التصنيفات » دراسات

فاعلية عمليات الاغتيال في الحروب السرّية ودورها في السياسة الدولية



 

مقدمة
تحوّلت عملية الاغتيال التي راح ضحيتها القيادي في حماس "محمود المبحوح" في الإمارات العربية المتحدة، كما هو واضح، إلى حادثة غريبة مليئة بجوازات السفر المزوّرة، والعملاء "الإسرائيليين" المزعومين الذين ظهرت صورهم على شريط فيديو، والغضب الدولي (الزائف في الأغلب) على استخدام جوازات سفر مزوّرة أكثر من الغضب على مقتل الناشط. وإذا أردنا أن نصدّق وسائل الإعلام، فقد تطلب اغتيال المبحوح استخدام أكثر من 20 شخصاً وحادثة دولية. أورد مركز التنبؤات الإستخبارية تفاصيل حادثة الاغتيال في تقارير سابقة، لكننا نجد في ذلك مناسبة لمعالجة مسألة أوسع وهي: دور عمليات الاغتيال في السياسة الدولية.
تعريف الاغتيال
ينبغي أن نبدأ بتعريف ما يعنيه مصطلح الاغتيال. إنه يعني قتل فرد معيّن لغايات سياسية. وهو يختلف عن قتل عشيق الزوجة لأن الاغتيال عملية سياسية. وهو يختلف عن قتل الجندي في أرض المعركة باعتبار أن الجندي مجهول الهوية ولأنه لم يُقتل بسبب ما يمثّله وإنما بسبب الجيش الذي يخدم فيه.
تثير مسألةُ الاغتيال، أو ما يسمّى في اللغة الاصطلاحية "الاغتيال الهادف"، موضوع الغاية. فلو وضعنا الضغينة والانتقام جانباً، كما في حادثة اغتيال إبراهام لينكولن، الهدف من الاغتيال هو تحقيق غاية سياسية معيّنة عبر إضعاف العدو بطريقة ما. وبالتالي، فإن قتل الأدميرال الياباني إيزوروكو يماموتو على أيدي الأميركيين في الحرب العالمية الثانية كان قتلاً هادفاً، أي عملية اغتيال. ذلك أن قتل قائد غير كفء يمكن أن يعود بنتائج عكسية، لكنّ يماموتو كان خبيراً استراتيجياً ممتازاً لا يُعرف له مثيل في البحرية اليابانية. كان قتله سيضعف المجهود الحربي الياباني، أو يتيح فرصة قوية على الأقل للوصول إلى هذه النتيجة. ومع سقوط العديد من الأشخاص صرعى من حوله في غمرة الحرب، لم يكن الخيار الأخلاقي يبدو معقداً آنذاك، كما أنه لا يبدو معقداً اليوم.
مثل هذه الحوادث لا تقع في ساحة المعركة إلاّ نادراً. وقلّة هم القادة الذي لا يمكن إيجاد بديل لهم على الفور، بل إنها ربما يُستبدَلون بقادة أكفأ منهم. وعلى أية حال، يصعب تحديد أماكن تواجد قادة العدو، مما يعني أن فرصة قتل واحد منهم لا تسنح إلاّ نادراً. ولمّا كان القادة يطلبون من جنودهم المخاطرة بأرواحهم، لا يوجد لديهم زعم أخلاقي بالتمتع بالحصانة من الخطر.
والآن لنتطرّق إلى حادثة أخرى. لنفترض أن زعيماً لإحدى الدول لا يشاركه في الحكم أحد ولا يوجد سواه ليحلّ محلّه، وهذه هي الحال في عدد قليل من الدول. ولندرس حالة فيديل كاسترو الذي لا يمكن إنكار دوره المركزي في الحكومة الكوبية. ولنفترض أنه عدو لدولة أخرى مثل الولايات المتحدة. هذا عداء غير رسمي، ذلك أنه لا حرب معلَنة بين الطرفين، لكنه حقيقي برغم ذلك. هل تُشرع محاولة قتل مثل هذا القائد في محاولة لتدمير نظامه؟ ولنطبّق المسألة على أدولف هتلر، المقياس الذهبي للشرّ. ألن يكون السعي لقتله غير مستحسَن في سنة 1938 بناء على نوع النظام الذي بناه وعلى ما قال إنه سيفعله بواسطته؟
إذا كنا سنعتبر أن قتل هتلر عملاً غير أخلاقي، سنواجه مشكلة خطيرة في تحديد المعايير الأخلاقية التي ينبغي استخدامها. لكنّ الحالة الأشد تعقيداً هي حالة كاسترو. فهو غير هتلر بالتأكيد، لكنه ليس ثورياً ديمقراطياً رومانسياً كما طاب للبعض وصفه. لكن إذا كان قتل كاسترو مشروعاً، ما هو الخط الفاصل إذن؟ من الذي يُعتبر قتله عملاً مشروعاً؟
كما في حالة يماموتو، نلاحظ أن عدد الحالات التي يُحدث فيها قتلُ قائد سياسي أثراً في السياسة أو في قوة النظام محدود للغاية. وفي أغلب الحالات، الحجة التي تطعن في الاغتيال ليست أخلاقية ولكنها عملية: لن يكون هناك تأثير إذا مات الهدفُ المعني أو بقي حياً. على أنه في الحالات التي يكون لموته تأثير، تصبح الحجة الأخلاقية صعبة. فلو توصلنا إلى أن هتلر كان هدفاً مشروعاً، سيتبين أنه لا يوجد حظر مطلق على الاغتيال السياسي. والمسألة محصورة في تحديد سقف هذا الاغتيال.
كان كل ما أوردناه مقدمة لحادثة الاغتيال التي وقعت في دولة الإمارات العربية المتحدة لأنها تمثّل حالة ثالثة. منذ بروز دور الأجهزة الاستخبارية الحديثة، والعمليات السرّية المسلّحة ترتبط بها غالباً. وجميع الدول القومية كانت تملك منظمات استخبارية في القرن العشرين. وقامت هذه المنظمات بتنفيذ طائفة من العمليات السرّية التي تجاوزت إطار جمع الاستخبارات، بدءاً بتزويد الجماعات السياسية الصديقة بالأسلحة في الدول الأجنبية ومروراً بالإطاحة بالأنظمة وانتهاءً برعاية العمليات الإرهابية.
تطورت في النصف الثاني من القرن الماضي: منظمات سرّية لا تعتمد على دول. فغداة انهيار الإمبراطوريات الأوروبية، قامت الحركات السياسية التي ترغب في الإمساك بزمام السلطة بتشكيل أجهزة حربية سرّية لطرد الأوروبيين أو هزيمة منافسيها السياسيين. وقد انبثق النظام الاستخباري المعتمد على الدولة "بإسرائيل" عن الجهاز الذي أُنشئ قبل استقلال الدولة اليهودية. كما بنت الفصائل الفلسطينية المتنوعة أجهزة خاصة بها. وفي المناطق الأخرى، بنت مجموعات مثل تنظيم "القاعدة" قدرات سرّية خاصة بها والتي حشدت الولاياتُ المتحدة ضدّها قدرتها السرّية الهائلة الخاصة.
الاغتيال اليوم
الحقيقة المعاصرة لا تتمثل بساحة معركة، ربما يتم استفراد يماموتو فيها أو أي زعيم سياسي كاريزمي ربما تؤدي وفاتُه إلى سقوط النظام. وبالمقابل، يوجد كمّ كبير من الوسائل السياسية والعسكرية الدولية المعاصرة المبنية على هذه القدرات السرّية. وفي حالة حركة حماس، مهمة هذه العمليات السرّية هي تأمين الموارد اللازمة لكي تشتبك الحركة مع القوات "الإسرائيلية" في ظروف مواتية للحركة، من الهجمات الإرهابية إلى الهجمات الصاروخية. وفي حالة إسرائيل، وُجدت العمليات السرّية لقطع هذه الموارد التي تدعم حماس (والجماعات الأخرى)، لتصبح عاجزة عن الاشتباك مع "إسرائيل" أو مقاومتها.
إذا عبّرنا عن المسألة بهذه الطريقة، يتبيّن أن الحرب الخفية منطقية وبخاصة بالنسبة إلى "الإسرائيليين" الضالعين في جهود سرّية ضد حماس. فحماس تتحرك في السرّ لتأمين الموارد. وحيلتها في ذلك التملّص من "الإسرائيليين". وهدف "الإسرائيليين" هو تحديد القدرة السرّية والقضاء عليها. أي أن حماس هي الفريسة والدولة العبرية هي المفترس هنا. والواضح أن الفريسة والمفترس التقيا في الإمارات العربية المتحدة وأن الفريسة وقعت هناك.
لكن يوجد تعقيدات ينبغي الإشارة إليها. أولاً، الهدف في الحرب هو شلّ قدرة العدو على المقاومة، والهدف ليس قتل أية مجموعة من جنود العدو. وما من شك في أن تحويل الموارد نحو الاشتباك مع العدو على الهوامش، مع عدم تأثر مركز ثقل قوة العدو بذلك، يضرّ أكثر مما ينفع. ومع أن الحرب السرّية تختلف عن الحرب التقليدية، لكنّ السؤال البديهي يطرح نفسه: هل الهدف الذي تسعى لتدميره ضروري لقدرة العدو على مواصلة القتال؟ ولمّا كانت نهاية كل الحروب سياسية، يبرز السؤال الأهم وهو: هل سيقرّبك إنزال الهزيمة بهذا العدو من أهدافك السياسية؟
المنظمات السرّية مصممة كما الجيوش على الصمود في حروب الاستنزاف. وبناء على ذلك، يُتوقع اكتشاف أمر الناشطين وقتلهم، والنظام مصمم للبقاء برغم ذلك. والهدف من الحرب السرّية إما اختراق العدو في العمق أو القضاء على واحد أو أكثر من الأشخاص بما يكفي لشلّ عمل المجموعة وبالتالي شلّ قدرة المنظمة السرّية. وجميع المنظمات السرّية مصممة لمنع الوصول إلى هذه النتيجة.
تتلافى المنظمة هذه النتيجة بتجنيد عدد وافر من الناشطين وبتجديد أعضائها. ونذكر أنه في أعقاب المجزرة التي وقعت في أولمبياد ميونخ في سنة 1972، نفّذ "الإسرائيليون" عملية سرّية عنيفة بغرض تحديد الحركة التي شنّت الهجوم، أعني حركة أيلول الأسود، واختراقها وتدميرها. لم تكن حركة أيلول الأسود حركة مستقلة وإنما كانت واجهة لفصائل فلسطينية متنوعة. وبالتالي لم يكن قتل الأفراد الضالعين في عملية ميونخ سيشلّ حركة أيلول الأسود، ولم يكن تدمير الحركة سيشلّ الحركة الفلسطينية. فقد كانت الحركة تملك وفرة من الناشطين، أعني القدرة على إسناد أدوار الذين قُتلوا إلى أشخاص جدد مقتدرين، ولذلك استطاعت تجنيد ناشطين جدد وتدريبهم ونشرهم.
نُفّذت العملية بنجاح، لكنها كانت سيئة التصميم. وكما جنرال يستخدم قوة ساحقة لتدمير عنصر هامشي في جيش العدو، ركّز "الإسرائيليون" قدراتهم السرّية على تدمير العناصر التي لم يكن تدميرها سيعطي "الإسرائيليين" ما أرادوا، أعني تدمير القدرات الفلسطينية السرّية المتنوعة. ربما كانت لازمة للشعب الإسرائيلي من الناحية السياسية، وربما كانت باعثة على الرضى من الناحية العاطفية، لكنّ أعداء الإسرائيليين لم ينكسروا. ولنعد إلى عملية عنتيبي التي جرت في سنة 1976. إذا كانت غاية الإسرائيليين من استهداف حركة أيلول الأسود القضاء على "الإرهاب" الذي تمثّله الجماعات الفلسطينية، فإن الهجوم على جماعة واحدة لم يُزل الخطر الذي تشكله الجماعات الأخرى.
لذلك، لم يحقق "الإسرائيليون" الغايات السياسية التي سعوا لتحقيقها. والحقيقة هي أن سنة 1972 لم تكن الذروة التي وصلت إليها الحركة الفلسطينية في الميدان السياسي، بل إنها ازدادت قوة مع الوقت، وحازت على شرعية دولية واسعة النطاق. فإذا كانت المهمة تقتضي تدمير الجهاز السرّي الفلسطيني لإضعاف قدرة الحركة الفلسطينية وإضعاف قوتها السياسية، فإن الحرب السرّية التي شُنّت لتصفية أفراد معيّنين وُصفوا بأنهم ناشطون معادون قد أخفقت. صحيح أن هؤلاء الناشطين لقوا حتفهم في أغلب الأحيان، لكنّ العملية نفسها لم تحقق النتيجة المرجوة.
وهنا يكمن المأزق الحقيقي لمفهوم الاغتيال. ذلك أن تحديد شخص يؤدي اغتيالُه إلى إضعاف حركة سياسية قوية بشكل قطعي، بمعنى أنه إذا قُتل هذا الشخص، فسوف تنهار الحركة، أمر نادر الوقوع إلى حدّ بعيد. وهذا ما يصحّ على الخصوص في حالة الحركات الوطنية التي يمكن أن تعتمد على شريحة واسعة جداً من الأفراد والمواهب. ومن الصعوبة بالمثل إضعاف قدرة حركة ما بسرعة تكفي للقضاء على الوفرة التي تتمتع بها وعلى قدرتها التجديدية. ذلك أن القيام بذلك يستدعي اختراقاً استخبارياً غير عادي فضلاً عن جهد سرّي كبير إلى حدّ تمكّنه من اكتشاف نقطة الاختراق بسرعة وتحديد الناشطين المطلوبين.
إن ما يحلم به هؤلاء ضربة واحدة عالمية سريعة. لكنّ الحرب السرّية تأخذ في الواقع شكل حرب استنزاف تشتمل على جمع بطيء للاستخبارات، وتنظيم عملية الاغتيال، وتنفيذها. في تلك المرحلة، يخرّ رجل واحد صريعاً، رجل تم تدريب بديله سلفاً بكل تأكيد. ويسقط رجال آخرون قتلى، لكنّ النيل من الكتلة الجوهرية لا يتم أبداً، أي أنه لا يوجد هدف واحد يتغيّر كل شيء بمقتله.
يحدث توتر فظيع في الحرب بين عواطف الشعب والمنطق الهادئ الذي يحرّك الجنرال. وفي الحرب السرّية، يسود رضى عاطفي عارم في البلاد عندما يُكشَف النقاب عن مقتل شخص مسؤول عن قتل أبناء الوطن وليس شخصاً يُعتبر عدواً له فقط. لكنّ الجنرالات أو مدراء الأجهزة الاستخبارية لا يعنيهم هذا الإحساس بالرضى، فمواردهم محدودة، ويتعيّن تكريسها لتحقيق الأهداف السياسية للبلاد وضمان سلامتها. ويتعين استخدام هذه الموارد بفاعلية.
قلّة هم الأشخاص من أمثال هتلر الذين يُعتبر موتهم مطلباً أخلاقياً وربما يُحدث أثراً عملياً. وجلّ حالات القتل التي من هذا النوع أخلاقي وغامض من الناحية العملية. وبافتراض التسليم في الحرب السرّية بكل وجهة نظر أخلاقية حيال نذالة العدو، يتعيّن عليك التساؤل إن كان للجهود التي تبذلها أي تأثير حقيقي في العدو على المدى البعيد. فإذا كان في استطاعة العدو ببساطة استبدال الرجل الذي قتلتَه، بالإضافة إلى تدريب عشرة ناشطين آخرين في هذه الأثناء، تكون قد حققت القليل. وإذا واصل العدو تحقيق نجاحات سياسية، يتعيّن إعادة النظر في الاستراتيجية.
نحن لم نكتب هذا الكلام بدافع اعتراضنا على حلّ النزاعات بالطرق العسكرية، ونحن لا نعتقد أن قتل الأعداء ينبغي تجنّبه. ونحن لا نعتقد بالتأكيد أن التضييق غير المتّسق أخلاقياً لما يسمّى القانون الدولي ينبغي أن يحكم أي بلد يريد أن يحمي نفسه. إن ما نعالجه هنا فاعلية عمليات الاغتيال في شنّ حرب سرّية. ونحن نرى أنها لا تمثّل في الأعم الأغلب حلاً ناجحاً لإزالة التهديد العسكري والسياسي الذي تشكله المنظمات السرّية. ربما تسوق عدواً إلى العدالة، وربما تعرقل منظمة ما فترة من الوقت أو حتى تجرّد منظمة معيّنة من كافة دفاعاتها. لكن في الحروب السرّية التي شهدها القرن العشرون، حققت العمليات السرّية، ومنها عمليات الاغتيال، أهدافاً سياسية منشودة في مناسبات نادرة. لكنّ ذلك لا يعني أنها لم تحقق هذه الأهداف يوماً، وإنما ذلك يعني أن توظيف عمليات الاغتيال كجزء رئيسي من الحرب السرّية في حاجة إلى دراسة متأنّية. فالاغتيال لا يتم بدون كلفة؛ وفي الحرب، يتعين تقييم كافة الأعمال بدقة وبمقارنة تكاليفها بالفوائد التي تُرتجى منها.

* ورقة بحثية تناقش بعد اغتيال "محمود المبحوح":


بطـاقـة التـعـريـف بالـتـرجـمـة
العنوان الأصلي دور عمليات الاغتيال في السياسة الدولية
المؤلف جورج فريدمان
جهة الإصدار  مركز التنبؤات الإستخبارية - واشنطن
تاريخ الإصدار  22 شباط 2010
عدد الصفحات  5 صفحات
جهة إصدار الترجمة  مركز دراسات وتحليل المعلومات الصحفية
تاريخ إصدار الترجمة 02 آذار 2010


 

2010-03-06 12:09:14 | 1967 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية