التصنيفات » دراسات

الأمة العربية بين الوحدة والتجزئة




دراسة مقارنة بين دعاة الوحدة ودعاة التجزئة
                                                                        
*منيب شبيب
كاتب وباحث فلسطيني
13/آذار 2013

  أن موضوعة الوحدة العربية هي من الموضوعات الهامة والكبيرة التي أخذت وستأخذ الكثير من البحث والتحليل والتفاعل بين هذا الرأي والرأي الآخر ، ذلك أن الأمور لم تكن في الماضي واضحة ومستقرة تماماً .
  فهناك من يرى أن " الأمة العربية كانت موجودة وجاء الاستعمار فقطع أوصالها هي مقولة غير كافية من الناحية العملية ولو أنها غير خاطئة تماماً" ( غسان سلامة ص472) ، ويدافع هؤلاء عن منطق الكيانات القطرية ويتبنوا العديد من الاطروحات التي تتوافق كلها معها ، ومنها على سبيل المثال لا الحصر " لمنطق الكيانات القطرية عنصر واضح وبديهي وهي أنها ليست استثنائية في عدم حملها لمسار أمة واضحة المعالم ، فهذه حال الأكثرية الساحقة من دول العالم ( غسان سلامة ص473)  " أن منطق الكيانات يقوم ثانية بعد العنصر الأول على منطق استمرار ما هو كائن حتى يأتي ما يغير فيه ويعدل بمعنى أن الكيانات العربية تستمد من بقائها واستمرارها نفساً متجدداً للاستمرار يقوم على اعتبارات تاريخية " ، " إن بناء الجيل مع التقدم المستمر في الكتابة التاريخية لتأسيس الكيانات القائمة على سوابق تاريخية أصبح بامكانهم الخروج من الاطروحات المتناقضة التي تزدحم بها عشرات الكتب المتشابه في الرتابة التي ينتجها الوحدويون والتي تردد دون ملل وحدة الأمة العربية ، وبما يدعم أكثر مما يعتقد هؤلاء الوحدويون منطق الكيانات " ، " لماذا هذا الالحاح على الطابع الاصطناعي للكيانات العربية  ، أو ليست كل الدول في العالم بوصفها نتاجاً لمسار قرارات بشرية مصطنعة ، وعليه فالاصطناع في نشوء الدول ليست إذاً نوعاً من الخطيئة الاصلية ، وشرعية الكيان تصبح مع الزمن نسبية بل تضمحل لتحل مكانها مصادر أخرى للشرعية تنبع في الاجمال من الوظيفة الفعلية التي تؤديها هذه الدول لمواطنيها " ، " إن الظواهرالجنينية كالحركة الوهابية وحركة محمد علي تشير إلى نمو الهوية العربية بمواجهة الدعوة الطورانية كما بمواجهة محاولات الاستيلاء الأوروبية ، ولكنها تشير أيضاً إلى تحولات اجتماعية وسياسية واقتصادية محلية لا علاقة لها مباشرة بفكرة الوحدة " ، " إن لبنان أقل اصطناعاً بكثير من الدول المجاورة له " ، " إن سوريا كانت تعبيراً جغرافياً لا إنعكاس سياسي له في كل الفترة الممتدة من الامبرطورية الرومانية وحتى نشوء الكيانات المعاصرة " ، إن الفكر الوحدوي التقليدي نشأ للرد على خطرين متشابكين خطر زوال العنصر العربي من خلال اندماجة فيما حوله من جوار ( لا سيما في داخل الاطار العثماني ) وخطر تفتته على يد الدول الكبرى المسيطرة آن ذاك ، الأول زال والثاني تحقق عملياً على ألأرض وترعرع ونما وأصبح له منطق ذاتي " ( غسان سلامة ص474).
 
 هذه نماذج فقط ويطفح البحث بالتي هي على شاكلتها والتي لم تسلم منها اللغة العربية ولا الدين ولا الاعلام ولا الأسم الجماعي للعرب ولا التاريخ المشترك ولا الثقافة المشتركة المميزة ولا التماهي مع الأرض ولا الشعور بالتضامن بين العرب .

  وهناك رأي آخر ورد في بحث عبد العزيز الدوري بعنوان ( مسألة الوحدة العربية منذ ظهور الاسلام وحتى الحرب العالمية الأولى ) يدافع فيه عن الأمة العربية ووحدتها ، نورد بعض من أقواله على سبيل المثال لا الحصر " أن العرب عرفوا الوحدة الشاملة في تاريخهم بعد ظهور الإسلام مع مؤشرات لها قبل ذلك " ( عبد العزيز الدوري ص151-176) ، " إن تكوين الأمة العربية قد جاء بصورة تدريجية وعلى أساس من روابط اللغة والثقافة ، وبدا هذا واضحاً في كتابات الأدباء والمفكرين في القرن الثالث الهجري ، لكن التفكير بأمة عربية لم يكن يقترن عندهم بضرورة وجود الدولة أو كيان خاص بهم " ، إن الاسلام جاء بفكرة الأمة وجعلها الإطار الواسع ولكل من تجمعهم رابطة الإسلام " ، " وكان من أول يوم ذلك الاقتران بين الإسلام والعرب الذي استمر طويلاً فيما بعد " ، " عندما ظهرت الحركة الشعوبية وركزت هجماتها على العروبة والإسلام فإن رد فعل العرب في إطار العربية تمثل في الدفاع عن اللغة والثقافة العربية والاعتزاز بالاخلاق العربية والعناية بالتراث العربي ، وفي نطاق هذا جاء التأكيد على العربية رابطة أساسية ، وساعد هذا على توضيح مفهوم الوحدة العربية وتحديده في الفكر " ، " إن العرب في الفترة العثمانية قد دخلوا جميعاً إلا المغرب الأقصى في إطار دولة واحدة وفي ظل كيان سياسي واحد وشريعة واحدة وتواصل بشري وتجاري مستمر وذلك لمدة أربعة قرون ، ولهذا أهميته في حفظ قدر من مفهوم الوحدة ، وتقوم بالتالي كعامل آخر إلى جانب روابط اللغة والثقافة " ، " لقد سيطر المسلمون لمعظم الوقت على طريق التجارة العالمية وبالتالي على هذه التجارة ولهذا دوره وأهميته في تكوين روابط ومصالح مشتركة " ، وعندما اعتبر العرب أن الأتراك قد نكصوا عن فكرة الجهاد كان الرد في حركة مشرقة تقرن بين العروبة والإسلام وتسعى لنهضة العرب ووحدتهم وترى في ذلك عزة للعرب والإسلام " (عبد العزيز الدوري ص151-176) .

  لقد أورد الدوري هذه الأطروحات وغيرها في سياق عرض من التاريخ حتى يعطي فكرة عن التدرج في تكوين الأمة العربية ، ومن اللافت للنظر أن الصراعات التي في إطار الدولة الإسلامية والانقسامات ، حيث كانت هناك في القرن الخامس هجري ثلاث خلافات ( العباسية والفاطمية والأموية في الأندلس ) ، وكانت هناك في القرن العاشر الهجري ثلاث سلطنات        ( العثمانية والصفويه والمغولية في الهند ) وهي في نظر الدوري كما يفهم – ليست تماماً في ضد الوحدة ، فحين تدهم التحديات الخارجية وأخطارها يكون الرد في تأكيد الأساس الإسلامي للسلطة والجهاد تحت راية الإسلام ، وهذا دليل على أنه التوحد من جديد ، ويتفق معه في هذا الرأي الباحث منير شفيق في بحثة بعنوان ( الوحدة العربية في التاريخ العربي ) .

  وبعد كل هذه المقارنة بين الرأيان السابقان أود أن أوضح ما يلي :

1- أن الموقف الذي يتبنى منطق الكيانات القطرية باعتبارها أنها ليست استثنائية في عدم حملها لمسار أمة ليست واضحة المعالم فيه كثير اللغط والشطط للأمة العربية ووحدة العرب وهو المنطق الذي تنطلق منه المقولة التي نحن بصددها ، فمن يشك في أصل الأمة وبمعالم وجودها لا يتوقع منه الاعتراف بالوحدة مجرد اعتراف ، فكيف يمكن أن يؤمن بها ويكافح لأجلها .
2- أن الموقف الآخر الذي يتبنى منطق الأمة العربية الواحدة الموحدة وإلى حد القول أن العرب عرفوا الوحدة الشاملة في تاريخهم بعد ظهور الإسلام مع مؤشرات لها قبل ذلك كما يذهب الدوري على طول الخط وكما يفعل مثله منير شفيق بقوله " أن الاتجاه نحو وحدة البلدان العربية كان يشكل التيار الأساسي لكل الصراعات في التاريخ العربي منذ فجر الإسلام وحتى اليوم ومستقبلاً ، سواء تلك الصراعات التي خيضت ضد القوى الأجنبية الخارجية ، أو تلك التي خيضت فيما بين القوى العربية المختلفة داخلياً أو تلك الصراعات التي حملت هذين الطابعين في آن واحد ، وعلينا أن نلاحظ ( أن الوحدة الشاملة ) منطق فيه من الاندفاع إلى حد ليس بالقليل ، ومثل هذا الاندفاع يعطي الانطباع بأن العاطفة لها دورها ولو كانت على حساب  التحليل المنطقي السليم .

  وبعد هذا التقييم ولأجل إعادة صياغة رأي في هذا الموضوع وجدت أن الانطلاقة من النسبية هو الانطلاق الصحيح  ، فوصف الأمة العربية غير واضحة المعالم ، وأن الوحدويون ليست عندهم إلا الاطروحات المتناقضة التي تردد دون ملل وحدة الأمة العربية هو وصف ينطلق من المطلق ولا ينطلق من النسبية بحالة من الأحوال ، ومثله أيضاً كلام القائلين بالوحدة الشاملة التي كانت الأمة العربية بحسبهم – وأن ذكروا عن التطور التاريخي والتدرج وما شابه ، وما أوجده هذا من وحدة راسخة بمفهومها الشامل وفي هذا من التناقض والاختراق للمعطيات القائمة على الأرض سواء فيما مضى أو الآن ، والتي فيها من التفاوت النسبي بين كل مرحلة ومرحلة بطبيعة الحال .

  والحديث عن النسبية يجعلنا ننبه إلى ملاحظة أخرى قائمة على أساسها ، وهي أن الوحدة وحتى الأمة وتكوين هذه وهذه باعتبارها نسيجاً اجتماعياً ثقافياً اقتصادياً سياسياً في نهاية المطاف ليست دائماً على الخط الواحد المستقيم المتصل بصورة كلية على الدوام ، والذي هو المتجه نحو الايجاب والصعود ، بل يعتليه الهبوط والتقطيع في بعض الحالات والاوقات .

  ما نود قوله وبالبناء على هذا الفهم للاشياء والحقائق إن الفكرة العربية لم تبلغ إلى تلك الدرجة الناضجة العالية إلى حد القومية بالمفهوم الحديث للقومية فقد شوشت عليها أمور كثيرة ومن ضمنها الذي اسماه البعض بالاختلاط مع فكرة أخرى في جانبها ( الخلافة الاسلامية) ، مما جعل فيها من الازدواجية في الانتماء وهوية الأمة وشخصيتها حتى .

  وفي رأينا أن القرون الأربعة التي عشناها تحت الحكم العثماني هي التي أعاقت بصورة رئيسية حركة تطور الفكرة العربية لكي تبلغ الدرجة القومية الناضجة المكتملة وكما جرت الأمور للشعوب الأوروبية حين مضى التطور للتشكل القومي واستمر صعوده حتى بلغ الدرجة التي بلغها ، ونزيد حتى أيضاً بالنسبة لهذه القرون التركية أنها لم تكن أشارة على أنها الوحدة بين العرب ، بل أنها تعني الاعتراف الضمني وربما حتى الصريح بالتي هي الصراعات والانقسامات والتجزئة الكامنة والخوف منها ، والتعب من بقائها واستمرارها ، وكان الحل الجلوس في الاحضان العثمانية والانتصارات الجهادية للعثمانين فهنا الأمان والسلم والاطمئنان وتكسير أنف أوروبا الباغية تجاههم .

  نعود إلى الموضوع مرة أحرى لأجل تطبيق هذه المعايير لنكتشف كم تحتوي على ذلك التشكيك بوحدة الأمة العربية بالكامل والأساس ، ومع هذا التشكيك فهناك من يرى أن الاستعمار ليس له ذنب عن تقطيع الأمة العربية ، أنه البريء وإلى درجة كبيرة ، ولا يبقى له من الذنب إلا بعض كلامة صغيرة من الظفر .

  نقول هذا الكلام لعلمنا إلى اليقين أن الاستعمار جاء وكان مزدوجاً شاركت فيه ايطاليا والبرتغال واسبانيا إضافة إلى برطانيا وفرنسا ، الغنيمة مغرية وفي أولها الموقع والنفط ، والقومية أذا واصلت التكون والتطور سيكون بمقدورها أن تمثل قوة عريضة واحدة قويه تعصف بالاستعمار وأهله ، وجرى التصدي للقومية لإنهاء وجودها – وليس فقط إلى وقفها- إذا أمكن ، ومنطق الكيانات الذي خلقه الاستعمار في البعض منا حتى يكون التقطيع للأوصال هو الأبدي بإحلال الكيانات محل الأمة نهائياً ، ولا تقوم وإلى الأبد لو قدر ( لهذا المنطق ) أن يسيطر وينجح لا سمح الله .   

لمزيد من المعلومات أنظر :
1- غسان سلامة ، عوائق الواقع العربي القطري ، الوحدة العربية تجاربها وتوقعاتها ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، 1989 .
2- عبد العزيز الدوري ، مسألة الوحدة العربية منذ ظهور الإسلام وحتى الحرب العالمية الأولى ، مكتبة الكندي ، القاهرة ، 2010 .
3- منير شفيق ، الوحدة العربية في التاريخ العربي ، مجلة الوعي العربي ، 2008 .
4- الوطن العربي والتحديات المعاصرة ، جامعة القدس المفتوحة ، فلسطين ، 2008 .












 

2013-03-19 11:45:46 | 2220 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية