التصنيفات » دراسات

لا يوجد لإسرائيل عمق إستراتيجي مع الغور وبدونه

استخدام تعبير "العمق الإستراتيجي" في سياق غور الأردن وغرب الضفة أشبه بنكتة إذ لا يوجد لإسرائيل عمق إستراتيجي مع الغور وبدونه

إعداد وحدة 

التاريخ: 14-11-2013

أصدر "مجلس السلام والأمن" في إسرائيل، الذي يضم مجموعة واسعة من كبار الضباط والمسؤولين الأمنيين السابقين، تقريرا تناول فيه ادعاءات رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، حول حاجة إسرائيل الأمنية إلى مواصلة سيطرتها على غور الأردن وضم مناطق واسعة في غرب الضفة الغربية إلى إسرائيل بعد التوصل إلى اتفاق سلام مع الفلسطينيين. 
ونفى "مجلس السلام والأمن" بشكل لا لبس فيه أن يكون بقاء السيطرة الإسرائيلية في الغور أو أية منطقة أخرى في الضفة الغربية سيساهم بأي حال من الأحوال في تعزيز أو تحسين أمن إسرائيل. 
وشدد التقرير على أن العكس هو الصحيح، وأن التوصل إلى اتفاق دائم سيحسن أمن إسرائيل وسيمنحها شرعية دولية. 
وفيما يلي ترجمة لهذه الوثيقة التي نشرها "مجلس السلام والأمن" على موقعه الإلكتروني اليوم الأربعاء – 13.11.2013.

غور الأردن – الردع والأمن
تشرين الثاني- 2013

مدخل
أولا: طُرحت مؤخرا، على خلفية استئناف المفاوضات السياسية (الإسرائيلية- الفلسطينية)، على جدول الأعمال العام أسئلة هامة وجوهرية تناولت العمق الإستراتيجي الإسرائيلي وقدرات ضمان حدود آمنة للدولة في إطار اتفاق دائم. وفي موازاة ذلك، تتعالى أصوات من جهة اليمين الاستيطاني تطرح أمام الجمهور الإسرائيلي، صباح مساء، سيناريوهات رعب أمني تفصل مسافة كبيرة بينها وبين الواقع. ولا تستند هذه السيناريوهات إلى القدرات الحالية للجيش الإسرائيلي وأذرع الأمن ولا إلى التغيرات التي طرأت خلال العقدين الأخيرين على صورة التهديدات الإستراتيجية على دولة إسرائيل. وتعاني هذه الادعاءات من غياب دعم عقلاني أمني جدي وتستغل بشكل ساخر مخاوف الجمهور الإسرائيلي لأغراض سياسية ضيقة. 
وتؤكد هذه الوثيقة أنه في إطار اتفاق مناسب مع الفلسطينيين فإن معادلة حدود العام 1967 مع تبادل أراض تضمن حماية جيدة أمام التهديدات الواقعية، وأن السيطرة على غور الأردن وغرب الضفة الغربية لا توجد حاجة لها كرد على هذه التهديدات. 
ثانيا: صورة التهديدات الحالية وتلك المتوقعة في المستقبل مختلفة بشكل كبير عن تلك التي واجهتها إسرائيل خلال الحروب في الماضي والتي على أساسها تم طرح الحاجة إلى سيطرة إسرائيلية على غور الأردن. فالتهديد الذي واجهته إسرائيل في الماضي كان هجوما بريا مكثفا بمساعدة جوية من جانب تحالف دول عربية. وواضح على ضوء التوازن الإستراتيجي الحالي في الشرق الأوسط أن هذا التهديد ليس ذا صلة بالواقع. وذلك لعدة أسباب: تفتت الاتحاد السوفياتي، انهيار حلم الوحدة العربية، توقيع اتفاقيتي السلام مع مصر والأردن، محو القوة العسكرية للعراق وتفتت سورية.
والتهديدات المركزية التي يتعين على إسرائيل مواجهتها هي: حرب غير تناسبية، بوجود لاعبين ليسوا دولا وينشطون بواسطة حرب أنصار وإرهاب؛ تهديدات إستراتيجية، مثل صواريخ عابرة للقارات وأسلحة دمار شامل. 
ثالثا: مناطق غور الأردن وغرب الضفة الغربية ليست ذات صلة بالواقع مقارنة بالتهديدات الحالية، وذلك لعدة أسباب: آماد الصواريخ والقذائف الصاروخية تمكن من تغطية كاملة للأراضي الإسرائيلية من دون نصب منصات إطلاق صواريخ في المنطقة الواقعة غربي نهر الأردن؛ العناصر المركزية المؤثرة أمام تهديدات الإرهاب والمليشيات هي مصداقية العقبة [أي الحدود] التي بين إسرائيل والدولة الفلسطينية ومقدرة الدولة الفلسطينية والترتيبات الأمنية معها على منع إنشاء بنية تحتية إرهابية.
وحتى في السيناريو الأقل معقولية ويحاكي حربا كلاسيكية تقليدية ينبغي أن نذكر: 1- أن الغور لا يوفر عمقا إستراتيجيا. فعرض دولة إسرائيل مع الغور وفي المكان الأكثر ضيقا هو خمسون كيلومترا فقط، ولذلك فإن ثمة حاجة لرد آخر وهو ليس إقليميا. 2- إذا تعين أن يوفر الغور ردا على هجوم عسكري بري، فإن المنطقة البالغة الأهمية لانتشار عسكري [إسرائيلي] هي السفوح التي تقود إلى قمم الجبال. والانتشار هناك يحوّل الغور إلى مكان مقتل القوة المهاجمة. 3- إن القوة [الإسرائيلية] التي ستمكث بشكل دائم في الغور ستكون بالضرورة محدودة الحجم، وموجودة في منطقة متدنية طوبوغرافيا، وتتعرض لخطر المحاصرة بشكل دائم. 4- توجد لخط نهر الأردن أهمية تتعلق بالحفاظ على الأمن ومراقبة الحدود في الفترات العادية وليس أكثر من ذلك.
رابعا: الردود ذات العلاقة على التهديدات الماثلة اليوم تكمن في المجال العسكري والمجال السياسي - الاتفاقي. وفي المجال العسكري، يجب أن يتم بناء الرد على التهديد الإستراتيجي على أساس خمسة مداميك: 1- الردع. 2- الإنذار. 3- الدفاع السلبي (حماية الجبهة الداخلية). 4- الدفاع الإيجابي (اعتراض صواريخ عابرة للقارات). 5- قدرة هجومية لتقليل كمية ومدة إطلاق الصواريخ.
ويوجد بحوزة إسرائيل، اليوم، رد جيد للغاية ضد هجوم بري مكثف أيضا، رغم أنه، مثلما ذكرنا أعلاه، احتمالية سيناريو كهذا ضئيلة للغاية. فقد طور الجيش الإسرائيلي وحصل على قدرات غير مألوفة لتدمير كميات كبيرة من الأهداف المتنقلة والثابتة في آماد كبيرة وبدقة بالغة. أي أنه بإمكان الجيش الإسرائيلي أن يدمر قوات داخل الأراضي الأردنية، وقبل وقت طويل من وصولها إلى خط نهر الأردن. وفي حالات الطوارئ، بإمكان الجيش الإسرائيلي استغلال محاور في غرب وشمال وجنوب الغور إلى جانب قدرات الطيران، من أجل نشر قوات في الغور والجبال المطلة عليه. 
وفي المجال السياسي - الاتفاقي، فإن غاية اتفاقيات السلام هي أن تشكل بديلا لائقا للسيطرة على مناطق الخصم، سواء من خلال تراجع المحفزات للعنف ضد الجانب الآخر أو بواسطة ترتيبات أمنية، في حال تقوّض السلام.
وينبغي أن يشمل اتفاق دائم مع الفلسطينيين الأنظمة التالية: 1- أن تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح وأن تكون لديها قوات لحفظ الأمن الداخلي فقط. 2- ترتيبات لمراقبة حدود الأردن والمعابر الحدودية من أجل الحفاظ على الدولة المنزوعة السلاح. 3- يحظر على الدولة الفلسطينية إبرام تحالفات وتعاون مع دول أو جهات معادية لإسرائيل. 4- تعهد الدولة الفلسطينية بمنع إقامة بنى تحتية إرهابية والإشراف على هذا التعهد. 5- نشر قوة دولية في أراضي الدولة الفلسطينية. 
إلى جانب ذلك ينبغي تعزيز الحلف الإستراتيجي غير الرسمي بين إسرائيل والأردن لدى قيام الدولة الفلسطينية وتعميق المصلحة المشتركة. ومن شأن وجود وتعزيز هذا الحلف أن يقود إلى نشوء وضع إستراتيجي مريح لإسرائيل وتكون حدودها الأمنية، لمواجهة هجوم بري، عند الحدود الشرقية للأردن عمليا. 
الخلاصة
أولا: التهديدات المركزية، اليوم، هي تهديد الإرهاب وتهديد الصواريخ العابرة للقارات وأسلحة الدمار الشامل. وتسعى هذه التهديدات إلى تراجع المعنويات القومية ومكانة إسرائيل الدولية، وإزاءها لا توجد أية أهمية للسيطرة على غرب الضفة وغور الأردن.
ثانيا: تملك إسرائيل ردا عسكريا مناسبا حتى لسيناريوهات خطيرة واحتماليتها ضئيلة، مثل هجوم بري مكثف من جانب تحالف دول عربية. 
ثالثا: اتفاق دائم مع الفلسطينيين وبضمنه الترتيبات الأمنية سيمنح بديلا مناسبا أكثر للسيطرة على غرب الضفة وغور الأردن وسيوجد وضعا إستراتيجيا تكون فيه الحدود الفعلية موجودة في القسم الشرقي من المملكة الأردنية. 
حدود آمنة وعمق إستراتيجي
إن استئناف المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين، على أساس وساطة أميركية، طرح في الآونة الأخيرة على الأجندة العامة مسألة العمق الإستراتيجي الإسرائيلي والحاجة إلى ضمان حدود قابلة للحماية في إطار المسار الإقليمي الجاري بحثه بين الجانبين. وتطالب حكومة إسرائيل بسيطرة إسرائيلية على غور الأردن وكذلك بضم أجزاء واسعة من القسم الغربي للضفة الغربية من أجل أن يضمن ذلك لإسرائيل حدودا آمنة وعمقا إستراتيجيا، يمكنانها من مواجهة التهديدات العسكرية المحتملة الماثلة أمامها. 
ولدى التمعن في هذه القضية ينبغي الإجابة على أربعة أسئلة أساسية: 
ما هي التهديدات الأساسية التي قد تواجهها إسرائيل؟
ما هي أهمية غور الأردن والقسم الغربي من الضفة لإنشاء عمق إستراتيجي وحدود آمنة تمكن من مواجهة جيدة أكثر مع هذه التهديدات؟ 
ما هو وزن الحلول السياسية والاتفاقيات للرد على هذه التهديدات؟
ما هي الحلول العسكرية الموجودة والمستقبلية لهذه التهديدات، وما هو مدى ارتباطها بالسيطرة على مناطق غور الأردن وغرب الضفة؟ 
صورة التهديدات
عندما تم تطوير مفهوم الحاجة إلى حدود آمنة، وفي هذا الإطار الحاجة إلى سيطرة إسرائيلية على غور الأردن، مثلما تم التعبير عنها في العام 1967 من خلال "خطة ألون" مثلا، كان التهديد الأساس الماثل أمام إسرائيل هو هجوم بري مكثف بمساعدة جوية من جانب تحالف دول عربية- "الجبهة الشرقية". وهذا هو التهديد الذي واجهته إسرائيل في الأعوام 1948 و1949، 1967، 1973. وكان هذا بمثابة تهديد وجودي نابع من انعدام التناسب بين إسرائيل والعالم العربي، وكان أحد عناصره غياب عمق إستراتيجي. 
ومنذ ذلك الحين تغير بشكل مطلق التوازن الإستراتيجي في الشرق الأوسط وغاب بالمطلق التهديد بشن هجوم بري مكثف، للأسباب التالية: 
أولا: في أعقاب تغير النظام العالمي فقد العرب دعم دولة عظمى تمنحهم دعما وتأييدا ماديا لخطوة كهذه.
ثانيا: حلم الوحدة العربية انهار. ولذلك فإن احتمال بلورة تحالف عربي واسع يقارب الصفر.
ثالثا: وقعت إسرائيل على اتفاقيتي سلام مع دولتين عربيتين، مصر والأردن، وأخرجتهما من دائرة الحرب. وفي موازاة ذلك، اعترفت جميع الحكومات العربية، بدون استثناء، ومثلما تم التعبير عن ذلك من خلال مبادرة السلام العربية، بعبث محاولة تحقيق غاياتها مقابل إسرائيل بطرق غير سياسية. ويحمل لواء الكفاح ضد إسرائيل اليوم لاعبون ليسوا دولا فقط وبدعم دولة غير عربية، هي إيران.
رابعا: العراق، وهي العنصر المركزي في أية جبهة مقابل إسرائيل، هُزمت في حربي الخليج وتم محو قوتها العسكرية بشكل كامل. وستمر سنوات كثيرة حتى تتمكن من بناء قوة عسكرية قوية. وذلك إذا ما افترضنا أنها ستنجح في الحفاظ على وحدة أراضيها.
خامسا: سورية، وهي عنصر آخر في الجبهة الشرقية، موجودة في أوج حرب أهلية مستمرة، وقدراتها العسكرية تراجعت، وتوشك على التفتت.
سادسا: الدول العربية يئست من محاولاتها لمواجهة إسرائيل في ميدان المعركة الكلاسيكي ولذلك، باستثناء دول النفط، فقد خفضت معظمها الاستثمارات في القوات العسكرية التي تتسلح بسلاح تقليدي وانتقلت إلى الاستثمار في مجالات عسكرية مجدية أكثر بالنسبة لها. 
ولهذه الأسباب فإن التهديدات العسكرية الأساسية التي سيتعين على إسرائيل مواجهتها في الحاضر والمستقبل المنظور هي في مجالين أساسيين آخرين:
الأول: المواجهة في المجال الكامن تحت حرب نظامية كلاسيكية، أي حرب أنصار وإرهاب. ويسمى هذا المجال أحيانا بأنه حرب غير تناسبية، وهي تسمية تعكس مميزاته الأساسية. أولا، هو ليس حربا بين دول، وإنما هو حرب بين دولة ولاعب ليس دولة. ثانيا، يجري هذا المجال بأساليب أخرى من أجل إحداث توازن كمي وتكنولوجي لصالح الدولة.    
الثاني: خوض حرب ضد إسرائيل بأدوات إستراتيجية، وبالأساس صواريخ عابرة للقارات وأسلحة دمار شامل، أي سلاح كيميائي وبيولوجي ونووي. وغاية ذلك أيضا إظهار تفوق إسرائيل في مجال الحرب النظامية وفي المجال الإستراتيجي، الذي تعتبر فيه إسرائيل بنظر خصومها كمن تمتلك قدرات نووية عسكرية إلى جانب قدرات صاروخية متطورة. 
وثمة عدة مميزات مشتركة لهذين المجالين: أولا، الهدف الأساس لكليهما هو السكان المدنيون في إسرائيل. ثانيا، تبنّى كليهما كسلاح أساس القدرة على إطلاق صواريخ تتحرك في مسار عابر للحدود، وهي صواريخ موجهة عن بعد وقذائف صاروخية ذات آماد مختلفة. وبمساعدة هذه الوسائل بمقدورهما تغطية كل أراضي دولة إسرائيل. ثالثا، استخدام حرب الإرهاب والأدوات الإستراتيجية لا يسعى إلى تحقيق انتصار وحسم عسكري وإنما إلى استنزاف وضرب المعنويات القومية وتحقيق مكاسب إعلامية وسياسية.
غور الأردن وغرب الضفة كرد على التهديدات
إن غور الأردن وغرب الضفة ليسا على أي صلة بالواقع كرد على كلا التهديدين الأساسيين الجديدين. ومدى الصواريخ والقذائف الصاروخية يسمح بتغطية كل مساحة دولة إسرائيل بتهديد صاروخي مكثف من دون الحاجة إلى نشر منصة إطلاق صواريخ واحدة في المنطقة الواقعة إلى الغرب من نهر الأردن. 
وحتى لدى الحديث عن مشاكل موضعية، مثل مسألة الدفاع عن مطار بن غوريون، فإن تحريك حدود إسرائيل ليس الحل. إذ بالإمكان ضرب المطار من خلال كلا نوعي التهديد. الأول بواسطة صواريخ عابرة للقارات وقذائف صاروخية، ومسألة الحدود حيالهما ليست ذات صلة بالواقع، كما أنها ليست ذات صلة بأي هدف آخر في إسرائيل. والثاني يتعلق بالصواريخ الموجهة عن بعد التي قد تضرب طائرات في أثناء هبوطها وتحليقها. وهنا أيضا، تحريك الحدود ليس ذا صلة بالواقع بسبب إطالة مدى هذه الصواريخ. 
كذلك فإن لتهديد الإرهاب وحرب الأنصار، أي تسلل مخربين انتحاريين أو غزو قوة من منظمة أنصار إلى داخل إسرائيل، صلة ضعيفة جدا بالواقع من أجل تحريك الحدود. والعوامل المؤثرة الأساسية هي مصداقية الحدود بين إسرائيل والدولة الفلسطينية، وأكثر من ذلك القدرة على منع إقامة بنى تحتية إرهابية في الدولة الفلسطينية. وفي واقع تكون فيه دولة فلسطينية مستقلة، سيؤثر على النقطة الثانية بالأساس متغيرات مثل إلى أي حد تؤدي الدولة الفلسطينية مهماتها، وما هي الترتيبات الأمنية المشمولة في الاتفاق بين الدولتين، وما مدى التعاون في مجال منع الإرهاب، وما هو نظام مراقبة الترتيبات الأمنية. 
بناء على ذلك، فإن التهديد الأساس ليس هجوما بريا يقضم الأراضي الإسرائيلية وإنما ضرب روح الشعب ومكانة إسرائيل في العالم الخارجي. ومن شأن اتفاق دائم مع الفلسطينيين والترتيبات الأمنية المشمولة فيه أن تشكل بديلا مناسبا أكثر للمكسب الصغير الكامن في استمرار السيطرة على غور الأردن وغرب الضفة. وهو ينشئ وضعا إستراتيجيا مريحا لإسرائيل وتكون فيه حدودها الأمنية في شرق الأردن، ولا يمكن القول هنا إنه لا توجد أهمية للمساحة الإقليمية.
واستخدام تعبير "العمق الإستراتيجي" في سياق غور الأردن وغرب الضفة هو أشبه بنكتة. إذ لا يوجد لإسرائيل عمق إستراتيجي مع الغور أو بدونه. فعرض إسرائيل مع غور الأردن في المكان الأكثر ضيقا هو 50 كيلومترا فقط. والاستنتاج هو أن ثمة حاجة إلى ردود أخرى على هذا التهديد أيضا. 
أهمية الحلول السياسية والاتفاقيات
إن غاية اتفاقيات السلام بعد الحروب هي توفير حلول متفق عليها وسياسية كبديل لائق للسيطرة على منطقة تابعة للدولة التي كنا في حالة حرب معها. وجزء من الحل هو حالة السلم نفسها التي توفر ردا على محفزات كل طرف لممارسة العنف تجاه الطرف الآخر. رغم ذلك، فإن فرضية أساسية هامة هي أن حالة السلم قد تتقوض، ولذلك فإن الاتفاقيات تشمل ترتيبات أمنية لمواجهة وضع كهذا بالضبط. وهكذا، على سبيل المثال، في اتفاقية السلام مع مصر، تمت إعادة شبه جزيرة سيناء إلى مصر، لكن الترتيبات الأمنية شملت مناطق منزوعة السلاح، ومناطق توجد فيها أعداد قليلة من القوات، ونظام مراقبة وقوة دولية. وتنشئ هذه الترتيبات وضعا تكون فيه سيناء تحت السيادة المصرية ولكنها من الناحية الفعلية تلعب دورا يجعلها بمثابة عمق إستراتيجي اصطناعي لإسرائيل. 
وسيكون في الاتفاق الدائم مع الفلسطينيين أنظمة مشابهة أيضا:
*النظام الأول هو أن تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح. وسيتم السماح فقط بوجود قوات مهمتها الأمن الداخلي.
*النظام الثاني هو ترتيبات المراقب التي ستشمل مراقبة الحدود مع الأردن والمعابر الحدودية من أجل ضمان الحفاظ على الدولة المنزوعة السلاح.
*النظام الثالث هو فرض حظر على الدولة الفلسطينية بإبرام تحالفات والتعاون مع دول وحركات معادية لإسرائيل.
*النظام الرابع هو التزام الدولة الفلسطينية بمنع وجود بنى تحتية إرهابية وأنشطة إرهابية ونظام مراقبة لهذه الالتزامات. 
*النظام الخامس هو نشر قوة دولية فعالة في مناطق الدولة الفلسطينية. 
وبنظرة إستراتيجية أوسع، هناك نظام سياسي لا يستند مباشرة إلى الاتفاق مع الفلسطينيين ولكنه مرتبط به وهو العلاقات مع الأردن. ويوجد الآن حلف إستراتيجي غير رسمي بين الدولتين. وإقامة الدولة الفلسطينية سيعزز هذا الحلف لأنه سيمنع تقويض العلاقات بين الدولتين بسبب الاحتكاك مع الفلسطينيين وسينشئ مصلحة قوية مشتركة من أجل منع أن يصبح قيام الدولة الفلسطينية تهديدا أمنيا ضد الدولتين. وطالما يتم الحفاظ وتعزيز الحلف الإستراتيجي مع الأردن، فإن حدود إسرائيل الأمنية ليست نهر الأردن وإنما حدود الأردن مع العراق. وغور الأردن وغرب الضفة لا يشكلان حلا للتهديدات الأساسية المتوقعة ضد إسرائيل اليوم وبعد اتفاق مع الفلسطينيين.   
حلول عسكرية
إن نظرة أمنية كاملة ينبغي أن تبحث أيضا في "فرضيات السيناريو الأخطر". وكما ذكر أعلاه، رغم أن اتفاق السلام بحد ذاته يمنح أفضليات أمنية كثيرة لإسرائيل، فإن ثمة جدوى في السؤال حول ماذا سيحدث إذا انهار اتفاق السلام والاعتبارات السياسية التي استند إليها: هل في وضع كهذا ستوفر الترتيبات الأمنية التي يتضمنها الاتفاق والقدرات العسكرية الإسرائيلية ردا مناسبا على التهديدات؟ 
الإجابة على ذلك مؤلفة من جزأين. في كل ما يتعلق بالتهديدات الجديدة والمحتملة أكثر - إرهاب وحرب أنصار من جهة، واستخدام أسلحة إستراتيجية، من جهة أخرى - لن يكون هناك أي فرق بين وضعنا مع سيطرة في غور الأردن وغرب الضفة أو بدونه. وفي جميع الأحوال سنضطر إلى إيجاد أجوبة تكنولوجية وعملانية للعمليات بواسطة خلايا وانتحاريين وأيضا للتهديدات البعيدة. 
والرد على التهديد الثاني، للسلاح الإستراتيجي الذي بات تهديدا أساسيا، ينبغي بناؤه على أساس خمسة مداميك: 
* ردع
* إنذار
* دفاع سلبي: ملاجئ، عتاد للاحتماء من أسلحة كيميائية وبيولوجية، قدرات إخماد حرائق، إنقاذ، مؤهلات طبية وقدرة على معالجة السكان الذين تعرضوا لهجمات والانتعاش بسرعة. 
*دفاع إيجابي: قدرة على اعتراض الصواريخ العابرة للقارات. 
*قدرة هجومية غايتها تقليص عدد الصواريخ التي يتم إطلاقها ومدة إطلاقها. وفي الحالة الفلسطينية فإن ترتيبات الدولة المنزوعة السلاح وتقليص القوات يجعلان المدماك الهجومي أبسط. 
وماذا يمكن أن يحدث في حال وجود تهديد بهجوم بري مكثف؟ لنضع الفرضيات الأكثر خطورة: يمكن أن يتم النجاح في تشكيل تحالف عسكري عربي في أعقاب تغير النظامين في الأردن والعراق. وتنجح العراق في بناء قدرات لإرسال قوات كبيرة إلى منطقتنا. ويقرر الأردن السماح للقوات العراقية والسعودية وربما الإيرانية أيضا بالدخول إلى أراضيه. وهذا سيناريو يبدو في الواقع الإستراتيجي الشرق أوسطي كفنتازيا خيالية، ورغم ذلك، ماذا بإمكان إسرائيل أن تفعل في حال تحقق ذلك؟ 
يتضح أن وضع إسرائيل ليس سيئا في سيناريو كهذا، والخطر الحقيقي الذي سيحدق بها هو ليس من كميات الصواريخ الطويلة المدى التي ستطلق نحوها ولا من الهجوم البري. فقد مرت الحروب العصرية في العقود الأخيرة بتغيرات دراماتيكية. والقدرة على إطلاق النيران تحسنت بشكل كبير جدا على حساب الاجتياح البري. 
وعبر الجيش الإسرائيلي هذه التغيرات من جيش يستند بالأساس إلى فيالق مدرعة ثقيلة إلى جيش ما زالت لديه قدرات ملموسة في هذا المجال، ولكن في موازاة ذلك طوّر وحصل على قدرات غير عادية بمقدورها تدمير كميات من الأهداف الثابتة والمتنقلة وفي آماد كبيرة وبواسطة أسلحة دقيقة. ومعنى ذلك أنه توجد لدى الجيش الإسرائيلي قدرات ستتعاظم من أجل القضاء على قوات مهاجمة تدخل إلى أراضي الأردن وقبل وصولها إلى خط نهر الأردن بكثير. 
إضافة إلى ذلك، فإنه في حالات الطوارئ سيتمكن الجيش الإسرائيلي من استغلال المحاور المؤدية إلى الغور من الجهات الغربية والشمالية والجنوبية، كما أن لديه قدرات نقل جوي لقوات من أجل الدخول إلى الغور والاستعداد في سفوح الجبال. إذ أن ترتيبات الدولة المنزوعة السلاح تسمح بتنفيذ ذلك بسهولة نسبية. 
والتغيرات في ميدان القتال العصري تقيد قدرات الجيش الإسرائيلي في خوض حرب متحركة. ولذلك فإن الخطر الأشد هو أن تتحول الحرب إلى حرب استنزاف متواصلة تلعب فيها التهديدات الصاروخية دورا مركزيا، ولكي فيما يتعلق بهذا الموضوع، فإن المناطق التي نتحدث عنها (أي الغور وغرب الضفة) ليست ذات صلة أبدا.
إن اتفاقا دائما مع الفلسطينيين سيحسن مكانة إسرائيل في المجتمع الدولي ويؤدي إلى استقرار علاقاتها مع الولايات المتحدة. وفي موازاة ذلك سيضمن أجواء دولية مشجعة وتساعد إسرائيل على مواصلة تطوير قدراتها العسكرية اللازمة لمواجهة سيناريوهات أخطر. 
وستسمح الشرعية الدولية التي يمنحها الاتفاق لإسرائيل بحرية أكبر بكثير في ممارسة القوة ضد تهديدات، وذلك بعد التوقيع على اتفاق دائم وانسحاب إلى حدود جديدة.

خاتمة
من خلال تحليل القضايا الأساسية المتعلقة بالدفاع عن الحدود يظهر أنه في إطار مفاوضات مع الفلسطينيين بالإمكان رسم حدود آمنة على أساس حدود العام 1967 مع تبادل أراض بحجم غير كبير. 
والعناصر السياسية للاتفاق، النظام والأمن، العلاقات الإستراتيجية مع المحيط الذي سينشأ في أعقاب الاتفاق وكذلك الشرعية الدولية - كل هذه ستتكتل لتصبح رزمة أمنية واحدة ستؤدي إلى تحسين وضع إسرائيل الأمني قياسا بوضعها اليوم ، وستسمح لها بتحقيق أمن بأثمان معقولة.
 
هذا التقرير ممول من قبل الاتحاد الأوروبي
 
*"مضمون هذا التقرير هو مسؤولية مركز "مدار"، و لا يعبر بالضرورة عن آراء الاتحاد الاوروبي"   

2013-11-16 11:07:35 | 1875 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية