التصنيفات » دراسات

تعثرات التسوية وأفق المقاومة



 

بقلم: هيثم أبو الغزلان
      
بين التهديدات الإسرائيلية المتصاعدة بشن عدوان جديد على لبنان ـ والتي عاد نتنياهو وبلعها ـ، وانتهاء المؤتمر السادس لحركة "فتح"؛ يبقى مسار أو ـ مسارات ـ التسوية متعثرة، كيف يمكن قراءة ذلك؟ وما هي الأسباب والنتائج التي يمكن حصولها سواء تصعيداً أو مراوحة؟!
ومن هنا يمكن التركيز في مقالنا هذا على البرنامج السياسي لحركة "فتح" المُقر في مؤتمرها السادس، والتسوية، والمقاومة..

البرنامج السياسي لفتح..
لم تُقدم اللجنة المركزية لحركة «فتح»، خلال مؤتمرها السادس، تقريراً شاملاً عن أوضاع الحركة على مدار العقدين الماضيين، وأرسل أمين سر «فتح» في الضفة، الأسير مروان البرغوثي، رسالة اعتبرت التقرير البديل، الذي شرّح وضع الحركة وأعطى استشرافات للمستقبل.

فقد اعتبر البرغوثي أن المرحلة التي يعيشها الفلسطينيون هي مرحلة التحرر الوطني، وباعتبار حركة فتح قائدة لحركة التحرر الفلسطيني، فإنها تعتبر أن المهمة الأساسية والرئيسية والأولى والمقدسة للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات هي مواصلة النضال الوطني لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي والاستيطان والانسحاب الشامل لحدود الرابع من حزيران 1967، بما في ذلك مدينة القدس الشرقية المحتلة، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشرقية، وحق اللاجئين في ممارسة حقهم طبقاً للقرار الدولي 194، وتحرير جميع الأسرى والمعتقلين.

كما أكد البرغوثي (الأخبار اللبنانية (10/8/2009))، أن مقاومة الاحتلال الإسرائيلي هي واجب وطني، وهي حق مشروع كفلته الشرائع السماوية، والشرعية الدولية والقانون الدولي، وأن هذه المقاومة تنتهي فقط بانتهاء الاحتلال وإنجاز شعبنا لحقوقه الوطنية.

معتبراً أن الوحدة الوطنية مبدأ وطني فتحاوي وضرورة لا غنى عنها، وخاصة في مرحلة التحرر الوطني، واعتبار أن الوحدة الوطنية هي قانون الانتصار للشعوب المقهورة ولحركات التحرر الوطني.

وأكد أن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا في كل أماكن وجوده وقائدة نضاله الوطني، ومرجعيته السياسية والتفاوضية، مرحباً بدخول حركتي «حماس» و«الجهاد» إلى مؤسسات المنظمة ومشاركتهما فيها، وأكد ضرورة إجراء انتخابات لعضوية المجلس الوطني الفلسطيني بأسرع وقت ممكن في الداخل والخارج، وبما لا يزيد عن 350 عضواً والتوافق، حيثما تعذر الانتخاب.

كما أكد على التمسك بالخيار الديمقراطي واعتباره أساساً للنظام السياسي الفلسطيني والإصرار على إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية... وبناء مؤسسة أمنية وطنية ومهنية، عصرية وحديثة..

وعلى صعيد المفاوضات فقد اعتبر البرغوثي في ورقته أن تجربة ما يقارب العقدين من المفاوضات تثبت بوضوح وصراحة ألا شريك للسلام في إسرائيل، وأن الحكومات المتعاقبة استخدمت المفاوضات مظلة للتغطية على جرائم الاحتلال والاستيطان، وأن الحكومات الإسرائيلية لم تلتزم يوماً بمرجعيات عملية السلام مطلقاً، عوضاً عن الاتفاقيات، بل تحاول استحداث مرجعيات جديدة بهدف شطب قرارات الشرعية الدولية ومرجعية القانون الدولي. داعياً إلى  لوقف كامل ومطلق للمفاوضات بكل أشكالها ومستوياتها وإلى عدم العودة إلى طاولة المفاوضات قبل التزام حكومة إسرائيل بما يلي:

1ـ الالتزام بمبدأ إنهاء الاحتلال والانسحاب الشامل لحدود الرابع من حزيران 1967، بما في ذلك مدينة القدس، والاعتراف الصريح الواضح بقرارات الشرعية الدولية ومرجعيتها لأية مفاوضات في إطار الالتزام بالقانون الدولي.

2ـ الوقف الشامل والفوري لكل النشاطات الاستيطانية ومصادرة الأراضي، ووقف الاستيطان في القدس ووقف هدم البيوت ومصادرتها ووقف عملية تهويد المدينة.

3ـ الاعتراف الرسمي بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، بما في ذلك حقه في إقامة دولته المستقلة كاملة السيادة على الأراضي المحتلة عام 1967 ورحيل كل المستوطنين وإخلاء كل المستوطنات وحق اللاجئين في العودة طبقاً للقرار الدولي194.

4ـ إنهاء الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني وإزالة الحواجز ووقف الاقتحامات والاعتقالات وإعادة مناطق السلطة الوطنية للمسؤولية الفلسطينية وإنهاء الحصار على قطاع غزة.

5ـ الالتزام بالإفراج عن جميع الأسرى والمعتقلين في إطار جدول زمني لمدة سنة من تاريخ استئناف المفاوضات.

6ـ في حال التزام إسرائيل بالمبادئ المذكورة، يجري استئناف المفاوضات فقط من النقطة التي انتهت إليها، والرفض المطلق للعودة للوراء على أن تتعلق المفاوضات بترتيبات الانسحاب الإسرائيلي لا التفاوض على المبدأ، شريطة أن يكون سقف المفاوضات ستة أشهر للوصول لاتفاق إنهاء الاحتلال.

وفي السياق ذاته أكد البرنامج السياسي لفتح الذي عُرَض على مؤتمرها العام السادس رفض الحركة الاعتراف بيهودية إسرائيل ورفض توطين اللاجئين الفلسطينيين في أماكن وجودهم.

ويؤكد البرنامج:
ـ «رفض الدولة ذات الحدود المؤقتة ورفض الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية حماية لحقوق اللاجئين ولحقوق أهلنا عبر الخط الأخضر».
ـ «خيار الكفاح المسلح هو أحد أساليب النضال وأشكاله، وينطلق النضال من حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال والاستيطان والطرد والترحيل والتمييز العنصري، وهو حق تكفله الشرائع والقوانين الدولية».

ـ «حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس الشريف، وحق لاجئيه في العودة والتعويض».

ـ «نضال حركة فتح يرتكز في الأجل المنظور على التصدي للاستيطان وإنهائه» وفتح «تتبنى السلام العادل والشامل خياراً استراتيجياً تتعدد الوسائل للوصول إليه، لكنها لا تقبل الجمود بديلاً. وهي تتبنى النضال وسيلة للوصول إلى السلام».

وترى «فتح» في برنامجها أن تناقضها مع الاحتلال هو التناقض الرئيسي، وأن كل الصراعات الأخرى ثانوية ـ أن «تناقضها مع الاحتلال هو التناقض الرئيسي، وأن كل الصراعات الأخرى تمثّل تناقضات ثانوية»، مؤكدة أن «حقوق الشعب الفلسطيني لا تسقط بالتقادم، لكنها تبرز وتنضج بالنضال، وأي بقعة أرض فلسطينية مقدسة ومهمة مثل غيرها».

ـ ضرورة «الإصرار على التفاوض في إطار المبادرة العربية للسلام والشرعية الدولية، والإصرار على وضع جدول زمني للمفاوضات ووقف الاستيطان شرطاً لاستئناف المفاوضات ورفض تأجيل التفاوض على القدس أو قضية اللاجئين، أو أي من قضايا الحل النهائي».

وأكد برنامج فتح «رفض دعوة إسرائيل إلى إنهاء المطالب الفلسطينية قبل الوصول إلى حل نهائي، وعلى الأخص في ما يتعلق بمشكلة اللاجئين». وتطالب «فتح» «بالذهاب إلى استفتاء شعبي لاعتماد اتفاق السلام الذي يكون الوصول إليه عبر المفاوضات النهائية والإصرار على آلية للتحكيم عند حدوث خلاف على تنفيذ الاتفاقات، تكون ملزمة للطرفين». كذلك ترفض واقع اللاحرب واللاسلم الذي تحاول إسرائيل فرضه. وتؤكد «التمسك بخيار السلام دون الاقتصار على المفاوضات لتحقيقه، ولذلك نريد استعادة المبادرة لكسر الجمود».

ويتضح من قراءة نتائج مؤتمر فتح السادس ملامح الغلبة والانتصار لفريق سياسة المفاوضات وتهميش الفتحاويين الذين انتظروا عقدين من الزمن عقد المؤتمر للدخول عبر بوابة التغيير والإصلاح للحركة ومؤسساتها.

وكان من الواضح في كواليس المؤتمر الامتعاض الذي عبر عنه أكثر من طرف داخل تيارات فتح المتماهية مع الأطروحات الواقعية للسيد محمود عباس وتياره، وأخرى رفعت صوتها، لكن سرعان ما تم احتواؤها بفعل ضغط تيار الواقعية السياسية في فتح عبر إطلاق الشعارات الفضفاضة عن برنامجها السياسي في التعاطي مع بند الصراع مع الاحتلال، وإطلاق شعار الحق في المقاومة بكل الأشكال. والشكل الوحيد الذي يعتقد ويؤمن به تيار الواقعية السياسية للرئيس للسيد عباس على الأرض هو نموذج استمالة الطرف الإسرائيلي والأمريكي عبر نموذج نعلين وبعلين ونضال النخبة المقتصر على إضاءة الشموع وحمل الورود واليافطات كطريقة عصرية وحضارية، كما قال السيد عباس بعد انتخابه كرئيس للحركة في وصف نضال الحركة بالحضاري والواقعي، بينما على الجانب الآخر كانت تصريحات نتنياهو تتحدث عن عدم تكرار "أخطاء" الانسحاب وإخلاء المستوطنات كما جرى في غزة. (1)

وفي تعليق على المؤتمر الفتحاوي قال الوزير ايلي ايشاي (من حركة "شاس"): "إن حركة فتح لا تريد السلام ولا تريد الاعتراف بدولة إسرائيل".
ورأى الوزير جلعاد اردان (من الليكود): "لا فرق بين فتح وحماس"، داعيا الرئيس الأميركي إلى ممارسة الضغوط على الجانب الذي يجب الضغط عليه.

و قال الوزير دانيئيل هيركوفيتش (من كتلة البيت اليهودي): "إن مسؤولي حركة فتح كشفوا القناع عن وجههم الحقيقي فتبين انه ليس هناك من يمكن التحدث معه".

من جانبه انتقد وزير الأمن إيهود باراك، المواقف التي عبر عنها المشاركون في مؤتمر فتح السادس، وقال إن «الخطابات التي أسمعت في مؤتمر فتح والمواقف التي تم التعبير عنها صارمة وغير مقبولة علينا».

الإسرائيليون مع مواصلة الاستيطان في القدس الشرقية..
 وفي المقلب الآخر من الجانب الصهيوني بيّن استطلاع للرأي جامعة تل أبيب ونُشرت نتائجه الأحد (9-8-2009)، أن معظم الإسرائيليين يؤيدون مواصلة الاستيطان في القدس الشرقية، وبشكل عام السياسة الخارجية التي يعتمدها رئيس الوزراء اليميني بنيامين نتانياهو.
ويدعم 60% من المستطلعين متابعة بناء المستوطنات اليهودية في القدس الشرقية التي احتلتها إسرائيل في حزيران/يونيو 1967، معتبرين أن "بسط إسرائيل سلطتها على القدس أمر غير قابل للنقاش".

واعترض 31% من المستطلعين على بناء مستوطنات جديدة ليقطنها يهود في القدس الشرقية، فيما لم يبد سبعة بالمئة أي تعليق على الموضوع.

وبشكل عام، يؤيد 60% من المستطلعين موقف رئيس الوزراء من الولايات المتحدة الرافض لتجميد عملية الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة.
وقد تواصلت هذه النشاطات في الأسبوعين الأخيرين من شهر تموز المنصرم بإعلان مشروع بناء جديد في حي عربي في الجزء الشرقي من المدينة، وبطرد عائلتين فلسطينيتين في الثاني من آب/أغسطس لاستبدالهما بمستوطنين يهود.

يأتي هذا في وقت عبّر فيه بنيامين نتنياهو عن رفضه الشديد لإخلاء مستوطنات في الضفة الغربية، وقال إن إخلاء مستوطنات قطاع غزة كان خطأ لن يتكرر. واعتبر مراقبون إسرائيليون إن تصريحات نتنياهو هي بمثابة رسالة شديدة اللهجة للفلسطينيين والإدارة الأمريكية. وأعرب نتنياهو في الذكرى الرابعة لتنفيذ خطة فك الارتباط عن قطاع غزة، وسحب الجيش إلى تخومها، عن رفضه الشديد لإخلاء مستوطنين من الضفة الغربية وقال إن الحكومة لن «تنتج مرحّلين جدد».

وجدد نتنياهو اشتراط أية تسوية بـ «الاعتراف بإسرائيل كوطن للشعب اليهودي» وموافقة الفلسطينيين على ترتيبات أمنية خاصة، وقبولهم بكيان منزوع السلاح.

وقد شهدت الضفة الغربية المحتلة في هذه الفترة هجمة استيطانية متسارعة لم تشهد مثيلا لها منذ احتلالها عام1967، وترافقت هذه الهجمة مع تشديد الحصار على قطاع غزة الصامد بعد العدوان الإجرامي وتدمير معظم بناه التحتية في بداية هذا العام في ظل تواطؤ معظم الأنظمة العربية الرسمية والجامعة العربية والأمم المتحدة.

وتعمدت سلطات الاحتلال الصهيوني التهام المزيد من الأراضي لبناء وتوسيع المستعمرات وجدار الفصل والعزل العنصري لاستيعاب المزيد من قطعان المستوطنين من كل أصقاع العالم لتغيير معالم الأراضي الفلسطينية المحتلة الجغرافية والديمغرافية وخاصة في مدينة القدس لطمس معالمها العربية الأصيلة وتهويدها. حيث ركزت سلطات الاحتلال على مصادرة الأراضي المزروعة لطرد أصحابها بعد إحراق محاصيلهم وقطع أشجارهم المثمرة وفي مقدمتها أشجار الزيتون متجاهلين القرارات الدولية ودعوات المجتمع الدولي الرافض للاستيطان الذي التهم أكثر من40% من أراضي الضفة الغربية ومدينة القدس والتي تتعرض بعد توقيع اتفاقيات أوسلو المذلة لهجمة استيطانية مسعورة تمثلت في مصادرة المزيد من أحيائها والكثير من منازلها وتدميرها وتشريد سكانها والتي كان آخرها عدد من منازل حي سلوان والبستان والشيخ جراح..

لذلك فإن سياسة الاستيطان والتهويد والمصادرة تشكل التهديد الحقيقي لكل مبادرات ومشاريع التسوية المزعومة وفي مقدمتها المشروع الأمريكي لحل الدولتين وتجميد الاستيطان مع العلم أن رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو رد على المشروع الأمريكي بجملة من الشروط الاعتراضية تمثلت بضرورة اعتراف الفلسطينيين والعرب بيهودية الكيان الصهيوني والتطبيع قبل المفاوضات وحل قضية اللاجئين الفلسطينيين خارج حدود الكيان الصهيوني المصطنع في فلسطين المحتلة وفرض مواصفات الدولة الفلسطينية قبل إعلان قيامها بلا جيش ومنزوعة السلاح والسيادة والقدس خارج معادلة المفاوضات ولا ندري ماذا بقي للدولة الفلسطينية الموعودة..

ولعل الكاتب الإسرائيلي، في صحيفة "هآرتس" تحت عنوان "الضفة الغربية: الانفجار الآتي"، آفي يسخروف، يعبر عن واقع الحال الموجود بقوله: "ليس من اللطيف الاعتراف أن السلطة الفلسطينية خلافاً لإسرائيل تلتزم بمتطلبات "خريطة الطريق" وتتحرك ضد "البنية التحتية للإرهاب". في الماضي كانت مقابلة صحافي في المناطق مسلحاً من أسهل المهمات. أما اليوم فلم يعد من الممكن إيجادهم في مدن الضفة. حكومة سلام فياض قامت بحل "كتائب شهداء الأقصى" التابعة لفتح، والأجهزة الخاضعة لرئيس السلطة محمود عباس تخوض صراعاً لا هوادة فيه ضد مسلحي "حماس" و"الجهاد الإسلامي".

حقاً إن الضفة لم تكن هادئة على هذا النحو منذ زمن. ولكن من المحظور أن نقع في الخطأ، الواقع يبقى هشاً. حسب رأي الكثيرين من قادة "فتح"، الطريق المسدود الذي وصلت إليه الاتصالات السياسية، يجعل الانفجار المقبل بين إسرائيل والفلسطينيين مسألة وقت ليس إلا.

السلطة نجحت في تحسين جودة الحياة في الضفة فعلا، إلا أن الفلسطينيين ما زالوا يعيشون تحت الاحتلال. رغم أن حواجز كثيرة قد رفعت إلا أن هناك حواجز فجائية كثيرة وعوائق مرورية تلحق الضرر بحرية الحركة. الجيش الإسرائيلي يقلل من تحركاته في المدن الفلسطينية ولكنه يفعل ذلك بين الحين والآخر، وفوق كل ذلك – السلطة الفلسطينية و"فتح" تضطران لنفي صورة العملاء التي لصقت بهما من دون مقابل سياسي من الجانب الإسرائيلي.

في هذه المرة لن تكون المسألة موجة شعبية على شاكلة الانتفاضة. يبدو أن الجمهور الفلسطيني قد تعب جداً للقيام بمثل هذا الأمر. ولكن من داخل "فتح" تحديدا تتزايد الأصوات المتمردة الداعية لاستخدام السلاح ضد المستوطنين والجيش الإسرائيلي".

ويضيف يسخروف أن "النشطاء الذين كانوا في محور الانتفاضة الأخيرة وتم تهميشهم في الساحة السياسية، يحذرون من أن تحويل السلطة الفلسطينية إلى "سلطة دايتون" (المنسق الأمني الأميركي الجنرال كيث دايتون الذي يساعد بإعادة بناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية) لن يساعد "فتح" في تحسين مكانتها في الشارع. في آخر المطاف هم يدّعون أنه ستقود الأزمة السياسية مع إسرائيل إلى استئناف العمليات في الضفة وتشكيل خلايا مسلحة تعمل في السر.

توقعات أحد قادة التنظيم ومن الشخصيات البارزة في المجابهة الأخيرة، حسام خضر، أكثر تشاؤما. على حد قول خضر الجمود السياسي سيؤدي إلى تهميش القيادة الفلسطينية في الضفة وتعزيز مكانة المتشددين الإسلاميين واندلاع مجابهة عنيفة خلال عام: "المواطنون سيقذفون السلطة بالأحذية. وسيأتي يوم يعتبرونهم فيه جيش لحد".

تعثر التسوية..
أما لجهة التسوية نفسها فإن التسوية ليست في صدارة الأولويات الصهيونية، إذ يتصدرها الموضوع الإيراني، حيث حله يجب أن يسبق التسوية على جبهة الصراع العربي الصهيوني. وهذا ما أشار إليه مستشار الأمن القومي الصهيوني ومستشار نتنياهو السياسي عوزي أراد، وذلك لثلاثة أسباب(2):
1 – أن الملف الإيراني أكثر إلحاحاً.
2 – إذا نجحنا هناك فسيكون الوضع أسهل هنا.
3 – إذا لم ننجح هناك فلن ننجح هنا، وإذا ما امتلكت إيران سلاحاً نووياً، فإن كل ما يمكن أن يتحقق مع الفلسطينيين سيزول بين ليلة وضحاها.
أما الدولة الفلسطينية فلن تقوم قبل 2015، وإن قامت فبشكل هوليودي، مقابل انضمام الكيان الصهيوني إلى حلف الناتو وإبرام حلف دفاعي مع الولايات المتحدة وفق قاعدة «كل شيء مقابل شيء».

وأشار إلى عدم وجود شريك عربي وفلسطيني، بسبب الإخفاق في دفع العرب «لاستيعاب حقنا في الوجود»، إذ لم «ألتق بشخصية عربية مؤهلة لأن تقول بهدوء ووضوح أنها تقبل بحق إسرائيل التاريخي وبإقرار عميق»، وفيما يخص الشريك الفلسطيني أكد أن «كل من لديه عينان في رأسه يرى أنه يوجد فشل قيادي فلسطيني ولا يوجد (أنور) سادات فلسطيني، ولا يوجد (نلسون) مانديلا فلسطيني».

وفي الشأن السوري رفض أراد فكرة «وديعة رابين» وأعلن أن نتنياهو «طلب من وارن كريستوفر وزير خارجية بيل كلينتون، إعادة الوديعة، وهذا ما حدث وفي رسالته تعهد كريستوفر بأن الوديعة غير سارية» وأشار إلى إصرار معظم «حكومات إسرائيل على البقاء على هضبة الجولان، وأن هذا هو موقف غالبية الجمهور وغالبية أعضاء الكنيست»، وشدد على أنه في حال ما كانت تسوية إقليمية «فإن إسرائيل ستبقى على هضبة الجولان وفي عمق هضبة الجولان»، وأن نوعية التسوية الممكنة صهيونياً هي «تسوية في عمق الجولان» واعتبر أن الوجود الصهيوني يجب أن يبقى حتى في «ظل السلام لأنه يجب القول بشكل قاطع نعم للسلام لا للتخلي عن الجولان» واعتبر أراد أن موقف نتنياهو من هذه المسألة هو «البقاء على هضبة الجولان بعمق عدة أميال، والأميال أكبر من الكيلومترات، وإذا رسمت خطاً بين جبل الشيخ والحمّة بعمق عدة أميال فستجد أن هذا يبقي لك الكثير جداً من هضبة الجولان من الجنوب إلى الشمال».

هدف الكيان الصهيوني من السلام مع سوريا يقوم على معادلة «السلام مقابل التموضع الإستراتيجي» أي الخروج من معسكر المقاومة والممانعة، وعلى المسار الفلسطيني «السلام الاقتصادي». أما على المسار اللبناني فأساس النظرة الصهيونية هو الصلة بين الجنوب اللبناني وإيران، فشمعون بيريز يعتبر الجنوب منصة أمنية لإطلاق الصواريخ على الكيان الصهيوني.

عوامل صعود المقاومة:
مثلما هناك عوامل كبح، هناك عوامل عديدة تساعد المقاومة على النهوض والصعود والاستمرار، ومن أهمها:
الإرادة والتصميم، العمق الشعبي العربي والإسلامي، نمو القوة الإيرانية واستمرار تحدِّيها للدول الغربية، سيعزز ما سبق موقف المقاومة الفلسطينية في الخارج، محور عربي يمكن أن يتوسع، فشل مسار التسوية ووصول المفاوضات إلى طريق مسدودة، ولا يلوح في الأفق أن ما يمكن أن يقدمه الإسرائيليون يصل إلى الحد الأدنى الذي يمكن أن يقبل به حتى "المعتدلون" الفلسطينيون. إن هذا الفشل يعزز الميل لخيار المقاومة كأداة فاعلة تجبر الإسرائيليين على الاستجابة للمطالب الفلسطينية. (3)

تفاعل عوامل الكبح والصعود:
هناك تنافر بين عوامل الكبح والصعود، وليس من المتوقع أن تلغي عواملٌ أضدادها تماماً، في هذه المرحلة الراهنة، فالتأثير المتبادل سيبقى قائماً، وفي النهاية فمن المتوقع أن تصب المحصلة لصالح المقاومة. وتتجلى هذه النتيجة من خلال المؤشرات التالية:

ـ إسرائيل لم تعد قادرةٌ عسكرياً واستخبارياً على القيام بما كانت تقوم به في السابق. فتعرضت للفشل في حرب تموز 2006 ضد حزب الله، وخاضت حرباً عمياء ضد خاصرة صغيرة المساحة في القطاع، ولم يكن لديها المعلومات الكافية عن عدوِّها، وفشلت في تحقيق أي من أهدافها الحقيقية؛ ووجدت نفسها أمام مأزق عسكري جدّي، فتوقفت واكتفت بادعاءات عن انتصارات. هذا بالإضافة إلى ترهل "المجتمع" الإسرائيلي، وضعف نوعية المقاتل الصهيوني، وتزايد الثغرات في بنية الجيش. 

ـ فشلت أمريكا في بناء شرق أوسط جديد وفق معاييرها، وفشل بوش وإدارته فيما يسمى الحرب على "الإرهاب"، بالإضافة إلى تورطها في العراق وأفغانستان.

ـ صمدت المقاومة الفلسطينية في وجه حملات إسرائيلية ضخمة وتواطؤ عربي وداخلي فلسطيني، فهل من الممكن أن تتراجع تحت ذات الضغط مستقبلاً؟ إذا كانت المقاومة قد صمدت تحت ضغط بمقدار معين، فإن هذا الضغط سيضعف نسبياً في حال ازدادت قوة المقاومة، وبالتالي فإن المقاومة ستزداد قوة على الرغم من استمرار الحصار المشدد .(4)

وفي الختام، إن الملهاة الكبرى في السياسة الفلسطينية هي في رفض القبول بقراءة وقائع السياسة الإسرائيلية المشبعة بالعدوان ضد الفلسطينيين، وإن لم تكن المؤتمرات تعيد قراءة واقع التجربة التفاوضية والملفات التي أصبح حجمها بمساحة فلسطين التاريخية ومساحة العالم العربي التي وصلها العدوان الإسرائيلي، وإذا اعتبر المؤتمرون أنه أتى على ذكر ملف الاستيطان واللاجئين والقدس على أنه إنجاز فتكفي الالتفاتة إلى التجربة السابقة ومآل تلك الملفات على الأرض، ومآل المفاوضات والاتفاقات من أوسلو إلى اتفاق الخليل، والى مفاوضات طابا إلى كامب ديفيد إلى تفاهمات جورج تينت إلى خارطة الطريق إلى شروط الرباعية، وجميعها تحكمها عقلية واحدة استعمارية استيطانية استعلائية يجب التعاطي معها بواقعية غير تلك التي يؤمن بها من حاول إيهامنا بواقعية أخرى لم تنتج إلا كوارث متلاحقة وأخرى تنتظرنا بفعل هكذا سياسات تجلد الذات وتنظر من المحتل المزيد من الجلد.

الاكتفاء بالتغني بالتاريخ النضالي للطلقة الأولى والرصاص الأول لفتح عبر الهرج والمرج الإعلامي لا يعفيها من المسؤولية التاريخية التي وجدت نفسها به كحركة نضالية حرة يجب إعادة الاعتبار لها برفض التقاعد الذي منح لها عبر أكذوبة التجديد وضخ القيادات الواقعية، وإقصاء الكادر المناضل الرافض لسياسة الترهل والفساد التي شابت العمل الفتحاوي.

أما لجهة استمرار المقاومة ـ تصعيداً أو مراوحة ـ فإن ذلك مرتبط بظروف ميدانية وتعقيدات واقعية، وليس بقرار سياسي بوقفها ـ لا تصعيداً ولا مراوحة ـ، على اعتبار أن الظروف تحدد عمل المقاومين آخذين بعين الاعتبار التنسيق الأمني بين أجهزة السلطة في رام الله وكيان العدو، يضاف إلى ذلك الحصار الخانق على القطاع الجريح والخارج من عدوان صهيوني همجي استطاع أهله ومقاوموه الصبر والصمود والانتصار...


المصادر:
 (1): ما بعد المؤتمر.. فتح أكثر واقعية ومقاومة مبنية للمجهول، موقع "عرب 48"، نزار السهلي، (9/8/2009)..
(2): ـ مفاوضات تسوية إقليمية أم حملة علاقات عامة؟!!، عبد الله الحسن، تقرير مركز دراسات فلسطين والعالم، آب 2009.
(3): مستقبل المقاومة الفلسطينية، التقدير الاستراتيجي (9)، مركز الزيتونة للدراسات: آذار/ مارس 2009.
(4): المصدر: السابق نفسه.

2009-09-17 11:19:55 | 1838 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية