التصنيفات » دراسات

رؤية المسيحيّين المشرقيّين للقضية الفلسطينية وتهويد القدس بمناسبة الذكرى الستّين لإعلان "دولة إسرائيل" أ. ليلى نقول




تحتلّ قضية فلسطين موقعاً هاماً في الوجدان العربي، وهي تُعتبر بحقّ من أكثر القضايا المعاصرة إشكالية وتعقيداً. عام1947 صدر قرار الأمم المتحدة رقم (181) بتقسيم فلسطين الذي تبنّته الجمعية العامة، وأعقبه إعلان "دولة إسرائيل" في 15 أيار 1948، التي سرعان ما تمّ الاعتراف بها واكتسبت قانونية في الأمم المتحدة. بينما ساهمت الانقسامات العربية والتشرذم وطمع الأردن بالأراضي الفلسطينية، في تأخير إعلان الدولة الفلسطينية المستقلّة التي نصّ عليها قرار التقسيم، فخسر الفلسطينيون دولتهم منذ ذلك الحين بسبب غياب الرؤية الاستراتيجية العربية، وانعدام التنسيق. وها هم اليوم، بعد مرور ستّين عاماً على إعلان الإسرائيليين لدولتهم، يطالبون بـ "حلٍ" رفضوه بتحريضٍ من العرب في ذلك الحين.!

ولعلّ ما يفاقم الأزمة ويزيدها تعقيداً قضية القدس، لما لها من أهمّية دينية تاريخية، تشكّل مصدر إلهام روحي لأتباع الديانات التوحيدية الثلاث، وتدخل في معادلة تكوينهم الثقافي وهويتهم الحضارية والتاريخية، بالإضافة إلى القيمة الاقتصادية التي تكتسبها هذه المدينة. فالقدس، بمكانتها الدينية ومرافقها السياحية، تستقطب السيّاح والحجّاج من مختلف أصقاع الأرض؛ وهذا بالطبع يشكّل مصدر دخل اقتصادي هام لسكّانها ولسكّان فلسطين عموماً، وللسلطات المحلّية، ما يجعل الإسرائيليون يطمعون بها وبمواردها ويستنكفون عن التنازل عن السيادة السياسية والاقتصادية عليها،في أيّ حلٍ  يُطرح كالتدويل وغيره.

في أيار من  هذا العام،  تأتي ذكرى مرور ستّين عاماً على إعلان دولة "إسرائيل". وفي هذه المناسبة، لا بدّ لأيّ مواطن عربي من أن يسهم في دعم القضية الفلسطينية والمطالبة باستعادة الحقوق المغتصبة، مع التركيز على قضية القدس رفضاً لتهويدها وتأكيداً على هويتها العربية، وأنها ستبقى عاصمة أبدية لفلسطين.

من جهتنا، وجدنا أن الإضاءة على موقف المسيحيّين المشرقيّين من قضية فلسطين بشكلٍ عام(1)، والقدس بشكلٍ خاص، قد تفيد القضية المركزية لأنها تفضح البروباغندا الإعلامية والسياسية التي روّجها الغرب وانساق وراءها العرب وهي: أن القضية الفلسطينية، وقضية القدس بشكلٍ خاص، هي قضية إسلامية في وجه القضية اليهودية المدعومة من المسيحيين، وذلك بهدف تحويل الصراع إلى صراع ديني وحقوق توراتية ما يحرف القضية عن إطارها الصحيح، ألا وهو اغتصاب فلسطين وتشريد أهلها واستباحة الدم الفلسطيني المسفوك ظلماً وعدواناً. والمحزن أن الكثير من مفكّري وسياسيّي العرب والمسلمين انساقوا في إطلاق الأحكام والنظر بعين الريبة والشكّ الى المسيحيين في الشرق، واتهامهم بعدم الاهتمام بقضية فلسطين واحتلالها، وبأن التدخّل المسيحي يقتصر على المطالبة بحماية الأماكن المسيحية المقدّسة في القدس، وعدم الاهتمام باستعادة السيادة العربية واسترجاع الحقّ العربي حتىّ على القدس الشرقية!

سنركّز في الجزء الاول من هذه الدراسة على التفاوت في الدعم المسيحي لقضية فلسطين بحسب المراحل التاريخية والسياسية التي مرّت بها المنطقة،أسبابه ودوافعه، ثم نفرِد مساحة لشرح الموقف المسيحي الراهن من القضية الفلسطينية.

أما الجزء الثاني، فنخصّصه لقضية القدس، بسبب مركزيتها ومحوريتها للشعب العربي، بمسيحيّيه ومسلميه، وللتأكيد بأن هوية القدس العربية لا يمكن محوها، وأنها لا بدّ من أن تعود إلى أهلها مهما تباينت المواقف أو اقتراحات الحلول بصددها.


الجزء الأول: القضية الفلسطينية: أصوات تعلو وتخفت بحسب الوقائع


أولاً: تقسيم فلسطين

تعتبر قضية فلسطين من أكثر القضايا التي ناضل العرب بمسيحيّيهم ومسلميهم من أجلها، والتي أبرزت ازدواجية معايير المجتمع الدولي وظلمه لشعب بكامله وتشتيته، ليحلّ مكانه شعب يدّعي حقّاً تاريخياً في أرضٍ ليست له، فجمعوه من الشتات وأعطوه أرض شعب آخر.

ولأهداف الدراسة، سنذكر بعض التفاصيل حول أكبر عملية سطو دولية في تاريخ الأمم قامت بها مجموعة بشرية برعاية المجتمع الدولي:

 تحوّل مسرح الأحداث من عصبة الأمم في الثلاثينات من القرن الماضي إلى أروقة الأمم المتحدة في الأربعينيات منه، فأعلنت بريطانيا قرارها التاريخي بتخلّيها عن الانتداب أوائل نيسان 1947، وطلبت من الأمين العام للأمم المتحدة، عرض القضية الفلسطينية في دورةٍ خاصّة. عقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 28 نيسان 1947 جلسة خاصّة بالقضية الفلسطينية تقرّر فيها تشكيل لجنة دولية للتحقيق. وبعد أربعة أشهر من إرسال اللجنة إلى فلسطين للتحقق، كان تقريرها مشابهاً لتقرير اللجنة الملكية البريطانية التي أوصت بإبقاء الصفة الدينية لجميع الأماكن المقدسة، واعتماد الوسائل السلمية لإقرار أيّ حل؛ ولكن التوصية الثالثة كانت بتقسيم فلسطين إلى:

- دولة عربية: تتكوّن حدودها من الجليل الغربي ونابلس الجبلية والسهل الساحلي الممتدّ من أسدود جنوب يافا حتّى الحدود المصرية، بما في ذلك منطقة الخليل وجبل القدس وغور الأردن الجنوبي، وتبلغ مساحة هذه الدولة 12 ألف كيلومتر مربّع.

- دولة يهودية: تتألّف من الجليل الشرقي ومرج بن عامر والقسم الأكبر من السهل الساحلي ومنطقة بئر السبع والنقب، وتبلغ مساحة هذه المنطقة التي تعتبر أخصب الأراضي الفلسطينية 14200 كيلومتر مربّع.

- أما الأماكن المقدّسة فتشمل مدينة القدس ومنطقتها، وتوضع تحت الوصاية الدولية، ويعيّن مجلس الوصاية للأمم المتحدة حاكماً غير عربي وغير يهودي لهذه المنطقة.


وفي جلسة عقدتها الأمم المتحدة في 23 أيلول 1947، تقرّر تحويل المشروع إلى لجنة خاصّة تشكّلت من ممثّلين عن كلّ الدول الأعضاء بما فيهم ممثّل يهودي وآخر فلسطيني. وقد رفض المندوب الفلسطيني المشروع بعد استعراض تاريخي لجذور القضية الفلسطينية، في حين أعلن المندوب اليهودي موافقته عليه مع مطالبته بضمّ الجليل الغربي ومنطقة القدس إلى الدولة اليهودية.

في 29 تشرين الثاني 1947، طرِح مشروع التقسيم على التصويت فصودق عليه بأغلبية 33 صوتاً مقابل معارضة 13 صوتاً وامتناع عشر دول عن التصويت.

في 15آذار 1948، أعلنت بريطانيا انتهاء الانتداب على فلسطين، وأعلنت الجلاء في آب من العام نفسه، وأكدت أنها لن تمارس أيّ سلطات إدارية أو عسكرية. وسرعان ما تمّ الانسحاب البريطاني في 14 ايار 1948، ليعلن قادة إسرائيل دولتهم في اليوم التالي(1).


ثانياً: أصوات تعلو مطالبة باستعادة الحقّ

ظُلِمت فلسطين في عهد الأمم المتحدة التي قيل أنها نشأت لإقامة السلام بين الأمم، والملاحظ أن  ما من قضية اتفق عليها الجبّاران خلال الحرب الباردة إلا قضية ظلم الشعب الفلسطيني وتشريده واغتصاب أرضه. وفي هذا المجال، صدر العديد من الكتابات والمقالات العربية- واللبنانية المسيحية بالتحديد- التي دعت العرب إلى  التيقّظ ممّا يحاك لفلسطين، وحثّت المجتمع الدولي على الإنصاف، لكن المصالح الدولية والشرذمة العربية أدّت الى ما آل اليه الحال فيما بعد.

بعد صدور قرار تقسيم فلسطين وإنشاء إسرائيل، نهض المفكر اللبناني "ميشال شيحا" ليقول:
ـ إن قرار تقسيم فلسطين بإنشاء الدولة اليهودية لمن أضخم الأخطاء في السياسة المعاصرة. إن أمراً كهذا سيُسهم في زعزعة أسس العالم.

- إن قرار إنشاء إسرائيل هو جريمة ضدّ الطبيعة، ضدّ الأخلاق والتاريخ والجغرافيا والديموغرافيا.
ـ إن الصيغة التوافقية والتفاعلية الحضارية اللبنانية هي النقيض للصيغة العنصرية الإسرائيلية، لذا هي في خطر جسيم.

ـ إن إسرائيل هي "سوبّر ـ دولة" تدعمها قوى عالمية كبرى، ولا يمكن أن تكون إلاّ دولة توسّعية، وإن نموّها سيتمّ على حساب جيرانها.

ـ إن الصراع بين إسرائيل والعرب، وفي مقدّمهم لبنان، هو صراع وجود وحدود معاً.
أي أن ميشال شيحا لم يكتفِ بتأكيد و"تثبيت" فكرة نجيب العازوري الذي قال عام 1904 بأن صراعاً سينشأ بين القوميّتين العربية والصهيونية، وعليه يتوقّف مصير منطقة الشرق الأوسط بأكملها، بل إنه "طوّرها" ليقول إن الصراع بين الصهيونية والعرب لا يتوقّف عليه مصير المنطقة وحسب، بل ومصير العالم أيضاً(1).

وفي آب 1949، أرسل الدبلوماسي اللبناني شارل مالك- وزير لبنان المفوّض في الولايات المتحدة الأميركية آنذاك ـ تقريراً إلى الدولة اللبنانية يطلِعها فيه على الوضع الراهن، ويستشرف مستقبل العالم العربي، فيعتبر أن المرحلة بعد إعلان دولة إسرائيل "هي فترة انتقال مؤقّتة، تطول أو تقصر بحسب ردّ الفعل العربي في الدرجة الأولى، وتطوّر الوضع الدولي في الدرجة الثانية"؛ ويحذّر:"..هي خاتمة للمرحلة التمهيدية السابقة من مراحل الحركة الصهيونية،التي انتهت بنشوء دولة اسرائيل، وتوطئة للمرحلة التكميلية التالية التي تهدف الى استعمار واستعباد العالم العربي". واعتبر مالك أن إسرائيل لن ترضى بحدودها الحالية، بل هي ستتوسّع إلى سوريا ولبنان والأردن التي توقّع أن يقوم ملكها "عبدالله" بالتعاون مع الصهيونية، وأنه سوف يأتي يوم تتألّب فيه الصهيونية ودول شرقية أخرى كتركيا وتتآمر على العالم العربي..."؛ والأهم أن شارل مالك استشرف ونبّه من خطر الصهيونية على وجود لبنان ككل، بوجود إسرائيل العنصرية القائمة على الأحادية والطمع، على حدوده. ونبّه مالك في تقريره (عام 1949) من مغبّة أن يحصل "اتفاق خفي بين إسرائيل  وبعض اللبنانيين قصيري النظر، فيحدِثوا انقلاباً موالياً لاسرائيل، مؤكّداً أن "انقلاباً كهذا يجرّ حتماً إلى الفوضى، فتدخّل سوري عربي، فتدخّل إسرائيلي، وبالتالي إلى حربٍ جديدة، لن يكون لبنان الكاسب فيها على الإطلاق".(2)

ثالثاً: خفوت الصوت المسيحي الصارخ

لكن، بعد سنوات عدّة، وبعد أفول الحركات القومية العربية -التي كان المسيحيون أبرز روّادها- ضعف الصوت المسيحي العربي المطالب بزوال الاحتلال والمؤيّد للقضية الفلسطينية. وقد لوحظ هذا الأمر بوضوح على إثر قيام منظمة التحرير الفلسطينية، وخلال العقود الأخيرة من القرن العشرين.

ولتحليل أسباب هذا الضعف، نورد فرضيات عدّة أدّت إلى خفوت الصوت المسيحي العربي عامة، واللبناني خاصّة، في الدفاع عن القضية الفلسطينية:

أ -  تحوّل منظمة التحرير الفلسطينية  إلى شبه سلطة على الجماهير وحركتها، مع ارتكابها الكثير من الأخطاء بل الخطايا، وهو وضعٌ حدَّ كثيراً من تأييد الجماهير واندفاعتها، بسبب تشابك المصالح الخاصة بالمنظّمة وقيادتها مع مصالح الأنظمة العربية والقوى الاقليمية المهيمنة.

ب - الهجرة الكثيفة التي قلّصت عدد المسيحيين في الشرق، وهم في الأساس أقلّية كبيرة، يعيشون في محيطٍ إسلاميٍ طاغٍ. ومن هذا القبيل، يمكن اعتبار أنه بسبّب قلّة عدد المسيحيين نسبياً، مهما علا صوتهم يبقى ضعيفاً مقارنة مع الأصوات الأخرى الكثيفة العدد.

ج - انحسار الموجة القومية العربية والتي كان المسيحيون من روّادها، مقابل تصاعد الموجة الإسلامية في البلدان العربية، وانحصار المعارضة والمقاومة في البلدان العربية بالحركات الإسلامية.

د - مشاريع التوطين المشبوهة التي تتكشّف منذ عقودٍ عدّة، والتي تُظهِر تواطؤ بعض القادة الفلسطينين فيها، ما جعل من اللبنانيّين بشكل عام والمسيحيّين بشكلٍ خاصٍ يفقدون الثقة بالجانب الرسمي الفلسطيني، ويتحفّظون في تأييده.

هـ- الحرب اللبنانية وفيها عوامل حاسمة:

أوّلاً: دخول الفلسطينيين كطرفٍ في الحرب اللبنانية، واقامتهم ما سمّي "فتح لاند"، بما عنته في ذلك الوقت من ممارسات ميليشيوية في الداخل اللبناني، ما أثار استياء فئات عديدة من اللبنانيين، وأضرّ كثيراً بصورة القضية الفلسطينية وعدالتها وأحقيتها.

ثانياً: المواقف الفلسطينية التي أعلنت أن "طريق القدس تمرّ في جونيه"، ودخول بعض الفلسطيينين في المشاريع الإسرائيلية المشبوهة التي حاولت إغراء هم عبر الاستعاضة بحكم لبنان والتوطّن فيه كبديلٍ عن فلسطين.

ثالثاً: الممارسات الميليشيوية والعمليات التي قام بها الفلسطينيون، كخطف الطائرات واحتجاز الرهائن الأجانب وخاصّة في البلدان المضيفة ممّا سبّب إحراجاً للبلدان التي استضافتهم، وأدخل في ذهن الكثيرين أن التصرّفات الفلسطينية هي أعمال إرهابية غير مرحّب بها، وإن تكن من أجلّ القضية الكبرى. ولم تزل هذه الصورة إلاّ بعد انطلاق انتفاضة الحجارة في فلسطين عام 1987 التي ابرزت ان "الطفل يقاوم العسكري والدبّابة بحجارته"، فأعطت مفهوماً آخر للعمل الفلسطيني المقاوم وأعادت الصورة المشرقة للعمل الفلسطيني الفدائي.

رابعاً: السلاح الفلسطيني في لبنان، وما شكّله من بؤرٍ أمنيةٍ يلجأ إليها الفارّون من وجه العدالة اللبنانية- حتّى بعد انتهاء الحرب-. وقد كوّنت البؤر المتفجرة في المخيّمات للبنانيّين عموماً والمسيحيين بشكلٍ خاص، نظرة سلبية طغت على عدالة القضية الأساسية ومركزيتها.

خامساً: حروب المخيّمات المتعدّدة( خلال الحرب الأهلية وبعدها)، وآخرها قضية مخيّم نهر البارد الذي أوى منظّمة إرهابية هي فتح الإسلام التي قامت بضرب الجيش اللبناني وتكبيده خسائر بشرية فادحة وتهديد السلم الأهلي في لبنان. وبالرغم من ان اللاجئين الفلسطينيين قد ظلِموا وهدّمت بيوتهم وتهجّروا، إلاّ أن النظرة إلى حرب نهر البارد لم تنفِ وجود مسؤولية فلسطينية في إيواء مسلّحين إرهابيين من هذا النوع.

سادساً: الصبغة التي صبغت المسيحيّين اللبنانيّين بسبب مواقف بعض قادة وأمراء الميليشيات التي تعاملت مع إسرائيل خلال الحرب، والتي شملت الطوائف المسيحية بأكملها، إلى أن تغيّرت هذه النظرة كلّياً بعد التفاهم الذي تمّ بين التيّار الوطني الحرّ وحزب الله، ووقوف التيار والعماد ميشال عون مع المقاومة خلال حرب تموز 2006.


و - صمت مفروض على المواطنين المسيحيين في البلدان العربية التي يُطلق عليها صفة "الاعتدال" والتي تسير في ركاب التطبيع مع اسرائيل.

ز - عدم قدرة المسيحيين على بلورة موقف موحّد من قضية القدس ومن القضية الفلسطينية بشكلٍ عام. فبالرغم من أن المسيحيين العرب لا يختلفون عن أشقّائهم المسلمين في تأييد القضايا العربية المحقّة، إلا أن جزءاً منهم ما زال يعيش هاجس طغيان المحيط عليه، فيعتقد أن من واجبه تأمين حماية غربية له، فينقاد بشكلٍ أعمى لتأييد الغرب ومواقفه الداعمة لإسرائيل. ويفضّل هذا الجزء من المسيحيين الصمت على المجاهرة بالموقف.

ح - موجات التخوين التي أطلقها بعض الإعلاميين والسياسيين العرب على الصوت المسيحي المخالف لهم، مقابل عدم المجاهرة وإطلاق صفات مخفّفة على المسلم الذي يعلن نفس المواقف. فمثلاً، لو فعل الحكم اللبناني- المفترض أنه مسيحي- مثل ما فعله الملك حسين باللاجئين الفلسطينيين في الأردن -أو قبله الملك عبدالله- لقامت الدنيا ولم تقعد....


رابعاً: الموقف المسيحي اليوم:

ستّون عاماً شابتها سلسلة من الأخطاء والتشرذم وانعدام الرؤية العربية، أدّت إلى ما أدّت إليه فيما يخصّ القضية الفلسطينية. لكن التحوّلات التي طرأت على منطقة المتوسط خلال السنوات الأخيرة بعد تفجيرات 11 أيلول (2001) ، والاحتلال الأميركي للعراق (2003)، والانسحاب السوري من لبنان (2005)، وحرب تموز 2006 وتداعياتها... أحداث جسام كان لها تأثير مباشر وغير مباشر على المسيحيين اللبنانيين، ومن ورائهم المسيحيين المشرقيين.

لقد أخرجت وثيقة التفاهم التي وقّعت بين التيار الوطني الحرّ وحزب الله، الجميع من الشرانق التي وضعوا أنفسهم بها، وبخاصّة المسيحيين الذين كان يُنظر إليهم شزراً منذ الحروب الصليبية، وبسبب انقسامهم الدائم حول مناصرتهم للقضايا العربية المحقّة والعادلة في المنطقة.

لقد أخرح التيار الوطني الحرّ بتفاهمه مع حزب الله والانفتاح الذي أقامه مع مختلف القوى السياسية في لبنان، المسيحيين من القوقعة وأدخلهم في المحيط الطبيعي الواجب أن يكونوا فيه. لكن للأسف، لقد تمّ هذا الأمر بعد أن خرج هذا "المحيط" عن طوره وانزلق. ففي الوقت الذي توحّد فيه اللبنانيون بمسيحيّيهم ومسلميهم في تأييد المقاومة العسكرية والسياسية والثقافية من أجل استرجاع الأراضي العربية المحتلّة، بات العرب يتهافتون على "السلام" ويقدّمون التنازل تلو الآخر. بينما تتصلّب إسرائيل وتهدّد وتتوعّد، وتعطي وزيرة خارجيتها دروساً للعرب في تحديد العدو والصديق بزعمها أن عدوّهم لم يعد إسرائيل (التي احتلت أرضهم وقتلت أطفالهم ونساءهم ورجالهم)، بل هي "إيران"!!!.

ومن سخرية القدر، أنه في الوقت الذي بات اللبنانيون المسيحيون مقتنعين بما نظّر له مفكريهم في منتصف القرن العشرين من أن "الصهيونية هي ضدّ المسيحية قبل أن تكون ضدّ الإسلام، وأن وجود إسرائيل بأحاديتها هو خطر على الكيان اللبناني التعدّدي"(1)، نجد العرب - الذين يوصمون "بالاعتدال"-  يهرولون للتطبيع، ويقدّمون التنازلات ويتخلّون عن حقّ العودة للاجئين الفلسطينيين، ويتآمرون على المقاومات في كلٍ من لبنان وفلسطين.

في هذا الزمن، زمن وعي الشعوب العربية لحقوقها وزمن سحب البساط من تحت ارجل الحكام المتخاذلين، ظهرالموقف المسيحي المشرقي على حقيقته ولم تعد تنفع الدعايات الصهيونية في تشويهه، ويتلخص الموقف بالنقاط التالية:

1)   لا بد من حل القضية الفلسطينية حلاً عادلاً ومنصفاً، فاذا أرادات إسرائيل "الأمن" عليها أن تقدم حلولاً تستنتد الى المعايير الحقوقية. فالظلم سيولّد ظلماً، واغتصاب الحقوق لن يُسكت عنه مهما طال الزمن. والحل يجب أن يتضمّن:

- إزالة الاحتلال من فلسطين: لقد وصلت قضية الشعب الفلسطيني إلى ساعة الحقيقة التي لا بدّ للعالم من مواجهتها بروح العدل والسلام. فلا يزال الشعب الفلسطيني يعاني من أقسى الظروف، متعرّضاً للظلم والمهانة بكلّ أنواعها وأشكالها إلى حدٍ لا يطاق؛ لذا، لن يكون في منطقتنا سلام أو  استقرار أو أمن بدون منح الشعب الفلسطيني حقوقه الثابتة والمشروعة في دولته المستقلّة وعاصمتها القدس.

- حقّ العودة للاّجئين الفلسطينين، ورفض جميع المشاريع التوطينية التي تحاول إسرائيل (والغرب) تمريرها بالتواطؤ مع بعض القادة الفلسطينيين، وبتغطية وتحريض من بعض الزعماء العرب،  لإهدار الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

2)  لقد تألّم الشعب الفلسطيني طويلاً، وقد آن الأوان لأن يدفع الإسرائيليون ثمن هذه الآلام: إن الإلتفاف على  الحقوق الثابتة والمشروعة للشعب الفلسطيني أو إنكارها لن يؤدّي إلاّ إلى مزيدٍ من حلقات العنف والموت... إن العدل هو طريق السلام، والسلام العادل والشامل هو الطريق الحقيقي للأمن المطلوب.

3) إنهاء حصار غزة: يتفاقم الوضع الإنساني في غزة يوماً بعد يوم بسبب الحصار الظالم الذي يذهب ضحيّته الأبرياء، خاصّة الأطفال. لقد حان الوقت أن يضع العالم حداً للظلم الصارخ الذي يعاني منه الشعب الفلسطيني بكلّ فئاته.


4)         إقتناع تام لدى المسيحيين المشرقيين، ودعوة للمجتمع الدولي والغرب، للتمييز بين الإرهاب والمقاومة الوطنية المشروعة للاحتلال، انطلاقاً من مبدأ الدفاع عن النفس.

5)         إقتناع لدى المسيحيين المشرقيين بأن الضعف ليس سمة دائمة وليس هو موروث جيني، وإنما القوّة تُكتسب اكتساباً، عندما يتوافر مشروع فكري مقاوم وتتوافر الدوافع الأولى للتحريك. وبعد ذلك، تكون القوّة احتمالية وعناصرها تختلف من جهةٍ لأخرى وبين واقعٍ وآخر. لذلك، إن الفشل في مشروعٍ إجرائيٍ أو في معركةٍ من المعارك لا يعني سقوط حقّ المقاومة، أو أن صناعة النصر باتت غير ممكنة. عليه، وعلى إثر انتصار تموز التاريخي، سقطت لدى المسيحيين اللبنانيين مقولة " قوّة لبنان في ضعفه"، حيث باتوا ينظّرون للقوّة اللبنانية التي انتصرت وهزمت أعتى جيش في الشرق الأوسط...ما فهمه  اللبنانيون بعد حرب تموز هو أنهم يجب أن يفتّشوا عن مصادر القوّة اللبنانية وإصلاح للدولة وعن تعبئة كبرى لقواهم تخرجهم من حالات الضعف الهشاشة.

6)         يتمنّى المسيحيّون المشرقيّون لو أدرك المسيحيّون في العالم، وفي الغرب خصوصاً، حقيقة التفوّق اليهودي الذي يحمله "النصر" الإسرائيلي، وأن الاسترخاء إزاء اليهودية والأساطير التوراتية الساطعة في اللاهوت الغربي منذ تسعين سنة، يشكّل خطراً عليهم بالدرجة الأولى، لأن الصراع الحقيقي على مستوى العقيدة الدينية هو بين الكنيسة واليهودية أكثر ممّا هو بين المسيحية والإسلام. إن ما وراء الغطرسة الاسرائيلية غطرسة يهودية واضحة تكره المسيح شخصياً، وبخاصّة بولس الرسول الذي نقض اليهودية. وهذا كلّه موجود في الأدبيّات اليهودية، ولكن من يقرأ؟


الجزء الثاني: مواقف المسيحيّين المشرقيّين من قضية القدس:


"القدس لنا" ليست فقط شعاراً لمدينة هي صميم العالم. الصرخة تجنّد لكلّ قضية عدل، ولكنّها اليوم محكّ الصدق للمتحدّثين بالعدل. أيّ سلام هذا الذي ليس فيه حقّ الحياة للشعوب كلّها؟ هل يُحمل السلام على دبابة أم يتوب الطاغية عن طغيانه؟. (جورج خضر- النهار 27 نيسان 2002)

خلاص القدس يجب أن يتمّ بالقوّة.... إن المسيحية والإسلام في الأراضي المقدّسة يتهاونان بحيث  يُعاملان معاملة الفارّين. (ميشال شيحا-6 ك1 1949 )

أ-  القدس مدينة عربية بالوقائع التاريخية

يرجع تاريخ مدينة القدس إلى أكثر من خمسة آلاف سنة، وهي بذلك تعدّ واحدة من أقدم مدن العالم وأعرقها. وتدلّ الأسماء الكثيرة التي أطلِقت عليها على عمق هذا التاريخ. وقد أطلقت عليها الشعوب والأمم التي استوطنتها أسماء مختلفة، نذكر منها الكنعانيون الذين هاجروا إليها في الألف الثالث قبل الميلاد أسموها "أورساليم" وتعني مدينة السلام أو مدينة الإله ساليم. واشتقّت من هذه التسمية كلمة "أورشليم" التي تُنطق بالعبرية "يروشاليم" ومعناها البيت المقدس، وقد ورد ذكرها في التوراة 680 مرّة. ثم عرِفت في العصر اليوناني باسم إيلياء ومعناه بيت الله.

تنظر المسيحية بمختلف مذاهبها إلى القدس على أنها "مدينة الربّ" كونها شهدت الأحداث الأكثر أهمّية في حياة السيّد المسيح وقيامته. فقد ارتبط اسم القدس في الإنجيل بمحطّات أساسية في حياة يسوع المسيح، حيث أخذ والدا يسوع، الطفل إلى المعبد المقدسي ليقدّماه إلى الرب، وتحادث الطفل ذو الاثني عشر عاماً مع علماء الدين في المعبد"... كما شهدت هذه المدينة محطّات آلام المسيح الكبرى وقيامته. إذاً، في الفكر المسيحي، ما عادت القدس مدينة أرضية، بل سماوية، فيها تكوّنت أول كنيسة مسيحية، وكانت مكاناً برزت فيه أولى دعوات الرسل واستشهاد أوّل مسيحي.

بالنسبة للمسيحيين المشرقيين، القدس أو "أم الكنائس المسيحية" هي مدينة عربية بامتياز، أهلها عرب وجذورها عربية، بالرغم من الادعاءات التي حاولت تشويه صورة المدينة منذ أقدم العصور، وحيث تحاول الآن إسرائيل تهويدها وإطلاق الصفة الإسرائيلية عليها.

وقد سعت الكنائس العربية دوماً إلى إظهار تمايزها عن مواقف الكنائس الغربية، وظهر هذا الأمر بوضوح في قضية القدس. فبينما تبنّى الفاتيكان فكرة التدويل، وضمان حرّية العبادة، سعت غالبية الكنائس العربية ، إن لم يكن كلّها، إلى تأكيد عروبة القدس.

 تذكر المؤلّفات التاريخية أن اعتناق "الإمبراطور قسطنطين" المسيحية في القرن الرابع الميلادي أدّى إلى تغييرٍ جذريٍ في تاريخ مدينة القدس. فعندما أصدر قسطنطين سنة 313 م مرسوماً يقضي بمنح المسيحيين حرّية العبادة في جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية، أقامت والدته الإمبراطورة "هيلانة" بمساعدة المطران "مكاريوس " كنائس وأدياراً في الأمكنة التي ارتادها السيّد المسيح،  ومنها "كنيسة القيامة" في القدس. ومنذ ذلك الحين، بدأت مواسم الحجّ إلى الأماكن المقدسة وازدهرت المدينة، الى ان دخلها ملك الفرس "كسرى الثاني" واحتلّها عام 614 م، فدمّر الكنائس والأماكن المقدّسة ولاسيّما كنيسة "القبر المقدّس". ويذكر المؤرّخون أن من تبقّى من اليهود في الأراضي المقدّسة، انضمّوا إلى الفرس في حملتهم هذه رغبة منهم في الانتقام من المسيحيين.

وبعد ظهور الإسلام‏، دخل الخليفة عمر بن الخطّاب القدس عام‏638‏ م، وقدّم له البطريرك      صو فردنيوس مفاتيح المدينة المقدّسة‏، فسلّمه عمر ميثاق "العهد العمري الشهير"، الذي نظّم العلاقة بين الكنيسة والخلافة، وبموجبه تمّ الاعتراف بالحقوق والامتيازات الخاصة لبطريرك الروم وللمسيحيين الأرثوذكس الذين كانوا أبناء الأرض الأصليين‏.‏ وفي عام 1099، عندما دخل الصليبيون القدس‏، قاموا باضطهاد المواطنين المسيحيين الموجودين في المنطقة الذين لم يتجاوبوا مع دعواتهم لأنهم اعتبروها نوعاً من الاحتلال لأراضيهم، كما اضطهدوا بطريرك الروم الأرثوذكس، فمنعوه من الإقامة في الأراضي الفلسطينية كلّها، ونصّبوا بديلاً عنه بطريركاً كاثوليكياً‏ يتبع سلطة الفاتيكان في روما. وعندما قام صلاح الدين الأيوبي بتحرير القدس عام‏1187‏ م‏، أرجع الأماكن المقدّسة إلى بطريركية الروم الأرثوذكس، وهو ما يؤكّد أن الحكم الإسلامي كان يحترم المقدّسات المسيحية وقيادتها الدينية علي مرّ العصور(1)‏.‏

في هذا الإطار، يؤكّد المطران عطالله حنا أيضاً:"إن المسلمين والمسيحيين يعيشون في فلسطين   - وفي القدس خاصة- كعائلةٍ واحدةٍ منذ دخول الإسلام إلى بلادنا. وقد أعطت "العهدة العمرية" لهذا التعايش صفته التشريعية، وفي الوقت نفسه طابعه الثقافي والحضاري المميّز الذي لم تصل إليه حتّى الآن الدول التي تحاربنا باسم الحرّيات ومقاومة الإرهاب، وفي الوقت نفسه تمارس تمييزاً عنصرياً تجاه شعوبها المختلفة"(2).

دخل العثمانيون فلسطين سنة 1516م، فحلّت فيها سياسياً السيادة التركية مكان المملوكية، ودينياً السيادة اليونانية بدل العربية. وعلى إثر الفتح العثماني للقسطنطينية، بات البطريرك القسطنطيني رئيس الملّة الأرثوذكسية في السلطنة، ونظر إليه العثمانيون على أنه ممثّل جميع الأرثوذكس في السلطنة، ما أدى إلى سيطرة البطريركية القسطنطينية، ومن خلالها الإكليروس اليوناني، على جميع البطريركيات الأرثوذكسية الخاضعة للأستانة. فتمت "يَوْنَنَة" البطريركية الأورشليمية في القرن السادس عشر الميلادي، وحلّ البطاركة اليونان مكان العرب في الأبرشية. ويدعو المسيحيّون العرب هذه الحقبة من تاريخ البطريركية الأورشليمية  بـ "دور الاغتصاب"، أي اغتصاب اليونانيين المنصب البطريركي من العرب(3)، الذي ما زال مستمرّاً إلى عصرنا هذا، والذي أدّى إلى ضياع الكثير من الأماكن المقدّسة؛ فقد باعها لليهود البطاركة اليونانيون الذين لا ينتمون إلى هذه الأرض العربية، وليسوا متجذرين فيها.  ويدّعي المؤرّخون اليونان أن العرب الفلسطينيين هم "متعرّبون"، ويبنون على النظرية القائلة بأن مسيحيّي فلسطين أصلاً والأرثوذكس بشكل خاص، هم من الجنس اليوناني، الذي فقد قوميّته بمرور الزمن وتعرّب، وهذا ما تدحضه الشواهد التاريخية، والحجج والبراهين العلمية. فقد أصدر القاضي برترام(4) حكمه في هذه القضية قائلاً: "إن بطاركة فلسطين قبل الفتح كانوا عرباً وليسوا متعربين، ومنهم المطران عطا الله (1505 - 1553م)، الذي تسميه المصادر اليونانية بدروثاوس، أي عطا الله بالعربية؛ "وما يقطع الشكّ هو أن بطريركاً يحمل في ذلك الزمن إسماً عربياً من المؤكد أنه هو نفسه كان من سلالة عربية".

إذاً، قبل التهويد بقرون، حاول الأوروبيون نفي الهوية العربية عن القدس، وهو ما يحاول الإسرائيليون القيام به منذ ما يقارب القرن من الزمن، ممّا يشكّل خطراً كبيراً على الوجود العربي "المسيحي والإسلامي" فيها، حيث تشير الإحصاءات والدراسات إلى أن ما بقي في القدس الشرقية خارج دائرة التهويد يصل إلى 2% فقط . كما تمّ تعديل التركيبة السكّانية للمدينة إلى حدّ المساواة تقريباً بين العرب واليهود، ناهيك عن تغيير المعالم والهدم والطرد المستمرّ للسكّان العرب في محاولة لإضعاف الموقف العربي إزاءها.

يقول المطران عطالله حنّا: " إن كلّ ما في القدس حتّى أبنيتها وحجارتها يصرخ بأنها عربية، وستبقى كذلك. لقد عمل الإسرائيليون دائماً على تهجير المسيحيين من القدس؛ فقبل عام 1967، كان يعيش فيها أكثر من 25 ألفاً من المسيحيين الذين ينتمون إلى الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية فقط، بالإضافة إلى  غيرهم من المسيحيين. أما اليوم، فيوجد فقط 8 آلاف مسيحي بشكلٍ عام. هناك سعي دائم من قِبَل الإسرائيليين لاحتلال البيوت وإعطائها للمستوطنين اليهود بهدف إضفاء صفة يهودية على المدينة المقدّسة، ويجب العمل بكلّ وسعنا لمواجهة هذه السياسة والتصدّي لها".(1).

وعند دراسة تاريخ القدس الزمني، يتبيّن أن الوجود العربي استمرّ فاعلاً طوال تاريخ المدينة المقدّسة، ولم ينقطع بالرغم من تغيّر طبيعة الحكم والسلطة فيها.

ويشير المؤرّخ البريطاني كيث وايتلام إلى "أن ما يحدث الآن من قبل الصهاينة هو إبراز مملكة إسرائيل الصغيرة الخاطفة في التاريخ كما لو كانت مملكة إسرائيلية عظمى، بالرغم من أنها لم تكن إلاّ لحظة عابرة في مسيرة التاريخ الحضاري لفلسطين القديمة" (2).


ب- المواقف المسيحية تجاه قضية القدس

تماماً كمواقف الدول العربية ومواقف الفلسطينيين في الداخل وانقسامهم حول رؤيتهم لحلّ الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، تتباين المواقف المسيحية المشرقية من قضية القدس. فمنهم من يدعو إلى تدويل القدس وإعلانها مدينة مفتوحة للأمم، والبعض الآخر يصرّ على هويتها العربية ويعتبر القدس "بشر وليس حجر"، كما دعا المطران جورج خضر في أكثر من مقالٍ وموقف.

لم يكترث المسيحيون الأوروبيون يوماً للقضية العادلة والمحقّة في فلسطين عموماً، والقدس خصوصاً، إلاّ من منطلق قدرتهم على الوصول إلى الأماكن المقدسة للحجّ، وهو أمر كان قد نبّه منه ميشال شيحا في مقالاته عام 1948، حين اعتبر أن التخلّي عن فكرة "تدويل القدس" سوف يضعفها رويداً رويداً لتصبح في النهاية مطالبة "بتدويل الأماكن المقدّسة فقط"، ويقول:

"إذا كان غلاة الصهيونية يطالبون بالقدس عاصمة لهم، فإن جميع اليهود يضمرون في عمق تفكيرهم وقلوبهم ان تصبح القدس العاصمة الأصلية لإسرائيل، وليس فقط عاصمة لهذه "الإسرائيل" التي بلا حدود؛ واسمها واحد من الأسماء العبرية التقليدية، وإنما لدولة إسرائيل التي استولدتها الولايات المتحدة على حساب أوجاع الآخرين. في رأس أهداف اليهود أن يجعلوا من المدينة المقدّسة عاصمتهم السياسية، وكأنه لا مسيحية ولا إسلام في العالم.(1)

وبالفعل، اتخذ الفاتيكان موقفاً دينياً أضعف الموقف السياسي للمسيحيين الفلسطينيين بتوقيعه اتفاقاً مع إسرائيل في 30/12/1993 للاعتراف المتبادل، وإشارته فقط إلى تسهيل حجّ المسيحيين إلى الأماكن المقّدسة المسيحية.

وفي هذا السياق، نقتطف من مقالٍ للمطران جورج خضر هذا الموقف الإنساني السامي المترفّع، الذي يقول فيه:

"...إن المدينة المقدّسة أقدس شيء فيها حقّ سكّانها عليها. فالإنسان دائماً خيرٌ من المكان مهما عظم وسما. ولهذا يبدو لي تدويل القدس موقفاً فاسداً من أساسه، لأنه مشتق من قدسية الآثار، ومحجّر لهذه القدسية على حساب حقّ الناس وتالياً حقّ الله...."(2)


في عام 1994، أصدر البطاركة ورؤساء الكنائس المسيحية في القدس، مذكّرة بعنوان "المفهوم المسيحي للقدس"، أكدوا فيها على الوجه المسيحي للقدس وعلى أهمّية الحضور المسيحي فيها، وتطرّقوا إلى الوضع السياسي الخاصّ الذي يجب أن يكون للمدينة بسبب قدسيتها.  ولكن الإسرائيليين كعادتهم ضربوا جميع المحرمات والمقدسات عرض الحائط وبنوا السور الذي أخرج عدداً كبيراً من المؤمنين خارج حدود المدينة، بحيث لم تعد القدس مركزاً ولا قلباً للحياة كما يجب أن تكون.

وفي العام 2006، أصدر البطاركة بياناً أعادوا التأكيد فيه على ما أعلنوه في مذكّرة 1994، ودعوا فيه الى اعتبار القدس مدينة مفتوحة ولها وضعها الخاص، واعتبروا أن:

        "القدس مدينةٌ مقدٌسة، وتراثٌ للإنسانية، ومدينةٌ لشعبين وثلاث ديانات. ولها طابع فريد يميّزها عن كلّ مدن العالم، ويسمو بها فوق كل سيادة سياسية محلّية: "القدس أثمن من أن ترتبط فقط بسلطاتٍ سياسيةٍ قوميةٍ أو بلدية" (المذكّرة 1994). والشعبان في المدينة هم حرّاس قداستها ويحملون تجاهها مسؤولية مزدوجة: أن ينظّموا حياتهم في المدينة وأن يستقبلوا فيها كلّ "الحجّاج" إليها من جميع أنحاء العالم. والعون المطلوب من الأسرة الدولية يجب ألاّ يحلّ محلّ سيادة الشعبين ومسؤوليتهما. بل هو مطلوب لمساعدة كلا الشعبين للتوصّل إلى تحديد الوضع الخاص للمدينة وتثبيته. ولهذا، فمن الناحية العملية، وفي المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، من واجب الشعبين فيها أن يحدّدوا الوضع الخاصّ الذي يتّفق وطبيعة المدينة، على اعتبارها من جهة مدينةً مقدّسةً وتراثاً للإنسانية، ومن جهة أخرى مدينةً خاصةّ لشعبيها، فيها يعيشون حياتهم اليومية. ثم إذا ما تبيّنت معالم هذا الوضع الخاص وتحدّدت، وجب على الأسرة الدولية أن تحيطه بالضمانات الدولية اللازمة لتعزيزه ولضمان استمرار السلام والاحترام للجميع.


وتشمل مقوّمات الوضع الخاص- بحسب البيان الآنف الذكر- العناصر التالية:

1.                   الحقّ في حرّية العبادة والضمير للجميع، للأفراد والجماعات الدينية (المذكّرة 1994).

2.                   المساواة بين جميع سكّان المدينة أمام القانون، بالاتفاق مع القرارات الدولية.

3.          حرّية الوصول إلى القدس للجميع، المواطنين، والمقيمين، أو الحجّاج، وذلك في كلّ وقت، في زمن الحرب والسلم على السواء. ولهذا يجب أن تكون القدس مدينة مفتوحة.

4.          "احترام حقوق الكنائس المختلفة في التملّك والحراسة والعبادة التي اكتسبتها عبر التاريخ، والتي يحميها حتّى الآن نظام "الستاتيكو" للأماكن المقدسة، المستنِد إلى "فرمانات" تاريخية ووثائق أخرى. وكلّ هذه الوثائق، يجب أن يستمرّ الاعتراف بها واحترامها" (مذكّرة 1994).


وقد اقترح البطاركة في بيانهم، بعض الحلول التي رأوا أنها قد توصِل إلى الحلّ العادل والدائم لقضية القدس، وذلك على الشكل التالي:

-                      يمكن أن تبقى مدينة القدس موحّدة، وتكون السيادة فيها في هذه الحال مشتركة، على أساس المساواة بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

-           ويمكن أيضاً أن تُقسَم المدينة إلى قسمين، بسيادتين متميّزتين، إن كانت تلك رغبة شعبَيْها الساكنَيْن فيها. وإنما الهدف من ذلك هو التوصّل إلى وحدة حقيقية في القلوب تجمع بين قسمي المدينة. وأما السور الذي مزّق المدينة في أكثر من مكان والذي أَخرَجَ منها عدداً كبيراً من أهلها، فيجب أن يُزال وأن يُبدّل بتربية تعزِّز الثقة والقبول المتبادلين.

-           في حال عجز الأطراف المعنيّة عن إيجاد الحلّ العادل والدائم، فإن مساعدة الأسرة الدولية تكون أمراً ضرورياً. ويجب أن يستمر هذا العون في المستقبل في صورة ضمانات تكفل ثبات الاتفاقات التي يتوصّل إليها الطرفان.(1)


لكن، هذا الموقف الصادر عن أعلى سلطة كنسية في القدس، لم يكن هو نفسه موقف المطران جورج خضر ولا موقف المطران عطالله حنّا الذي يعتبر أن "سياسة الرضوخ للمطالب الإسرائيلية ليس لها نهاية، والإسرائيليون يريدون الاستمرار بسياسة تقسيم الصف الفلسطيني؛ ولا يريدون أن يكون موقف المسيحيين الفلسطينيين منسجماً مع موقف إخوانهم المسلمين، ويفضّلون أن يكون للمسيحيّين موقف منعزل عن موقف الشعب الفلسطيني، لكن ذلك لا يمكن أن يحصل".(1)


ويجيب المطران خضر في إحدى مقالاته، على طرح التدويل الذي يطرحه "أحبار ليسوا من الأمة الفلسطينية" (بنظره)، فيقول:

 "...إن عزل المعابد عمّن يعمرها من الممكن أن يقول به أحبار ليس واحد منهم من الأمة الفلسطينية، أي رجال حرّاس هياكل مصنوعة بالأيدي، في حين أن الإنسان هو هيكل الله الحيّ. ويكون منظار التدويل منظار تأمين الحجّ للناس الوافدين من الغرب.

... المسيحية الأوروبية تضطرب إذا كان أبناؤها لا يستطيعون المجيء إلى الأراضي المقدّسة. لكنّها لا تحرّك ساكناً إذا كان المسيحيون العرب لا يستطيعون التبرّك. المهم ألاّ تنقطع عادات طيّبة عند الإفرنج ومن إليهم...المسيحي الغربي لا يستطيع أن يقوم بحج إلا إذا قام به بالمشاركة مع المسيحي الشرقي، لأن الذهاب إلى المسيح ذهاب إليه في المحبّة... المشكلة ليست بالسير إلى الحجارة، ولكن بالسير إلى البشر، إلى كنيسة أورشليم المنكفِئة إلى الصمت...

إن وضع التدويل يعني أن سكّان القدس أضحوا هم بدورهم، كأحبارهم الأجانب، حرّاساً للأماكن المقدّسة، وأنهم تالياً يعيشون من إنفاق الحجّاج، أي يكونون في ذهنية المتاجرة بالكنيسة، وأن الناس ينتهون إليهم من كلّ حدبٍ وصوب..القدس انفتاح. القدس تتجاوز القدس. إنها امتداد إلى اللانهاية، إلى الأبد والأعلى، أنها معراج"(2)

وننهي الموقف من قضية القدس، بقراءة للمواقف المميّزة واللافتة - وندعو جميع المسيحيين المشرقيين لتبنّيها - أي مواقف المطران جورج خضر في كتابه "القدس"(3) الذي يكتب فيه عن فلسطين كما يكتب العاشق عن الحبّ.. فيقول: " لا فاصل واضحاً بين الزمني والروحي عندما تصير المدينة جلجلة".... "صحيح أن فلسطين المدعوّة أكبر من الأرض، لأنها حدثٌ روحيٌ كبير، ولكن هذا لا يكفيني، فأنا مع هؤلاء القوم في مظلوميّتهم، ومع القدس في نورها".

ويلحّ المطران خضر على القول إن القدس "بشرٌ لا حجر"؛ وينبّهنا الى أن البحث الصحيح في قضية القدس هو "البحث في شعبها، ولا يمكن فهم المدينة إلاّ من تاريخ دنيوي لا من سجلٍ أخروي، لأن الأخروية تهبط من فوق، ولا تطلع من الأرض".

ويدعو المطران العرب إلى عالمية القضية الفلسطينية وقضية القدس، "بحيث نعثر على حقوق الانسان فيها. فالحجّة المرتكزة على الدين لا تنفعنا سياسياً، لأن مسيحيّي الغرب لا يهمّهم شيء من أمر مسيحيّي الشرق، ولا يؤمنون بالإسراء والمعراج، ولأن أقدس ما في المدينة المقدّسة هو حق سكانها عليها. ومن هنا، لا يجوز فصل مشكلة الأماكن المقدّسة عن مشكلة المواطنين العرب".

ثم يضع المطران الدين في حيّزه الخاص، حيّزه المطلق، حين يتعلّق الأمر بالصراع على الأرض بين احتلالٍ وشعب يقاوم الاحتلال، فيعتبر انه صراع سياسي لا صراع أنبياء، مهما استخدم فكر إقصاء الآخر من ذرائع دينية: "خارج الرؤية المدنية، وهي الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، سيستمرّ الجدل إلى الأبد حول اقتسام المدينة بين موسى وعيسى ومحمّد، بينما المشكلة هي مشكلة حقوق دولية، لا حقوق السماء في مساحات عقارية".


خاتمة:

في العام 1952، تقدّم صحافيان غربيان، أحدهما بريطاني والآخر أميركي، بسؤالٍ إلى رئيس "دولة إسرائيل" آنذاك حاييم وايزمان: كيف تتصوّر حلاً للقضية الفلسطينية؟ ففكّر قليلاً وأجاب: «هناك قضايا لا حلّ لها. إنها تشيخ وتبلى شيئاً فشيئاً»!

لكن، بعد ستّين عاماً على إعلان "دولة إسرائيل"، واغتصاب الحقّ الفلسطيني وتشريد أهله.. لم تشخ ولم تبل القضية الفلسطينية، بل هي ما زالت حيّة في نفوس أبناء فلسطين العرب، مسلمين ومسيحيين.

وقد يكون الصوت المسيحي العالي المحذّر والمستشرف، الذي شهدناه في منتصف القرن الماضي قد خفت، وضعف إعلامياً، لكن القضية في نفوس المسيحيّين العرب لم تمت بالتأكيد.

في هذه الدراسة تحدّثنا عن الموقف المسيحي بالتحديد، للتأكيد على أن المسيحيين لا ينفصلون عن هذه الأرض وقضاياها، وليأتِ يوم لا يعودون بحاجة فيه الى ابراء للذمة، ولا يعود يُنظر اليهم كأهل ذمّة أو كجالية غربية مزروعة في هذه المنطقة.

منذ الحروب الصليبية إلى اليوم، هذا الزمن الذي تحاك فيه ضدّنا أبشع المؤامرات وأدنأها على الإطلاق، يعيش المسيحيّون العرب بين مطرقة الغرب "المسيحي" الذي لا يهمّه إلا مصالحه، وسندان النظرة العربية الإسلامية إليه، التي تخوّنهم ولا تقيم فرقاً بينهم وبين الغرب.

 لقد جاء الصليبيون فقتلوا واضطهدوا من المسيحيين ما يساوي- إن لم نقل ما يفوق-  عدد المسلمين؛ وبعد قرون، يقوم الأميركيون بخطّة منهجية منظّمة لتهجير المسيحيين من الشرق وتفريغه من اهله وقيمه، وتفتيته دويلات طائفية مذهبية متناحرة (كما هو حاصل في فلسطين والعراق).

لذا، فالمسيحيّون العرب مدعوّون اليوم، أكثر من أيّ وقتٍ مضى، إلى أن يكونوا من المحيط ، معه  وله.

إننا ندعوهم كي يعودوا إلى أنفسهم أوّلاً، ليتحرّروا من المواقف المفروضة عليهم في ظلّ الفكر الواحد المتخاذل، ومن ثم لينضمّوا إلى العمل الجماعي المقاوم من أجل الثوابت المشتركة التي تؤسّس لقيام وطنٍ من أجل شعب، وليس لشركة سياسية مذهبية تبيع خدماتها للأميركيين والإسرائيليين وفق قواعد العرض والطلب.

إن عملاً كهذا صعب وشاق بالتأكيد، يلزمه الثبات والصبر والمثابرة في أدائه، ولكن لا خوف على النتائج كيفما تقلّب التاريخ والجغرافيا، لأنه عمل يتخطّى الحدود المادّية المرسومة على التراب، ليدخل عالم القيم الإنسانية الكونية.هو ليس بحاجة إلى إذنٍ بالمرور على الطرقات العسكرية والحواجز الجغرافية والحدود المادّية والزمنية، بل ستكون آثاره في كلّ مكانٍ وزمان، وفي مصير الأجيال اللاحقة.

إنها قضية واحدة، للمسلمين والمسيحيين. إنها قضية شعب، قضية وطن، قضية حياة ووجود.







ملحق رقم1 :

مواقف استشرافية لبعض المسيحيّين المشرقيّين خلال حقبة إعلان "دولة إسرائيل"

أ- قضية فلسطين أمام الأمم:

قبل قرار التقسيم المشين، كتب ميشال شيحا مناجياً الأمم المتحدة الحكم بالعدل والإنصاف : "خمسون بلداً سيكونون مدعوّين إلى التساؤل: لماذا يرغب اليهود في أن تكون لهم دولة، وأن يحصلوا على جنسية بديلة باسم الإيمان الديني، في حين أنهم أصبحوا مواطنين حيثما كانوا يتمتّعون بالحرية والغنى وبجميع أشكال القدرة الخفية، إذ هم أسياد المال والصحافة والسينما وأمور أخرى أيضاً. لماذا هذا الشعب الاكثر تشتّتاً في العالم حيث ينزرع ستّة عشر مليون انسان، منذ عصور، في جهات الأرض الأربع، وقد ترسّخت لهم جذور تحت كلّ سماء، لماذا يستمرّون يتصرّفون وكأنّهم مشرّدون، في حين ان لديهم جوازات سفر هي مثار إعزاز لحامليها. بأي الذرائع يمكن إقناع قضاة الأمم المتحدة لوضع كامل فلسطين ، اعتباطاً، تحت حكم إسرائيل، أو تجزئة أرضها الفقيرة بشكلٍ مأساوي. (ميشال شيحا-16 نيسان 1947 )


ب- وصدر قرار التقسيم: دولة حبِل بها بالإثم وولِدت في الخطيئة

·     ما لا يستطيع إنسان أن يقبله هو أن يُقتلع أربعة ملايين إنسان من أرضهم وأن يُرموا في المغتربات ليؤتى بأناس آخرين... تقول خرافاتهم أو أساطيرهم بأن الله وعدهم بهذه الأرض، والله ليس لديه أرض، فكلّ الدنيا أرضه... كيف نستطيع أن نقبل دولةً، أعني دولة إسرائيل، حُبِل بها بالإثم وولدت في الخطيئة... ( المطران جورج خضر- مقابلة تلفزيونية).

·     "...إن تقسيم فلسطين المرتقب وهو على هذا القدر من القبح، يجد صورته الحقّة في حكم سليمان: هذا الطفل الحيّ الذي أثّرت أمّه الشرعية أن تقدّمه للمرأة المغامرة بديل أن تراه يشطر شطرين.. لكن القاضي ليس سليمان بحيث يهتزّ لنداء أحشاء الأ/ومة .....دولتان تكوّنت أرضهما بما يشبه اللغز، ووضعت القدس وحدها تحت سلطة دولية، وشوّه الجليل، وجرّح وجه المسيحية والاسلام، فأي ذلة جديدة وأيّ إثم به تستحقّ فلسطين أن تصاب بهذه النكبة؟ كلّ هذا إرضاء لهوى عابر لدى إسرائيل ولهوسها بالرجوع إلى أرض تركتها منذ عهد "تيطس"؛ أرض لا تتسع لسُدس اليهود المشرّدين في المعمور.. (ميشال شيحا- 5 ايلول 1947).

·      قضية فلسطين هي القلق المسكوني الذي للشعوب في ميدان الدين والسياسة الدولية. فلسطين ضمير العالم. وقد اشتبكت  تحت سمائها وفوق أرضها أعنف معركة شهدتها الإنسانية في تاريخها (...) فوق أرض فلسطين وتحت سمائها كتِب المغزى الأكبر للإنسانية جمعاء. هذا المغزى يتضح يوماً بعد يوم في المدى الروحي، لأنه يتعقّد يوماً بعد يوم في المدى السياسي" (كمال يوسف الحاج، قوميات إزاء القومية اللبنانية، ص 57-58.)

·     كلّ ما حصل حتّى الآن، في فلسطين وبصدد فلسطين، ليس سوى بداية. فالاندحار العسكري والفشل السياسي العربيان، وظفر اليهود بالاستيلاء على القسم الأكبر من فلسطين، وتشييد دولتهم المحميّة التخوم، واعتراف الأمم بها ودخولها كعضوٍ في الأمم المتّحدة- كلّ هذا ليس عملاً تقف عنده مطامع اليهود وينتهي به خطرهم…..( شارل مالك والقضية الفلسطينية- ص38 و39).


ج- تصويب اسس الصراع: الديانة اللاغية للمسيح والقرآن معاً


·     إن المسيحية التي تبلورت مفاهيمها الرسولية الأنطاكية على يد رسول الأمم ترفض مقولة الشعب المختار، وتنظر إلى الإنسانية جمعاء كشعب الله، وإلى المسكونة برمّتها كأرض الوعد...(الأب يواكيم مبارك، المجلّة الكهنوتية، ص 61)

·     إن الصراع القائم اليوم تحت سمائنا، لا يدور في الواقع بين اليهود والعرب- كما تدّعي الدبلوماسية الصهيونية- وانما هو دائر بالأصل بين اليهود والمسيح أولاً، فبينهم وبين الإسلام ثانياً. ومن ثمّ بينهم وبين كلّ الشعوب الأخرى... إنه صراع بين الخير والشر في تاريخ الإنسانية... فالقضية تدور كلّها على فلسطين. وحنين الصهاينة يتّصل بجذور الديانة اليهودية اللاغية للمسيح والقرآن في آنٍ واحد. (كمال يوسف الحاج، حول فلسفة الصهيونية، ص 14- 34).

·     إن نشأة دولة إسرائيل هي ابرز العقبات بوجه التضامن المتوسّطي، لأن قومية تنشأ  على أساسٍ دينيٍ لا مناص من أن تستنهض إلى جانبها قومية مضادّة لها على أساسٍ دينيٍ أيضاً، وهي تقوم على تناقض جوهري بين تراثها الروحي وإيديولوجيتها السياسية...لان الصهيونية خيانة للتراث اليهودي... (رينيه حبشي quel est ton Occident Orient ص 64- 161).

·     هناك أرض مقدّسة وعد فيها الله إبراهيم (أرض الميعاد )على أساس أنه يطيع كلمة الله.. ولكن هذا لا يعني التطويب في السجلّ العقاري....بمجيء المسيح لم يعد هناك أرض مقدّسة، هو المقدّس، هو حضرة الله في الجسد.. الإنسان هو المقدّس... (المطران جورج خضر).


·     سوف نرى يهوداً وحدهم من جانب، ومسيحيين ومسلمين من الجانب الآخر. إن كلّ فلسفة العالم لا يمكن أن تفعل شيئاً: فمحاولة إقامة دولة يهودية في فلسطين ستفضي إلى حرب دينية. وسيضاف إلى العديد من المآسي مآسٍ أخرى لإسرائيل وللذين يقاتلونها...وسيُسمع صوت اللعنة الدهرية مجدّداً وستحمل نتائجها أبعاد كارثة جديدة (ميشال شيحا، 15 كانون الثاني 1948)


د- واجبنا كلبنانيين:مجبرون على التسلّح للدفاع عن انفسنا

* بما يخصّنا نحن اللبنانيين، علينا أن نتذكّر بأن هذه الدولة تولد على حدودنا وأننا بلد صغير، وأنه بالنسبة لليهود الذين يضغطون علينا من الجنوب، ولديهم هجرة لا تحصى، يمكن أن نصبح يوماً أرض ميعاد.....( ميشال شيحا، 11 أيار 1948).


            * القضية الفلسطينية حلّت محلّ العروبة السياسية، وغدت هي نفسها العنصر المشترك بين الدول العربية. إن عروبة أيّ بلدٍ من بلدان الشرق الأوسط صارت تحدّد بمقدار ما يكون هذا البلد فلسطينياً أو لا فلسطينياً. لبنان اليوم، كسواه، ملزم بالقضية الفلسطينية، بل إنه دماغها....ها هنا رسولية لبنان... أن يلعب الدور الحضاري الروحي الذي تحتاج إليه الشعوب انطلاقاً من قضية فلسطين". (كمال يوسف الحاج، قوميات إزاء القومية اللبنانية، ص 55-56)


·     مهما يكن، فإننا نحن اللبنانيين مهما كنّا مسالمين وضعفاء، مساحة وعدداً، فاننا مجبرون على التسلّح والبقاء في وضع الاحتراس الدائم، لأننا سنجد أنفسنا مضطرين للدفاع عن انفسنا.(ميشال شيحا، 29 تموز 1950 )

·     لبنان جزأ لا يتجزّأ من العالم العربي، لذلك مصيره ليس مستقلاً. إنّ بسط اليهود سلطانهم على البلاد العربية وأسّسوا العصر اليهودي في الشرق الأدنى، من الوهم أن يظنّ اللبنانيون أن هذا السلطان لن يشملهم..على اللبنانيين أن يكونوا روّاد النهضة والحركة التحرّرية الإصلاحية التي يجب ان تنشأ في العالم العربي...(شارل مالك، ص117)

·     علينا(كلبنانيين) أن نتذكّر أكثر بأن فلسطين مجاورة للبنان في الجنوب، وأن لبنان في هذا الاتجاه كما في غيره من الاتجاهات الأخرى هو بحاجة لكلّ أراضيه ولآخر سنبلةٍ من قمحه، كما لآخر شجرةٍ من زيتونه. ولكن هذا لا يمنعنا من التفكير بفلسطين وبوتيرة أكثر من الآخرين بداعي جوارنا المباشر وعلى أنها أرضنا المقدّسة وعلى أنها الموضع المختار حيث سلّمت مفاتيح الملكوت. (ميشال شيحا، 15 حزيران 1944).


ه- واجب العرب:المقاومة حقّاً وشرعاً، مسألة حياة أو موت


·     ما دام العالم العربي قانعاً بوضعه الحاضر.. ما دام مغلوباً على أمره، سياسياً وغوغائياً وخيالياً ولغوياً، ما دام لا ينهض فيه سيّد قوي محرّر يطلب العز والوجود والنور والحياة، ويغدقها بسخاءٍ على شعوبه التعسة: فليس من قوّة على الإطلاق تقيه الإنهيار أو تصونه من سيطرة اليهود عليه.(شارل مالك والقضية الفلسطينية، ص 47- 52).

·     لتكن قضية فلسطين مناسبة أكبر للتفاهم بين المسيحيّة والإسلام في العالم العربي. إذ التضامن بينهما واجب للقضاء على سمّ الصهيونية. فمن الضلال الاعتقاد أن العالم الإسلامي قادر وحده على فضّ هذه المشكلة. لذا، من الأصلح أن يهادن المسيحية في دياره ويمد لها يد التعاون. ومن الضلال الاعتقاد ان العالم المسيحي قادر على قهر الشعوب الإسلامية بتركيز الصهيونية في قلب الشرق العربي. لذا، من الافضل له ان يتفهم الاسلام ويمد له يد التعاون. (كمال يوسف الحاج، في غرّة الحقيقة، ص 48).

·     إن استيطان اليهود في فلسطين، ليس انتزاعاً لفلسطين من يد أهلها العرب فحسب، بل هو تهديدٌ دائمٌ ومستمرٌ للعالم العربي بأسره... وإذا كان العالم العربي سيواجه إسرائيل في المستقبل، بعين التفكّك واللامبالاة والساسيات المرتجلة والدفاع الفاتر غير الكلّي، التي واجهها بها في الماضي.... وإذا ظلّ هذا هو الحال في العالم العربي، فإني أجزم أن مستقبلنا هو استعمار واستعباد من قبل اليهود....( شارل مالك، ص 47)

·     بنشوء دولة يهودية على أرض فلسطين... ليست المقاومة العربية ضرورية وحسب، إنها لأمر حيوي. فهي حقّاً وشرعاً، على المدى الطويل، وبالنسبة للشرق الأدنى الآسيوي وصولاً إلى مصر، مسألة حياة أو موت... ونحن في هذا إنما ندافع قبل كلّ شيء عن قضيةٍ لا تشيخ، هي قضية العدالة؛ وحتّى عن السلام العالمي المهدّد.(ميشال شيحا، 18 أيار 1948)

·     إن سالم العرب، سيكون ذلك بالنسبة لهم كمن ادخل نفسه في الظلمة مختاراً، سيكون ذلك انتحاراً. ولذا، فإننا نذكّر للمرّة المئة أن الصهيونية ليست مجموعة يهود تعساء يبحثون عن ملجأ لهم، وإنما هي قوّة عالمية متفرّعة على كوكبنا بكامله، ولها من المطامح المعلنة أو المضمرة ما يتخطّى كلّ شيء....على العرب أن يستفيقوا من شبه الغفوة التي يستسلمون لها، وأن يتمالكوا أنفسهم أكثر فأكثر، وأن يناضلوا مستخدّمين كلّ قوتهم وجميع الوسائل المشروعة. عليهم أن يدركوا وأن يقتنعوا أن خصمهم يمتلك قوّة تكاد تكون غير محدودة إذ هو مدعوم من أهم حكومات الأرض.(ميشال شيحا، 15تموز 1948).

·     في الموقف من المساعدات الاقتصادية الغربية للدول العربية: إني أحذّر من الوقوع في حبائل هذه المغريات، التي هي حقيقة رشوة للشعوب والحكومات للقبول بالأمر الواقع، وفخٌ لتوطيد أركان الاستعمار اليهودي في العالم العربي( شارل مالك، ص 49) .














ملحق رقم 2

إعلان قيام إسرائيل  -  ديفيد بن غوريون

انسحبت بريطانيا من فلسطين في 14 مايو/ أيار 1948، وأعلن ديفيد بن غوريون في اليوم نفسه قيام "الدولة الإسرائيلية" وعودة "الشعب اليهودي" إلى ما أسماه أرضه التاريخية. وفيما يلي نصّ إعلان الدولة:

"أرض إسرائيل هي مهد الشعب اليهودي. هنا تكوّنت شخصيته الروحية والدينية والسياسية، وهنا أقام دولة للمرّة الأولى، وخلق قيماً حضارية ذات مغزى قومي وإنساني جامع، وفيها أعطى للعالم كتاب الكتب الخالد.  بعد أن نفِي عنوة من بلاده، حافظ الشعب على إيمانه بها طيلة مدّة شتاته، ولم يكفّ عن الصلاة أو يفقد الأمل بعودته إليها واستعادة حريته السياسية فيها.

سعى اليهود جيلاً تلو جيل، مدفوعين بهذه العلاقة التاريخية والتقليدية، إلى إعادة ترسيخ أقدامهم في وطنهم القديم، وعادت جماهير منهم خلال عقود السنوات الأخيرة.. جاؤوا إليها روّاداً ومدافعين، فجعلوا الصحارى تتفتّح وأحيوا اللغة العبرية وبنوا المدن والقرى، وأوجدوا مجتمعاً نامياً يسيطر على اقتصاده الخاص وثقافته.. مجتمعاً يحب السلام لكنه يعرف كيف يدافع عن نفسه، وقد جلب نعمة التقدم إلى جميع سكّان البلاد وهو يطمح إلى تأسيس أمة مستقلة.

انعقد المؤتمر الصهيونى الأوّل في سنة 5657 عبرية (1897 ميلادية)، بدعوةٍ من ثيودور هرتزل الأب الروحي للدولة اليهودية. وأعلن المؤتمر حقّ الشعب اليهودي في تحقيق بعثه القومي في بلاده الخاصة به؛ واعترف وعد بلفور الصادر في 2 نوفمبر (تشرين الثاني) 1917 بهذا الحقّ، وأكّده من جديد صك الانتداب المقرّر في عصبة الأمم، وهي التي منحت بصورة خاصّة موافقتها العالمية على الصلة التاريخية بين الشعب اليهودي وأرض إسرائيل واعترافها بحقّ الشعب اليهودي في إعادة بناء وطنه القومي.

وكانت النكبة التي حلّت مؤخّراً بالشعب اليهودي وأدّت إلى إبادة ملايين اليهود في أوروبا دلالة واضحة أخرى على الضرورة الملحّة لحلّ مشكلة تشرّده عن طريق إقامة الدولة اليهودية في أرض إسرائيل من جديد.. تلك الدولة التي سوف تفتح أبواب الوطن على مصراعيه أمام كلّ يهودي، وتمنح الشعب اليهودي مكانته المرموقة في مجتمع أسرة الأمم، حيث يكون مؤهّلاً للتمتّع بكافة امتيازات تلك العضوية في الأسرة الدولية. لقد تابع الذين نجوا من الإبادة النازية في أوروبا، وكذلك سائر اليهود في بقية أنحاء العالم، عملية الهجرة إلى أرض إسرائيل غير عابئين بالصعوبات والقيود والأخطار، ولم يكفّوا أبداً عن توكيد حقّهم في الحياة الحرّة الكريمة وحياة الكدح الشريف في  وطنهم القومي.

وساهمت الجالية اليهودية في هذه البلاد خلال الحرب العالمية الثانية بقسطها الكامل في الكفاح من أجل حرّية وسلام الأمم المحبّة للحرّية والسلام وضدّ قوى الشر والباطل النازية. ونالت بدماء جنودها ومجهودها في الحرب حقّها في الاعتبار ضمن مصاف الشعوب التي أسّست الأمم المتحدة.

أقرّت الجمعية العامة للأمم المتحدة في التاسع والعشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) سنة 1947 مشروعاً يدعو إلى إقامة دولة يهودية في أرض إسرائيل. وطالبت الجمعية العامة سكّان أرض إسرائيل باتخاذ الخطوات اللازمة من جانبهم لتنفيذ ذلك القرار. إن اعتراف الأمم المتحدة هذا بحقّ الشعب اليهودي في إقامة دولة هو اعتراف يتعذّر الرجوع عنه أو إلغاؤه.

إن هذا هو الحقّ الطبيعي للشعب اليهودي في أن يكون سيّد نفسه ومصيره مثل باقي الأمم، في دولته ذات السيادة. وبناء عليه، نجتمع هنا نحن أعضاء مجلس الشعب ممثّلي الجالية اليهودية في أرض إسرائيل والحركة الصهيونية في يوم انتهاء الانتداب البريطاني على أرض إسرائيل. وبفضل حقّنا الطبيعي والتاريخي وبقوّة القرار الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، نجتمع لنعلن بذلك قيام الدولة اليهودية في أرض إسرائيل والتي سوف تُدعى "دولة إسرائيل".

ونعلن أنه منذ لحظة انتهاء الانتداب هذه الليلة عشيّة السبت في السادس من مايو (أيار) سنة 5708 عبرية (الموافق الخامس عشر من مايو سنة 1948 ميلادية)، وحتّى قيام سلطات رسمية ومنتخبة للدولة طبقاً للدستور الذي تقره الجمعية التأسيسية المنتخبة في مدّة لا تتجاوز أول أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1948.. منذ هذه اللحظة، سوف يمارس مجلس الشعب صلاحيات مجلس دولة مؤقّت، وسوف يكون جهازه التنفيذي الذي يّدعى "إسرائيل".

وسوف تفتح دولة إسرائيل أبوابها أمام الهجرة اليهودية لتجمع شمل المنفيّين، وسوف ترعى تطوّر البلاد لمنفعة جميع سكّانها دون تفرقة في الدين أو العنصر أو الجنس. وسوف تضمن حرّية الدين والعقيدة واللغة والتعليم والثقافة، وسوف تُحمى الأماكن المقدّسة لجميع الديانات، وسوف تكون وفيّة لمبادئ الأمم المتحدة. إن دولة إسرائيل مستعدّة للتعاون مع وكالات الأمم المتحدة وممثّليها على تنفيذ قرار الجمعية العامة في 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 1947، وسوف تتخذ الخطوات الكفيلة بتحقيق الوحدة الاقتصادية لأرض إسرائيل بكاملها.

وإننا نناشد الأمم المتحدة أن تساعد الشعب اليهودي في بناء دولته، ونحن نستقبل دولة إسرائيل في مجتمع أسرة الأمم. ونناشد السكّان العرب في دولة إسرائيل وسط الهجوم الذي يشنّ علينا ومنذ شهور أن يحافظوا على السلام، وأن يشاركوا في بناء الدولة على أساس المواطنة التامة القائمة على المساواة والتمثيل المناسب في جميع مؤسّسات الدولة المؤقّتة والدائمة.

إننا نمدّ أيدينا إلى جميع الدول المجاورة وشعوبها عارضين السلام وحسن الجوار، ونناشدهم إقامة روابط التعاون والمساعدة المتبادلة مع الشعب اليهودي صاحب السيادة والمتوطّن في أرضه. إن دولة إسرائيل على استعدادٍ للإسهام بنصيبها في  الجهد المشترك لأجل تقدّم الشرق الأوسط بأجمعه.

وإننا نناشد الشعب اليهودي في جميع أنحاء المنفى الالتفاف حول يهود أرض إسرائيل ومؤازرتهم في مهام الهجرة والبناء، والوقوف إلى جانبهم في الكفاح العظيم  لتحقيق الحلم القديم.. ألا وهو خلاص إسرائيل. إننا نضع ثقتنا في الله القدير، ونحن نضيف توقيعنا على هذا الإعلان خلال هذه الجلسة لمجلس الدولة المؤقّت على أرض الوطن في مدينة تل أبيب عشيّة هذا السبت، اليوم الخامس من مايو (أيار) سنة 5708 عبرية (الموافق الرابع عشر من مايو/أيار 1948).

توقيع:

ديفيد بن غوريون - دانيال أومستر - مردخاي بنتوف - إسحق بن زفي - إلياهو برلن - برتز برنشتين - حاخام زيف غولد - مائير غرايوفسكي غوينباوم - إبراهام غرانوفسكي - إليوهو دوبكن - مائير فلز - زوراه واراهافيغ - هرتزل شاري-  راشيل كوهين - كالمان كاهان – س. كوثاش- إسحق مائير ليفن - م. د. ليفنشتاين - زفي لوريا - غولدا مايرسن - ناحوم نير- راف لكس- زفي سيغال- يهودا ليب -  كوهين فشمان - ديفد نلسون - زفي بنحاس - أهرون زيلخ - موشي كولورني - أ. كابلان - أ. كاتز - فيلكس روزنبلت - د. ديمبر - ب. ريبتور - موردخاي شامير -بن زيون سنتيرنبرغ - بيخور شطريت- موشي شابيرا - موشي شرتوك.




 


--------------------------------------------------------------------------------

(1)  راجع مواقف بعض المفكّرين المسيحيين من قادة روحيين وأشخاص زمنيين من القضية الفلسطينية وقرار التقسيم ومن نشوء إسرائيل.... الملحق رقم 1.

(1) انظر نصّ الإعلان في الملحق رقم 2.

(1)  ميشال شيحا، فلسطين، ترجمة نبيل خليفة ، دار النهار ومؤسسة ميشال شيحا، ،بيروت، 2003.

(2)  شارل مالك والقضية الفلسطينية، منشورات بدران، بيروت ، 1973.

(1) راجع الملحق رقم 1.

(1)  الأب باسيليوس محفوض، الكنيسة الأورشليمية الأرثوذكسية والمسيحيّون العرب، موقع مطرانية الروم الأرثوذكس على شبكة الإنترنت.

(2)  مقابلة مع المطران عطالله حنّا خلال وجوده في بيروت عام 2002

(3) المرجع السابق نفسه.

(4)   قاضٍ بريطاني عيّنته سلطات الانتداب البريطاني للتحقيق في الخلاف الذي نشأ بين البطريرك ذميانوس والسينودس وبين العرب واليونان حول هوية الأراضي المقدّسة وعروبتها.

(1) مقابلة مع المطران عطالله حنّا، أجراها معه موقع إسلام اون لاين خلال وجوده في لبنان، 05/08/2002.


(2) ) كيث وايتلام، اختلاق إسرائيل القديمة، ترجمة سحر الهنيدي، سلسلة عالم المعرفة، العدد 249،الكويت ،1999، ص 15.


(1)   ميشال شيحا، فلسطين، دار النهار ومؤسسة ميشال شيحا،ترجمة نبيل خليفة،بيروت 2003 ،ص 115.

(2)  جورج خضر، معنى القدس، النهار: -الدستور- الملحق، 27 نيسان 1969(حديث أُلقي بعد غداء المجدّرة التقليدي في جمعية أصدقاء القدس في بيروت).

(1)  بيان صادر في القدس في 29 أيلول 2006، وقعه كلٌ من: تيوفلوس الثالث، بطريرك القدس للروم الأرثوذكس ميشيل صباح، بطريرك القدس للاتين توركوم مانوغيان، بطريرك القدس للأرمن الأرثوذكس بييرباتيستا بيتسيبالا، حارس الأراضي المقدسة الأنبا أبراهام، مطران الأقباط الأرثوذكس في القدس والشرق الأدنى سويريوس ملكي مراد، النائب البطريركي للسريان الأرثوذكس في القدس أبونا غريما، مطران الأحباش الأرثوذكس في القدس  بولس صياح، النائب البطريركي العام للموارنة في القدس رياح أبو العسل، مطران الكنيسة الإنجيلية الأسقفية العربية في القدس منيب يونان، مطران الكنيسة الإنجيلية اللوثرية في القدس والأردن بطرس ملكي، النائب البطريركي العام للسريان الكاثوليك في القدس  جورج بكر، النائب البطريرك العام للروم الملكيين الكاثوليك في القدس الأب رافائيل مينسيان، النائب البطريركي العام للأرمن الكاثوليك في القدس.


(1)  مقابلة مع المطران عطالله حنّا ، المرجع السابق.

(2)  جورج خضر، المرجع السابق.

(3)  جورج خضر،القدس، تعاونية النور الأرثوذكسية للنشر والتوزيع،بيروت، 2003.


 

2009-01-20 10:12:07 | 5988 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية