التصنيفات » دراسات

التنبؤ الاستخباري الفصلي للربع الثالث من العام 2010



 


- فهرس المحتويات –

1- المقدمة ................................................................................. 3
2- الميول العالمية ........................................................................
- أزمة الديون السيادية والردّ الأوروبي [الديون التي على دولة لدولة أخرى]
- الحداثة في الجمهوريات السوفياتية سابقاً
- إيران والعراق
- الاقتصاد العالمي 4
3- الميول الإقليمية: الشرق الأوسط  .......................................................
- موقع تركيا 7
4- الميول الإقليمية: جنوب آسيا ...........................................................
- استمرار القتال في أفغانستان وباكستان
- الصراعات بباكستان 8
5- شرق آسيا ..............................................................................
- الاقتصاد الصيني والاستقرار الاجتماعي
- العلاقات الأميركية الصينية والتوترات مع الصين 9
6- أوروبا ..................................................................................
- التغييرات في بولندا 11
7- الميول الإقليمية: أمريكا اللاتينية ........................................................
- إجراءات القمع والتوترات في فنزويلا
- العلاقات بين كولومبيا وفنزويلا
- السياسات الداخلية البرازيلية
- عودة الأرجنتين إلى أسواق القروض العالمية 12
8- الميول الإقليمية: الدول الإفريقية الواقعة جنوبي الصحراء الكبرى ......................
- السياسات النيجيرية
- الأمن في الصومال 14


بطـاقـة التـعـريـف بالـتـرجـمـة
العنوان التنبؤ الإستخباري الفصلي للربع الثالث من العام 2010
المؤلفون مجموعة باحثين في الأمن الدولي والإقليمي
جهة الإصدار  مركز التنبؤات الاستخبارية – واشنطن
تاريخ الإصدار  12 تموز 2010
عدد الصفحات  14  صفحة
جهة إصدار الترجمة  مركز دراسات وتحليل المعلومات الصحفية
تاريخ إصدار الترجمة 17 تموز 2010


1- المقدمة
لا تزال ميول عالمية رئيسية ثلاثة تهيمن على النظام الدولي. الميل الأول ناجم عن أزمة اليونان وعن المشكلات الاقتصادية المصاحبة لها والتي لا تزال تشكل عبئاً ثقيلاً على النظم الأوروبية، مما يُدخل المنطقة في مرحلة إعادة تعريف سياسي واقتصادي. والميل الثاني ناتج عن اتجاه العمليات الأميركية في العراق نحو مفترق طرق في ما تقرر خفض عديد القوات الأميركية المقاتلة بحلول نهاية شهر آب مع أنه تبيّن أن إحراز تقدم في أفغانستان صعب المنال. والميل الثالث له علاقة بالروس وذلك عائد جزئياً إلى استغلالهم تفرّق الدول الأوروبية وانشغال الولايات المتحدة في الشرق الأوسط في ترسيخ المكاسب التي حققوها في الجمهوريات السوفياتية سابقاً، مما يشرّع الأبواب أمام إقامة علاقات اقتصادية جديدة، لا سيما مع الألمان، بغرض تحديث الاقتصاد الروسي.
ما من شك في أن أوروبا هي القضية الأحدث والأهم بما أن الأوروبيين تمسّكوا في معظم مراحل الأزمة المالية بنموذج قارّتهم باعتباره متفوقاً على النموذج الأنغلوسكسوني. ذلك أنه بدا أن النمو البطيء وشبكات الأمن الاجتماعي القوية متفوقة على النموذج الأميركي والبريطاني الأكثر ميلاً إلى المغامرة والأقل ميلاً إلى السياسات الحمائية. ونتيجة ذلك أن الأوروبيين يواجهون الآن تقلّصاً ونمواً بطيئاً في الخدمات الاجتماعية. والأهم من ذلك أن هذا الواقع لا يعمّ الدول الأوروبية بالتساوي. فالأوضاع في أوروبا الجنوبية هي الأصعب في حين يُطلب من أوروبا الشمالية ضمان استقرار منطقة اليورو. وهذا يتسبب بمشكلات سياسية في ألمانيا مما دفع برلين إلى المطالبة بفرض مزيد من الضوابط على السياسات الاقتصادية للدول الأخرى الأعضاء في الاتحاد الأوروبي عبر سنّ تشريعات وتشكيل هيئات رقابية جديدة. على أن الخطط الألمانية تُحدث شرخاً خطيراً في أوروبا وسيكون له تداعيات جيوسياسية. ونحن نتوقع أن تتواصل هذه العملية في الربع القادم. لكنّ المؤسسات الأوروبية في وضع آمن الآن وإن كنا لا نعرف إن كان في استطاعة النظام تحمّل هزّات أكبر.
وعلى الطرف الآخر للطيف العالمي، نعني القضايا العسكرية الشرق أوسطية، فُرضت عقوبات دولية وثنائية على إيران لحملها على التخلّي عن برنامجها العسكري النووي المزعوم. بيد أنه يوجد طرق كثيرة متاحة لإيران للتحايل على تلك العقوبات، ولذلك ستكون تأثيراتها محدودة. لكنّ القضية المطروحة على مائدة النقاش في النهاية ليست البرنامج النووي الإيراني وإنما القدرات التقليدية الإيرانية، ذلك أن إيران ستكون القوة العسكرية المهيمنة في الخليج العربي بعد انسحاب القوات الأميركية من العراق. ونشير إلى أنه تقرر سحب القوات المقاتلة الأميركية بحلول شهر آب بحيث لا يبقى سوى 50000 جندي هناك، بما في ذلك ستة ألوية مقاتلة على الأقل سيُطلَق عليها وصف جديد هو ألوية المشورة والمساعدة. وبما أن كل تخفيض للقوات الأميركية في العراق يقوّي نفوذ إيران في المنطقة، فذلك يعني أن إيران ستبقى القوة المحلية التقليدية المهيمنة في المنطقة وإن تخلّت عن برنامجها النووي. وهذا يعني أنه يتعيّن على الولايات المتحدة البقاء في العراق لمعادلة إيران، ويتعيّن عليها كذلك الانسحاب من ذلك البلد لإعادة بناء احتياطي عسكري استراتيجي. وبما أن الولايات المتحدة عالقة في هذا الوضع، نتوقع أن تواصل واشنطن جهوداً هادئة للتوصل إلى تسوية ما مع إيران، والقضية المطروحة بالطبع هي معرفة إن كان لإيران أية مصلحة في مساعدة الولايات المتحدة على حل هذه المشكلة.
لا يزال العالم يردّد صدى هزّتي أيلول 2001 وأيلول 2008، أعني الحرب بين الولايات المتحدة والجهاديين، والأزمة المالية العالمية. ولا يزال يخوض غمار هذين الحدثين منذ سنين وسيبقى على هذه الحال في هذا الربع.

2- الميول العالمية
أزمة الديون السيادية والردّ الأوروبي [الديون التي على دولة لدولة أخرى]
ستهيمن أزمة الديون السيادية في منطقة اليورو التي بدأت باليونان في كانون الأول 2009 على الربع الثالث. لكنّ التركيز سينتقل من اليونان إلى إسبانيا وإلى النظام المصرفي المحاصَر في القارّة والذي أفلت من الكثير من المعاينة طوال الشهور الستة الماضية لأنّ الانتباه تركّز تماماً على حكومات منطقة اليورو.
لذلك، استوجبت الحوادث التي عصفت بمنطقة اليورو إدارة الأزمة، وسدّ الثغرات في منطقة اليورو (اليونان) للحيلولة دون حدوث انهيار يعمّ النظام بأكمله. على أن ألمانيا وباقي دول الاتحاد الأوروبي تريد الآن إيجاد هيكلية تمنع من حدوث أزمات في المستقبل وليس حل المشكلات الحالية فقط. وكانت الأزمة الحالية قد دفعت ألمانيا إلى إرغام باقي دول الاتحاد الأوروبي على إقرار قوانين جديدة تحكم الميزانيات في منطقة اليورو وتراقبها. ولا يزال من المبكر وصف الخطوات الألمانية بأنها ناجحة، بما أن الزعامة الألمانية للاتحاد الأوروبي تواجه مقاومة من نظراء ألمانيا فضلاً عن مقاومة داخلية أيضاً، غير أن ما فعلته برلين لتوحيد أداء اقتصادات الدول الأوروبية خلال الشهور الثلاثة الأخيرة فاق ما تم إنجازه خلال العقد الماضي.
سيكشف الربعُ الثالث إن كانت الجهود الألمانية ستنجح، أو ما إذا كانت الحكومات الغربية غير مستعدّة لإقرار التدابير التقشفية التي فرضتها برلين. كما ستهيمن على الربع الثالث مسألة تنشيط برنامج تسهيل الاستقرار المالي الأوروبي، وهو صندوق رأسماله 440 مليار يورو (552 مليار دولار) تأسس في لوكسمبورغ لمنح القروض لحكومات منطقة اليورو. كان الدافع لتأسيس الصندوق في الأصل دعم اقتصادات نادي المتوسط إذا ما احتاجت إلى رزمة إنقاذ على غرار الرزمة اليونانية. لذلك تشكل إسبانيا اختباراً لبرنامج تسهيل الاستقرار المالي الأوروبي. صحيح أن مشكلات الاقتصاد الإسباني ليست في حدّة مشكلات الاقتصاد اليوناني في الأساس، لكنّ الأسواق تضغط عليه برغم ذلك. ولمّا كانت الحكومة الإسبانية حكومة أقلّية اعتمدت إلى الآن على الأحزاب الإقليمية في ممارسة الحكم، وهي أحزاب يتعيّن شراء ولائها وهذا أمر صعب للغاية عندما يلزم فرض تدابير تقشفية، يُحتمل أن يكون التصويت على ميزانية الحكومة الإسبانية لسنة 2011 في أيلول نقطة انفجار محتملة. وأية إشارة على انعدام الاستقرار السياسي في إسبانيا ستعجّل باندلاع أزمة ثقة في إجراءاتها التقشفية وتزيد كلفة تمويل ديونها وتفرض مزيداً من الضغوط على مصارفها الإقليمية المتعثّرة.
على أن جمال تصميم برنامج تسهيل الاستقرار المالي الأوروبي يكمن في عدم تعريف وظائفه إلى الآن. لذلك سيتم تحديد ما يمكنه فعله وما لا يمكنه فعله (من قبل برلين أساساً) في الربع الثالث، وبخاصة إذا واصلت الأسواق ضغطها على المصارف الإسبانية و/أو على المصارف الأوروبية. بيد أن هناك أمراً واحداً واضحاً بشأن البرنامج وهو أنه تأسس ليكون هيئة مستقلة، أو "آلية ذات غايات خاصة"، خارج إطار معاهدات الاتحاد الأوروبي. وهذا يمنح أوروبا هامشاً أكبر للمناورة مما هو متاح لها إلى الآن، لكنه يوفر للعالم شيئاً يركز عليه أيضاً. ستحدد برلين كيفية تجربة برنامج تسهيل الاستقرار المالي الأوروبي وكيفية تشغيله في النهاية وسيعتمد البرنامج على مدى التزام باقي منطقة اليورو بتعليماته على صعيد تقليص الميزانيات.

الحداثة في الجمهوريات السوفياتية سابقاً
إنها السنة التي أينعت فيها ثمار الحملة التي شنّتها روسيا على مدى عدة أعوام لبسط سلطانها على مجالها السوفياتي السابق. فقد شهد العام 2010 إلى الآن بعض النجاحات الروسية الهامة بدحر النفوذ الغربي وإعادة بسط الهيمنة الروسية على دول كثيرة، منها كازاخستان وروسيا البيضاء (بيلاروسيا) وأوكرانيا وقرغيزستان.
على أن روسيا انتقلت من التركيز على انبعاثها إلى حيازة ما ينبغي لها حيازته لتمتلك القوة الكافية على الصعيد المحلي للإبقاء على نفوذها في هذه المناطق الخارجية في السنين القادمة. وقد قرر الكرملين أن روسيا في حاجة إلى برنامج تحديث محلي واسع النطاق.
لا يزال العمل على تنفيذ هذه الخطة التحديثية جارياً منذ بضع سنين، لكنّ روسيا لم تُطلق البرنامج على الساحة الدولية بشكل رسمي إلاّ في الربعين الثاني والثالث من سنة 2010، متوددة إلى المؤسسات والحكومات الأجنبية لإبرام عدد ضخم من الصفقات التي تتضمن الاستثمار في روسيا وتحديثها. تعي روسيا أنها في حاجة إلى التقنيات والخبرات المتاحة لدى القوى الخارجية، مثل الولايات المتحدة، لمساندة هذا البرنامج، مما يعني أنه ينبغي لروسيا أن تتصرف مثل قوة براغماتية (من حيث الشكل على الأقل) لا أن تتصرف مثل دبّ إقليمي يلتهم أية دولة غربية قريبة من منطقته. والسرّ يكمن في انفتاح روسيا على الغرب بدون أن تُفلت زمام الأمور من يدها في سياق العملية.
وفي سياق تسويق روسيا لصورتها "البراغماتية" الجديدة، تنتهج موسكو مقاربتين. أولاً، ستطرح في هذا الربع وثيقة جديدة تشرح سياستها الخارجية يتبنّى فيها الكرملين موقفاً يكشف عن المزيد من الحكمة في العلاقات الخارجية، مما يجعل روسيا تبدو مثل الشريك ومقصداً أكثر جذباً للاستثمار. ثانياً، ستقدّم موسكو تنازلات للقوى الأجنبية لتشجيعها على استئناف تعاملاتها التجارية مع روسيا، الأمر الذي يعني مقايضة الأرصدة الاقتصادية في نظر العديد من الدول، مثل فرنسا وألمانيا. على أنه يتوجب على روسيا الإخلال ببعض التزاماتها تجاه إيران لإقناع الولايات المتحدة. وفي هذا السياق، أعطت موسكو موافقتها على آخر رزمة من العقوبات وأطلقت إشارات بأنها يمكن أن تقدّم المزيد إذا اقتضى الأمر ذلك. تمثل هذه المقايضة، أعني التخلّي عن إيران مقابل الحصول على التكنولوجيا، ذروة الحرارة في العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا منذ هجمات 11 أيلول.
على أنه يوجد بعض القضايا العالقة التي يمكن أن تعكّر صفو هذا الوفاق المؤقت في الربع الثالث، ذلك أن بعض الجمهوريات السوفياتية سابقاً والموالية للغرب (مثل جورجيا) والدول المحيطية (مثل بولندا) لاحظت عودة الحرارة إلى العلاقات الروسية الأميركية وهي تتساءل إن كانت الولايات المتحدة لا تزال ملتزمة بضمان أمنها. وفي حال شعرت الولاياتُ المتحدة بالحاجة إلى إثبات التزامها بأمن تلك الدول بطريقة ملموسة، يتوافر لموسكو العديد من النواحي للردّ على ذلك، منها إكمال بناء منشأة بوشهر النووية في إيران (المقرر في آب). لكنّ آجال إكمال أعمال البناء تأجلت أكثر من مرّة في الماضي، وستربط موسكو مستقبل هذه المنشأة بعلاقاتها بالولايات المتحدة.
إيران والعراق
أمضت كل من الولايات المتحدة وإيران النصفَ الأول من هذه السنة في محاولات حثيثة لإضعاف الموقف التفاوضي للطرف الآخر. ويُتوقع أن تستمرّ حالة المراوحة هذه طوال الربع الثالث، حيث ستتم مبادلات معقدة بين الطرفين في العلن بدرجة كبيرة في سياق المسألة النووية.
يوجد سببان رئيسيان لاستمرار حالة المراوحة في العلاقات الأميركية الإيرانية، أولهما وأهمهما أن الولايات المتحدة ستخفض حجم وجودها العسكري في العراق، على افتراض استبعاد حصول أية تحولات خطيرة في البيئة الأمنية فيه، من 75000 جندي في الوقت الحالي إلى نحو من 50000 جندي بحلول شهر آب. والثاني هو أن تشكيل حكومة عراقية ليس شرطاً مسبقاً لتنفيذ خطة الولايات المتحدة بتخفيض عدد قواتها هناك. وبالمقابل، تهدف الولايات المتحدة إلى منع إيران من الهيمنة على الخليج العربي، وهو هدف يمكن إدراكه في الوقت الحالي بتوافر 50000 جندي سيبقون في العراق يتمتعون بدعم جوي. على أن الولايات المتحدة ستُضطرّ في النهاية إلى سحب تلك القوات أيضاً من أجل إعادة بناء احتياطها. ولإنجاز ذلك، ستكون واشنطن في حاجة إلى التوصل إلى اتفاق مع طهران. بعبارة أخرى، الأمن الإقليمي لا أمن العراق هو القضية المركزية التي تحرّك المبادلات الأميركية الإيرانية.
وضعت إيران، التي تدرك أن الولايات المتحدة تشكل تهديداً بعيد المدى ولا يمكن التنبؤ به، أهدافاً بعيدة المدى تتضمن الحصول على ضمانات أمنية من واشنطن. وينبغي للولايات المتحدة أن تكون مستعدة لتقديم مثل هذه الضمانات في مقابل ضمانات يمكن التعويل عليها بأن الطموحات الإقليمية الإيرانية الخاصة بالساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية (أي المملكة العربية السعودية والمحافظة الشرقية فيها الغنية بالنفط) لن تهدد إمدادات النفط العالمية. والواضح أن النزاع الجوهري بين الطرفين لن يصل إلى حل في هذا الربع ولا حتى في هذا العام، ويعود ذلك بدرجة كبيرة إلى الصراع على السلطة داخل النخبة الحاكمة في إيران.
لذلك، على الرغم من المناورات المعقدة التي يقوم بها الجانبان والتغيرات التي يشهدها المناخ السياسي والأمني في العراق، لن يشهد الصراع الأميركي الإيراني أية اختراقات في الربع القادم.
الاقتصاد العالمي
يبدو أن النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة يتباطأ. فقد توقف النشاط الإجمالي، سواء على صعيد طلب المستهلكين أم الفرص الوظيفية أم أسواق السلع، في الربع الثاني. وبالنظر إلى اشتداد طلب المستهلكين الأميركيين، هناك إمكانية ضعيفة للعودة إلى الركود في الربع الثالث في الولايات المتحدة.
في نفس الوقت، يوجد أمارات قليلة على حدوث انتعاش محلي في مراكز اقتصادية رئيسية أخرى. فألمانيا آخذة في التحرر من الإنفاق المدفوع بالعجز الذي ميّز السنتين الأخيرتين وهي تستخدم نفوذها الاقتصادي في إرغام شريكاتها الأوروبيات على التقيد بميزانياتها. والغاية من ذلك استباق حدوث أزمة ديون شديدة، أو التخفيف من وطأتها على الأقل، لكنّ هذه السياسة ستبطئ النمو بأوروبا بالتأكيد في هذه الأثناء. كما أن الاقتصاد الياباني لم يُظهر بعدُ علامات الانتعاش. وتتطلّع الصين، تدريجياً وبحذر، إلى الحدّ من القروض التي تُمنح للقطاعات المتضخمة على الخصوص. وبدلاً من التطلع إلى تعزيز الطلب المحلي، تتطلع هذه الاقتصادات الرئيسية الثلاثة إلى تعزيز الصادرات وترجمة ذلك إلى انتعاش اقتصادي.
ينتج عن هذا المزيج من الطلب الضعيف والصادرات القوية بيئة تساعد على الانكماش الاقتصادي وربما على نطاق عالمي. ولا يزال الوقت مبكراً جداً لاعتبار هذه النتيجة مرجحة، وحتى في ظل السيناريو الأسوأ، لن يبدأ الانكماش الاقتصادي العالمي في الربع الثالث ولا حتى في سنة 2010، لكن مع هذا النمو العالمي الضعيف في أحسن الأحوال، نشهد للمرّة الأولى منذ ثلاثينيات القرن الماضي إمكانية حقيقية لظهور دورة متجددة من تراجع الطلب والفرص الوظيفية والاستثمار.


3- الميول الإقليمية: الشرق الأوسط
موقع تركيا
خلّفت حادثة الأسطول التي وقعت في 31 أيار رضوضاً في تركيا. فهي لم تستطع إرغام إسرائيل على تحقيق مطالبها بعد أن أغارت القوات الإسرائيلية على سفينة مساعدات تركية كانت متوجهة إلى غزة في ما كانت لا تزال في المياه الدولية مما تسبب في مقتل تسعة ناشطين أتراك. كما أن الأتراك فشلوا في حمل الولايات المتحدة على الضغط على إسرائيل لكي توافق على فتح تحقيق دولي في الحادثة أو تتقدم باعتذار لوقوع قتلى. حتى إن العلاقات الأميركية التركية تلقّت ضربة بعد القرار الذي اتخذته أنقرة بالتصويت ضدّ قرار مجلس الأمن في 9 حزيران نصّ على فرض عقوبات جديدة على إيران.
بالإضافة إلى المشكلات الجلية على الساحة الدولية، يواجه حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا انتقادات في الداخل على فشله في قضية الأسطول. ومما زاد الوضع الذي يعيشه الحزب سوءاً تجدد الهجمات التي يشنّها المسلّحون الأكراد والتي قوّضت مبادرته السياسية الرامية إلى معالجة قضية الانفصاليين الأكراد. كما أن هذه المشكلات تتزامن مع موافقة المحكمة العليا في البلاد بأغلبية كبيرة على رزمة التعديلات الدستورية التي كان حزب العدالة قد اقترحها، مما يمهد الطريق أمام إجراء استفتاء عام عليها في أيلول والذي سيكون بمثابة اختبار لشعبية الحزب.
لهذه الأسباب كافة، ستُمضي الحكومة التركية قسطاً كبيراً من الربع الثالث في التركيز على الجبهة الداخلية في مسعى لاستعادة قوتها، في وقت وصلت شعبية حزب العدالة والتنمية إلى أدنى مستوى لها منذ وصوله إلى السلطة في سنة 2002. كما أن الإخفاقات في السياسة الخارجية ستُرغم أنقرة على إعادة تقييم استراتيجيتها الرامية إلى التحوّل إلى لاعب عالمي رئيسي.
وعلى الرغم من أن السياسات المحلية ستكون محطّ التركيز الأساسي لتركيا، لا يزال في إمكانها متابعة بنود معيّنة على أجندة سياستها الخارجية. وفي حين يرجَّح أن يستمرّ الفتور في العلاقات التركية الإسرائيلية، ستبذل تركيا جهوداً كبيرة لترميم علاقاتها بالولايات المتحدة، لا سيما أن أنقرة ستكون في حاجة إلى واشنطن للضغط على الإسرائيليين. كما أن هناك قضايا مثل العراق وإيران توفر فرصاً لتركيا للتحدث إلى الولايات المتحدة، وستسعى أنقرة لاستخدام موقعها في استغلال حاجة الولايات المتحدة إلى مساندتها على تلك الجبهات.


4- الميول الإقليمية: جنوب آسيا
استمرار القتال في أفغانستان وباكستان
سيشهد هذا الربع إكمال زيادة عدد القوات في أفغانستان إلى 105000 جندي أميركي ونحو 4000 جندي من دول التحالف الأخرى. وعلى الرغم من دراسة إدخال بعض التعديلات على الاستراتيجية الأميركية في أفغانستان حتى قبل استبدال الجنرال ستانلي بالجنرال دافيد بتريوس كقائد للقوات الأميركية والأفغانية وقوة المساعدة الأمنية الدولية (إيساف) بقيادة الناتو، يُتوقَّع المحافظة على الأطر العريضة لتلك الاستراتيجية.
ستؤدي كثافة الجنود الأميركيين، لا سيما بقندهار، إلى اشتداد المعارك مع العدو وإلى تكثيف الجهود الرامية إلى إحلال الأمن. ومع تزايد الضغوط على البنتاغون لإحراز تقدم، ستُبذَل محاولات بالتأكيد للمبالغة في إظهار أي تقدم يتم إحرازه. على أنه تبقى تحديات خطيرة ماثلة مع سعي كِلا الطرفين لتحقيق مزيد من النتائج الحاسمة قبل حلول فصل الشتاء. وسوف تُستنفَد القوات الأميركية والأفغانية وقوات الناتو إلى أقصى حدّ بين محاولة تصعيد عمليات مكافحة التمرّد وتوفير الأمن وإدارة الانتخابات البرلمانية المزمَع إجراؤها في 18 أيلول، وهو وضع ستسعى طالبان لتسخيره في خدمة مصالحها.
على الرغم من أن ميادين القتال سوف تشتعل، ستتكثف الجهود كذلك على الجبهة السياسية. وهناك إشارات أصلاً إلى تعاون متزايد بين أفغانستان وباكستان كجزء من جهد لإغراء قادة التمرّد بالجلوس إلى مائدة المفاوضات. ولمّا كانت هذه الجهود في مراحلها الأولية، لا يمكن توقّع حدوث اختراقات هامة في هذا الربع.
سيستمرّ التعاون الأميركي الباكستاني على جانبي خط دوراند [الحدود الفاصلة بين أفغانستان وباكستان]، لكننا لا نتوقع حدوث تطورات هامة. فمن غير المرجَّح أن توسع إسلام أباد (أو تتمكن من توسيع) عملياتها العسكرية ضدّ الجهاديين وصولاً إلى شمال وزيرستان، وقد أقرّت واشنطن بافتقار باكستان إلى الموارد اللازمة لذلك. كما أن حصول الولايات المتحدة على مساعدة استخبارية ذات شأن، بخصوص طالبان الأفغانية، من إسلام أباد أمر مستبعَد بالنظر إلى استمرار الخلافات حول التفاوض مع الجهاديين الأفغان.
الصراعات بباكستان
في حين سينشغل الباكستانيون في محاولة الهيمنة على التوجه نحو التوصل إلى تسوية سياسية مع طالبان الأفغانية، سيواصلون صراعهم مع طالبان الباكستانية. على أنه لا يُتوقَّع حدوث تغيّر جوهري على تلك الجبهة، حتى إننا نرجِّح استمرار حالة المراوحة بين تمرّد الجهاديين وجهود مكافحة التمرّد التي تبذلها باكستان طوال الربع الثالث بل وبعده أيضاً.
ستحاول باكستان أيضاً السير قدماً نحو تحسين علاقاتها مع منافستها الإقليمية الرئيسية الهند. وسبق أن تم إحراز بعض التقدم الملحوظ خلال الربع الثاني بانعقاد اجتماعات ثنائية بين عدد محدود من كبار المسؤولين. وعلى افتراض عدم وقوع هجمات مسلّحة على الهند يقوم بها إسلاميون، يرجَّح أن تتواصل هذه العملية في الربع الثالث. لكنّ حدوث أي تحسّن ملموس في لقاءاتهما الثنائية أمر مستبعَد لأن الهند ترغب في أن تتخذ باكستان إجراءات ملموسة ضدّ القوى المسلّحة المناوئة للهند.

5- شرق آسيا
الاقتصاد الصيني والاستقرار الاجتماعي
تواجه الصين وضعاً محلياً عويصاً في الربع الثالث. والشغل الشاغل لدى بيجين هو السير قدماً وببطء في مسيرة الإصلاحات الاقتصادية، استعداداً لمستقبل "يلي أزمة"، بدون الإضرار بانتعاشها الاقتصادي. تستلزم هذه الإصلاحات مواصلة التشديد التدريجي للضوابط على الإقراض وعلى قطاعات معيّنة معرّضة لسخونة زائدة (مثل قطاع العقارات)، والتخلّي على مراحل عن بعض السياسات التحفيزية من غير أن تكون إصلاحات جذرية أو مطلقة. وعلى الرغم من هذا الإصلاح التدريجي، ستبقى السياسةُ الإجمالية تحفيزيةً التوجّه على العموم وتركز على زيادة الانتعاش الاقتصادي. وستتواصل إثارة القضايا العمالية على الخصوص، بدءاً بالمطالبة بزيادة الرواتب ومروراً بالإضرابات وانتهاءً بالتحولات في أنماط العمالة النازحة، وسوف تستحوذ على اهتمام أكبر من الحكومة المركزية ومن الحكومات المحلية أكثر من أي وقت مضى. وستسعى بيجين لمنع النشاط العمالي من الانتشار العفوي والخروج عن السيطرة. كما أن الحوادث المتعلقة بالعمال ستضيف بنداً آخر إلى القائمة الطويلة بالأخطار التي تهدد الاستقرار الاجتماعي، منها التفاوت الاقتصادي، والجريمة والفساد الحكومي، والتي ستتعامل معها بيجين بصعوبة في الربع الثالث.
يوجد اختلافات كذلك بين بيجين والولايات المتحدة. ذلك أن سياسة تحديد سعر صرف العملة الصينية تظلّ أكثر القضايا إثارة للخلاف من بين سائر النزاعات الاقتصادية والسياسية والعسكرية. ستتوقع الولايات المتحدة ارتفاع قيمة اليوان مقابل الدولار بوتيرة توحي بوجود منحى لرفع قيمته بنسبة كبيرة في الشهور القادمة (ربما بمعدل نقطة مئوية واحدة في الشهر) لمعالجة ما تعتبره واشنطن تخفيضاً متعمَّداً لقيمة اليوان لزيادة الصادرات الصينية. لكنّ الصين أعربت علناً عن شيء من الاستعداد للتعاون بشأن تحديد سعر صرف اليوان عبر فك ارتباطه بالدولار، وأظهرت واشنطن صبراً بموافقتها على إجراء مزيد من المفاوضات (عبر عدم اتهام الصين "بالتلاعب بالعملة" في أحدث تقرير لوزارة الخزانة الأميركية عن هذا الموضوع). يمكن تأخير القرارات الوشيكة الحاسمة في وزارة التجارة الأميركية وفي الكونغرس والتي ستحدد إن كانت واشنطن ستتخذ تدابير تجارية عقابية قاسية، لكنّ الصين لن تكون مستعدة للتحرك بجرأة أو بسرعة بالنظر إلى القيود المحلية والتأرجح الاقتصادي العالمي. كما أن دنوّ موعد إجراء الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة حيث سيركز الناخبون على البطالة وعلى الحاجة إلى إيجاد فرص وظيفية، سيشكل ضغطاً على الإدارة الأميركية وعلى الكونغرس للقيام بعمل ثأري. أضف إلى ذلك أن سعر صرف العملة ليست سوى واحد من بين نزاعات كثيرة، لذلك ستتصاعد حدة التوترات من وراء الكواليس. بيد أنه طالما أن الصين لا تتبنّى موقفاً متصلباً بالكامل بشأن اليوان، سيتلافى الجانبان حدوث شروخ في العلاقات لا يمكن رأبها في هذا الربع.
العلاقات الأميركية الصينية والتوترات مع الصين
المصدر الآخر لتصاعد حدة التوتر في العلاقات الأميركية الصينية هو شبه الجزيرة الكورية. ذلك أثار رد الولايات المتحدة ورد كوريا الجنوبية على الهجوم الكوري الشمالي المزعوم على بارجة كورية، أي الإعلان عن تعزيز تحالفهما العسكري والسياسي، هواجس الصين حيال نوايا الولايات المتحدة المستقبلية. وفي ما عدا ذلك، طُوي ملفّ الحادثة، وما تبقى سيتألف في الأغلب من مواقف كلامية صادرة عن كافة الأطراف المعنية.
ستبقى شبه الجزيرة الكورية على شفير عدم الاستقرار، لكنها لن تعاني من انهيار الاستقرار بالكامل. ومن المقرر أن تعقد كوريا الشمالية جلسة هي الثالثة في نصف قرن "للجمعية العليا للشعب" لانتخاب قادة جدد وزيادة تمتين كيم جونغ أون بوصفه الزعيم التالي للبلاد. ولا تزال العملية الانتقالية مستمرّة وهذا يشير إلى أن بيونغ يانغ ستكون أكثر تركيزاً على ضمان إيجاد توازن داخلي للمصالح منها على التخفيف من هواجس القوة الأجنبية إلى حدّ تصاعد التوترات إلى مستويات خطيرة.
يرجَّح أن تُقدِم بيونغ يانغ على عمل آخر مثير للجدل، بدءاً بالأعمال الاستفزازية على الحدود ومروراً بالتجارب الصاروخية وانتهاءً بإجراء تجربة نووية أخرى، أو أية خطوات أخرى، قبل أن تسعى للوصول إلى تسوية. وهذا أمر لا يكتسي أهمية في حدّ ذاته، لكنّ الشكوك المتزايدة تدفع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية إلى التخطيط لتعاون دفاعي أوثق، وهذا بدوره يثير مخاوف الصين ويحملها على تعديل خططها. ولمّا كانت بيجين لا ترغب في زيادة الولايات المتحدة تدخلها بالقرب من حدودها باسم تعزيز الجهوزية الدفاعية مع كوريا الجنوبية، ستسعى لكبح جماح كوريا الشمالية، ما وسعها ذلك، مع تحذير الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية من زيادة الوضع سوءاً.

6- أوروبا
التغييرات في بولندا
أعطى الفوزُ الذي حققه برونيسلو كوموروفسكي في الانتخابات الرئاسية البولندية التي جرت في تموز، رئيسَ الوزراء دونالد توسك سيطرة فاعلة على كافة مقاليد السلطة في البلاد. كان كوموروفسكي المرشحَ الذي اختاره توسك للرئاسة وبالتالي استطاع التخلّص من النفوذ المعادي للروس بشراسة الذي يتمتع به حزب القانون والعدالة من دهاليز  السلطة في وارسو لأول مرّة منذ سنة 2005. على أنه في ما عدا التغيير في الشخصيات، يؤول إحكامُ توسك إمساكه بالسلطة إلى سعي بولندا لإيجاد توازن بين التحالفات والعلاقات المتعددة بحكم وضع البلاد الذي لا يمكن الدفاع عنها بما أنها محاصرة بين روسيا وألمانيا. وسيتطلّع توسك إلى توسيع الآفاق المتاحة لبولندا وإلى التوقف عن الاعتماد على تحالف وارسو مع الولايات المتحدة كما فعل الرئيس الراحل ليش كازينسكي. وهذا يعني محاولة العمل مع برلين ومع باريس في القضايا الأمنية والدفاعية (وهي من بين القضايا الأساسية في وارسو في مدة رئاستها للاتحاد الأوروبي في النصف الثاني من سنة 2011)، وفي بناء قدرات الاتحاد الأوروبي التي لا تزال متواضعة حالياً في تلك النواحي والتطلّع على العموم إلى توسيع علاقات بولندا بدول الجوار.

7- الميول الإقليمية: أمريكا اللاتينية
إجراءات القمع والتوترات في فنزويلا
هطلت كميات من الأمطار على فنزويلا تكفيها لتفادي أزمة واسعة النطاق في قطاع الكهرباء في الربع الماضي، لكنّ المشكلات المستمرّة التي يعاني منها هذا القطاع في البلاد ليست سوى جزء من أزمة اقتصادية أوسع نطاقاً تهدد استقرار البلاد. صحيح أن حملة التأميم في فنزويلا جلبت المزيد من الأموال إلى خزائن الحكومة للإنفاق الاجتماعي وزادت أعداد العمال المعتمدين على الدولة في تأمين معيشتهم، لكنّ ذلك يأتي على حساب الكفاءة الإجمالية وتراجع الإنتاج والفساد الذي يوهن البلاد. كما أن نظام صرف العملات المشوه والمتعدد الطبقات سهّل مخططاً واسع النطاق لتبييض الأموال استشرى في سائر القطاعات الحكومية بدءاً بالطاقة ومروراً بالكهرباء ووصولاً إلى الغذاء. وقد بدأ هذا النشاط بالظهور الآن مما أسفر عن مشكلات خطيرة في تدفق الأموال مما يزيد من المصاعب التي تواجهها الدولة في تأمين الخدمات الأساسية، مثل توفير الغذاء والدواء، والقيام بإصلاحات وإدخال تحسينات في البنية التحتية لقطاع الكهرباء في البلاد وسداد الدفعات المتوجبة للمقاولين الأجانب لتشغيل حقول النفط ذات الأهمية الحيوية في دخل البلاد.
قطع هذا المخطط شوطاً بعيداً في سبيل تحقيق ذلك، وستركّز الحكومةُ الفنزويلية جهودَها في هذا الربع على كبح جماح المضاربين (بمن فيهم أولئك الذين يعملون من داخل النظام نفسه) والذين تهدد أرباحُهم الفاحشة قدرةَ النظام على البقاء. كما أن الإجراءات الصارمة المدعومة من كوبا ستزيد التصدعات داخل الحكومة الفنزويلية لا سيما في شركة النفط العامة بتروليس دي فنزويلا حيث تتصاعد حدة النقاش حول الحاجة إلى زيادة إنتاج النفط. وعلى الرغم من أن العديد من الجهود التي تبذلها الحكومة في هذا الربع لإنعاش الاقتصاد ستكون متأخرة جداً، من غير المرجّح أن تكون الحكومة الفنزويلية معرّضة لخطر انهيار وشيك. ذلك أن الأموال تتدفق بكميات كافية للإبقاء على النظام الآن ولفوز الحزب الاشتراكي الموحَّد في الانتخابات التشريعية في أيلول. وستتميّز الفترة التي تسبق إجراء تلك الانتخابات بسلسلة من الإجراءات القمعية الحكومية ضدّ معارضة منقسمة على نفسها أصلاً. كما أن المناخ بعد إجراء تلك الانتخابات سيكون متوتراً بالنظر إلى مشاركة المعارضة هذه المرّة والمشكلات الاجتماعية الاقتصادية المتنامية التي تؤثر في التصويت، لكن يرجَّح أن يحتفظ الحزب الحاكم في فنزويلا بأغلبيته البرلمانية حتى وإن ضاقت هوامش دعمه.
العلاقات بين كولومبيا وفنزويلا
مع وصول وزير الدفاع السابق والرئيس الكولومبي المنتخَب خوان مانويل سانتوس إلى السلطة في هذا الربع، ستبقى علاقات كولومبيا بفنزويلا في أدنى مستوياتها، علماً بأن فنزويلا تشعر بقلق عميق من الموقف الأمني العدواني الذي يتبنّاه سانتوس ومن العلاقة الدفاعية الوثيقة التي أقامتها بلاده مع الولايات المتحدة. ومع تزايد مواطن الضعف في فنزويلا، يرجَّح أن تعمد حكومة شافيز إلى تضخيم التهديدات، الحقيقية منها والمتصوَّرة، والتي تشكلها كولومبيا في مسعى لصرف أنظار الشعب عن المشكلات المتنامية في البلاد.
السياسات الداخلية البرازيلية
أمضت القيادةُ البرازيلية الكثير من وقتها خلال الربع الثاني في القيام بخطوات على الساحة الدولية للفت الأنظار إلى صعود البرازيل. وعلى الرغم من أن البرازيل ستُسمع صوتها في القضايا المطروحة اليوم، ستكون البلاد أكثر تركيزاً على شؤونها الداخلية في الربع القادم مع اقتراب موعد إجراء الانتخابات الوطنية في تشرين الأول. يوجد على رأس البنود المدرجة في أجندة الحكومة البرازيلية وضع اللمسات الأخيرة لرزمة القوانين التشريعية وتنفيذها والتي يراد منها تهيئة البلاد لإدارة ثروتها النفطية المستقبلية المكتنَزة في احتياطاتها الموجودة في الطبقة الصخرية أسفل الطبقة الملحية قبالة سواحلها في المياه العميقة. وستدير البرازيل علاقاتها الدولية بتؤدة لا سيما علاقتها بإيران والولايات المتحدة للمحافظة على اهتمام المستثمرين الغربيين بتطوير هذه الحقول، مع إعطاء الأولية لتوفير الرساميل للخطة الاستثمارية التي أعدتها شركة بتروليو برازيلييرو العامة.
عودة الأرجنتين إلى أسواق القروض العالمية
ستعود الأرجنتين إلى أسواق القروض العالمية في هذا الربع بعد إحرازها نجاحاً نسبياً في مقايضة ديونها، إلى جانب مقايضة الديون سنة 2005 وهو ما سمح للبلاد بالتوصل إلى تسوية لأزيد من 92 في المئة من ديونها التي تقدّر بنحو مئة مليار دولار والتي تخلّفت عن سدادها في سنة 2001-2002. وهناك قضايا مرفوعة أمام المحاكم بشأن نحو من 6.2 مليار دولار رفض أصحابها المشاركة في عملية المقايضة، إلى جانب ديون لنادي باريس 7.5 مليار دولار لم تُظهر الأرجنتين ميلاً إلى تسويتها وستبقى شوكة في خاصرة بيونس آيرس. على أنه مع تحقيق تقدم كافٍ في التعامل مع الديون، ستكون الأرجنتين قادرة على تمويل تجارتها في الأسواق العالمية بسهولة أكبر في الشهور القادمة. ومع أن الأرجنتين نجحت في إرجاء مشكلاتها الاقتصادية في هذا الربع، لا يوجد ما يشير إلى أن الحكومة تخطط لفرض إجراءات تقشفية مكلفة سياسياً لخفض مستوى التضخم والإنفاق العام من أجل معالجة عادة التبذير في الإنفاق التي تسببت في تخلّف الأرجنتين عن سداد ديونها في المقام الأول. وفي مقابل ذلك، ستواصل الأرجنتين نهجاً اقتصادياً شعبوياً مستخدمة قدرتها على الوصول إلى أسواق الرساميل الدولية في اقتراض مزيد من الأموال على حساب العافية الاقتصادية للبلاد على المدى الطويل.

8- الميول الإقليمية: الدول الأفريقية الواقعة جنوبيّ الصحراء الكبرى
السياسات النيجيرية
يرجَّح حصول التعديلات الدستورية في نيجيريا على الموافقة في هذا الربع بعد شهور من محاولة المصادقة عليها. أحد التغييرات المتوقعة تعديل الجدول الزمني لإجراء الانتخابات الوطنية. وإذا ما حصل هذا التغيير، ستُجرى الانتخابات النيجيرية القادمة في كانون الثاني 2011 (بدلاً من نيسان). كما أنه سيتم إرجاء موعد الانتخابات الأولية لحزب الشعب الديمقراطي الحاكم إلى شهر أيلول على الأرجح في هذا الربع.
هذه الانتخابات الأولية التي يجريها الحزب الحاكم مساوية للانتخابات الوطنية في نيجيريا لأنه لا يوجد أحزاب سياسية أخرى في البلاد يمكنها مضاهاة قوة حزب الشعب الديمقراطي. وهذا يعني أنه ينبغي أن يُعرف الشخص الذي سيكون الرئيس التالي لنيجيريا في نهاية الربع الثالث. سيقرر الرئيس الحالي غودلاك جوناثان إن كان ينوي الترشّح لمدة ولاية جديدة أم لا، وستسعى فصائل متنوعة متمركزة في الشمال للدفع بمرشحيها إلى الواجهة، وستتصاعد التوترات السياسية في نيجيريا إلى مستوى غير مسبوق منذ الشكوك التي أحاطت بالوضع الصحي للرئيس السابق أومارو يارادو في شتاء 2009-2010. لكنّ هذه التوترات السياسية لن تتمحور حول دلتا النيجر بالقدر الذي كانت عليه في الانتخابات الوطنية الأخيرة التي جرت في سنة 2007.
يمكن توقع حدوث أعمال عنف سياسي في مختلف أنحاء البلاد مثل تلك التي تتزامن دائماً مع الانتخابات النيجيرية، لكن يُستبعد أن يصل العنف إلى حدّ شنّ هجمات مسلّحة على المنشآت النفطية في الدلتا على غرار ما حصل في سنة 2006 و2007. وقد بنى جوناثان وأنصاره سمعتهم بدرجة كبيرة على صورة الرئيس كحاكم  يمكنه فرض الحوكمة الجيدة والسلام، إلى جانب أمور أخرى، في مسقط رأسه دلتا النيجر. لذلك يُستبعد أن يتمكن المسلّحون من الحصول على الغطاء السياسي اللازم (في كل من منطقة الدلتا ومدينة أبوجا) لشنّ هجمات مدوّية على أهداف نفطية. أضف إلى ذلك أن عامة حكام الولايات الرئيسية المنتجة للنفط في دلتا النيجر سيحصلون على الدعم الكفيل بمنحهم مدة ولاية ثانية، مما يضعف الحافز لديهم لشنّ حملة عسكرية كوسيلة لمساندة طموحاتهم السياسية.
الأمن في الصومال
سيتعرض الرئيس الصومالي الشريف أحمد لضغوط متزايدة من إثيوبيا وكينيا، ومن حلفاء الحكومة الفيدرالية الانتقالية في المناطق، ومن الولايات المتحدة الداعم الأكبر للحكومة، لتحسين الوضع الأمني في البلاد خلال الربع الثالث. وعلى الأرجح أن يشعر بالحاجة إلى تمتين أواصر التحالف السياسي والعسكرية الذي شكلته الحكومة الانتقالية مع الميليشيا الصومالية أهل السنّة والجماعة المدعومة من إثيوبيا. كما أن سائر حلفاء الحكومة الانتقالية يساندون ضمّ أهل السنّة والجماعة إلى الحكومة أيضاً لأن هذه الميليشيا تمثل القوة العسكرية الوحيدة التي يمكن أن تساعد الحكومة على محاربة جماعة الشباب الجهادية الصومالية التي تُحكم سيطرتها على جنوب الصومال ووسطه فضلاً عن العديد من الأحياء في شمال مقديشو. في هذه الأثناء، تقتصر سيطرة الحكومة الانتقالية على شريط ساحلي ضيّق في مقديشو، وهي لا تزال في السلطة بفضل قوة حفظ سلام تابعة للاتحاد الأفريقي يناهز عددها 6000 عنصر. على أن هذه القوة لا تملك قدرة (أو تفويضاً) هجومياً، والقوات التابعة للحكومة الانتقالية أقل قدرة على بسط تواجد قوي في المناطق التي يسيطر عليها الشباب. وسيواصل أحمد رفض ضمّ جماعة أهل السنّة والجماعة بالكامل إلى الحكومة برغم ذلك مخافة أن تتفوق قدرة هذه الجماعة على قوته في المستقبل. وبما أن رئيس الحكومة الانتقالية لم يُنتخب من قبل الشعب وإنما انتخبته الدول الأعضاء السبع في الهيئة الحكومية للتنمية لدول شرق أفريقيا (إيغاد) التي تتأثر بقوة بتوجهات الولايات المتحدة، سيتصرّف أحمد بحذر لعلمه التام بأن منصبه سيكون على المحك في المستقبل.
تم...

2010-07-21 09:45:31 | 1868 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية