التصنيفات » ندوات

ندوة سياسية حول الحركات التكفيرية في المنطقة[د. أحمد موصلّلي]




عقِدت في مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية في بيروت، بتاريخ 21/8/2014، ندوة سياسية حول الحركات التكفيرية في المنطقة: خلفيات وتحدّيات. وقد حاضر في الندوة التي حضرها جمع من الباحثين والمهتمين بالقضية الفلسطينية وقضايا المنطقة، الدكتور أحمد موصلّلي، أستاذ العلوم السياسية والدراسات الإسلامية في الجامعة الأمريكية في بيروت.
وبعد تقديم من مدير مركز باحث الأستاذ وليد محمّد علي، تحدّث د. موصللي حول الظروف التاريخية التي أحاطت بنشأة  الحركات الإسلامية السلفية في المنطقة، بدءاً من الحركة الوهّابية التي برزت في القرن الثامن عشر (بخص محمّد بن عبد الوهاب)، إلى تنظيم الأخوان المسلمين في مصر الذي أسّسه حسن البنّا في ثلاثينيات القرن الماضي، والذي توسّعت  فروعه إلى عدّة دول عربية وإفريقية، فضلاً عن اتجاهات دينية وسياسية أخرى.
أما ظواهر التكفير المنتشرة اليوم في المجتمعات الإسلامية، فتعود إلى التلاقح الغريب بين هاتين الحركتين السلفيتين اللتين تحدّثنا عنهما: الحركة الوهّابية التي كفّرت أو نقضت كلّ ما أتى بعد عهد الرسول محمد (ص) والخلفاء "الراشدين" والصحابة، فيما كفّر "الإخوان المسلمون" المجتمع الإسلامي الذي يخضع للظالم مهما كانت المبرّرات والظروف المحيطة به!
لقد كفّر الوهّابيون السنّة غير المعتقدين بأفكارهم، كما كفّروا الشيعة وغيرهم، فيما كفّر السلفيون من الإخوان المسلمين الأنظمة والمجتمعات التي تعيش الكفر في حياتها وممارساتها، برغم التناقضات الكبيرة الموجودة ما بين تلك الدول والمجتمعات غير الملتزمة بشريعة الله في كلّ الأحوال!
وما زاد الطين بلّة أن السياسة بكلّ أحابيلها قد دخلت باكراً على خطّ هاتين الإيديولوجيتين، لتربط المملكة السعودية خصوصاً في المنطقة، والولايات المتحدة وبريطانيا من خارج المنطقة، بامتدادات وخطط كلّ من الحركة الوهّابية وجماعات "الإسلام السياسي" التي مثّلها الأخوان المسلمون في مرحلة أولى؛ ولتنشأ في بيئات هاتين الحركتين فيما بعد جماعات التكفير والتدمير والقتل الأعمى، للمسلمين الآخرين كما لغير المسلمين، بذرائع أو مبرّرات فقهية وفكرية عديدة، ليس فيها أيّ منطق أو منهج تفكير سليم، كما هي حالة الفكر الإسلامي الإنساني الأصيل والتاريخ العربي والإسلامي عموماً.



وأورد د. موصلّلي عدّة شواهد ووقائع  على تأثّر منظّري وقادة الحركة السلفية الجهادية (التكفيرية) الحاليين بمن سبقهم من منظّرين على ضفّتي الوهابيين أو الأخوان المسلمين (في مصر تحديداً- سيّد قطب)، لتنتج الجماعات القتالية في أفغانستان ضدّ الاحتلال الروسي (ومن ثم الاحتلال الأمريكي لاحقاً)، والتي خرجت من الإطار الغربي-الخليجي الراعي لها إلى مسار مهاجمة كلّ الدول أو الجهات والفئات التي ترفض مبادئ وممارسات هذه الجماعات، كما شهدنا فيما بعد من عمليات تفجير وتدمير عمياء طالت المدنيين المسالمين قبل غيرهم، بدءاً من أفغانستان وباكستان مروراً بالعراق واليمن ومصر وسوريا، وحتى الدول الأفريقية ودول في غرب أوروبا، وصولاً إلى الولايات المتحدة الأمريكية التي هالها التوسّع المفاجئ لتلك الجماعات إلى درجة  باتت تهدّد الأمن القومي الأمريكي، فيما كان من المؤمّل- بحسب المخطّطين أو المنظّرين الغربيين- أن تؤدّي ممارسات هذه المجموعات  الإرهابية إلى تفتيت المنطقة وتقسيم دولها ومجتمعاتها بما يخدم أمن الكيان الإسرائيلي ويحفظ المصالح الحيوية الاستراتيجية للغرب فحسب (النفط خصوصاً)!
وتحدّث المحاضِر عن عدّة محطّات رئيسية تقوّت فيها الجماعات "الجهادية" التكفيرية، مثل محطّة  تفجيرات 11 سبتمبر/أيلول2001 في الولايات المتحدة، وما تلاها من تفجيرات وعمليات انتحارية أو معارك ونزاعات واسعة في أفغانستان وباكستان؛ وصولاً إلى مرحلة  ما سمّي  "ثورات الربيع العربي" التي أطلقت عنان تلك الجماعات من عقالها تحت شعارات رفعتها الشعوب في بعض البلاد العربية، والتي نادت بالحرّية والتخلّص من الظلم والفساد في بلدانها، فكان أن تقدّمت بعض تلك الجماعات لتسرق هذا "الربيع العربي" (أو بعضه على الأقلّ) مثلما حصل في ليبيا وغيرها.
ولفت د. موصلّلي إلى أن مشروع تهجير المسيحيين من العراق وسوريا، الذي تنفّذه حالياً جماعات "داعش" (الدولة الإسلامية في العراق والشام) الإرهابية التكفيرية، هو – من الناحية العملية- جزء من المخطّط الأمريكي العام المرسوم مسبقاً لهذه المنطقة، والتي فشل الأمريكيون في السيطرة المباشرة عليها بعد غزو أفغانستان والعراق وخصوصاً. ويقضي هذا المخطّط بتدمير الدول العربية وتفتيتها وإقصاء مكوّنات أساسية فيها أو تهجيرها نهائياً عن أوطانها، بما يخدم في المحصّلة المشروع الصهيوني العنصري القائم على قاعدة تثبيت ما يسمّى يهودية الكيان الإسرائيلي على أساس عرقي خالص!
وكشف المحاضِر أن المملكة السعودية قلقت كثيراً من تنامي ظاهرة "داعش" واقترابها من حدودها في بعض المناطق، حيث اتخذت عدّة إجراءات للتصدّي لخطرها الزاحف، بعدما اعتقدت أنها سوف تستفيد من ممارساتها وعملياتها الإجرامية والدموية في المحيط العربي الواسع حولها (سوريا/العراق/ليبيا/ اليمن، وغيرها).
ولاحظ أن "الربيع العربي" الذي أبهر العالم في بداياته ما هو إلاّ نتيجة تقاطع أو تلاقي الإرادة الغربية (الأمريكية تحديداً) مع طموحات جماعة الأخوان المسلمين (في مصر وغيرها)، بما يتناسب  مع مشروع (إسرائيل الكبرى) أو الشرق الأوسط الكبير (بحسب وزيرة خارجية أمريكا السابقة: كونداليزا رايس) الذي تجدّد، وقد يتحوّل إلى واقع بفعل ما جرى ويجري في منطقتنا في هذه المرحلة القاتمة من تاريخها.
وحذّر د. موصللي ممّا يجري في العراق وسوريا وليبيا واليمن وغيرها، داعياً إلى بذل كلّ الجهود اللازمة من قِبل علماء ومفكّري وسياسيّي البلاد التي ابتلِيت بداء "داعش" والإرهاب التكفيري، من أجل محاصرة واستئصال هذا السرطان الخبيث، عبر تخفيف الاحتقان السنّي – الشيعي وكافّة النزاعات البينيّة الأخرى، وتوعية الرأي العام العربي حول خطورة التطرّف على الجميع، وأهمّية التركيز مجدّداً على أولوية  مواجهة العدوّ المشترك للعرب والمسلمين، أي "إسرائيل" التي عادت لتدمّر وتنكّل بالشعب الفلسطيني في غزّة والضفة الغربية المحتلة، من دون أيّ صدىً أو ردود فعل واسعة في المنطقة، كما كان يجري  في المراحل السابقة للاعتداءات الصهيونية على الفلسطينيين، ما عدا بعض التظاهرات التي حصلت في المغرب واليمن ودول أوروبية عدّة!
كذلك دعا د. موصلّلي إلى تفنيد الأسس الفكرية أو الفقهية أو التاريخية الخاطئة التي يستند إليها التكفيريون لتبرير جرائمهم الكبرى بحقّ الإسلام والمسلمين وغيرهم من مواطني الدول العربية، والتي انبثقت أساساً من البيئتين السلفيتين اللتين تمّ الحديث عنهما بداية: الحركة السلفية الوهابية وامتداداتها، وجماعة الأخوان المسلمين بكلّ فروعها المنتشرة!
وبعد انتهاء المحاضِر من كلمته، داخل بعض المشاركين في الندوة حول أسباب  وخلفيّات بروز هذه الحركات الإرهابية التكفيرية وارتباطاتها الخارجية، تمويلاً ودعماً عسكرياً وأمنياً وحتى سياسياً، فأجاب د. موصللي موضحاً عدّة نقاط لم ترد في المحاضرة بشكل مفصّل، ليؤكّد أن لدى الجماعات التكفيرية قواعد فكرية وقراءات فقهية وتاريخية (ولو مغلوطة أو مبتسرة)، وبرامج معيّنة، مع اختلاف في ظروف  وآليات عمل تلك الجماعات في هذا البلد أو ذاك؛ ناهيك عن الصراعات التي نشبت فيما بينها، ما يؤكّد هشاشة القواعد التي أرستها هذه الجماعات وافتقادها لمراجع تاريخية ذات وزن، أو للقيم الأخلاقية التي يُفترض أن تحكم آراءها وممارساتها (فهي تكفّر من يقرأ النصّ أو من يقلّد من عموم المسلمين).
وختم د. موصللي بالقول: إن الحالة التكفيرية الراهنة هي حالة تدميرية للإسلام والمسلمين في كلّ مكان.






2014-08-26 14:25:59 | 2273 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية