التصنيفات » دراسات

نشر الناتو لقوة عسكرية في الأراضي المقدسة


 


دراسة جدوى لقسم التخطيط في كلية الناتو الدفاعية

13 نيسان 2010



– فهـرس المحتـويـات –


تقديم ..................................................................................... 2
أفضل النتائج تتحقق بتحقق ثلاثة شروط مسبقة .......................................... 2
سيناريو الحالة الأمثل، وسيناريو الحالة الأسوأ ........................................... 3
الحدّ الأقصى إزاء الحدّ الأدنى ............................................................ 4
المكان، المكان، المكان ................................................................... 5
أنوار ساطعة، مدينة كبيرة ............................................................... 7
المضامين بالنسبة إلى الناتو ............................................................. 8
المسائل المتعلقة بحجم القوة ............................................................. 8
الأقل لا يعني أكثر، الأقل يعني أقل ........................................................ 10
من فعل ذلك؟ ............................................................................. 10
الوقت يعني المال ........................................................................ 11
الخلاصة ................................................................................. 11



بطـاقـة التـعـريـف بالـتـرجـمـة
العنوان الأصلي الناتو: قوة حفظ سلام في الأراضي  المقدسة؟ دراسة جدوى
المؤلف د. فلورانس غوب
جهة الإصدار  كليّة الناتو الدفاعية - روما
تاريخ الإصدار  آذار 2010
عدد الصفحات  11 صفحة
جهة إصدار الترجمة  مركز دراسات وتحليل المعلومات الصحفية
تاريخ إصدار الترجمة 13 نيسان 2010


دراسة جدوى: نشر الناتو لقوة عسكرية في الأراضي  المقدسة
تقديم
اقترح الرئيس كلينتون في سنة 2000 إرسال قوة دولية للإشراف على الأمن في أعقاب التوصل إلى اتفاقية سلام إسرائيلية فلسطينية. وبحسب توماس فريدمان، يمكن أن تكون تلك البعثة تابعة لحلف الناتو. وقد أعاد مستشار الأمن القومي جايمس جونز لدى الرئيس أوباما طرح الفكرة في سنة 2008. على أن اقتراح وجود قوة تابعة لحلف الناتو في الشرق الأوسط أثار جدلاً لا يزال تمحور إلى الآن حول نواح عدة، منها حسنات الطرح وسيئاته، وتوقيت تنفيذه، والجهات التي ستشارك في تنفيذه من الناتو، والشروط المسبقة المحتملة والعواقب. كما أثار جدلاً في ألمانيا حول ما إذا كان تسيير دوريات بالقرب من حدود إسرائيل سيتوافق مع ماضي ألمانيا. على أنه لم تُثَر أسئلة عملية مثل إمكانية التنفيذ وأهداف البعثة والمضامين الأمنية كما لو أن هذه القضايا ستُحَلّ من تلقاء نفسها متى عاد طرح اتفاقية السلام الضائع على الطاولة. لكن الأمور ليست بهذه البساطة كما تعلمنا في أفغانستان، لأن تأمين منطقة عدائية محتملة، وفصل المعارضين وبناء دولة هي وظائف لا يزال الناتو يتعلم كيفية أدائها. وهذا التقرير يجادل بأن مثل هذه البعثة سيواجه صعاباً لكي ينجح ومن المرجح إلى حدّ بعيد أنه سيفشل. وعلى الرغم من أن الفكرة مغرية لمن يرغب في إثبات امتلاك الناتو قدرة فرض السلام في العالم، بيد أن الاحتمالات هي أن عاقبة هذا المسعى ستكون سيئة وستلطخ سمعة الناتو من وجوه عدة. والحلف ليس مهيئاً الآن للاضطلاع بهذا النوع من البعثات، وربما لن يكون مهيأ لذلك أبداً.
إن التحليل الدقيق لمضامين نشر قوة محتملة تابعة للناتو لإشاعة الاستقرار في فلسطين (مع استثناء المشاركة المحتملة في الجولان أو لبنان بما أن ذلك يتجاوز نطاق هذا التقرير)، بما أن قوة حفظ سلام لن تتمكن من تنفيذ هذه المهمة، يُعتبر عظيم الأهمية لإنجاح البعثة. وأي سوء فهم أو التوصل إلى استنتاجات خاطئة يمكن أن يتسبب في كارثة. لذلك، يسعى هذه التقرير لتسليط الضوء على إمكانية التنفيذ العملاني (ناهيك عن الأخطار التي تكتنف) مثل هذه البعثة، وما إذا كان تشكيلها متيسراً بعدد كافٍ من الجنود وضمن إطار زمني معقول، ويخلص في النهاية إلى استنتاج سلبي. وبناء على الافتراض بأن النجاح هو الخيار الوحيد إذا كان الناتو يريد المشاركة في حلّ صراع يزيد عمره على عمر الحلف نفسه، يركز هذا التحليل على إمكانية التنفيذ العملانية لا على الإمكانية السياسية. لكنّ سبب ذلك ليس التغاضي عن النواحي السياسية التي تعتبر جوهرية كما هو واضح. فالغاية من التقرير عملانية، ويتوافر عدد كبير من المنشورات التي تتحدث عن إطار العمل السياسي للسلام في الشرق الأوسط.
أفضل النتائج تتحقق بتحقق ثلاثة شروط مسبقة
جدد الأمين العام السابق لحلف الناتو "جاب دي هوب شيفر" في كانون الثاني 2009 التأكيد على شروط ثلاثة مسبقة يتعين تحققها قبل التفكير في اضطلاع الناتو بدور في فلسطين، وهي: التوصل إلى اتفاق سلام شامل، وموافقة الأطراف، والحصول على تفويض من الأمم المتحدة، ناهيك عن إجماع الدول الأعضاء في الحلف. وبرغم صحة ادعاء من يقول بأن إمكانية تحقق هذه الشروط في المستقبل القريب ضعيفة، يجدر بنا الانتقال بهذه المناقشة إلى مستوى أعلى ورسم صورة لوضع تتحقق فيه هذه الشروط ويوافق الناتو على الاضطلاع بهذه المهمة. كيف ستبدو هذه الصورة؟
بغرض إعداد هذا التحليل، اعتمدنا في هذا التقرير على الافتراض بأن اتفاقات أوسلو وخارطة الطريق نقطتا الانطلاق لحل الدولتين. ويتعين تثبيت العديد من النقاط المتحركة بدرجة معيّنة في هذا السيناريو شديد التعقيد لإتاحة إمكانية إعداد تحليل معقول. وهذا يعني من الناحية العملية أن هذا التقرير يفترض (إلى جانب الشروط المسبقة التي أشار إليها الأمين العام السابق للناتو) وجود وضع تتحقق فيه النتائج التالية:
1. انسحاب "إسرائيل" بشكل كامل من الضفة الغربية ومن قطاع غزّة.
2. تجميد المستوطنات "الإسرائيلية" على الوضع التي هي عليه الآن مع بقائها في الوقت الحالي.
3.  فتح الحدود بين الدولتين وتوافر إمكانية تنقل الناس بين إسرائيل وفلسطين متى شاؤوا ذلك. إن التحليل مبنيّ على هذا الإطار وهو يستثني العناصر المحتملة الأخرى (مثل تفكيك المستوطنات، والإغلاق الكامل للحدود، وعودة اللاجئين) لسبب بسيط وهو أن الاتفاقات السابقة إما أرجأت البتّ فيها أو آثرت عدم التطرّق إليها. وحل هذه القضايا لن يؤثر في دور الناتو. على أن إغفالها في هذا التقرير لا ينفي أهميتها.
إن هذا الإطار ليس قطعياً وليس التركيبة الأرجح بالضرورة، لكنه يرسي نقطة انطلاق تعتمد على أمور واقعية بدلاً من الاعتماد على أحلام اليقظة. بالاختصار، سيكون هدف البعثة مراقبة اتفاقية سلام والإشراف في النهاية على إقامة دولة فلسطينية بجانب إسرائيل يمكنها أن تتولّى رعاية أمنها الخاص. وقد استثنينا مرتفعات الجولان ومنطقة مزارع شبعا المتنازَع عليها من هذا التحليل.
سيناريو الحالة الأمثل، وسيناريو الحالة الأسوأ
يمكن أن تواجه بعثة الناتو بفلسطين سيناريو الحالة الأمثل أو سيناريو الحالة الأسوأ، مع طائفة من الخيارات بينهما تتشابك مع نطاق إقليمي صغير وآخر كبير. يُفترض في سيناريو الحالة الأمثل وجود مناخ سلمي عقب التوصل إلى اتفاقية سلام، بما في ذلك تعايش بين الشعبين وامتناع الميليشيات الفلسطينية عن القيام بأعمال عنف، ومثل هذه البيئة المواتية ستُبرز تحديات ثانوية.
لكنّ سيناريو الحالة الأسوأ والأرجح أنه يتم تجاهله غالباً في المناقشات لأنه سنياريو يَفترض أن تؤدي اتفاقية سلام سابقة إلى استبعاده بفاعلية. وهذا افتراض خطير بالنظر إلى حقيقة أن مفاوضات السلام السابقة بين الإسرائيليين والفلسطينيين انهارت عند نقاط حساسة على الرغم من الاتفاقات السابقة. يمكن أن يؤدي خروج العملية السلمية عن مسارها إلى نشوء بيئة شبه متشددة ومعادية، بما في ذلك إمكانية وقوع سلسلة تالية من الهجمات واندلاع انتفاضة ثالثة لا يمكن للناتو أن يتنحى جانباً ويجلس في مقاعد المتفرجين إذا كان جنوده منتشرين. ذلك أن التورّط في أعمال معادية للفلسطينيين يمكن أن يؤثر بشكل خطير في قبول البعثة على الأرض. كما أن طبيعة الأرض بفلسطين يمكن أن تجعل بيئة شبه متشددة أشد خطراً بكثير من وجوه عدة. فالأمر لا يقتصر على حقيقة أن أغلب المناطق مأهول وذو كثافة سكانية مرتفعة، وأنه يوجد ظروف مثالية لتهريب الأسلحة والأموال وتجنيد المقاتلين. فالمنظمات المسلحة التي تملك خبرة واسعة في الحرب غير النظامية تعرف المنطقة، وتعرف كيفية القتال من داخلها على نحو أفضل بكثير من الناتو. لذلك، سيتعين أن تكون بعثة الناتو الواقعية مستعدة لكلا السيناريوهين (ولكل احتمال يتوسطهما) وإلاّ سيكون مصيرها الفشل.
الحدّ الأقصى إزاء الحدّ الأدنى
يتعين كذلك دراسة سيناريو الحالة الأسوأ والحالة الأمثل في سياق مُخططَين ميدانيين متباعدَين، يمثل الأول الحدّ الأقصى ويمثل الثاني الحدّ الأدنى. تقتصر مقاربة الحدّ الأدنى على الضفة الغربية وغزّة، في حين تضيف مقاربة الحدّ الأقصى "أرض إسرائيل" إلى الضفة وغزّة. من الطبيعي أن اختيار مقاربة الحدّ الأقصى سيقتضي نشر عدد أكبر من الجنود ويستتبع بروز وضع أشدّ تعقيداً. لكنّ هذه المقاربة بعيدة الاحتمال من الناحية السياسية لأن الحصول على موافقة إسرائيلية على مثل هذه البعثة سيكون أبعد من الخيال.
لكنّ المفارقة هي أن مقاربة الحدّ الأقصى ستضمن شبكة أمنية أشدّ إحكاماً، وخاصة في منع اندلاع اشتباكات محتملة بين قوات الأمن "الإسرائيلية" وعرب إسرائيل والفلسطينيين، وستسهم بالتالي في تحقيق أهداف البعثة. وعلى الرغم من أن مقاربة الحدّ الأقصى مستبعدة من الناحية السياسية، سنسهب في شرح الخيارين لأن الأمن الإسرائيلي والأمن الفلسطيني متشابكان إلى حدّ أنه يستحيل دراسة أحدهما في معزل عن الآخر.
بموجب النطاق الإقليمي للبعثة، فضلاً عن توافر البيئة المناسبة، ينبغي أن تكون مهمات قوات الناتو متنوعة. وبطريقة أو بأخرى، سيكون الوضع في أي من الجانبين معتمداً على الوضع في الجانب الآخر لسبب بسيط هو الأمن الإسرائيلي والأمن الفلسطيني كان ولا يزالان، مترابطين. وبناء على ذلك، ستتضمن مهمات البعثة في بيئة متساهلة وودّية، في مقاربة الحدّ الأدنى، الإشراف على انسحاب القوات الإسرائيلية، وتسيير دوريات على حدود فلسطين المُقامة حديثاً (شريط حدودي بطول 467 كلم)، والعمل كقوة شرطة، ومنع الحالات الطارئة، ومساعدة قوات الأمن الفلسطينية لضمان أمن المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية. لذلك، يتضمن حل الحدّ الأدنى في حدّ ذاته بعض العناصر التي يألفها الناتو، مثل تسيير دوريات حدودية ومساعدة القوات المحلية. وهذا السيناريو يقتضي ضمناً أداء مهمات ضبط الأمن التي ستتضمن توفير غطاء أمني يمكن أن تبني "دولة فلسطين" في ظله هيكليتها الأمنية الخاصة وتحقق ذاتها كدولة. وسيقيم الناتو حكم القانون أو يحافظ عليه، ويحمي السكان، ويضمن حرّية الحركة، ويسرّح الوحدات شبه العسكرية المحتملة. وسيساعد على مراقبة الممرّ المحتمل إقامته بين الضفة الغربية وقطاع غزّة. وربما يشرف أيضاً على تفكيك المستوطنات الإسرائيلية إذا ما تقرر ذلك.
لكنّ حل الحدّ الأدنى سيتسبب في بيئة عدائية شبه متشددة في اندلاع تمرّد أو أية حالة متطرفة أخرى تعرّض السلم الذي استتبّ حديثاً للخطر. ومثل هذا السيناريو سيعرّض المهمات القائمة للخطر ويضيف كذلك مهمة مكافحة التمرّد إلى اللائحة. وفي حين يستطيع الناتو الاعتماد على تجاربه في كوسوفا وفي البوسنة والهرسك على صعيد فرض السلام بعد انتهاء الصراع، لكنه لا يملك خبرة في التعامل مع اندلاع عنف محتمل بين الطرفين اللذَين يُفترض منه الفصل بينهما، أي الإسرائيليين والفلسطينيين في هذه الحالة أو بين فريقين فلسطينيَّين. وما من شك في أن الناتو شهد حالات عنف في كوسوفا بين الألبان والصرب، لكنّ القوة واتساع العنف النسبي لا يقارن بالوضع في إسرائيل/فلسطين. وعلى الرغم من وجود أوجه شبه بنيوية مع البوسنة، لم يسبق أن قام الناتو بإجراءات صارمة لوقف أعمال العنف بين أطراف متحاربة وبالتالي ليس لديه خبرة في التعامل مع مثل هذا الوضع. وعلى الرغم من أن احتمال التعرض للسحق بين مجموعتين متخاصمتين يشكل أسوأ سيناريو ممكن، ينبغي أخذ ذلك في الاعتبار والعمل ضدّ اختيار عمل الناتو كمصدر قوة في هذا الوضع.
في حالة مقاربة الحدّ الأقصى وتوافر بيئة متساهلة، سيقتضي الدور الموكل إلى الناتو في الجانب الإسرائيلي تسيير دوريات مشتركة، بالإضافة إلى المهمات التي تقدم ذكرها، كإجراء أمني مرئي، وربما الضمان المشترك لأمن المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية.
لكنّ الوضع يمكن أن يأخذ منحى خطيراً في بيئة شبه متشددة. ينبغي للمرء ألاّ يفترض ببساطة أن معاهدة سلام يمكن أن توقف العنف بادئ ذي بدء. بل على العكس، لأن اتفاقات أوسلو على سبيل المثال لم تحُز على دعم شامل من الطرفين الفلسطيني أو الإسرائيلي، وتواصلت الهجمات على الإسرائيليين بعد التوقيع على الاتفاقات في سنة 1993 وأثناء المفاوضات التي كانت جارية. ويبدو الوضع اليوم، الذي أضحى أبعد ما يكون عن التوصل إلى اتفاقات مثل اتفاقات أوسلو، كئيباً حيث صرّح 38.9 في المئة من الإسرائيليين و32.2 في المئة من الفلسطينيين بأنهم يعارضون حل الدولتين، وهو ما قد يتسبب في عنف سياسي متى تم تنفيذ هذا الحل.
ترافقت الهجمات الانتحارية السابقة في إسرائيل مع تأرجح المزاج السياسي وأدت إلى انهيار محادثات السلام في مرات عديدة. ولا يمكن استبعاد أرجحية وقوعها لأسباب عدة، منها تجربة الانتفاضة الثانية التي استُخدمت فيها الهجمات الانتحارية كأداة على نطاق واسع، حيث وقع 140 هجوماً انتحارياً بين عامي 2000 و2007 وأدت إلى مقتل 542 شخصاً في إسرائيل وحدها وإلى شلّ العملية السلمية بدرجة خطيرة، وكان منفذوها من عرب إسرائيل المقيمين داخل إسرائيل فضلاً عن الفلسطينيين. وبالتالي، لا يمكن حتى اعتبار الإغلاق الكامل ضمانة أمنية تحول دون وقوع هجمات انتحارية.
أضف إلى ذلك أن الحدود المفتوحة كما كان الحال قبل الانتفاضة الثانية، أتاحت عمل أكثر من 150000 فلسطيني يومياً في إسرائيل وفي المستوطنات. وعلى الرغم من أن هذا العدد انخفض إلى 10000 عامل، يُتوقع أن يزيد بعد التوصل إلى اتفاقية سلام من أجل المساهمة في تحسين الأوضاع الاقتصادية في كل من فلسطين وإسرائيل ويدعم العلاقات السلمية بين الطرفين. كان الاقتصادان ولا يزالان متشابكين بقوة. لكنّ هذا الوضع سيزيد انكشاف إسرائيل المحتمل. ذلك أن الحركة جيئة وذهاباً، والتقلب المحتمل للمزاج السياسي، مثل التصورات السلبية حيال اتفاقية السلام، وخيبة الأمل من التطورات منذ العملية السلمية...إلخ، أو الاعتراض العام على التسوية في المقام الأول سيكون له أثر واضح في الأمن داخل إسرائيل وليس داخل الأراضي الفلسطينية فقط.
والأهم من ذلك أن الهجمات الانتحارية المتكررة أثرت في الماضي بشكل بعيد في الرأي العام بإسرائيل وأوصلت العملية السلمية إلى الجمود التام من الناحية الفعلية. لذلك سيحتل منع وقوع هذه الهجمات أهمية بالغة في أجندة الناتو في إطار عمل مثل هذه البعثة. وبالتالي فنحن أقرب إلى التوصية بمقاربة حدّ أقصى أشمل وأوسع لأنها ستمنح الناتو الفرص للرد على هذه الهجمات بفعالية أكبر وللعمل على نحو موثوق كوسيط حيادي بين الطرفين.
المكان، المكان، المكان
إن المنطقة المحتملة لبعثة الناتو معقدة للغاية. سيتعيّن على البعثة من الناحية الفعلية تغطية منطقتين وربما ثلاث مناطق شديدة التباعد: غزّة والضفة الغربية في حالة سيناريو الحدّ الأدنى، وإسرائيل، بالإضافة إلى ما تقدم، في حالة سيناريو الحدّ الأقصى. تتطلب هذه المناطق الثلاث تخطيطاً مختلفاً للغاية. ذلك أن الحركة الحرّة للأشخاص ستسهم في تعقيد الوضع. باختصار، ترجع هذه التعقيدات المتعلقة بالأرض إلى:
1. الاختلاط بين الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني، وبين العرب واليهود، على كامل رقعة الأراضي.
2. مخيمات اللاجئين الكبيرة.
3. المدن الكبيرة.
قبل كل شيء، يبلغ عدد سكان قطاع غزّة 1.4 مليون فلسطيني، ويعيش ما أزيد عن ثلثهم، أي 500000، في مخيمات اللاجئين. ومخيمات اللاجئين الخمس الأكبر لوحدها تساوي حجم مدن أوروبية مثل كالايس أو إكسيتر، وهي تتسع لما بين 60000 و110000 نسمة. وتعتبر الكثافة السكانية هناك إحدى أعلى الكثافات السكانية في العالم حيث يبلغ حجم غزّة ضعف حجم إمارة ليشتنشتاين ويبلغ عدد سكان القطاع أربعين ضعف عدد سكان الإمارة. ونشير إلى أنه لم يعد هناك مستوطنات إسرائيلية في غزّة. ومن ناحية أخرى، تضمّ الضفة 2.4 مليون فلسطيني، ويعيش نحو من 8 في المئة منهم (190000 نسمة) في مخيمات بحجم مدن صغيرة، حيث تضمّ ما يصل إلى 23600 نسمة. ويعيش 300000 مستوطن إسرائيلي في 150 مستوطنة موزَّعة على كامل الضفة الغربية حيث تضمّ 12.5 في المئة من إجمالي عدد السكان في الضفة الغربية. من بين هذه المستوطنات، يوجد خمس مستوطنات تأوي أكثر من 10000 مستوطن. كان المستوطنون في الماضي عرضة لهجمات الفلسطينيين، وكان المستوطنون يشنون هجمات على الفلسطينيين، حيث وقع في سنة 2008 لوحدها، 290 حادثة عنف مرتبطة بالمستوطنين بالضفة الغربية. وبناء على ذلك، تبرز ناحيتان متعلقتان بالأمن نتيجة لوجود المستوطنين الإسرائيليين بالضفة الغربية على افتراض عدم تفكيك المستوطنات على الفور ضمن إطار عمل اتفاقية سلام.
1. الناحية الأولى هي أن تأمين المستوطنات الإسرائيلية سيحتل أولوية قصوى من أجل عدم التأثير في الرأي العام الإسرائيلي حيال اتفاقية السلام.
2. الناحية الثانية هي ضرورة منع المتطرفين الإسرائيليين من شنّ هجمات على الفلسطينيين.
لا يقف اختلاط الشعبين عند هذا الحدّ. فإسرائيل التي تعتبر الأكبر من بين المناطق الثلاث التي يلزم تغطيتها، ينتشر فيها السكان العرب. يوجد في إسرائيل 7.2 مليون نسمة، منهم 1.45 مليون نسمة، أي 20 في المئة من السكان، من أصل عربي فلسطيني. ويتجمع 52 في المئة من هؤلاء في المناطق الجبلية الشمالية في إسرائيل، في حين يعيش الباقون في مناطق أخرى في شتى أنحاء إسرائيل. وعلى سبيل المثال، تضم الناصرة نحواً من 40000 عربي و25000 إسرائيلي، كما يوجد حضور كبير للعرب في حيفا أيضاً. يتبيّن مما تقدم أن سكان إسرائيل، كما سكان الضفة الغربية، متداخلون للغاية ويصعب الفصل بينهم. والمنطقة الوحيدة التي تعتبر متجانسة بدرجة كبيرة على صعيد السكان هي غزّة التي تمثل على أية حال هواجس أمنية أخرى.
إن هذا الوجود الكبير لمخيمات اللاجئين الكبيرة والمعمّرة في غزّة وكذلك في الضفة الغربية، وإن بدرجة أقل، يستحقّ عناية خاصة. ذلك أنه بالنظر إلى هشاشة بنية مخيمات اللاجئين وطبيعتها المؤقتة بالضرورة، فهي تتصدر الهواجس على العموم عندما يشيع العنف والجريمة وغياب القانون. فعندما لا تعمل الدولة بشكل لائق، يمكن أن تتحول مخيمات اللاجئين بسهولة إلى ملاذات آمنة للنشاط الإجرامي وتخزين الأسلحة وتجنيد جماعات مسلحة. ويمكن لهذه الجماعات الاختلاط بسهولة مع سكان المخيم، مما يجعل الفصل بين الطرفين أمراً صعباً. وهذا يصح على الخصوص في مخيمات الفلسطينيين التي تتميز بضخامة الحجم وبأنها تشكل قوام الحياة بالنسبة إلى 18 في المئة من الفلسطينيين حالياً. كما أن تدنّي مستوى المعيشة المقترن بالبطالة، حيث تبلغ نسبة البطالة 42 في المئة من سكان غزة، تجعل مخيمات اللاجئين مكاناً مثالياً للتجنيد بالنسبة إلى الجماعات المتطرّفة التي يمكن أن تسعى لحرف العملية السلمية عن مسارها. لذلك، تشكل هذه المخيمات مصدراً محتملاً للقلق بالنسبة إلى أية قوة أمنية عاملة.
ومما يزيد من تفاقم المشكلة، الكثافة السكانية المرتفعة جداً في غزة والمقترنة بمساكن مؤلفة من طابق واحد، تجعل حركة قوات الأمن داخل الشوارع الضيقة والملتوية أمراً صعباً، أضف إلى هذا الواقع أن الجهل بطبيعة المكان سيجعل من الصعب على الغرباء التمييز بين أفراد الجماعات المسلحة المحتملين والسكان المحليين.
أنوار ساطعة، مدينة كبيرة
تشكل المدن مصدر قلق خاص على الصعيد العسكري بسبب طبيعتها المعقدة والعدد الكبير من الإصابات التي وقعت على مرّ التاريخ في المناطق العمرانية، والحاجة إلى عدد كبير من الجنود لتغطية منطقة صغيرة، والإمكانات المتعددة لوجود مخابئ للمتمرّدين وللأسلحة. وهذا ما يصح على الخصوص في حالة غزة حيث تعتبر حرب العصابات في المدن الطريقة التي هيمنت على الصراع في العقد الأخير. كما أن المتمردين المحتملين يعرفون أدواتهم ومنطقتهم، في حين تملك قوات الناتو خبرة محدودة في حرب العصابات في المدن واستخبارات عسكرية محدودة في ما يختص بالمدن الفلسطينية أو الإسرائيلية. وستعيّن على الناتو إما الاتكال على المصادر الإسرائيلية أو بناء شبكة مخبرين خاصة، وهذه مهمة غير عملية ومكلفة. يوجد بإسرائيل 14 مدينة تضم الواحدة منها مايزيد عن 100000 نسمة، منها خمس مدن على الأقل تضم أكثر من 200000 نسمة. وفي هذا السياق، تعتبر مدينة القدس حالة خاصة إذ أنها تأوي 750000 نسمة موزعين على شطريها الشرقي والغربي، ومقسَّمين إلى عرب وإلى إسرائيليين، وقد شكلت إحدى أصعب النقاط الشائكة في الخلاف أثناء المفاوضات الماضية. يشكل الإسرائيليون 65 في المئة من سكانها، ويعيش أغلبهم في القدس الغربية، برغم أن القدس الشرقية باتت تضم الآن 190000 إسرائيلي أيضاً. وتضم مدينة غزة مايزيد عن 410000 نسمة، يوجد يوجد في القطاع مدينة خان يونس أيضاً وهي تضم 180000 نسمة. ويوجد في الضفة الغربية ثلاث مدن يتراوح عدد ساكنيها بين 120000 و166000 نسمة.
ما الذي يمكن استنتاجه من هذه الأرقام؟ لا يمكن لقوة تابعة للناتو أن تعمل كجدار سلبي وحسب بين الطرفين المتحاربَين سابقاً. فهناك تداخل بين الشعبين، وسيبقى هذا التداخل، باستثناء قطاع غزة، حتى بعد التوصل إلى اتفاقية سلام. كما أنه يوجد مايزيد عن من 19 مدينة تضم الواحدة منها أكثر من 100000 نسمة. وبالإجمال، يوجد 4.2 مليون من سكان المنطقة يقيمون في مدن من هذا النوع، مع وجود أكثر من نصف مليون شخص يعيشون في مخيمات اللاجئين، وهذا في حدّ ذاته ينطوي على أمرين: الأمر الأول هو أنه يصعب اكتشاف مخازن الأسلحة بدون معرفة محلية، علماً بأن هذا الواقع يسهل عمليات تهريب الأسلحة بدرجة كبيرة. حتى إن تطبيق إجراءات نزع الأسلحة سيكون أشدّ صعوبة منه في ظل ظروف أكثر ودّية. والأمر الثاني هو أن العمليات في المناطق المأهولة في حال اندلاع انتفاضة ثالثة (كما في افتراض تتابع عملية السلام على النحو المأمول) أو العمليات في مخيمات اللاجئين، تقتضي معرفة بدأت قوات الناتو للتوّ باكتسابها، وهي لا تزال شديدة التواضع. وعلى الأرجح أن تكون القوات الإسرائيلية الوحيدة التي لديها استعداد تقريباً لمحاربة المتمردين في المدن الفلسطينية وفي مخيمات اللاجئين، غير أن إجراءاتها القمعية القاسية كانت تتسبب في مزيد من العنف دائماً. وعلى صعيد آخر، تعتبر القدس أكثر القضايا الشائكة لأنه بصرف النظر عن الحصيلة النهائية للمفاوضات حول الوضعية النهائية للمدينة، سيبقى البعض ساخطاً. لذلك، ستستدعي مدينة القدس نفسها وجود قوة وقائية ضخمة للغاية، وهذه ستواجِه بدورها تذمراً واسع النطاق من المستوطنين الإسرائيليين بالقدس الشرقية.
يمكن أن يتفاقم الوضع أكثر بسبب الانتشار المتوقع لمنظمات غير حكومية ومنظمات تابعة للأمم المتحدة بعد التوصل إلى اتفاقية سلام. وفوق هذا كله، سيتوجب على الناتو تسيير دوريات على امتداد فلسطين الجديدة التي يبلغ طولها 404 كلم في محيط أراضي الضفة الغربية (307 كلم مع إسرائيل، و97 كلم مع الأردن)، بالإضافة إلى 63 كلم في محيط قطاع غزة (11 كلم مع مصر و52 كلم مع إسرائيل). وهذا لا يشمل الممر الذي ربما يصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة والذي سيتراوح طوله بين 30 و50 كلم (أو 60-100 كلم في حال وجود ممرين)، بحسب موقع الطريق. وسيكون هذا الممر بحسب السيناريوهات المختلفة نفقاً أو جسراً أو طريقاً مُقفلاً، وكل من هذه الخيارات ينطوي على حساسية أمنية شديدة لأنه يمكن إغلاقه بسهولة مما يؤدي إلى قطع الشريان الذي يربط شطري ما سوف يشكل فلسطين.
المضامين بالنسبة إلى الناتو
يوجد عدة استنتاجات يمكن الوصول إليها بناء على الحقائق التي تقدم وصفها. أولاً، برغم صغر مساحة الأرض، فهي فائقة الحساسية من الناحية السياسية وتُظهر ردوداً فورية في العادة على الاضطرابات الأمنية. وقد كان مصير المحاولات السابقة للتوصل إلى سلام بين "الإسرائيليين" والفلسطينيين الفشل لدواعٍ أمنية أساساً. وفي هذا السياق بالذات يتعيّن كسر هذه الحلقة المفرغة. وكما دلّت التجربة، يُستبعد التوصل إلى اتفاقية سلام واحدة تشمل كافة القضايا. وعوضاً عن ذلك، يبدو أن التوصل إلى حل تدريجي يتواصل مع تقدم تدريجي يتم إحرازه على صعيد السلام الحل الأرجح. لذلك، ستكون هناك مرحلة انتقالية خطرة على الخصوص بسبب نقاط الضعف الأمنية.
وبالتالي، لا يتوافر حيّز كبير للتسامح مع فشل عرَضي. ذلك أن سلسلة (أو حتى عدد كبير) من الهجمات الناجحة سيحرف العلمية السلمية عن مسارها على الأرجح كما حصل في الماضي. وينبغي الاعتراف بأن بعثة الناتو بفلسطين يمكن أن تُصبح رهينة بسهولة في أيدي الجماعات المسلحة ويتعذر تحقيق أمن مطلق على الرغم من أنه هدف يكتسي أهمية فائقة من الناحية السياسية على جانبي السياج. لذلك، يوجد القليل من التأثير عندما يتعلق الأمر بجمع أفراد البعثة وتمويلها واختيار المعدات المناسبة لها. ولا بدّ أن يُنظر إلى قوات الناتو بفلسطين من الناحية الفعلية على أنها بعثة سيكون لفشلها مضامين أكبر من مضامين فشل أية بعثة أخرى. وهذا اعتبار مهم يجب ألاّ يغيب عن البال عند التمعن في التوصيات التالية.
المسائل المتعلقة بحجم القوة
السؤال الأول الذي سوف يُطرح يتعلق بتحديد حجم القوة المناسبة. وفي هذا المجال، ستكون محاولة تشكيل بعثة بأقل عدد ممكن من الأفراد وصفة للفشل. فقد دلت الدروس المستخلَصة من حالات مثل تيمور الشرقية وكوسوفا والبوسنة والهرسك على أن المتغيّر الأساسي هنا ليس مساحة المنطقة ولا عدد المعارضين المحتملين وإنما السكان على الأرض. تم نشر 1150 جندي وشرطي على الأقل لكل 100000 نسمة (1000 جندي و150 شرطي دولي) في العمليات الناجحة التي نُفّذت في السابق. وعندما دخل الناتو البوسنة والهرسك في سنة 1995، وصل عدد قواته إلى 2260 جندياً لكل 100000 نسمة، ولم يتم تقليص ذلك العدد إلاّ بعد خمس سنين لتصل نسبة الجنود إلى 1000 جندي لكل 100000 نسمة. وفي كوسوفا، ارتفعت النسبة إلى 2100 جندي، وفي تيمور الشرقية وصلت إلى 1100 في السنة الأولى. ولطالما توافر لدى البعثات الناجحة السابقة عدد كاف من الجنود لمدة خمس سنين على الأقل. وعلى الرغم من أن العدد وحده لا يصنع الأمن ولا يقوّضه، من البديهي أن تدنّي عدد الجنود في البعثة عن المستوى المطلوب يمكن أن يعرّض نجاحها لخطر أكيد. وعلى الرغم من أن بعض الدول الأعضاء في الناتو ربما يكون أكثر مدعاة للقبول من دول أخرى في هذا الوضع الخاص، يُستحسن توافر عدد كبير من الدول المشاركة في البعثة.
وعلى الرغم من أنه من الواضح أن عدد الرجال المطلوب سيعتمد كذلك على الهياكل الأمنية المحلية، سنفترض في هذا القسم أن قوات الأمن الفلسطينية ستكون في حاجة إلى مزيد من الوقت والتدريب في البداية قبل أن تتمكن من تحملّ المسؤولية الكاملة عن الأمن الداخلي كدولة مستقلة وفق ما تم الاتفاق عليه في اتفاقية غزة-أريحا في سنة 1994. صحيح أنه يوجد حالياً 30000 عنصر في قوات الأمن الخاضعة للسلطة الفلسطينية بشكل رسمي بموجب اتفاقات أوسلو 2، بيد أن سجلها الماضي مليء بالفساد وانتهاك حقوق الإنسان، والاصطفاف بجانب فتح والتورّط في اشتباكات مع حماس في بعض الأحيان. وعلى الرغم من أن 1600 من هؤلاء العناصر تدرّبوا في الماضي القريب على يد مدربين من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا، فقد كان نطاق تلك التدريبات محصوراً، ولذلك يلزم تقديم تدريبات إضافية بعد إقامة دولة فلسطينية مستقلة بالكامل. تجدر الإشارة إلى أن العدد المستهدف والذي يبلغ 30000 يعتبر كبيراً وفقاً لمعايير ضبط الأمن الدولية التي تنصّ على تجنيد نحو من 200 عنصر لكل 100000 مواطن في دولة مستقرة، علماً بأن أقصى التقديرات يرى أنه يكفي قوة قوامها 25940 عنصراً من رجال الشرطة.
يعتبر بناء هياكل أمنية فلسطينية داخلية عنصراً أساسياً بالنسبة إلى نجاح أية بعثة لإرساء دعائم السلام وكذلك بالنسبة إلى استراتيجية خروج الناتو أو أية قوة دولية أخرى. وينبغي ألاّ تقاس قدرة قوات الأمن الفلسطينية على صعيد الكمّ فقط، بل وينبغي أن تقاس على صعيد النوع أيضاً حيث يشكل التدريب عاملاً أساسياً. إن المشكلة في حالة فلسطين لا تتعلق بتجنيد الرجال بقدر ما تتعلق بتدريبهم وتجهيزهم وبصرف العناصر التي لا تحقق المعايير أو الفائضة عن الحاجة.
يوجد في فلسطين حالياً نحو من 10000 رجل شرطة و15000 عنصر يمكن مقارنتهم بالقوات المسلحة وإن تكن الأرقام الأخرى تشير إلى معدلات أعلى بكثير. وهذه الإحصاءات لا تشمل ميليشيات مثل حماس أو كتائب الأقصى. وهذا يعني أن نسبة السكان إلى قوات الأمن بفلسطين تصل إلى 6.08 رجل لكل 1000 مواطن (برغم عدم وجود بيانات كافية تسمح بتحديد تلك  القوات المتواجدة في غزة والقوات المتواجدة في الضفة الغربية). كما أنه من غير الواضح إن كان يمكن التعويل على هذه القوات المحلية لا سيما وأن الشرطة الفلسطينية تُشتهر بفسادها وتحيّزها. وسيشمل جزء من بعثة الناتو توفير مظلة أمنية توفر لفلسطين الفرصة لتدريب قواتها الأمنية الخاصة وبنائها بحسب اتفاقية غزة-أريحا أو أية اتفاقية أخرى تؤدي إلى تشكيل بعثة تابعة للناتو.
الأقل لا يعني أكثر، الأقل يعني أقل
بمعزل عن قوات الأمن المحلية، ستكون قوة الناتو بفلسطين (أي بناء على سيناريو الحد الأدنى) في حاجة إلى قوات يتراوح عددها، إذا كانت ستتبع مثال الحالات الناجحة في البوسنة والهرسك، بين 43700 و76000 عنصر، منهم قوات الشرطة. من بين هؤلاء، سيسيّر 16100 إلى 28000 عنصر دوريات في غزة، ويسيّر 27600 إلى 48000 عنصر دوريات في الضفة الغربية.
على أن هذه الأرقام لا تشمل العناصر التي قد تشارك في دوريات مشتركة مع القوات الإسرائيلية. يوجد بإسرائيل قوة مسلحة قوامها 176000 جندي بالإضافة إلى 30000 رجل شرطة و70000 حارس مدني. وهذا يجعل نسبة العسكريين إلى المدنيين 24، ويجعل نسبة رجال الشرطة إلى المدنيين 13.8. كلتا النسبتين مرتفعة وفقاً للمعايير الدولية وتلمح إلى الحاجة إلى قوة ناتو ضخمة. على أن الدوريات المشتركة التي تشير إلى وجود الناتو وإلى التزامه بالبعثة سيكون لها أثر إيجابي في الرأي العام في كلا الجانبين. كما أن اقتراح تخصيص أعداد إضافية للأراضي الواقعة داخل "إسرائيل" سيرفع حجم قوة الناتو إلى 50000 عنصر في الحدّ الأدنى، وإلى 80000 عنصر في الحدّ الأقصى. ولأجل المقارنة، تتألف قوة المساعدة الأمنية الدولية التابعة للناتو والعاملة بأفغانستان من 80000 رجل تقريباً، وبالتالي فإن السؤال الأساسي المطروح لا يتعلق باستعداد الحلفاء لتوفير هؤلاء الجنود وحسب، بل ويتعلق بتوافرهم أيضاً. ونحن نشك في قدرة الحلفاء على توفير الأعداد اللازمة بالتوازي مع البعثات التي يشاركون فيها في أفغانستان وكوسوفا والبوسنة والهرسك والعراق. وهناك انتقادات أصلاً لخطط خفض الوقت الممتد بين نشر القوات وإعادة نشرها، بما أن ذلك يؤثر في نوعية الحياة والعمل وفي الميزانية أيضاً. بناء على ذلك، يتعين تقليص مسارح العمليات الحالية من حيث الحجم لتسنح فرصة لتشكيل بعثة للناتو بالحجم المناسب بفلسطين بدون اقتراح مدد انتشار طويلة، وهو أمر يرغب العديد من الحلفاء في اجتنابه.
من فعل ذلك؟
إن بعثات إرساء الاستقرار بعثات مشاة بدرجة كبيرة. على أن الذي يتقدم على ذلك في الأهمية في حالتنا حقيقة أنه في سيناريو الحالة الأسوأ، ستتضمن المهام الانخراط في حرب في المدن ومكافحة التمرد، وهي مهمات ثقيلة تضطلع بها المشاة أيضاً. أضف إلى ذلك أن حالتنا ستقتضي وجود قوات شرطة كبيرة وليس قوات مشاة فقط. وكما تشير الحالات السابقة، ستكون قوات من الدرك أو الشرطة الشبه عسكرية أفضل تجهيزاً بكثير لهذا النوع من الأوضاع الأمنية الداخلية الذي يرجح أن ينشأ في البداية في فلسطين المستقلة فضلاً عن التعامل مع الجريمة في ظل غياب هياكل أمنية محلية كافية. وبحسب بعض التقديرات، يفضّل أن يكون 57000 من أصل 76000 عنصر من قوات الشرطة المدنية أو الدرك الدولية. لكن يبدو أن الوصول إلى هذه النسبة التي تبلغ 150 عنصر شرطة دولي لكل 100000 مواطن صعب للغاية، لكنه ضروري برغم ذلك. ذلك أنه في السنة الثانية التي أعقبت انتهاء الصراع بلغت تلك النسبة 151 في تيمور الشرقية، في حين أنها بلغت 234 في كوسوفا. غير أنه يوجد ثمانية دول فقط لديها قوات درك في الناتو وهي إيطاليا وفرنسا وبلغاريا والبرتغال وهولندا ورومانيا وتركيا وإسبانيا. وقلة من هذه الدول لديها خبرة في الأوضاع التي تعقب انتهاء الصراع. لذلك نشك في أن يتمكن الناتو من تشكل قوة درك بهذا الحجم.
الوقت يعني المال
إن أية بعثة ناجحة ستكون في حاجة إلى البقاء مدة خمس سنين على الأقل إذا لم يكن أكثر. وسبب ذلك هو أن احتمالات العودة إلى الصراع تكون أرجح في السنين الخمس التي تعقب انتهاءه. وكما أظهرت حالة البوسنة والهرسك، يمكن أن تدوم هذه المدة فترة أطول. ومن المهم التنبّه إلى أن طول مدة بقاء البعثة عامل أساسي في نجاحها أو فشلها، بالإضافة إلى عوامل أخرى. ذلك أن الرحيل السابق لأوانه يمكن أن يعرض السلام الذي تحقق للخطر. كما أن البعثات التي تدوم فترة طويلة مكلفة. فإلى جانب تكاليف البعثة نفسها، يمكن توقع تكاليف إضافية ترجع إلى تدريب الشرطة الفلسطينية، وبناء البنية التحتية، وتوفير المعدات. وتشير بعض التقديرات إلى أن الكلفة تتراوح بين 9.61 و16.72 مليار دولار في السنة، وذلك بدون احتساب جهود إعادة الإعمار التي ستجعل مجموع التكاليف في غضون السنين الخمس الموصى بها بين 48.05 و83.6 مليار دولار. وعلى الرغم من أنه يُستبعد إلى حدّ بعيد أن يتحمل الناتو نفسه مسؤولية نواحي بناء الدولة المتعلقة بالاقتصاد والحكم في فلسطين المستقلة، سيُسهم العديد من أعضاء الحلف في أغلب الأموال التي ستخصص للمنظمات الدولية التي يُتوقع منها تغطية تكاليف هذه الجهود، مثل الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، لذلك فهذه التكاليف عامل يجدر دراسته.
الخلاصة
سيتوافر لبعثة الناتو بفلسطين فرص ضئيلة للنجاح واحتمال كبير بالفشل. وينبغي ألاّ يتأثر المرء بتصورات بروز فرصة تاريخية والشروع في مسعى يمكن أن يُفقد الناتو مصداقيته وهيبته وأمواله وأرواح جنوده لمجرّد أنه يبدو أن هناك فرصة رمزية من الناحية السياسية في الحياة لتحويل الناتو إلى مصدر عالمي لتوفير الأمن.
تتميّز الأرض التي ستنتشر فيها هذه البعثة بخصائص يمكن أن تُسبب لأي مخطط جُملة كوابيس، مثل الكثافة السكانية المرتفعة، والمناطق الحضرية التي يتداخل فيها سكان الأطراف المتحاربة بدرجة كبيرة، ومناخ سياسي متفجر حيث يمكن أن تتعالى الأمواج في أية لحظة، وخصم محنّك للغاية في ما يتعلق بمكافحة التمرّد. لذلك، ستكون البعثة في حاجة إلى تحضير شامل، وتخطيط دقيق، وعناصر وأموال كافية، وقدر كبير من الإرادة السياسية، مع هامش ضيّق جداً للنجاح. وفي هذه المرحلة التي نعيشها حالياً، ومع وجود عمليات أخرى جارية، يبدو التسرّع في إشراك الناتو في بعثة تملك كافة المقومات التي يمكن أن تحّولها إلى مستنقع شبيه بانغماس الحلف بأفغانستان أن هذا التوجه عملاً غير مسؤول.


 

2010-05-21 11:09:23 | 1749 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية