التصنيفات » دراسات

السودان .. الواقع والتحديات والحلول



بقلم: محمد حسب الرسول*


دخل السودان مرحلة جديدة من تاريخه تتسم بالدقة والتعقيد الشديدين، حيث وقعت الحالة الوطنية تحت تأثير جُملة من المعطيات والمهددات المحلية والإقليمية والدولية والتي شكلت الملامح الأساسية لهذه المرحلة.
فاتفاقية نيفاشا التي أقامت نظاماً تعاهدياً كونفدرالياً بالبلاد قد أرخت بظلالها على مجمل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية ، و رسمت مع عوامل أخرى مثل " أزمة دارفور والأوضاع بالمناطق الثلاث والحصار الاقتصادي والدبلوماسي والأحوال المعيشية والاجتماية " شكل الصورة الوطنية العامة بالبلاد وقد كان للضغوط والابتزازات الأجنبية مساهمتها أيضا في تشكيل تلك الصورة.
ان الوضع الجديد الذى نشأ بموجب اتفاقية نيفاشا قد مكن الجنوب من المشاركة بنسبة 34% فى كافة مؤسسات الحكم التنفيذية والتشريعية والقضائية على المستوى المركزى ، فضلاً عن حضور بذات النسبة فى دواويين الخدمة العامة مدنية منها وعسكرية . ومضت الاتفاقية فى تحقيق المذيد من المكاسب للجنوب على حساب الشمال حيث حرمت رئيس الجمهورية من أى سلطة بجنوب السودان  ، ورهنت سلطاته بالشمال بموافقة نائبه الجنوبى ومن الامثلة على ذلك سلطة الرئيس فى اعلان حالة الطوارئ والحرب وتعيين وعزل الوزراء وبقية شاغلى الموظائف الدستورية ، فيما منحت الاتفاقية الجنوب سطلة فى انشاء حكومة لها اليات تنفيذية وتشريعية وقضائية مستقلة تماماً عن نظيراتها بالمركز، ولها فى اطار هذه السلطات المستقلة جيش مستقل اكمل انتشاره بالجنوب بعد ان تم سحب الجيش المركزى منه بشكل تام فى الوقت الذى تنتشر ستة وحدات عسكرية تتبع لحكومة الجنوب فى الشمال بما فى ذلك الخرطوم .
 شهد العام 2008 والعام الذى سبقه جهوداً كبيرة لتطوير وتعزيز قدرات جيش حكومة الجنوب وذلك بمساعدة شركات امريكية ، كما شهدت ذات الفترة انشاء سلاح طيران امتلك عشرات الطائرات المقاتلة وتم تدريب طياريه على قيادتها وكذلك بناء سلاح للمدرعات والمدفعية وامتلاك اليات عسكرية جديدة فى سباق تسلح واضح المعالم وبائن الخطر .
ولعله من الضرورى الاشارة الى ان لهذه الحكومة مكاتب تمثيل دبلوماسى تنتشر فى نحو عشرين دولة فى امريكا واوروبا وأفريقيا .
ان استقلالية حكومة الجنوب وسيادتها الكاملة والمطلقة على الجنوب قد جاءت بناءً على نصوص واضحة فى الاتفاقية ، ثم ضُمنت كذلك فى الدستور السودانى الجديد الذى صدر عقب التوقيع على الاتفاقية فى العام 2005 م . وقد أكدت المواد 2 ، 25 ،26 ،51 والمادة 58/2 هذه الاستقلالية و السيادة الكاملتين لحكومة الجنوب على ارض الجنوب مع تمكينها من ممارسة حالة من الوصاية على الشمال من خلال رهن اداء رئيس الجمهورية بموافقة نائبه الجنوبى كما سبقت الاشارة .
 إن الواقع الوطني المعاش اليوم في السودان من خلال النظر الموضوعي لزواياه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية يدعو بإلحاح شديد لتبني منهج جديد قائم على قاعدة الاعتصام والتماسك الوطني، التى ترتكز على أساس الانحياز للكلى على الجزئي، والوطني على السياسي الحزبي، والجمعي على الأحادي والشخصي ،حتى تتهيأ الظروف لانطلاقة وعي وطنى جديد وإرادة نهضوية جبارة تبدل هذا الواقع وتغيره، لينعم السودان بحالة من القدرة على مواجهة تلك التحديات التي تحاصره ، ولينفتح باقتدار وتكامل مع محيطه الحضاري الثقافي والجغرافي.
 تحديات واستحقاقات المرحلة:
1. التحدي الأيدولوجي:
يُمثل ما يسمى بمشروع ’’السودان الجديد’’ ذو الارتباط الوثيق بالمشروع الكوني لحركة التدبيريين الإنجيليين ومشروع القرن الأمريكي الجديد عماد ومرتكز هذا التحدي ،فهذا المشروع يهدف الى التأكيد على وحدة البلاد بعد تبديل هويتها ، وطمس تأريخها ،وإستضعاف إنسانها .
وتطبيقه بالسودان يحقق أهدافاً تتعدى حدوده الجغرافية وترابه الوطنى الى عمقه ومجاله الثقافى والحيوى  ودوره الاستراتيجى .فالقضاء على الثقافة العربية والاسلامية في السودان يُعدُ واحداً من أبرز أهداف هذا المشروع المعلنة ، وهو مشروع يهدف إلى إعادة هيكلة أوضاع السودان من جديد لصالح تيارات الأفرقة والتنصير والأمركة، وليُنتزع فى المرحلة التى تلى ذلك من محيطه العربى ، فينكشف ظهر مصر ، وبخترق أمن البحر الأحمر ، ويُصبح السودان ’’ لاسمح الله’’ شوكة موجعة فى خاصرة المنظومة العربية.
إن تطبيق ذلك المشروع في السودان يستهدف صميم وجوهر الأمن القومي العربي عبر:ـ
1. إضعاف الأمن القومي لمصر وليبيا  بحرمانهما من عمقهما الإستراتيجي في السودان.
2. تهديد أمن الدول المتشاطئة فى البحر الأحمر .
3.  إلغاء وظيفة السودان كمصدر إستراتيجي للأمن الغذائي العربي.
4. انهاء دور السودان كجسر يربط المنطقتين العربية والإفريقية لوضع حد بذلك لتواصل الثقافة العربية مع افريقيا جنوب الصحراء .
2. التحدي الخارجي:
يعتبر من أخطر التحديات التي ما فتئت تواجه البلاد على مدى العقدين الماضيين ، وقد تعزز هذا التحدي في الواقع السوداني بعد الاختلال البائن في موازين القوى الدولية وبروز الأحادية القطبية وبروز المشروع الإمبراطوري الكوني لتيارات وقوى المسيحية الصهيونية وإمتدادها الإفريقي.
 ولقد تعددت أوجه وأشكال هذا التحدي خلال العشرين عاماً الماضية، فتارة حصار اقتصادي    وعسكري ودبلوماسي وتارة تدخلات مباشرة لمناصرة ودعم بعض اللاعبين المحليين على الساحة السياسية، وتارة أخرى باستخدام دول الجوار كآليات ضغط وابتزاز .
أصبح هذا التحدي ماثلاً أمام الأنظار من خلال دوره الفاعل والملموس في اتفاقيات ابوجا وأسمرا وغيرها ، بل أصبح واقعاً ملموساً من خلال وجود القوات الدولية البالغة عشرة آلاف عسكري دخلت البلاد وفقاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة بناءاً على مقتضيات اتفاقية نيفاشا، ثم نحو ستة وعشرين ألف جندي هجين في دارفور، وهي أيضاً وفقاً للفصل السابع، وكذلك وجود قوات الإتحاد الأوروبي في شرق تشاد وشمال شرق إفريقيا الوسطى وهي تستمد كذلك تفويضها من الفصل السابع من الميثاق الأممي .
يُعد هذا الوجود العسكري الدولي الأكبر في تاريخ الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، وبالنظر  للتداعيات السلبية لهذا الوجود في البلاد على السيادة والثقافة والتقاليد الوطنية فإن مواجهة هذا التحدى يتطلب جهداً وطنياً استثنائيا ، سيما وأن القوات الأممية ما خرجت من بلد دخلته ابداً.
أما آخر صنوف التدخل الاجنبى فى الشأن السودانى فهو موقف المحكمة الجنائية الدولية من الرئيس السودانى وما ساقته من اتهامات ضده وما صحب ذلك من مساومات ابتزازية عبر بعض الدول الكبرى التى سوقت لعمليات مقايضة للموقف الوطنى مقابل رفع سيف المحكمة الموجه له ، فى عملية تؤكد بجلاء أن ادعاءات المحكمة ادعاءات سياسية وليست قانونية .
ان استخدام المحكمة الجنائية الدولية التى لاينعقد لها اختصاص قضائى فى السودان بسبب عدم مصادقته على اتفاقيتها ـ مثله مثل معظم الدول العربية ـ ليؤكد ايضاً على انها أداة سياسية وليست آلية لتنفيذ العدالة الدولية التى يبحث عنها عالمنا العربى دون جدوى منذ ستين عاماً .
ان موقف المحكمة الجنائية الدولية فى هذا الظرف الدقيق من تأريخ السودان سيؤدى الى المزيد من تأزيم الاوضاع بالسودان مما يخدم المشروع الاسرائيلى بالسودان والذى عبر عنه وزير الأمن الاسرائيلى أفى ديختر فى المحاضرة التى قدمها فى معهد الامن الاسرائيلى فى الرابع من ايلول سبتمبر 2008 تحت عنوان التقديرات الاسرائيلية للأوضاع بالمنطقة ، والتى أشار فيها بوضوح الى أن نظرية الامن الاسرائيلى منذ عهد بن غوريون قائمة على توصبف السودان والعراق ضمن دول الطوق الجغرافى الذى يحيط بالكيان الصهيونى ، وأن مقتضيات الامن الاسرائيلى حتمت على اسرائيل أن تكون حاضرة فى الساحتين السودانية والعراقية من خلال حلفائها المحليين أو من خلال حلفائها الدوليين .أشار وزير الامن الاسرائيلي كذلك الى أن حضورهم فى السودان كان فاعلاً فى الجنوب وتمدد الان نحو الغرب فى دارفور ونحو الشرق معلناً أن زعزعة الأوضاع بالسودان ضرورة استراتيجية اسرائيلية لأن السودان المستقر القوى سيكون دعماً وعضدداً للعرب وأمنهم القومى ، وأشار الوزير الى ما يتمتع به السودان من امكانات مادية وبشرية وموقع جغرافى استرتيجي ودور قومى فى الحروب العربية الاسرائيلة ، وقال ان كل ذلك يجعل من السودان دولة اقليمية قوية ذات دور وأثر اقليمي يفوق الدور والاثر المصرى والسعودي على حد تعبيره ، وأكد أنهم قضوا على الدور القومى للعراق بعد احتلاله عام 2003  وان القضاء على الدور السودانى سيستكمل من خلال حلقات الأزمة فى دارفور بعد ان تم ترتيب الامر بطريقة جيدة فى الجنوب .
من كل ذلك يتضح ان محطات الازمة السودانية فى ابعادها الخارجية كما الداخلية ليس مقصوداً بها نظاماً بعينه بقدر ماهو استهداف للسودان العروبى التوجهات والدور والهوية .
2. تحدي الأطراف:
ويقصد بالاطراف هنا أطراف السودان الشمالى التى تعتبر جزءاً أصيلاً منه بالنظر لاعتبارات الثقافة ، الدين ، التاريخ والجغرافية ، وهذه المناطق هى :ـ
أ. منطقة دارفور
وتقع فى اقاصى غرب السودان على حدوده مع مصر، ليبيا، شاد وأفريقيا الوسطى، وهى منطقة غنية بمواردها الطبيعية التى تذخر بها أرضها التى تعادل مساحتها مساحة العراق ،وهى غنية كذلك بسكانها الذين يعتنقون جميعهم الاسلام ويتحدثون جميعهم اللغة العربية (65% من سكانها عرب)، لكنها أغنى كذلك بتاريخها الذى شهد قيام سلطنات  اسلامية عديدة كانت سلطنة الفور التى امتد تأريخها حتى عام 1916م من أشهر هذه السلطنات.
فدارفور بمواردها وموقعها المفصلي بين إفريقيا جنوب الصحراء وشمالها أُدخلت بتدبير وتخطيط استعماري صهيوني منذ خمس سنوات في متاهات الإحتراب والفتنه الأهلية التي أفرزت أوضاعاً إنسانية صعبة وواقعاً اجتماعيا أصعب ، بل افرزت واقعاً سياسياً جديداً أختلت فيه الموازين والموازنات التي عرفها الإقليم منذ أزمان طويلة ، فما عادت الخارطة في دارفور في شكلها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي كما كانت عليه في السابق ، وتشير العديد من المؤشرات إلى أن أمد هذه الأوضاع يمكن أن يطول إذا لم تتداركه إرادة وطنية موحدة وقادرة خاصة مع الوجود الأجنبي الكبير الذي أستقر فيها بموجب القرار 1769 والضغوط الدولية والإقليمية الرامية إلى إدخالها في نفق " الفوضى الخلاقة ". ولاستخدامها كمخلب قط يدفع باتجاه اضعاف السودان الشمالى توطئة لتنفيذ ’مشروع السودان الجديد’ ، ومن الشواهد على ذلك:ـ
1. استدعاء الرئيس الامريكى جورج بوش لرئيس الحركة الشعبية سلفا كير ورئيس الحركة الشعبية(قطاع دارفور ) منى أركو مناوى الى واشنطن والاجتماع به بالبيت الأبيض فى شهر يونيو /حزيران 2006 للتنسيق بين الحركتين لانجاح ’’مشروع السودن الجديد ’’ كما أعلن البيت الأبيض حينها.
2. فتح مكتب للجناح الآخر لحركة ’’تحرير السودان’’ بقيادة عبد الواحد محمد نور بتل أبيب هذا العام ،وما لقيته هذه الحركة من احتضان من قبل اسرائيل التى تشارك أمريكا الجهود والاهتمام بمشروعهما المشترك ’’الشرق الأوسط الجديد’’ الذى يتفرع منه ’’مشروع السودان الجديد’’ .
3. فتح اسرائيل أبواب الهجرة اليها ولأول مرة فى تأريخها لغير اليهود ،وذلك باستضافتها لبضعة آلاف من مواطنى دارفور ومنحهم حق اللجوء السياسى.
ب. منطقة جنوب كُردفان
تقع شرق دارفور وهى منطقة غنية بالموارد الطبيعية ،يشكل العرب فيها أكثرية سكانها ويعتنق الاسلام الأكثرية الساحقة منهم ، وقد سجل التأريخ قيام مملكة اسلامية بها عُرفت بمملكة تقلى ثم أصبحت جزءاً من الدولة السنارية الاسلامية التى تمددت جغرافياً فى انحاء واسعه من السودان الشمالى ، وتمددت زمانياً حتى العام 1821 م.
تضم هذه المنطقة منطقتى أبيى وجبال النوبة :
أولاً منطقة أبيى :
تحتل هذه المنطقة الجزء الجنوبى الغربى من منطقة كردفان وهى منطقة غنية بالنفط والثروات الطبيعية الأخرى ، و تسكنها القبائل العربية منذ ما قبل دخول قبيلة الدينكا لجنوب السودان من وسط افريقيا ، وظلت عبر ذلك التاريخ أرضاًً للقبائل العربية ومسرحاً لرعى انعامهم ، وبحكم وقوعها شمال بعض حدود جنوب السودان من الجهة الغربية حدث تداخل بين السكان من المنطقتين واستضافت القبائل العربية بعض مشائخ الدينكا ذوى الأصول الأفريقية بأرضهم عام 1905 . لكن نزاعاً نشأ من قبل الحركة الشعبية بسبب رغبتها فى الحاق هذه المنطقة بجنوب السودان . وأَضيف هذا النزاع ضمن أجندة مباحثات نيفاشا ، وقبل طرفا المباحثات بمقترح تقدم به المبعوث الأمريكى السناتور جون دانفورث حوى بنوداً عديدة وخطيرة، ومن أبرز هذه البنود اجراء تشاور شعبى بالمنطقة حول ادماجها ضمن جغرافية جنوب السودان لتصبح تابعة للجنوب ادرياً وسياسياً وتصبح بذلك القبائل العربية التى تقطن هذه المنطقة أقلية أسيرة فى محيط مُغاير ، وهو ما ترفضه هذه القبائل .
عاشت هذه المنطقة فى أزمة حقيقة بسبب اختلاف شريكى الحكم حول تنقيذ ما اتفقا عليه فى نيفاشا، ولأسباب آخري هى:ـ
• الحشود العسكرية لحكومة الجنوب بالمنطقة.
• تعيين الحركة الشعبية مشرف سياسي من قبيلة الدينكا الأفريقية مسئولاً عن المنطقة.
• حشد اعداد من منسوبى قبيلة الدينكا من مناطق مختلفة وارسالهم للمنطقة استعداداً لعملية التشاور الشعبى الذى تعمل الحركة ليُفضى الى ضم المنطقة للجنوب .
لقد أُدخلت هذه المنطقة في متاهات كبيرة بفعل نصوص اتفاقية نيفاشا ومطامع الولايات المتحدة الأمريكية في نفطها وهي مرشحة لأن تكون في أبعادها وتفاعلاتها المختلفة أصعب من مشكلة كشمير وكركوك وحقل الرميلة النفطي بين العراق والكويت . وقد افضت مفاوضات جديدة بين طرفى الحكم فى البلاد الى اتفاق يقضى بالاحتكام للتحكيم الدولى عبر الغرفة المختصة بالتحكيم التابعة لمحكمة العدل الدولية وبتولى الحركة الشعبية رئاسة الجهاز التنفيذى الذى يحكم هذه المنطقة حتى تفصل المحكمة فى القضية .

ثانيا:ً منطقة جبال النوبة
وهى موطن مملكة تقلى الاسلامية ويعيش بها خليط سكانى من العرب والافارقة الذين تأثروا بالثقافة العربية والاسلامية ، ويعتنق الأكثرية الغالبة من سكانها الاسلام ، وهى منطقة ذاخرة كذلك بالتاريخ وغنية بالموارد الطبيعية مثل اليورانيوم وغيرها من الثروات.
تحتل منطقة جبال النوبة الجزء الجنوبى من منطقة كردفان ذات الثقل العربى الكبير بالسودان ، وتطل على بعض انحاء جنوب السودان .
كانت هذه المنطقة عصية على التمرد الذى قادته الحركة الشعبية طوال اثنين وعشرين عاماً ، غير أنها ظلت هدفاً لها قبل وبعد اتفاقية نيفاشا التى حققت للحركة بالمباحثات ما لم تستطع تحقيقه بالحرب ، فأعطتها فرصة المشاركة بالحكم مناصفة مع المؤتمر الوطنى كما هو الحال بمنطقة النيل الأزرق ، لكنها أغلقت نصف المنطقة أمام الحكومة المركزية وحكومة المنطقة وجعلتها حكراً عليها، فصار الوصول اليها ممنوعاً على غير منسوبى الحركة الشعبية ، وخلق ذلك بها حالة من الاستقطاب الحاد ، الشىء الذى ينعكس سلباً على التماسك الاجتماعى والانتماء الثقافى .
أن اخطر ما تواجهه هذه المنطقة ما نصت علية اتفاقية نيفاشا من ما أسمته بالتشاور الشعبي حول مصير ومستقبل المنطقة من حيث تبعيتها للجنوب أو الاستمرار فى التحامها الطبيعي مع السودان الشمالى الذى ظلت جزءاً أصيلاً منه عبر التاريخ .
ج. منطقة النيل الأزرق
وتقع فى الجزء الجنوبى الشرقى من السودان الشمالى ، وهى معبر النيل الأزرق الذى يرفد نهر النيل بنحو 85% من ايرادات مياهه ، وهى كذلك من المناطق التى تذخر بثروات طبيعية كثيرة.
عرف التاريخ قيام السلطنة الزرقاء (1504 ـ 1821م ) كواحدة من أهم الدول الاسلامية التى عرفها السودان ، وقد شكلت هذه المنطقة عبر التأريخ رافداً هاماً من الروافد الثقافية والفكرية التي نهل منها السودان القديم المتجدد بثقافته العربية الاسلامية .
ان الاهتمام بهذه المنطقة من قبل أصحاب ’’ مشروع السودان الجديد’’يأتى من اعتبارات استرتيجية هامة غير التى وردت انفاً من ثروات وتاريخ وهى :
• الموقع الاستراتيجى لهذه المنطقة التى تقع جنوب شرق السودان الشمالى وتطل على دولة اثيوبيا وعلى أجزاء من جنوب السودان.
• جريان النيل الأزرق على أراضيها .
• وجود سد الروصيرص بها،وهو السد الذى يعتبر ثانى أهم مصدر للطاقة الكهربائية بعد سد مروى الجديد بالسودان .
جميع هذه المناطق تعد جزءاً أصيلاً من التاريخ والجغرافيا والنسيج الثقافي والاجتماعي للسودان الشمالي،وهى تشترك مع بعضها فيما أقامته من دول وممالك اسلامية ، نشرت الثقافة واللغة العربية ، غير أنها تعانى جميعها من اشكالات تنموية كانت نتاج سياسات الاستعمار، ثم  الإهمال الذى لاقته من الحكومات الوطنية كآفة .
إن الواقع السائد راهناً في دارفور وأبيي وجبال النوبة و النيل الأزرق يمثل تحدياً ومهدداً رئيساً للبلاد ومركز الدولة فيها، فما يجري هنالك أنما يستهدف بشكل مباشر الدولة ومركزها بتأريخه وثقافته وهويته وموروثة الثر من التقاليد الراسخة التى اعطت الانسان السودانى بعضاً من سمته.
ان شد هذه الأطراف يؤدي تلقائياً إلى إضعاف المركز كمقدمة لازمة لإعادة وترتيب هيكلة الأوضاع العامة بالبلاد لتتوائم مع فكرة ’’السودان الجديد’’ العنصري . غير أن واحدة من تحديات الأطراف ما نصت عليه اتفاقية نيفاشا من إجراء ما أسمته بالتشاور الشعبي لتقرير مصير مناطق النيل الأزرق وجبال النوبة وابيى لأن هذه العملية يمكن أن تُفضي إلى اقتطاع هاتين المنطقتين من عمقهما التاريخي ونسيجهما الثقافي ، ويبدو أن ترتيبات تجري بهذا الصدد مما يعرض السودان الشمالي للتمزيق والتقسيم و إعادة الهيكلة الثقافية والحضارية.
4.التحدي الاقتصادى والاجتماعي:
يشهد السودان فى هذه المرحلة من تأريخه طفرة ااقتصادية بسبب استثمار بعض موارده البترولية وتدفقات رؤوس الأموال الأجنبية من الصين ،ماليزيا ،الهند، فرنسا، قطر ،الامارات العربية وغيرها من الدول العربية ، لكن ظروفاً معيشية صعبة مازالت تؤرق الكثير من مواطنيه، مما يتطلب جهوداً اضافية على المستويين الداخلى والاقليمى ، بما يدفع نحو تحقيق طموح انسانه فى الرفاه وأكرم سبل العيش ، وبما يحقق تكاملاً اقتصادياً بينه وعمقه العربى وصولاً للأمن الغذائى العربى المنشود .
لذلك لابد من بلورة مشروع وطني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة والمتوازنة فى كافة ارجائه وبخاصة تلك الأقل نمواً ، و استثمار عائدات النفط في مشروع نهضة زراعية شاملة باعتبار أن الزراعة في السودان هي النفط الدائم.
ان استكمال عناصر النهضة الاقتصادية يكتمل بمواصلة الجهود المبذولة لتطوير البنيات التحتية والنهوض بالقاعدة الصناعية وتوطين التقانه .
وغير بعيد عن التحديات الاقتصادية تجىء التحديات الاجتماعية التى تمثلها ظواهر الفقر والبطالة والعصبيات القبلية والجهوية وغيرها من المسلكيات الاجتماعية السالبة ، التى تتطلب جهوداً كبيرة لمعالجتها وذلك بالآتى :ـ
• اطلاق مشروع للعدالة الاجتماعية .
• بلورة مشروع ثقافى اجتماعى سياسى يعزز روح الانتماء الوطنى والقومى كعلاج لظاهرة العصبيات القبلية والجهوية .  
5. التحـدى السياسـى :
تمثل التحديات الأربعة التي سلفت الإشارة إليها بعضاَ من أخطر التحديات التى قامت على الساحة الوطنية السودانية ، غير أن هذه الساحة مواجهة كذلك بتحدٍ سياسي فى أبعاد أُخر هى:
‌أ. إرساء دعائم دولة مدنية قائمة على احترام حكم القانون وترتكز اعمال مؤسساتها على العلم وتستنير بالإيمان، وتعمل على بسط الحرية ، وانتهاج المسلك الديمُغراطى ، واحترام حقوق الإنسان ، وتحقيق أعلى درجات التقدم والرفاه والأمن والسلم والتراضي الاجتماعي والسياسي.
‌ب. مُعالجة أوضاع الساحة السياسية عبر اعادة رسم الخارطة السياسية على أساس قيَمى موضوعى مؤسس على ثوابت وطنية وإستراتيجية عليا تكون محاورها بمنأى عن قضايا الصراع السياسي،وبما يحفظ ويصون هوية البلاد ويعزز من دورها القومى والاقليمي.
الاستحقاق الإنتخابى :
 لئن كانت الإنتخابات تُمثل أكبر وأهم استحقاق سياسيى فى هذه المرحلة من حيث انها تخطو بالبلاد نحو الالتزام بالمنهج الديمُقراطى، إلا أنها تستوجب من القوى السياسية ذات المجال الحيوى الواحد(احزاب وطنية،اسلاميةوعروبية) أن تنظر اليها من خلال سياق التحديات الوطنية التى تواجه البلاد وتستهدف انسانها و تأريخها وهويتها ودورها القومى ، سيما وأن الانتخابات القادمة ستكون الأولى بعد تسوية نيفاشا، وانها ستجري لتُرسي جسراً آخر يعبر به ’’مشروع السودان الجديد’’ الى حيث يريد مصمموه ، لذلك على هذه القوى أن تعى وتتحسب للمعطيات التالية :ـ
1. أن الحركة الشعبية ـ كما اعلنت وتعلن ـ ستخوض الانتخابات المقبلة وفقاً لمقتضيات برنامجها ,,السودان الجديد,, وأنها ستعزز من تحالفاتها القائمة فى مجالها الحيوى المُسمى بقوى الهامش المكون من الكيانات ذات التوجهات العنصرية وبعض القوى المحسوبة على الكتلة التاريخية اعتماداً على نظرية المُغفل النافع التى كان ما يسمى بالتجمع الوطنى احدى تطبيقاتها .
2. أن الحركة وبحكم قبضتها الحديدية على الجنوب ومنعها لكافة الأحزاب من ممارسة العمل السياسي بالجنوب ، فانها ستحصد وبكل الوسائل كامل دوائر الجنوب ، كما انها ستحقق مكاسب كبيرة فى النيل الأزرق وجنوب كردفان ، وسيحقق بعض حلفاؤها كسباً فى دارفور.
3. ستحقق الحركة كذلك نجاحات انتخابية فى العاصمة وبعض المدن بسبب وجود ناخبين كثيرين من الذين يستجيبون للخطاب العنصرى ،وأولئك الذين تأثروا بفعل تراجع الاوضاع المعيشية الضاغطة ، أو لاستطالة أمد حكم الحزب الحاكم ، أولغيرها من الأسباب .
4. أن الانتخابات ستجرى فى ظل ظروف محلية واقليمية ودولية مُغايرة وأن ما يسمى بالمجتمع الدولى لن يكتفى بمراقبة الانتخابات انما سيكون ناخباً هاماً لصالح الحركة الشعبية التى تنفذ مشروع قائد هذا المجتمع .
5. بالنظر للفقرات 1ـ4 فان احزاب الكتلة التاريخية والاحزاب ذات التوجهات الاسلامية والعروبية ستُسهل على عدوها المشترك ( قوى السودان الجديد) مهمة تحقيق طموحه السياسى اذا خاضت الانتخابات منفردة انطلاقاً من الحرص على تحقيق مكاسب حزبية ، وستكون الخسارة حليفتها ، سيما وانها ستنافس بعضها فى حيز انتخابى ضيق لن يحقق لها حضوراً برلمانياً فاعلاً .
6. الاعتبار بنتائج الانتخابات فى الديمُغراطية الثالثة .
7. الانجازات التى حققتها بعض احزاب الكتلة التاريخية ابان فترة حكمها لن تفيدها فى تحقيق مكاسب انتخابية كبيرة ، واخفاقات الحزاب الحاكم لن تحقق للمعارضة كسباً انتخابياً مهماً.
8. التقديرالخاطىء لبعض الاحزاب التى تظن أنها ستحقق كسباً انتخابياً بسبب عدم جاهزية منافساتها من ذات الكتلة ستوردها والبلاد موارد الخطر والهلاك .
 وسائل وصيغ مقابلة التحديات والاستحقاقات:
 انطلاقاً من الوعى بتلك النحديات والمخاطر والاستحقاقات ، واستلهاماً للمسئولية الاخلاقية والوطنية ،فان ابتداع نهج سياسي جديد أصبح أمراً مُلحاً جداً فى هذا الظرف المفصلى من تأريخ السودان.
 هذا النهج الجديد يجب أن تكون غايته صون هوية السودان و تحقيق الطمأنينة والاستقرار السياسي  ، وتكون أهدافه :
• رص الصف الوطنى وتوحيد كلمة الأحزاب التأريخية والاسلامية والعروبية التى كانت وماتزال تجتمع على قاعدة ثقافية ، وأرث تأريخى مشترك ، ولاتفرق بينها تناقضات جوهرية ، وهى جميعها بما تمثل ومن تمثل مستهدفة بالتحديات سالفة الذكر .
•  التوافق على اطار سياسى جديد تعمل من خلاله كل هذه القوى فى شكل جبهوى لمقابلة التحديات العظام التى تواجه البلاد، ولتتعاطى عبره مع الاستحقاقات السياسية المختلفة ( انتخابات وغيرها)  .
• بلورة مشروع وطنى متعدد الأبعاد والمحاور لمعالجة كل القضايا الوطنية ( سياسية ، اقتصادية ، اجتماعية وثقافية الخ.. ) على أن يتفرع منه برنامج انتخابى واحد يخوض به هذا الاطار الجديد الانتخابات القادمة .
• احداث حالة من التنسيق والتعاون مع الأحزاب الجنوبية الأخرى ذات البرامج والارتباط الوطنى .
 ان الحراك السياسي الذى تشهده الساحة السياسية السودانية فى هذه المرحلة يُعد حراكاً محموداً فى كثير من أوجهه ، سيما تلك التى تمضى فى مسارات البحث عن المشترك بينها ، ولعل حلات التوافق التى بدأت بين بعض هذه الاحزاب وتلك التى مازالت تتصل ، يمكن أن تكون لبنات تُسهم فى بناء هذا الاطار الجبهوى المنشود .
لئن كانت الآمال تتطلع نحو اكتمال هكذا بناء ، فانها كذلك تتطلع لوقفة خلفه من قبل النُخب والرموز ومؤسسات العمل الشعبي العربي وكافة الدول والحكومات العربية ، ولعل العناوين الرئيسة لهذه الوقفة المنشودة تتمثل فى :ـ
1. الإدراك الواعى والعميق بالمخاطر والتحديات التى تُحيط بالسودان فى هذه المرحلة ، وتداعيات تلك التحديات والمخاطر على الأمن القومى العربى ،لأن هذه التحديات والمخاطر تسهدف هوية البلاد والانقضاض عليها ، ومن ثم رسم جغرافية جديدة بالمنطقة تضع مصر بين البحر شمالاً ودولة زنجية الهوى والهوية تخدم مشروعاً مُعادياً فى تخومها الجنوبية .
2. العمل الجاد والدؤوب الهادف لزيادة وتوسيع حجم ونوع الحضور العربى بالسودان ، انساناً ، وثقافة ورؤوس أموال .
3. جعل قضية السودان بالتحديات والمخاطر المحدقة به محلاً لأقصى درجات الاهتمام من الأوساط العربية كافة رسمية كانت أم شعبية ، وبشكل خاص فى مؤسسات العمل السياسي والاعلامى والاقتصادى والثقافى .
 إن تماسكاً بين المكونات السياسية ذات المشترك الثقافى بالسودان وحده الكفيل والقادر على مناهضة مشروع ’’السودان الجديد’’ أو السودان البديل، سيما اذا وجد ذلك احتضاناً و دعماً معنوياً وسياسياً من عمق السودان الممتد من المحيط الى الخليج .
     
* كاتب وباحث وسياسي سوداني

2009-10-20 13:44:52 | 1892 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية