التصنيفات » دراسات

تحديث المفاهيم الأساسية للتصور الأمني الصهيوني**



تطبيق مفهومي "الحسم" و"الردع" لمواجهة دول ومنظمات معادية ذات سيادة شبه كاملة
22 تشرين الأول 2010


 

تقديم المركز
تعرض الدراسة ثمانية مفاهيم أساسية في مسألة الأمن القومي، ينبغي تحديثها أو الزيادة فيها كي تستطيع إسرائيل مواجهة التحديات الأمنية الجديدة، بسبب تغير المحيط الأمني والاستراتيجي "لدولة إسرائيل" في هذه السنين وما يليها. وتستعرض باختصار التطورات في هذا المجال في الستين سنة الأولى من تاريخ الدولة، وتقترح تأسيس الدائرة الأمنية العسكرية للتأثير على تغيير المفاهيم الأساسية القائمة، وزيادة مفاهيم جديدة، واعتبار ذلك أساس لتنويع طرائق الرد على اتساع أنواع التحديات. وتطالب الدراسة في هذا الإطار بتحديث وتطبيق مفهومي "الحسم" و"الردع" لمواجهة دول ومنظمات معادية ذات سيادة شبه كاملة في الدائرة الأولى، وإلغاء مفهوم "الردع" وتحديد مفهوم "التحمل"، وليس "الدفاع" أو "حماية النفس". وتقترح الدراسة على المؤسسة الأمنية والاستخبارية في إسرائيل زيادة خمسة مفاهيم أساسية لنظرية الأمن، وتطوير التصورات المشتقة منها: "التشويش" أو "المنع"؛ و"الإحباط"؛ و"التعويق"؛ و"الاتفاق"؛ و"التعاون الأمني".
هذه المفاهيم الأساسية، والخلط بينها في الرد على التهديدات المركزية ستكون أساسا أشد صلة بالنقاش، وبتحديث السياسة الأمنية على اختلاف عناصرها كبناء القوة، واستعمال القوة، وترتيب التعاون بين التنظيمات الأمنية العاملة.
مركز دراسات وتحليل المعلومات الصحفية


بطـاقـة التـعـريـف بالـتـرجـمـة
العنوان الأصلي تحديث المفاهيم الأساسية للتصور الأمني الصهيوني
المؤلف شاي شيفتاي - باحث في مجال الأمن القومي في "إسرائيل" والشرق الأوسط
جهة الإصدار  التقدير الإستراتيجي المجلد 13 - معهد أبحاث الأمن القومي الصهيوني
تاريخ الإصدار  آب 2010
عدد الصفحات  10 صفحات
جهة إصدار الترجمة  عن العبرية - مركز دراسات وتحليل المعلومات الصحفية
تاريخ إصدار الترجمة 22 تشرين الأول 2010
تحديث المفاهيم الأساسية للتصور الأمني الصهيوني

1. مقدمة
رُسخ في إسرائيل منذ تأسيسها عام 1948 مفهوم "تصور الأمن القومي"، وموضوعه التأليف بين نقاش جزئي لإستراتيجية الأمن القومي دون انشغال عميق بتحديد الأهداف القومية، وبين تحديد مبادئ عامة للنظرية والسياسة في مجال الأمن القومي. هذا الوضع هو نتاج الواقع الإشكالي في إسرائيل، الذي لم تحدد فيه من جهة الخطوط العامة لأهداف قومية متفق عليها في واقع الأمر منذ عهد "دافيد بن غوريون"، ولا يجري فيها من جهة أخرى نقاش منهجي ذو شأن لنظرية وسياسة الأمن.
جيش الشعب والمثلث الأمني
في العقود الثلاثة الأولى من وجود إسرائيل بين عامي 1948-1973 انحصرت تحدياتها الإستراتيجية – الأمنية في التهديد بالحرب الواسعة مع تحالف جيوش دول الدائرة الأولى بمساعدة جيوش الدائرة الثانية، وتحقق التهديد – جزئيا على الأقل – مرة في كل عقد. إلى جانب ذلك حاربت إسرائيل العمل المسلح المعادي، الذي تزعمه في المرحلة الأولى التيار القومي العلماني الفلسطيني، وفي مركزه منظمة التحرير الفلسطينية، التي عملت بتشجيع دول عربية كمصر وسوريا وغيرهما.
كانت تلك الحرب يطلق عليها في المحافل الأمنية الإسرائيلية مصطلح "الأمن الجاري"، التي لا تنقطع تقريبا، لكنها لم تبلغ إلى حد معارك عسكرية واسعة مع الجهات المسلحة غير النظامية.
وقد اشتملت إستراتيجية أمن إسرائيل، كما صيغت في كتب وأعمال "دافيد بن غوريون"، وكما في قرار الحكومة الإسرائيلية في تشرين الأول 1953 مثلاً على خمسة قواعد أساسية، وهي:
1. التفوق النوعي التقليدي،
2. الردع القائم على حيازة السلاح الذري،
3. علاقات خاصة بدولة عظمى كفرنسا أو الولايات المتحدة،
4. التفوق التقني والاقتصادي،
5. الحصانة القومية المعتمدة على هجرة الشعب اليهودي إلى إسرائيل.
وقد سعت إسرائيل إلى فترات طويلة من الهدوء، والى أن تؤجل قدر المستطاع مواجهات عسكرية، وإلى حسم سريع لمعركة عسكرية إذا دعت الحاجة لذلك.
كما جرى التعبير عن هذا التصور في الدائرة الأمنية العسكرية بمبدأين مركزيين:
- "جيش الشعب" من خلال فرض التجنيد الإلزامي وجيش الاحتياط،
- "المثلث الأمني" من خلال إيجاد قناة وصل بين المفاهيم الأساسية: "الردع"، و"الإنذار" و"الحسم".
وقد كانت عملية "كديش" خلال حرب 1948، وحرب الأيام الستة عام 1967، حافلتين بمعان كثيرة، وحققتا ناجحا ملحوظا لمبادئ التصور المذكورة أعلاه.
هزات أمنية قوية
أ‌. تغيّر وضع دولة إسرائيل الاستراتيجي من الأساس بهزة قوية في مطلع 1979، مع بداية السنين الثلاثين التالية لوجودها. ففي 26 آذار 1979، وقّع رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق "مناحيم بيغن" والرئيس المصري السابق أنور السادات بحضور الرئيس الأمريكي الأسبق "جيمي كارتر" على اتفاق السلام بين إسرائيل ومصر، وأسقط هذا من الحساب عهد الحروب بين الدولتين.
ب‌. كما جرى تغيير على إيران أيضا في تلك الفترة، ففي مطلع شباط 1979 هبط على أرض العاصمة طهران آية الله الخميني، وبدأ مسيرة تأسيس النظام الإسلامي، وتحولت إيران من حليفة لإسرائيل إلى عدو لها في التصور والفعل. وأنشأت إيران من أجل تحقيق أهدافها منظمة حزب الله في لبنان، كما عاشت البلاد جوانب من التغيير الداخلي، كتطرف الشيعة، وازدياد ظاهرة العمل المسلح السني في نهاية السبعينيات.
ت‌. التغير الأكثر خطورة على تصور إسرائيل الأمني تمثل في إضافة تغييرات عميقة أيضا، كان لها بعد إشكالي آخر، وهو تعجل سعي دول الدائرتين الثانية والثالثة إلى إحراز وحيازة صواريخ أرض – أرض وسلاح ذري.
وقد أحدثت هذه العمليات ثلاثة أبدال مركزية في بيئة إسرائيل الإستراتيجية والأمنية:
1. اختلال مصادر الاستقرار النسبي في المنطقة، كالحرب الباردة واحتكار نظم الحكم للقوة، وازدياد تعقيد المشكلات الإستراتيجية على باب إسرائيل في التحليل وبناء الرد أيضا. كما نشأ طيف واسع من الفرص في المنطقة على أنه جزء من المسيرة السياسية، لكن التهديدات اتسعت في الوقت نفسه لتشمل دوائر بعيدة، وأصبحت أشد تعقيدا كلها معا، وكل واحد على حدة.
2. الانتقال إلى واقع معركة عسكرية محدودة في كل ثلاث سنين أو أربع في المتوسط.
3. تغير خليط التهديد لإسرائيل، من خلال ضعف التهديد العسكري التقليدي، وأصبحت تهديدات "الإرهاب" والسلاح غير التقليدي اللبنة المركزية في هذا الشأن.
الحرب الاختيارية
في مقابل ذلك، حصلت تغيرات في نظرة المجتمع الإسرائيلي نحو التحديات السياسية والأمنية، بحيث أصبحت تؤثر في تصور الرد في مجال الأمن القومي، وأبرز مثال على ذلك النقاش العام لما يعرف في إسرائيل بعبارة "الحرب الاختيارية".
ومع ذلك، لم تفض هذه التغيرات إلى تغيير أسس الأمن القومي، حتى مطلع التسعينيات ثبت جهاز الأمن على الاستعداد لسيناريو الحرب الشاملة كما نبع من صدمة يوم الغفران عام 1973، ومنذ مطلع التسعينيات تمت عدة محاولات للفحص عن "التصور الأمني" من جديد. ولم تفض هذه التغيرات والتطورات إلى إحداث تغيير في إستراتيجية الأمن الإسرائيلي، لأن الحاجة إلى تحديثه لم تظهر على أنها مسألة حيوية، ولهذا تغلبت الصعاب البنيوية والجوهرية في الجهاز الإسرائيلي في سياق نقاش هذه القضايا، على الحاجة.
وقد تم الجهد الأخير في هذا الإطار على يد لجنة التحقيق في إيجاد تصور جديد للأمن برئاسة "دان مريدور" الذي يشغل حالياً وزير الشئون الاستخبارية، ويعتبر أبرز المشتغلين في النظرية الأمنية الإسرائيلية.
وقد تجمد النقاش السياسي والعام لتقرير اللجنة في واقع الأمر بعد حرب لبنان الثانية عام 2006، في الوضع الذي أشارت فيه نتائج المعركة خاصة إلى مبلغ الحاجة لتفكير عميق في الأمن القومي. كما اشتملت الملاءمات التي تمت في "مثلث الأمن" على "خصخصة" مبادئه، بحيث تلائم مختلف المواجهات والتحديات الممكنة.

2. تحديث مفاهيم الردع والإنذار والحسم
وفي هذا الإطار تم الحديث عن المركبات التالية:
1. مجال الردع: كان الجهد الرئيس يتمثل في إحداث صلة للردع بمجال مكافحة العمل المعادي المسلح، ومع ذلك كان الردع يرمي في جوهره إلى التأثير في متخذي القرارات في كيانات هي دول لتأجيل قرار دخول مواجهة، وكانت صلته بالمنظمات المسلحة المعادية ضئيلة جدا. كما تأخر نقاش ردع "الإرهاب" أيضا، وأثر على تناول المس المنهجي بالعناصر المسلحة، وهو ما عرف آنذاك خلال حقبة العقد الأخير من القرن العشرين بنظرية "المستنقع لا البعوض"، الذي أفضى إلى انخفاض العمليات الانتحارية.
2. نظرية الإنذار: الذي توجه في الأصل إلى التعرف على نوايا واستعدادات دول لإجراء عسكري واسع في مجابهة إسرائيل، وقد توسع في واقع الأمر ليشمل جميع أنواع التهديدات الممكنة من تطوير مشروع ذري عسكري إلى تحديد نية رجل واحد تنفيذ عملية، وقد جعل هذا التحديد مفهوم "الإنذار" مطلقا، على نحو فقدت معه العناصر الأمنية جزءا مهما من مرونتها.
3. مفهوم "الحسم": حيث دار النقاش الأشد إشكالا حول توسيعه، كما هو موسوم في السياق الدولي، ذلك أن إحدى الدول تفرض بالقوة العسكرية على دولة أخرى الموافقة على سياسة ما، وتؤدي في السياق الإسرائيلي إلى تفضيل المحادثة السياسية على استعمال المسائل العسكرية.
وقد بلغت إسرائيل في هذا الصعيد الحسم مع دول حولها في نهاية حرب يوم الغفران، وليس واضحاً بعد كم أن الرغبة في تطبيق مفهوم "الحسم" على سياقات غير عسكرية على نحو واضح غير عملية، لأسباب كثيرة. وقد استقر الرأي في السنين الأخيرة، لاسيما حول نقاشات لجنة "مريدور"، على ضم مفهوم أساسي آخر رابع إلى "المثلث الأمني" يتمثل بـ"حماية النفس"، وبلغة أوسع قليلا "الدفاع".
حيث تنفق دولة إسرائيل جزءا كبيرا من ميزانيتها وجهودها الأمنية على "حماية النفس السلبية"، ويضيف موسعو الفكرة لتصبح "دفاعا" إلى وسائل حماية النفس السلبية أدوات هجومية محددة، ترمي إلى إحباط إطلاق الصواريخ المائلة المسار، أو العمليات المسلحة لتقع تحت سقف التصعيد الواسع.
الحديث عن رد تغطي في إطاره النفقة الميزانية الكبيرة على نقاش جزئي لمشكلات إستراتيجية وسياسية، ولهذا فإن المميز المركزي لمجال حماية النفس هو ميله إلى الاتساع ليشمل مجالات وميزانيات أخرى، ويضيف عناصر رد لا يمكن تعريفها في إطار المفاهيم الأخرى.
وإن محتويات وحدود مبدأ حماية النفس أو "الدفاع" غير واضحة، وتناقض على أية حال مبادئ إستراتيجية الأمن التقليدية، على نحو يضع علامة سؤال كبيرة على إمكان ضمه بغير فحص جديد عنها، مثلا، كتأثير النفقة الواسعة على وسائل "حماية النفس" في قدرة إسرائيل على تحقيق "التفاوض الاقتصادي".
الأصعدة الإستراتيجية والعملياتية
   وإن عدم تحديث إستراتيجية الأمن في العقود الثلاثة الأخيرة جبى من إسرائيل ثمنا باهظا في ثلاثة جوانب:
- الصعيد الاستراتيجي،
- المستوى العملياتي،
- القدرة على التأثير في بعد الزمن، أي تنفيذ إجراءات سياسية وأمنية مدبرة لمنع قصر الأزمان بين المعارك العسكرية.
ولم يلحظ المسئولون في الدائرة الأمنية – العسكرية في الوقت جزءا لا يستهان به من تغير تصور الرد عند الأعداء، وجعلهم يتمسكون بمبادئ التصور القديمة منفعلين في مواجهة التحديات الجديدة، وأمثلة ذلك: دخول الانتفاضة الأولى دون رد أمني واسع على الإخلال بالنظام، أو عدم رد مبدئي عميق على قضية اختطاف الجنود أواخر ثمانينات القرن الماضي. كان من نتيجة ذلك في عدد من الحالات أن تخلفت إسرائيل في سباق التسلح التقني والتصوري، وكان يجب عليها تطوير رد على العدو خلال زمن هجماتها وبضغط من الزمن، ومن أمثلة ذلك، أن إصابة صواريخ أرض- أرض سبقت نضج نظام السور الواقي؛ والعمليات الانتحارية سبقت خط التماس؛ وصاروخ القسام سبق منظومة القبة الحديدية. وهكذا نجحت إسرائيل بفضل الامتياز التقني والعملياتي آخر الأمر في الحفاظ على تفوق واضح على جملة أعدائها.
تحديث نظرية الأمن
يحتاج المستوى الأمني والاستخباري في إسرائيل أولا إلى الاعتراف بأنه ينبغي تغيير التوجه من قضية تطوير وتحديث إستراتيجية الأمن، وسياسته، ونظريته. وقد تكون السنون الثلاثون القادمة حاسمة في أمن إسرائيل، لأن التطورات المركزية قد تضع علامات تساؤل ثقيلة، في النفي والإيجاب، على أس الإستراتيجية.
وأحد الأمثلة البارزة هو علامة السؤال التي أخذت تقوى برؤية بعيدة الأمد على العلاقات الخاصة بالولايات المتحدة، فسيكون من نتيجة ذلك فقط أن تقوى الحاجة إلى تناول منهجي لها، ويحتاج إلى تحليل دينامي متصل. وعليه أن يقوم على جهد تفكير في المستوى الوطني لتعرف المشكلات، وإثارة مختلف الأفكار الإبداعية لحلها، وإقرار أسس محدثة، ولن يكون من الصحيح إجراء هذه المسيرة بلجان لمرة واحدة ومسارات محددة كما حدث في السنين العشرين الأخيرة.
يجب أن تكون قائمة على إجراءات منظمة مثل الفحص الدوري الذي يجري على إستراتيجية الأمن، وسياسته ونظريته في أكثر دول الغرب، ويتم التعبير عن هذه في كتب سياسة تصدر في مواعيد محددة في الأكثر، ويلزم أيضا أن يصاغ من قبل متخذي القرارات الذين سيوجهون الحوار، ويشاركون فيه، ويسمون استنتاجاته بقراراتهم. كما يجب أن يشتمل هذا الإجراء على تفكير بعيد المدى اعتمادا على سيناريوهات ممكنة وألعاب حرب، ولا مجال لتسويغ مقولة إن دولة إسرائيل تعمل في واقع متحرك لا يمكن من التفكير لأمد بعيد، يمكن أن نبرهن على أن بيئة إسرائيل لا تتغير بإيقاع أكبر مما تتغير بيئة الولايات المتحدة.
كما يمكن في الدائرة الإستراتيجية السياسية التفكير في عدد من التغييرات العميقة، وينبغي قبل كل شيء أن نحدد هذا المستوى على أنه موجود في السياق القومي الأوسع الذي يتجاوز مبادئ عمل جهاز الأمن التي يعبر عنها في الدائرة الأمنية العسكرية، وينبغي بعد ذلك أن يصاغ على نحو يضع أسس إستراتيجية وطنية تستنفد الفرص وتواجه الأخطار.
إسرائيل تحتاج في الدائرة الأمنية العسكرية قبل كل شيء إلى مصطلح مختلف، فالفحص عن المصطلحات الموجودة، وزيادة غيرها ستبني من جديد أساس سياسة الأمن القومي، على نحو يهب إمكانات رد أكثر، ومرونة عمل في مواجهة مختلف التحديات التي تنبع من أوضاع إستراتيجية مركبة متغيرة على نحو دائم، ومن أنواع كثيرة لمختلف المواجهات وطرائق استعمال القوة. وستكون هذه المصطلحات ثابتة، وتبحث عميقا، وتحدد في حرص، ويفحص عنها من جديد من آن لآخر في إطار مسيرة تحديث منظمة فقط.

3. استراتيجية التعامل مع حماس و"حزب الله"
وينبغي في هذا الإطار تحديد تعريف مصطلحي "الردع" و"الحسم"، مما يزيدنا مفاجأة أنه يمكن أن نقول إن إسرائيل تواجه اليوم في الأساس كيانات ذات صبغة دولة، ولذلك فإنها تحتاج إلى إنشاء ردع محدد لسوريا وإيران، يجعل قيادتيهما تمتنع عن استعمال القوة المباشرة أو غير المباشرة على إسرائيل، وإلى جانب هذا تنشى ردعا أساسيا يؤيد علاقات السلام، والاشتراك في المصالح مع مصر والأردن والسعودية.
وإن تحول المنظمتين المعاديتين المركزيتين اللتين تهددان إسرائيل وهما حزب الله وحماس، إلى كيانات ذات شبه سيادة، أخذت قوتها العسكرية تصبح مؤسسة، يمكن من أن يطبق عليهما مصطلحا "الردع" و"الحسم".
وبالنتيجة فإن لمصطلح "الردع" صلة أكبر بجزء كبير من قيادات الكيانات التي تسعى لتهديد إسرائيل، صحيح أنه سيكون محصورا في منع أو تأجيل قرار دخول مواجهة معها، ليس في جوانب منع بناء القوة، وفي ضمن ذلك مجال السلاح غير التقليدي، لأن الردع لأسباب كثيرة غير ذي صلة بجهود زيادة القوة.
على سبيل المثال يصعب إخفاء الطرف الآخر، وإنكاره قدرة تحديد ما الذي نردعه، وصحيح أيضا أن مصطلح "الردع" لن يطبق على منظمات مسلحة صغيرة شبكية، غير متصلة بكيان سياسي.
كذلك لمبدأ "الحسم"، الذي هو كما قلنا آنفا فرض بالقوة العسكرية لسياسة مرغوب فيها على قيادة كيان سياسي آخر صلة كبيرة، بحيث تستطيع إسرائيل أن تسعى إلى معركة عسكرية تفرض بها سياستها على دول، وعلى المنظمات شبه السيادية في الدائرة الأولى.
ويمكن في هذا الإطار تحديد ثلاثة أهداف:
1. التوصل إلى محادثة سياسية في اتفاق سلام بشروط مريحة لإسرائيل؛
2. هزيمة منظمة مسلحة ذات شبه سيادة على وجه يمكن الحكومة ذات الشرعية من نزع سلاحها، وتحقيق سيادتها على نحو كامل؛
3. الربط بين مصطلحي "الحسم" و"الردع"، وإحراز هدوء أمين زمنا طويلا، عقدا أو أكثر، لتغيير الوضع الحالي الذي هو معركة عسكرية محدودة كل ثلاث سنين أو أربعة.
ونؤكد مع ذلك أن مصطلح "الحسم" لا يمكن أن ينطبق لعدة أسباب على دول في الدائرتين الثانية والثالثة، مع تأكيد إيران.
إصابة وسط إسرائيل
ينبغي إلغاء المصطلح الأساسي "الإنذار" بأنه يقف من تلقاء نفسه، لأن جهود الجماعة الاستخبارية كلها لتعرف نوايا العدو وقدراته على وجه صحيح؛ وذكر الوقت والمكان اللذين سيستعملها فيهما؛ وإنشاء معلومات استخبارية لعمليات تمكن من إصابته الدقيقة الفعالة؛ والفحص عن تأثير عملياتنا فيه أوسع كثيرا من محتوى مصطلح "الإنذار"، وهي مدمجة إدماجا عميقا في المفاهيم الأساسية للتصور ومبادئه، ولا حاجة إلى تأليفها، وإقامتها على أنها مبدأ مستقل.
إن الإنذار الاستخباري جزء راسخ من تعريف وتطبيق المصطلحات الأساسية الأخرى، فهو على سبيل المثال جزء من مصطلح الحسم لأنه يمكن من تجنيد قوات الاحتياط المطلوبة للحسم في الوقت المناسب؛ أو يشير في وقت مبكر إلى ضعف الردع.
وإن عدم تمييز الاستخبارات بواسطة مفهوم "الإنذار" قد يربط بسهولة أكبر بين مبادئ الرد وعمل الجماعة الاستخبارية، تمكن المعلومات الاستخبارية من الردع، وتمكن من الإحباط، وتمكن من الحسم وما أشبه.
يجب أن نعرف مفهوم "الاستيعاب" على أنه بديل من مفهومي "حماية النفس" أو "الدفاع"، وموضوعه القرار الواعي على استقبال استعمال قدرات العدو زمنا محدودا، ومضاءلة الإضرار بوسائل لحماية النفس، وقدرات هجومية محددة. وإن تبني هذا المفهوم الأساسي، واستعماله إلى جانب مبادئ التشويش، أو المنع والإحباط لمعرفة فيما يلي، قد يمكن دولة إسرائيل من:
1. التحكم بوقت المواجهات العسكرية،
2. إحراز أقصى انجاز عسكري في أثنائها،
3. وإطالة المدة بينها.
وبالتالي فإن القدرة على تحقيق هذا المبدأ متعلقة بحوار مفتوح ومجند بين متخذي القرارات والجمهور.
ولذلك، فقد أصبح مفهوم "الاستيعاب" مركزيا بسبب تحدد تهديدين:
- قدرة سائر الأهداف على إصابة منطقة "غوش دان" وسط إسرائيل، على نحو يجعله هدفا محققا في المعارك القادمة؛
- زيادة قدرتهم على الإصابة الدقيقة على نحو يقتضي حماية ممتلكات إسرائيل الإستراتيجية والعسكرية، التي هي أساس لإحراز الانجاز العسكري في المعركة، والعودة السريعة للحياة الطبيعية بعدها.
وإلى ذلك ينبغي أن نحدد عددا من المفاهيم الأساسية الجديدة، تكون أساسا لنظرية الأمن القومي الإسرائيلي، لاسيما وأن المفهوم الرابع بعد "الحسم" و"الردع" و"الاستيعاب" هو "التشويش" أو "المنع"، الذي هو جهد سابق لمنع العدو إمكان تطوير نظام قدرات تهديدي.
العمليات العسكرية
ويمكن بحسب هذا المبدأ تحديد وإدارة الجهود السياسية والأمنية التي ترمي إلى منع الأعداء من شراء وسائل قتالية متقدمة، وتقنيات مهددة، مثل الجهد السياسي لمنع بيع إيران نظام الدفاع الجوي "اس 300"، ووقف سفن مع شحنات سلاح، أو التشويش على قدرتهم على تطويرها.
والمفهوم الخامس هو "الإحباط"، من خلال المس لقدرة محددة سلاح غير تقليدي أو إرهاب لمنع زيادتها على جملة قدرات العدو، أو على أن يكون ذلك أساسا لتقديم هدف استراتيجي واسع.
ويشتمل هذا المبدأ على جميع النشاطات الأمنية والعسكرية التي هدفها سلب العدو قدرته، ويمكن أن يعبر عن الإحباط إجراء وحيد لإلغاء القدرة مثل:
1. مهاجمة المفاعل الذري في العراق،
2. معركة طويلة للقضاء عليها كاعتقال مسلحين انتحاريين قبل خروجهم للعملية،
3. المنع بوسائل سياسية وأمنية الرحلات البحرية إلى غزة وما أشبه.
المفهوم السادس هو "التعويق"، قرار دولة إسرائيل على بدء مواجهة عسكرية مع عدو لسلبه قدراته الرئيسة على المس بها، من أجل تعظيم الردع، حتى لو لم تكن المعركة تنتهي إلى حسم.
على سبيل المثال، يمكن تعريف الانجازات المرادة في حرب لبنان الثانية بمفهومي التعويق والاستيعاب، حيث كان يفترض أن يسهل تحقيق أهداف الحرب، واتخاذ القرارات الرئيسة في أثنائها.
المفهوم السابع هو "الاتفاق"، أي استعمال جملة من الجهود من الجهة الأمنية العسكرية ترمي إلى إحراز اتفاق، والحفاظ عليه لاستعمال قوة إسرائيل على تهديدات من قبل جهات رئيسة دولية وإقليمية مهمة.
ويقوم تحقيق هذا المفهوم على إجراءات دبلوماسية ودعائية وقانونية، والى جانب ذلك الحرص على احترام المعايير الدولية المعمول بها وعلى القانون الإسرائيلي من قبل القوات المحاربة، وعلى جهد للتخفيف عن السكان المدنيين، ويتصل مفهوم "الاتفاق" في الدائرة الأمنية العسكرية بجهد أوسع في الإطار الاستراتيجي السياسي لتحسين صورة إسرائيل الدولية.
التعاون الأمني
المفهوم الثامن هو "التعاون الأمني"  من خلال استنفاذ الفرص الإستراتيجية التي تنبع من المسارات الايجابية في المنطقة، بتطوير تعاون أمني وعسكري واسع مع دول في الساحتين الدولية والإقليمية من أجل تطوير الرد على التهديد وتحسينها. وبالربط بين الجهات الدولية والإقليمية يمكن توسيع الدائرة الأمنية العسكرية أكثر من قدرة دولة إسرائيل، ويوجد لتطوير هذا التعاون أثمان على شاكلة الموافقة على حدود استعمال القوة التي تنبع من احترام شروط الجانب الآخر.
التهديدات المركزية
إن تطبيق المفاهيم الأساسية في استعمال القوة، وبنائها والتعاون بين التنظيمات، ينبع من كون هذه المفاهيم الأساسية الثمانية، مندمجة في النظرية الأمنية، ستكون أساسا لمناقشة السياسة في الدائرة الأمنية العسكرية في مواجهة التهديدات المركزية. ويمكن أن نفترض أن التأليف بين "الردع والحسم" في مواجهة الجيش السوري سيظل ذا هيمنة، لكن يمكن التفكير في بديل السعي إلى التعويق بدل الحسم، لأن سلب القدرات المتجسد في التعويق قد يكون ذا تأخير حقيقي في التطورات السياسية في اليوم الذي يتلو، ويستطيع إحراز ذلك أن يعبر عن نفسه بثمن عسكري ومدني أدنى لإسرائيل.
وفي مواجهة حزب الله، يمكن لإسرائيل أن تقوم بوزن إجراء يؤلف بين التشويش والردع، مع وجود قرار بالانتقال إلى التعويق مع الاستيعاب؛ بل أن نسعى إلى إمكان الحسم، الذي يعني نزع سلاحه على يد حكومة لبنان، أو إحراز هدوء أمني لمدة 10 سنين أو أكثر. إن مجرد تطوير هذه الخيارات قد يمكن إسرائيل من أن تضائل قدرة حزب الله على التأثير في وقت المعركة العسكرية، وقوتها، ونتائجها.
وفي مواجهة حركة حماس يمكن الربط بين التشويش والاستيعاب، والانتقال في مرحلة ما إلى التعويق أو إلى الحسم، الذي يعني البدء بإجراء لإعادة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة. علماً بأنه توجد للمعركة مع حماس في الساحة الفلسطينية أهمية كبيرة جدا لمفهوم الاتفاق كما عبرت عن ذلك حادثة القافلة البحرية، لأ مبدأ التعاون الأمني يعبر عنه حوار أمني مع دول في الساحة الدولية، ومع مصر لمنع ازدياد حماس قوة في غزة.
وبإزاء السلطة الفلسطينية، يمكن التأليف بين مفهومي التعاون الأمني مع أجهزتها، وإحباط مستقل للعمل المسلح، وبناء اتفاق مع السلطة في منطقة الضفة الغربية، يرمي للمساعدة على إحراز الانجاز العسكري في المعركة مع حماس.
وينبغي في السياق الإيراني أن نفحص عن اندماج مبدأ التعاون الأمني في الرد، لا يمكن في مواجهة إيران، وليس صحيحا من جهة إستراتيجية علاج سياقات الحسم. ولن تؤثر المفاهيم الثمانية الأساسية الجديدة، ونقاش السياسة الأمنية على أساسها في طريقة استعمال القوة فحسب، بل في بنائه.
إن تأسيس السياسة الأمنية على المفاهيم الأساسية قد يسهل تعريف "بناء رد" أمني عسكري، وفي تحديد ترتيب أفضليات بين الخيارات، على نحو يمكن من نقاش عميق بينها على أنه أساس لتحديد نقطة زيادة قوة الجيش الإسرائيلي والجهاز الأمني. وقد يوجه مثل هذا القرار على أن الهدف في المواجهة مع جيش سوريا هو التعويق لا الحسم، بناء القوة إلى اتجاه دفاعي وهجومي، أي أنه يحتاج إلى الحد الأدنى من القواعد الثقيلة، مع تأكيد الطائرات الحربية والدبابات والنار الدقيقة، والتملص والقتال الضئيل.
إن تغييرا كهذا في الخلط، قد يخدم بناء قدرات تعويق في مواجهة جهات مسلحة معادية، وتثبيط في مواجهة تهديد سلاح غير تقليدي. وإن القرار على خليط الرد بين الحسم والتعويق والاستيعاب في مواجهة سوريا وحزب الله وحماس، قد يسهل نقاش موضوع الموارد، وحجم الاستثمار في نظم دفاعية.
التنسيق بين الجيش والشاباك
ويقتضي تعريف المفهوم الأساسي المعروف باسم "الاتفاق"، عملا قياديا بين التنظيمات الأمنية والاستخبارية لتحديد وبناء قدرة مؤلفة لتحقيقه في الجانب النظري والتنظيمي. لأن السياسة الأمنية التي تقوم على هذه المفاهيم الأساسية الثمانية هي قاعدة لتحديد مزايا تنسيق أعمق للعمليات التي يحتاج إليها في جميع الأصعدة: الدبلوماسية والأمنية والعسكرية، وسيكون من الممكن بواسطتها تحسين التنسيق بين التنظيمات، وتحسين الرد على التحديات الأمنية.
ومن الواضح مثلا أن مبدأي الاستيعاب والاتفاق يقتضيان تعاونا عميقا بين التنظيمات الأمنية، إلى جانب ذلك، يمكن لاستعمال التشويش على حركة حماس أن يقتضي تنسيقا عميقا بين الجيش الإسرائيلي والشاباك، ويقتضي الاستيعاب في مواجهة حماس الربط بين قيادة الجبهة الداخلية للجيش الإسرائيلي والأجهزة المدنية.


4. الخلاصة
تدل التغييرات الإستراتيجية في محيط إسرائيل على فترتين مدة كل واحدة ثلاثون سنة، ففي الفترة الأولى بين عامي 1948-1979، قدمت مبادئ إستراتيجية الأمن الوطنية التقليدية ردا على التحديات؛ وفي السنين الثلاثين التالية 1980-2010 أفضى نقاش الأمن القومي إلى تنسيقات فقط، وأصبحت إسرائيل في أكثر الحالات لاعبة ترد على التغيير عند الأعداء.
وقد تكون السنين الثلاثون التالية ذات أهمية، لأننا ندخل فترة تضع علامات سؤال كبيرة ايجابية وسلبية على أسس إستراتيجية الأمن. وتحتاج إسرائيل في هذا الوضع إلى بديل عميق في الدائرة الإستراتيجية السياسية، وفي إستراتيجية الأمن على أساس نقاش واسع وأساسي، وستدفع أثماناً باهظة، تشتمل على تلك التي تقوض وجودها، إذا لم توجد إجراء كهذا.
وأخيراً، تحتاج إسرائيل إلى جانب ذلك إلى تحديثات في الدائرة الأمنية العسكرية، في النظرية والسياسة الأمنية، على أساس إجراء نقاش للمفاهيم الأساسية الثمانية التي عرضت مبادئها هنا.

تم.

2010-10-25 14:30:57 | 1799 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية