يعني أولئك من لهم الحق في مباشرة الحقوق السياسية فقط أي  ما يمكن تسميته هيئة الناخبين و هم الذين ينظمهم و ضع قانوني معين يختلف من مجتمغ إلى آخر . و بصورة عامة كلما تقدمت الديمقراطية نحو المثالية كلما تقلصت الفجوة ما بين المفهوم الاجتماعي للشعب و المفهوم السياسي .
إن أثينا القديمة في كل تاريخها قد قلصت مفهوم الشعب إلى حد كبير حتى أنه بلغ في يوم من الأيام عشر المجتمع فقط و اقتصر على طبقة الأحرار و هؤلاء هو وحدهم المواطنين و ليس غيرهم و كانت الديمقراطية الأثينية تستثني من المشاركة السياسية طبقتي الأجانب و العبيد إضافة إلى النساء و كل من لم يبلغ سن العشرين من الذكور الأحرار و مع ذلك فقد وجد من يطالب  بالتقليص الأكثر كسقراط و تلميذه أفلاطون الذي وصل به الأمر هذا الأخير إلى حد تسميته الديمقراطية السائدة في عصره ( بحكم الغوغاء ) منتقذاً بشدة المساواة بين جميع أفراد الطبقة الأولى و منح جميع أفرادها حق المشاركة في الحياة السياسية .
و يؤكد الواقع المعاصر للديمقراطية ايضاً أن سير الديمقراطية صعوداً أو هبوطاً  لا يحدد بحجم المشاركة السياسية للمواطنين و العكس الصحيح ، فمثلاً عندما قام كارل دوتش في الستينات بتحديد مستويات المشاركة السياسية و ضع ثلاثة مستويات لها و اعتبر أن عضوية منظمة سياسية هي أبرز و أهم مؤشر على المشاركة السياسية ، و لكنه عندما طبق هذا المؤشر على الدول الديمقراطية في الغرب وجد انه ينطبق على 3% من السكان ، و عندا طبقه على الاتحاد السوفيتي وجده ينطبق على 9% الأمر الذي استنتج منه أن المشاركة السياسية لا تعني مباشرة و دائماً وجود الديمقراطية . و هذه المقاربة يمكن أيضاً تلمسها اليوم في العالم الثالث ، ففي بعض البلدان نلاحظ نسبة عالية من المصوتين في الانتخابات و لكن هذه الدول تغيب عنها الديمقراطية و يسودها نظام ديكتاتوري أو تقليدي . و الملاحظة التي يمكن استخراجها هنا هي  أن الاهتمام بالشؤون السياسية في دول العالم الثلاث  هو أكبر درجة من اهتمام المواطنين بحياة السياسة في الدول المتقدمة.
إن السؤال الذي يفرض نفسه هنا حول العلاقة بين الديمقراطية و المشاركة السياسية هو التالي : هل الديمقراطية هدف بحد ذاتها أم وسيلة ، بمعني ما الذي تبتغيه الشعوب من تطبيق الديمقراطية ؟ هل تحقيقها حرفياً و كما تعني اشتقاقياً ( حكم الشعب نفسه بنفسه ) أم المقصود بالديمقراطية النظام الأمثل للشعب الذي يحقق له الخير و السعادة و الرفاة .
إننا نجيب على هذا السؤال أو هذه الأسئلة في أن المحك العملي لمصداقية الديمقراطية ليس أن يشارك المواطن مباشرة بالحكم أو لا يشارك ، و لكن أن تتجسد إرادة الامة في الفئة الحاكمة ، و أن يعبر الحكام عن مصالح المحكومين و يحترمون إرادتهم و رأيهم .

ثالثاً :
المسيرة التاريخية  للمشاركة السياسية .
نظراً لأن هذه المسيرة تمتد في فترة طويلة و نظراً لأن المشاركة ليست في وتيرة مستمرة أو صعود ثابت بل أنها تعرضت لحالات من الصعود و الهبوط كانت الواحدة منها تستمر لقرون طويلة و لأنه يمكن تمييز ثلاثة مراحل شهدت فيها المشاركة السياسية صعوداً يمكن اعتباره و إبرازه . لهذا فإننا قد وجدنا أن هناك ما يبرر و ما يسمح أن نجعل هذه المسيرة في  ثلاثة مراحل هي : 1) مرحلة الصعود الأول و تتحدث عن المشاركة السياسية في عهد اليونان و الرومان و المسيحية و المسلمين الأوائل  ، 2) مرحلة الصعود الثاني و تتحدث عن المشاركة السياسية في الأمم الصاعدة في العصر الحديث ( بريطانيا ، و الولايات المتحدة ، و فرنسا ) ، 3) مرحلة الصعود الثالث و تتحدث عن المشاركة السياسية بعد الحرب العالمية الثانية و قيام منظمة الأمم المتحدة .
أولا : المشاركة السياسية في صعودها الأول .
(أ) المشاركة السياسية عند اليونانيين القدماء : لقد سبق التطرق إلى هذه المشاركة بعض الشيء لدى تناولنا للعلاقة بين المشاركة السياسية و الديمقراطية ، حيث طبقت الديمقراطية في مصدرها و صورتها الأولى عند اليونانيين و تحديداً في مدينة أثينا . و عرفنا كيف أن تلك الديمقراطية لم تكن في يوم من الأيام تعطي حق المشاركة لجميع أفراد الشعب بالمفهوم الاجتماعي الواسع لكلمة" الشعب " و الذي يعني المجتمع لكل قطاعاته بل كانت مقصورة و حكراً على هيئة الناخبين الذين تشملهم كلمة الشعب بالمفهوم السياسي الضيق ، حيث هنا فقط الحرية و المساواة و لم يكن يندرج تحت هذه الكلمة  " سوى طبقة الأحرار و عند الاستثناء من هذه الطبقة لعنصر النساء و لكل من هم دون سن العشرين من الذكور سيكون ما تبقى هو هيئة الناخبين ، و هكذا فإن الديمقراطية الأثينية القديمة لم تكن في الواقع سوى حكم الأقلية القليلة للأغلبية التي هي أكبر منها بكثير .
إن المشاركة السياسة في أثينا خلال القرن الخامس ق.م اعتبرت من أهم المبادئ و الالتزامات التي يجب أن يحرص عليها الأثيني صاحب الموقع في ما نسميه " هيئة الناخبين " و ذلك لكي ينال الأثيني " شرف المواطنة " و حتى يحترم في مجتمعه .
أما كيف يشارك " المواطن " الأثيني في الحياة السياسية فإن ذلك كان يتم عن طريق اجتماع أفراد الشعب ( الجمعية الشعبية ) التي تجتمع لاختيار الحكام و المحلفين دون تمييز بين المواطنين على أساس الثروة أو المنزلة ، فالمشاركة كانت مباشرة ، و لذا سمي نظام الحكم الناتج عن مساهمة كل المواطنين على قدم المسؤولية و بحريته التامة في اتخاذ القرارات بحكومة الشعب أو الديمقراطية .
لقد ظلت الديمقراطية في أثينا كممارسة و كفكر لها شأنها و ذلك حتى أبواب القرن الرابع قبل الميلاد ، و لكن مع هزيمة أثينا أمام جيوش اسبرطة حوالي عام 504 ق.م فإن نجمها قد بدأ يخبو و لم ينبثق من جديد إلا مع بداية عصر الأنوار و مع فلاسفة الفكر الليبرالي الدعين إلى الحرية و المساواة و إرادة الأمة و هم فلاسفة العقد الاجتماعي و خصوصاً رسو و جون ستيورات ميل و غيرهم.
(ب) المشاركة السياسية عند الرومان : لقد امتد عمر هذه الدولة إلى ما يزيد  عن ثلاثة عشر قرناً استطاعت روما خلال هذه الفترة بسط نفوذها على مناطق شتى من العالم ، و لكنها  و مع هذا لم تستطع وضع نظام سياسي عادل قائم على المشاركة السياسية و بالتالي لم تستطع أن تقيم دولة عالمية رغم تبنيها فكرة المواطنة العالمية ، فظاهرة الرق موجودة و معروفة و عنصر أساسي في اقتصاد الدولة و الأسرة المالكة للعبيد ، فكان للسيد الروماني حق على عبيده و إن شاء أبقاهم أحياء و إن شاء قتلهم و إن شاء قدمهم لمصارعة الوحوش الكاسرة حتى الموت ، و هناك التمييز بين الروماني و بين الأجنبي حيث كان كل منهم يخضع لقانون خاص به مما يتناقض مع  مبدأ المساواة أمام القانون .
و ليس من نافلة القول أن العالم الروماني قد شهد معركة عنيفة نشبت في روما بين الأشراف و رجال الشعب  و ذلك بعد قيام الثورة التي ألغت النظام الملكي ، و كان محور تلك المعركة مطالبة زعماء الطبقة الثائرة أن يحصلوا على حق المساواة أمام القانون وفي الوصول إلى مناصب الحكم و الواظائف الدينية .
و في فترة لاحقة لاقت الفلسفة الرواقية التي يقول مذهبها " أن السعادة هي الفضيلة " ، لاقت هذه الفلسفة رواجاً بين سراة القوم من الرومان مما أدى أخيراً إلى إدخال الافكار الانسانية إلى القانون الروماني القديم ، بجعل الناس كلهم سواء و متساوين ، و لكن جاء الامر إلى الانتكاس بعد أن عاد نظام الامبراطوري في مكان الجمهورية ، و كافح القياصرة ضد الأشراف ثم ألغوا الحريات الديمقراطية و بقيت القوانين التي تفرق بين شرائح الشعب ، و بلغ الأمر بالقياصرة إلى تأليه أنفسهم و الاستبداد بالشعب وسلبه كل حق .
و من الجدير بالذكر أنه كان لبعض المفكرون الرومان من أمثال شيشرون شأن كبير في تبلور الفكر السياسي و فيما ألقاه من أضواء على نظرية الرواقين في القانون الطبيعي التي طبعت الفكر الأوروبي حتى القرن التاسع عشر ، هذا القانون الذي أكد عليه هؤلاء المفكرين بأنه يتماشى و ينطبق على كل الناس و لا يجوز خلقياً تعطيل أحكامه بتشريعات من صنع البشر . انطلاقاً من هذا و على أساسه بلور القانون الروماني نظريته القائلة بأن سلطة الحكام تستمد من الشعب و التي كان لها الأثر الأكبر فيما بعد على المثل العليا الأوروبية .
(ج) الديانة المسيحية و المشاركة السياسية : لقد لاقت المسيحية في بداية أمرها الكثير من الاضطهاد من قبل أباطرة الرومان ، و ذلك لأن تغلغلها الأول كان بين الطبقات الدنيا من الشعب الروماني التي كانت تعاني من الظلم القاسي و تريد التخلص منه ، ثم انتشرت على مدى ثلاثة قرون و اعتنقتها الطبقات الاخرى ، و بعد وصول الإمبراطور قسطنطين إلى السلطة عام 313 م و اعتناقه المسيحية أصبحت هذه الديانة الدين الرسمي للدولة الرومانية مما زاد في قوتها و انتشارها .
و منذ أول ظهوها نادت المسيحية بمبدأ الحرية و المساواة الطبيعية ، حيث حملت المبدأين الأساسيين هما فكرة الفردية ( كرامة الشخصية الإنسانية ) و فكرة ازدواجية السلطة ، الأمر الذي أدى إلى عدم قبول فكرة السلطة المطلقة لا يمارسها – كما قالت المسيحية – إلا الله ، و هكذا فقد احتفظت المسيحية للإنسان بكرامته و حقه في الحياة المبنية على الفضيلة و التسامح و قيدت سلطات الحاكم بحيث لا يتجاوز الحدود التي تضعها الهيئة التشريعية المختصة ، و هذا الإيمان و التمسك لدى المسيحية بوجوب خلق مجتمع تسوده العدالة و المساواة بين البشر أدخلها في الحقبة الأخيرة من حياة الإمبراطورية الرومانية في صراع مع الإمبراطور حول اختصاصات كل منهما .
إلا أن الكنيسة لم تحافظ على هذه المبادئ و هذه الروح التي تقوم عليها المسيحية و التي التزمت بها في المراحل الأولى حيث أنها جاءت تبتعد عنها شيئاً فشيئاً إلى درجة أن وصلت في العصور الوسطى إلى  فرض  نفسها و تسلطها ليس فقط على الشعب و إنما على الملوك و الأباطرة و تحكمت بكل الحريات و خاصة  حرية الفكر و التعبير و أصبح رجال الدين فوق الجميع . و بلغ الأمر أن أضحى البابا من القوة  حيث يكفي أن يعلن الحرمان على أحدهم حتى يأتيه خاضعاً و خانعاً ، و قد أدى هذا الحال إلى حالة من الصراع العنيف بين الكنيسة المتمثلة في البابا و بين الملوك في أوروبا . و أخذت الشعوب تغلي في أنحاء متعددة من القارة الأوروبية و تفجرت حركات الإصلاح الديني  كالحركة البروتستانتية  بقيادة مارتين لوثر كنغ و كلفن ، و كان نتيجة ذلك أن توجهت البلدان الأوروبية الواحدة بعد الأخرى إلى فصل الدين عن الدولة لأجل إطلاق الحريات مرة أخرى بما فيها حق المشاركة السياسية .
(د)الدين الإسلامي و المشاركة السياسية
 إن الإسلام كما وصفه يوسف القرضاوي ، و كما وصفه عباس مدني هو نظام متوازن و وسطي . يقول القرضاوي في هذا المجال " إن حل الإسلام لأمور الحياة ليس على حساب الشخص و ليس على حساب الأمة و المجتمع لأنه غير متطرف و يبتعد عن تفريط الرأس ماليين الذين جاروا على حق المجتمع من أجل حرية الفرد و إفراط الاشتراكيين الذين طغوا على حق الفرد من أجل مصلحة المجتمع " ، و يقول عباس مدني " إن الإسلام عبارة عن توازن الشروط العقائدية التعبدية مع الشروط المعنوية و النفسية و مع الشروط الفكرية و العلمية " . هذا التوازن يظهر واضحاً في قوله تعالى مخاطباً المسلم " ولا تنس نصيبك من الدنيا و أحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين " . و في القرآن أيضاً توكيد لأخوة المؤمنين و هو أفضل ما يعبر عن التوازن قال تعالي " إنما المؤمنون أخوة فأصلوا بين أخويكم و اتقوا الله لعلكم ترحمون " . في إطار كل هذا فقد جعل الإسلام الأمر بين المسلمين ( أي الشأن السياسي ) شورى بينهم و جاء ذلك صريحاً و قاطعاً في الآيتين الكريمتين " و أمرهم شورى بينهم " ،" و شاورهم في الأمر " . ولا يمكن لأحد أن يتخيل أية شورى أو مشاورة دون المشاركة السياسية من جمهور الأمة .
و إذا كانت الشورى قد تمثلت فيها المشاركة السياسية من جمهور الأمة و كما جرى تطبيقها في بدايات دولة الإسلام فإن نظام البيعة و المبدأ الذي تقوم عليه هم الجانب الآخر الذي تتمثل فيه المشاركة الساسية لأعضاء الجماعة الإسلامية ، فهذا النظام و مبدؤه يقومان على موافق المسلمين كأشخاص على أمر معين و هو مستند على القرآن الذي أقر مبدأ مبايعة المسلمين لرسول الله ( صلى الله عليه و سلم ) في الحديبة بعد الأزمة  مع قريش . إن البيعة في معناها المحدد عبارة عن مشاركة شخصية من قبل كل مؤمن في اتخاذ القرار ، و قد امتدت عملياً لتصبح إقرار لخلافة الخليفة أو قبوله أو تنصيبه و هي فوق التصرف الإنساني الذي يمكن أن يلغيها أو يتلاعب بمجرياتها لانها ملازمة لحياة المؤمين و تعد مقياساً للايمان ، و هي تفترض قبل كل شيء حرية القرار في الاختيار ، و كل تطبيق لا يلتزم بهذه الحرية ولا يرايعيها  فأنه ابتعاد عن إرادة الله و زيغ عن الدين الحنيف . و مع الأسف فإن هذا قد وقع وطال أمره و غيبت الشورى ، و صارت البيعة إكراهاً لا اختياراً ، و لكن الجوهر يبقى أن الإسلام في اصله يقول بالمشاركة السياسية و يدعو لها و يضعها في المنهاج و في الحياة .
ثانياً : المشاركة السياسية في صعودها الثاني .
تعتبر تجربة بريطانيا العظمى و تجربة الولايات المتحدة الأمريكية و تجربة فرنسا هي أهم التجارب في هذه المرحلة و أكثرها تأثيراً على غيرها من الشعوب ، و لهذا فإننا سنقتصر الحديث عنهنا فقط باعتبار أنها هي التجارب الأهم التي تميز هذه المرحلة .
أ) المشاركة السياسية في برطانيا العظمى  لقد كان الشعب البريطاني هو أول من نجح و في وقت مبكر نوعاً ما عن بقية الدول الأوروبية في تكريس قانون مكتوب لمسألة حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ، و قد جرى ذلك على مرحلتين أساسيتين تتمثل الأولى في إقرار ثلاثة وثائق دستورية هي على التوالي : الشرعة العظمى المعروفة  (  بالماجنا كارتا ) و ذلك في عام 1215م ، و تتمثل الثانية في إقرار ثلاثة وثائق دستورية أساسية هي على التوالي وثيقة الحقوق في عام 1621م و مذكرة الهايباس كوربوس في عام 1679م  و شرعة الحقوق في عام 1689 م  و يعتبر هذا القانون الأخير هاماً جداً بالنسبة لحماية الحرية الشخصية من تعسف السلطة ، و يعتبر هذا القانون الذي أصبح أساسيا في التاريخ الدستوري البريطاني  أحد  القوانين الرئيسية للمملكة و نوع من الحصن القوي الذي استطاعت الحريات العامة الإنجليزية أن تتفتح في ظلال جدرانه العالية ، و هذا القانون يطبق في مختلف دول الكومونولث عدا اسكتلندا ، كما قامت الولايات المتحدة بإدخاله في دستورها و اعترفت به  حكومات الولايات على غرار الحكومة الفدرالية من بعض الاختلافات في تطبيقه .
ب)  المشاركة السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية : قدمت هذه الدولة في بداية تكونها كدولة فدرالية مستقلة عام 1776م وثيقتين أساسيتين في ميدان الحقوق والحريات الأساسية هما :وثيقة إعلان الاستقال و وثيقة الدستور الفدرالي ، وقد تميزت وثيقة  اعلان الاستقلال بالأفكار التحررية  التي كانت فلسفة عصر الأنوار ولا سيما أفكار لوك ورسو وغيرهم، وأهم الأفكار الواردة في هذا الأعلان،الناس  يولدون  أحراراً ، البشر  يقيمون الحكومات لضمان حقوقهم والحكومات تستمد سلطتها موافقة ورضى المحكومين.
أما بالنسة للوثيقة الثانية،(الدستور الفدرالي) والتي صدرت في عام 1787م  فقد تضمنت  بنوداً تتعلق بالغاء الرق ومنح حقوق المواطنة لجميع الأشخاص الذين يولدون على الأرض الأمريكية ومنح حق الأقتراع لكل مواطني الولايات المتحدة دون تمييز بسسب اللون أو العرق أو حالة عبودية سابقة ، ومنح الاناث حق الانتخاب  على قدم المساواه مع الذكور ، وما الى ذلك من أمور أخرى.
ج) المشاركة السياسية  في فرنسا: ان هذه البلاد سوف تشهد من بدء عهد ثورتها الكبرى عام 1789م تغييرات سريعة  و متلاحقة ستترك آثاراً واضحة على تطورها السياسي و الدستوري حيث ستنتقل من عهد الملكية الغير مقيدة في بداية الثورة إلى عهد الجمهورية بعد إلغاء الملكية ، ثم من عهد الإمبراطورية ذات النزعة الدكتاتورية العسكرية ممثلة بنابليون بونابرت إلى عهد الملكية الدستورية مع عودة لويس الثامن عشر إلى العرش  عام1814م  ثم أيضاً من عهد الجمهورية الثاية في عام 1848م  إلى عهد الإمبراطورية الثانية مع نابليون الثالث ، لتصل ابتداء من عام 1870م إلى عهد الجمهورية الثالثة التي ستقود إلى الجمهورية الرابعة في عام 1946 م ، و من ثم الخامسة عام 1958 م و التي لا تزال تعيش في ظلالها .
و خلال الفترة التي أعقبت الثورة و قيام الجمهورية الخامسة أصدرت العديد من الدساتير و القوانين الفرنسية الهادفة جميعها إلى تحقيق الحرية و المساواة في الحقوق و عدم التمييز ما بين مواطن فرنسي و آخر بسبب الجنس أو اللغة أو الدين ولا تفريق بين الرجال و النساء .
ثالثاً : المشاركة السياسية في صعودها الثالث .
إن المرحلة الثالثة التي تعتبر من المفاصل الأساسية و العلامات و الأكثر بروزاً في المسيرة التاريخية الإجمالية لحقوق الإنسان هي مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية و إلى الآن ، و تتميز هذه المرحلة بقيام منظمة الأمم المتحدة كمنظمة بديلة لعصبة الأمم التي أقيمت بعد الحرب العالمية الأولى و سقطت جراء فشلها بمنع الحرب ، و قد جعل لهذه المنظمة دوراً كبيراً إن لم يكن الدور كله في حفظ الأمن و السلام العالميين ، و مسألة حقوق الإنسان و حمايتها لها صلتها بهذا الموضوع بطريقة و أخرى ، لهذا فليس من المعقول أن يكون الحديث عن أية مسيرة لحقوق الإنسان في هذه المرحلة دون التعرف على المنظمة نفسها و الآلية التي تتحكم و تحكم عملها .
و بالاختصار الشديد فإن الجمعية العامة للأمم المتحدة ليس لقراراتها الصفة الملزمة و لو كانت حتى بنسبة الإجماع ، و ليس أيضاً للأمانة العامة الحق في القرار الملزم ، و يقتصر دورها على نواحي إدارية محدودة و ما يكلفها به مجلس الأمن ، هذا الاخير هو الذي له فقط اتخاذ القرارات الملزمة بما يعني سيطرة الأعضاء الخمسة الدائمين أصحاب حق الفيتو الذي  هو حكراً عليهم حيث في قدرة كل منهم و بمفرده إسقاط كل مشروع للقرار إذا قرر الاعتراض عليه و عدم تمريره لغض النظر عن موافقة الأربعة الآخرين و كل العشيرة الغير دائمين الذين يشكلون بقية أعضاء المجلس .
بعد هذه اللمحة السريعة نمضي إلى لحظة البداية لنتابع  ماذا عملت هذه المنظمة في مجال حقوق الإنسان و إحقاقها على نطاق الدول و البلدان و صيانتها و الدفاع عنها .
لقد تعامل ميثاق الأمم المتحدة حين صدروه تعاملاً إيجابياً مع حقوق الإنسان ، و كذلك كان الحال ايضاً بالنسبة للإعلان العالمي بحقوق الإنسان في تعامله معها ، نفس الشيء فعلته بقية المواثيق والعهود الدولية اللاحقة التي تناولت قضية الحريات من زوايا مختلفة .
و قد جاء في ديباجية الميثاق الأساسي – أن شعوب الأمم المتحدة آلت على نفسها إنقاذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب ، و أن هذه الشعوب تؤكد من جديد إيمنها المطلق بالحقوق الأساسية للإنسان و بكرامة الفرد و بما للرجال و النساء  و الأمم كبيرها و صغيرها من حقوق متساوية للجميه بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين ، ولا تفريق بين الرجال و النساء .
و في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أصدرته المنظمة الدولية بعد قيامها بثلاث سنوات و الذي تضمنت ديباجته ثلاثين مادة تحدثت عن حق كل إنسان بالتمتع بكافة الحقوق و الحريات الواردة في هذا الإعلان دون تمييز لأي سبب من الأسباب و دون تفريق بين الرجال و النساء .
و بالمقارنة مع الميثاق للأمم المتحدة فإن هذا الإعلان العالمي ليس فيه صفة إلزامية ، ولا يأخذ صفة المعاهدة المحددة بإلتزامات قانونية واضحة ، على العكس بالنسبة للميثاق الذي له الصفة الإلزامية و وجوب التفوق على قواعد القانون الوطني لأية دولة متعاقدة بما في ذلك القواعد الدستورية . و مع كل عدم الإلزامية لهذا الإعلان فإن منظمة الأمم المتحدة قد استطاعت بهذا الإعلان انتزاع تعهد من الدول الإعضاء للتعاون معه من أجل مراعاة حقوق الإنسان و الحريات الإساسية و احترامها .
و نظراً للصفة الإعلانية و غير الإلزامية  للإعلان العالمي لحقوق الإنسان فقد عملت المنظمة الدولية من خلال المناقشات مع الدول الأعضاء إلى إيجاد صيغة هامة لميثاق دولي يتناول الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية من جهة و الحقوق المدنية و السياسية من جهة أخرى و ذلك عام 1954 م ، إلا أنه بسبب معارضة بعض الدول لفكرة إصدار وثيقة واحدة تشمل كل هذه الحقوق فقد تم الإتفاق على إصدار وثيقتين منفصلتين تعالج كل منها قسماً من الحقوق المشار إليها ، و لكن الجمعية العامة للأمم المتحدة لم تستطع اعتماد هذه الوثائق إلا في عام 1966م ، و لم تضعها موضع التطبيق إلا في عام 1976 .
لقد بدأ نفاذ  الميثاق الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية في 23 آذار 1976 م و بلغ عدد الدول التي صدقت عليه أو انضمت إليه حتى عام 1987 ستاً و ثمانين دولة من بينها عشر دول عربية و ذلك من أصل 159 دولة هم مجموع أعضاء الأمم المتحدة آنذاك أي بنسبة التزام 54% فقط .
و عند التدقيق في أسماء الدول التي صدقت و التي لم تصدق على الميثاق المدني و السياسي هذا و إلى جانبه الميثاق الاقتصادي الاجتماعي الثقافي ، فإننا نرى أن ثلاث دول فقط من دول العالم الأول الديمقراطي من ضمنها الولايات المتحدة لم توقع أيضاً من الاتفاقيتين ، و قد قبلت بعض دول العالم البروتوكول الاختياري الذي يسمح بالتماسات الأفراد التي تتعلق بالحقوق المدنية – السياسية ، و قد قبلت إسرائيل الاتفاقية الاجتماعية الاقتصادية فقط و لكنها رفضت الاتفاقية المدنية – السياسية .
ولا يمكن التأكيد بصورة كافية بأننا نتحدث عن التقيد بشكل رسمي بالمعايير  الدولية ، فقد يذكر ذلك القليل جداً من التطبيق و التنفيذ الفعليي لهذه المعايير ، إذ أن هناك من الأنظمة التي قد تؤيد اتفاقيات الحقوق المدنية – السايسية بدون أن تنفذ جوهرها ، كما أن عدداً من الدول تجري انتخابات و لكن ليست ديمقراطية حقيقية لأن الذين يفوزون في الانتخابات لا يمارسون سلطة فعالة حقاً .
و مع أن الميثاق الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية اداة ملزمة للدول الأطراف إلا أن ما يحد من فعاليته هو عدم وجود آلية لتنفيذ أحكامه و عدم وجود جزاءات باستثناء الرأي العام العالمي الذي اكتفى به كعقوبة معنوية ، هذا إلى جانب الطبيعة غير التنفيذية لهذه الأحكام و قابلية معظمها للتعليق أثناء حالة الطوارئ .
و لأجل أن يتحقق التقيد والتنفيد الأكبر قدر الإمكان لما جاء في المواثيق الدولية الخاصة بحقوق الانسان فقد واصلت الامم المتحدة جهودها وعملها في هذا السبيل- وان كان تعاملها في الكثير من  الاحيان لا يتفق والنزاهة وفيه نسبة لا بأس بها من التميز ومحاباة  بعض الاطراف  والقسوة  والشدة على أطراف أخرى و بتوجيه من أطراف متنفدة ومهيمنة- جاءت الى تشجيع انشاء منظمات دولية  غالبيتها غير حكومية للدفاع  عن حقوق الانسان  وحمايتها ومنها على سبيل المثال منظمة  العفو الدولية واللجنة الدولية للصليب الأحمر وغيرها. تقوم هذه المظمات الغير الحكومية الدولية في أحيان  كثيرة بارسال بعثات لتقصي الحقائق حول اوضاع حقوق الانسان في بعض المناطق أو الدول  وتقوم هذه البعثات بدورها  باصدار تقارير تكون أحياناً المصدر الوحيد الذي يناقض أو يدحض التقيمات الصادرة عن حكومة معينة حول ممارستها بالنسبة لحقوق الانسان.
من هنا  يمكن القول أن  مسيرة حقوق الانسان  في هذه الحقبة  الأخيرة من التاريخ قد شهدت جهوداً لا يمكن القول عنها أنها  ليست  ايجابية ، ولكنها عندما توضع  الى جانب  السلبيات   الناتجة   عن الهيمنة  والانفراد وبالتالي  العبث  المتمثل بالازدواجية التي تمارسها  القوة الاولى المسيطرة  تجاه حقوق الانسان في الاماكن المختلفة من العالم سوف تصبح هذه الجهود كأنها  هي الضائعة  وتختلف الأمور بين قطرٍ وقطر وشعبٍ وشعب .






خلاصة وختام
بعد  كل هذا الذي ساقته لنا الدراسة  من مجالات فلسفية وفكرية كثيرة وواسعة حول كل المفاهيم تقريباٌ التي تمت بصلة  الى حقوق الانسان بشكل اجمالي وعام وبحق المشاركة  السياسية بشكل تحديدي وخاص بدءاٌ بمفاهيم الحرية و المساواة و الحق و مروراً بالسياسية و توابعها بما فيها المشاركة السياسية و انتهاءً بالديمقراطية . ثم أيضاً ما ساقه البحث من أحوال الحقوق بعامتها و أحوال المشاركة السياسية بالتحديد ، و من زمن إلى زمن ، و من حضارة إلى حضارة ، و من مجتمع إلى مجتمع  - بعد كل هذا الذي رايناه قراءة و دراسة و تحليلاً ماذا يمكننا ان نقدم من التقييم و الدروس المستفادة و العبر خصوصاً أن المسألة و القضية هي مسألة فوق العادية في أهميتها و حيويتها لتعلقها بكل إنسان و إنسان و كل مجتمع و مجتمع ، و على الرغم من الأولويات في إطارها بين هؤلاء .
إن الحياة ليست هي الكم فقط أي البقاء بل إنها هي النوع أيضاً أي الكرامة و السعادة ، ولا يمكن لأي كرامة أو سعادة أن تكون دون أن يكون الإنسان مالكاً لحريته التي تتعارض مع حريات الآخرين ولا تؤثر عليهم ، و إلا إذا سمح لنفسه أن يفعل ذلك فسوف يكون للآخرين و تلقائياً أن يفعلوا تجاهه كما فعل تجاههم ، و الناس كثيراً ما ينسون هذه الحقيقة ولا يتقيدون بها ، و هذا هو المنشأ و الأصل لكل الصراعات التي ظلت تدور بين الناس أفراداً و جماعات منذ وجد الإنسان على الأرض إلى الآن .
لقد ألقت الفلسفة بدلوها لعلها تجد طريقة مقبولة و ناجحة لحل هذا الإشكال العصبي و لم يقف الفكر جانباً ، كذلك لم تقف الأديان هي الأخرى ، ولا يمكن القول أن الجهود كانت  كلها عبثاً و لم تثمر عن أي شيء ، لقد حصل تقدم لا بأس به في نفوس الناس خلال هذه المدة الطويلة و لكن بالصورة النسبية و المتفاوتة بين ثقافة و ثقافة و شعب و شعب و إنسان و إنسان ، ولا يعني هذا أن الحركة هي في  اتجاه واحد دائماً فقد يكون فيها فترات من التراجع و الانحطاط كما هو مسجل و ثابت في صفحات التاريخ .
إن التخبط الكبير الذي عاشته البشرية و ما زالت تعيشه بالنسبة لهذه القضية الحياتية ذات المرتبة  الأولى سوف يجد المتمعن أن أساسه و مصدره هو الانفصال الموجود بين ما هو نظري و ما هو تطبيقي ، هناك خلل و خلل كبير ما دام المجتمع و ما دام النظام لا يأخذ العدل كالمحدد الذي لا بد منه للحرية ، فكيف يمكن أن يكون الرضى بين الناس إذا لم يكن هناك العدل ، و العدل لا يرفض المساواة و لكنه لا يقبلها مطلقة هكذا فلا بد من أخذ كل الجوانب و بناء التصور الشمولي حتى يتحقق العدل و يكون هو الحق بالمعنى الصحيح .
إننا بقدر ما نحن مؤمنين بكل حقوق الإنسان و حرياته الأساسية  وو في طليعة كل ذلك حرية الرأي و الكفر و التعبير و الحق بالمشاركة السياسية فإننا لا نريد أن يكون اي منها غير محكوم ولا مقيد بالعدل ولا سائباً جامحاً  لا يضع المستقبل القريب و البعيد في اعتباره ، و في نظرة و بما يحقق الخير للمجتمع و الأمة كلها و بالتالي للإنسانية كلها على نطاق واسع .
إننا كأمة عربية إسلامية على نطاق أوسع قد تردت حالنا و أصبحنا في أسوأ الأوضاع بين الشعوب ، و لنا أعداؤنا في القديم و الحديث و نحن مستهدفون جميعنا من قبلهم كل الاستهداف و طالما نحن على هذا الحال ستبقى مطامعهم و ستزداد ، كل السر في ضعفنا أننا جميعاً غائبون و الحكام لهم  كل شيء ، تخلينا عن الشورى التي هي الأمر بيننا و تخلينا عن الحق في اختيار الحاكم و اعطائه الشرعية بالبيعة  أو رفعها عنه و عزله إذا كان هناك ما يوجب ذلك ، هذا هو حقنا في حرية الرأي و المشاركة السياسية و كلها ضمن العدل و خدمته فهل نتوجه اليها و لا ننساق وراء الديمقراطية الغربية التي لا و ليست قادرة عليه لا في تعرف العدل ولا تقيمه و ليست قادرة عليه لا  في علاقاتها مع الآخرين ولا في إطار ذات نفسها داخل الدولة و الوطن الواحد .
في هذا الزمن الذي هو العولمة التي تقتحم علينا حياتنا رغماً عنا ليس أمامنا سوى أن يكون عندنا الوعي و الإدراك و نتمسك بأصالتنا و ثقافتنا و خصوصياتنا و تعاليم ديننا و في أول هذه التعاليم أن لا نترك الحكيم ينفردون في أمرنا و نحن في سكون ولا نتكلم ، و إذا نحن فعلنا ذلك فسوف نقدم للعالم بما لدينا و بما نضيف إليه بالاجتهاد العاقل المتفتح الملتزم في نفس الوقت تجربة تكون نموذجاً تحددى و تكون هدياً و طريقاً للخلاص ، فهل عندنا من الإيمان و الإرادة و الاستعداد للتحرك و العمل ؟ الأيام هي التي ستحمل الإجابة ة علينا أن نكون رغم كل شيء متفائلين  .




قائمة المراجع

- القرآن الكريم
- إبراهيم إبراش ، علم الاجتماع السياسي ، ط 1 ، عمان : دار الشروق ، 1998.
- إبراهيم إبراش ، المؤسسات و الوقائع الاجتماعية ، الرباط ، 1994 .
- أحمد ظاهر ، حقوق الإنسان ، ط 2 ، عمان : دار الكرمل ، 1988.
- تقي الدين نبهاني ، نظام الحكم في الإنسان ، ط 3 ، 1990.
- جاك مارتيان ، الفرد و الدولة ، ترجمة عبد الله آمين ، بغداد ، 1962.
- جورج سباين ، تطور الفكر السياسي ، ترجمة حسن جلال العروسي ، مصر: دارالمعارف ، 1952 .
- جوليان فروند ، ما هي السياسة ، ترجمة علي أديب ، دمشق ، 1981.
- حسن مصعب ، علم السياسية ، بيروت : دار العلم للملايين ، ---- .
- دافيد ب . فورسايت ، حقوق الإنسان و السياسة و الدولة ، ترجمة مصطفى محمد غنيم ، القاهرة : الجمعية  المصرية لنشر المعرفة و الثقافة العالمية ، 1993 .
- عباس مدني ، أزمة الفكر الحديث و مبررات الحل الإسلامي ، مكة المكرمة : مكتبة المنارة .
- عبد الرحمن بن خلدون ، المقدمة ، بيروت : دار التراث العربي .
- عبد الستار قاسم ، حرية الفرد و الجماعة في الاسلام ، ط 1 ، فلسطين : دار المستقبل ، 1998 .
- فيصل شنطاوي ، حقوق الإنسان و حرياته الأساسية ، ط 1 ، عمان : دار مكتبة الحامد للنشر و التوزيع    ، 1998.
- محمد سعيد مجذوب ، الحريات العامة و حقوق الإنسان ، لبنان : منشورات جروس برس .
- محمد عبد الباري ، الحرية و الدولة ، ط 1 ، مصر: مطبعة الاعتماد ، 1926 .
- محي الدين النوزي ، رياض الصالحين : دار الخير .
1. - مورس دفرجيه ، علم اجتماع السياسة ، ترجمة هشام ذياب ، دمشق ، 1980
- يوسف القرضاوي ، الحل الإسلامي : فريضة و ضرورة ، بيروت : مؤسسة الرسالة ، 1974 .
الدوريات :
- أحمد يوسف ، مجلس الأمن الدولي ..و إدارة أزمة الخليج ، السياسة الدولية ، العدد 103 ، يناير 1991.


2012-07-30 10:18:37 | 9700 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية