التصنيفات » دراسات

قنبلة إسرائيلية تنفجر جنوب النهر هل يؤسس الموساد دولته الجديدة على مياه النيل فى يناير القادم ؟!

قراءة ودراسة بقلم / د. رفعت سيد أحمد


جذور وأسرار العلاقات بين إسرائيل وحركات التمرد فى جنوب السودان
قراءة جديدة لأخطر وثيقة أصدرها الموساد عن استراتيجية لشد الأطراف وخنق مصر مائياً
* كيف أنشئت إسرائيل شبكة مخابراتية كبرى جنوب النيل عبر أثيوبيا – أوغندا – كينيا - زائير
* دراسة وثائقية لعميد مخابرات إسرائيلى يروى التاريخ السرى الذى سيتحول فى يناير القادم إلى كابوس يهدد الأمن القومى المصرى بعد انفصال الجنوب
********
بعد أقل من ثلاثة أشهر وتحديداً فى يناير 2011 سوف تشهد المنطقة زلزالاً سياسياً واستراتيجياً سوف يهز استقرارها ، إنه زلزال الانفصال الرسمى لجنوب السودان ، عن شماله مكوناً دولة قائمة بذاتها ومستقلة ، وهى دولة مهما حسنت فيها الآراء ، والظنون سوف تكون بمثابة قنبلة جيواستراتيجية تهدد ما يعرف باسم الأمن القومى المصرى ، بل والأمن القومى العربى ، والأدلة على ذلك عديدة ، من بينها تهديد مياه النيل والتحكم فيها ، وهى المياه التى تمثل شريان الحياة لمصر ، زراعياً وصناعياً ؛ ومن بينها احتمالات الحروب والقلاقل العرقية والدينية مع الشمال السودانى ذو الغالبية المسلمة ، وحكومته التى كانت (مركزية) ، وفتح المجال للتدخلات الدولية الخارجية خاصة بعد اكتشاف النفط بكميات وفيرة فى الجنوب السودانى ، إلا أن أبرز دواعى ، ومبررات التهديد للأمن القومى المصرى – والعربى بالطبع- هو الوجود القوى لإسرائيل فى دولة الجنوب التى ستظهر بعد الاستفتاء المزمع اجرائه فى يناير القادم (2011) ، وهو وجود ليس طارئاً للأسف ، وليس هيناً بمعايير القوة والتأثير والخطر ولكنه وجود قديم ، وفعال ، وضار فى مجمله لأمن مصر ولنيلها ، إن هذا الوجود الإسرائيلى القديم ، والدافىء ، هو الذى دفع (سيلفا كير) رئيس جمهورية الانفصال المرتقب إلى أن يصرح قبل أيام أن أول دولة سيقيم معها علاقات دبلوماسية فور الانفصال، هى (إسرائيل) فهل كان تصريحه صدفة ، أو مجرد (خطأ) أو (زلة لسان) تداولته وضخمته وسائل الإعلام العربية كما قال لاحقاً ، أنه يعكس الواقع ويؤكده ؟ الإجابة الهادئة ، والموثقة ، أن كل تصريحات قادة الدولة الانفصالية القادمة على أخطر نقطة استراتيجية على مياه النيل ، فى التعامل مع إسرائيل ، هى تصريحات حقيقية ، لا أخطاء أو زلات لسان فيها ، لأنها ببساطة تؤكد ما تذكره الوثائق والمعلومات التاريخية المؤكدة عن تاريخية العلاقات بين الكيان الصهيونى ، وما كان يسمى بحركة تحرير جنوب السودان منذ سنوات نشأتها بل ربما لما قبلها فى الخمسينات والستينيات ، انطلاقاً من الاستراتيجية الإسرائيلية التاريخية للتعامل مع الوطن العربى وفى قلبه الخطر الأكبر على العدو الصهيونى (مصر) ؛ استراتيجية (شد الأطراف) وتحزيم مصر بالأعداء لاستنزاف قوتها ، وفاعليتها تجاه إسرائيل .
**********
* إن المعلومات التاريخية عن الدور الإسرائيلى فى القارة السوداء وفى السودان يؤكد ذلك ، وحتى لا نكون من الذين يضخمون من الحقائق ، دعونا نقدمها اليوم من خلال واحد من أخطر كتب الموساد التى صدرت خلال العقد الماضى ، تحديداً عام (2003) عن جذور وأسرار العلاقات الإسرائيلية مع ما يسمى بحركة تحرير جنوب السودان ، وكيف ساعدتها بالأسلحة ، وبالسياسة والفتن كى تكبر وتنمو وتهدد أمن مصر لتشد أطرافها وتمزقها ليسهل إذلالها وتركيعها كما جرى ولايزال يجرى حتى لحظة كتابة هذه الدراسة .
انه كتاب نشك كثيراً أن وزير خارجية مصر أحمد أبو الغيط قد قرأه أو أن أحداً من الذين وُكل إليهم ملف السودان وأمنه القومى قد اهتم بما احتواه من معلومات وحقائق ، كفيلة وحدها إن عرفها هذا المسئول أو ذاك أن يبنى سيناريوهات وسياسات أكثر وعياً وذكاء فى التعامل مع القنبلة القادمة من الجنوب السودانى ، انه كتاب العميد ورجل الموساد الإسرائيلى (موشى فرجى) وعنوانه (إسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان : نقطة البداية ومرحلة الانطلاق – وهو صادر عن مركز ديان لأبحاث الشرق الأوسط وأفريقيا بجامعة تل أبيب – وهو أحد المراكز ذات الصلة الوثيقة بجهاز الموساد وصناع القرار الإسرائيلى) وقامت مشكورة الدار العربية للدراسات والنشر بترجمته ترجمة محدودة التوزيع قبل فترة .
إن الكتاب ، خطير ، بكل ما تعنيه الكلمة من معنى ، إن ما به من معلومات وتحليل استراتيجى ، لا يدع أمامنا فرصة لننتقى منه فقرات بعينها ، بل يفرض علينا أن نورده كاملاً، ولكن لطبيعة المقام ولطبيعة القارىء ، سوف نضطر لاختيار أبرز ما احتواه من أجزاء ، تنبئنا بجذور القنبلة التى ستنفجر فى الجنوب السودانى ، وطبيعة الدور الإسرائيلى وعلاقاته الوثيقة والدافئة مع تلك (القنبلة) وكيف أنه هو المستفيد الأول من وضعها على ضفاف النيل الحزين ، وكيف أن أهل وطنى نائمون عنها فإذا انفجرت ، استيقظوا ولكن بعد فوات الأوان!
دعونا نقرأ ، ونتألم قليلاً ، لعل فى تألمنا ما يساعد على اليقظة العاجلة ، لتدارك ما يمكن تداركه قبل انفجار القنبلة .
*****
الكتاب الوثيقة ، تتمحور فصوله الرئيسية فى الآتى :
1 – بدايات تبلور الاستراتيجية الإسرائيلية حيال السودان والعلاقات مع : أثيوبيا / أوغندا / كينيا / زائير (المحطة الأولى للاتصال بحركة التمرد) .
2 – القرار الإسرائيلى بدعم حركة المقاومة فى جنوب السودان : الخلفية / استراتيجية شد الأطراف / التحالف مع الأقليات من الجماعات الاثنية فى الدول العربية التى تعيش على تحولها هذه الأقليات (العراق والسودان) (سوريا – الجزائر) .
3 – بداية الاتصال مع الحركات الانفصالية فى جنوب السودان (المباشرة / غير المباشرة) فى دول الجوار ثم داخل السودان .
4 – العلاقات الشخصية العامة والرسمية مع قادة الجيش الشعبى لتحرير السودان (جون جارانج) .
5 – الدعم الإسرائيلى للجيش الشعبى فى فترة التسعينات وحتى بداية العقد الأول من القرن الحادى والعشرين (عسكرياً / سياسياً / اقتصادياً / إعلامياً) .
6 – تطور الجيش الشعبى / تشكيل جيش نظامى جنوبى .. ماذا عن هذه الفصول وأسرارها المخيفة ؟
*****
يبدأ معد الكتاب / الوثيقة (العميد موشى فرجى) وثيقته بمحاولة الإجابة عن سؤال : لماذا اهتم الموساد بالسودان ، فيقول : قد يبدو الموقف الإسرائيلى من التدخل فى الصراع الداخلى الذى نشب فى السودان واعتبر فى بداياته مجرد حدث محلى غريباً ومحيراً بل ومثيراً للدهشة والتساؤل .
والسبب يعود إلى مجموعة من العوامل التى لا مفر من ذكرها ونحن نحاول تفسير أبعاد الدور الإسرائيلى فى الأزمة السودانية الذى بدأ فى الأونة الأخيرة واضحاً وجلياً وساخراً .
الأول : أن السودان لا يعتبر إحدى دول المواجهة مع إسرائيل حتى يستدعى جهداً إسرائيلياً غير عادى واستثنائى لإضعافه حتى يعجز أو يقعد عن القيام بدور فى الحرب ضد إسرائيل. أكثر من ذلك فلقد ظل السودان بمنأى عن هذا الصراع الإسرائيلى العربى منذ عام 1948 وحتى مؤتمر القمة الذى انعقد فى الخرطوم عام 1967 ثم حرب الاستنزاف على الجبهة المصرية .
الثانى : أن السودان ظل موقعه خارج نطاق دول الطوق أو دول الدعم فلم يقم بأى دور يذكر فى دعم مصر فى عهد الرئيس المصرى فى عهد ناصر أثناء حملة قاديش على مصر عام 1956 ولا أثناء حرب الأيام الستة 1967 .
الثالث : أن السودان لم يدخل فى أية مواجهة مع إسرائيل حتى فى الحالات السياسية والاقتصادية عندما بدأت الموجة الإسرائيلية بالانتشار فى الدول الإفريقية مع بداية عهد الاستقلال فى النصف الثانى من فترة الخمسينات فعلى عكس مصر التى دخلت فى مواجهة شاملة مع التحرك الإسرائيلى إلى إفريقيا ، التزم السودان جانب الحياد ولم يعترض سبيل إسرائيل وهى تطور شبكة علاقاتها مع الدول الرئيسية فى أفريقيا (أثيوبيا فى عهد الامبراطور هيلاسلاسى) ثم مع أوغندا وكينيا .
**********
ورغم ذلك فإن القائمين على جهاز الدفاع (الجيش ووزارة الدفاع) والأجهزة الأمنية وخاصة المؤسسة العسكرية للاستخبارات والمهمات الخاصة كان لهم رأى آخر .
فى إطار تعدد الرؤى (وفقاً للعميد موشى فرجى) التى استخدمت لتوصيف الخطر الذى يمكن أن يشكله السودان فى المستقبل باعتباره عمقاً استراتيجياً محتلاً لمصر ثم فى نهاية الأمر الوصول إلى صيغة مشتركة من أنه لابد من (فتح العين) على الداخل السودانى لملاحظة ما يجرى هناك على غرار ما تم بالنسبة للعراق الذى تتماثل معطياته وطروحاته مع السودان فيما يتعلق بتركيبته الديموجرافية .
ومن مظاهر وحدة الاستنتاج الذى توصل إليه الجميع أن رئيس الوزراء الإسرائيلى ديفيد بن جوريون حسم الأمر عندما فاجأ الجميع بعبارته الشهيرة : " نحن شعب صغير وإمكانياتنا ومواردنا محدودة ولابد من اختزال هذه المحدودية فى مواجهة أعدائنا من الدول العربية من خلال معرفة وتشخيص نقاط الضعف لديها وخاصة العلاقات القائمة بين الجماعات والأقليات الإثنية والطائفية حتى نضخم ونعظم هذه النقاط إلى درجة التحول إلى معضلة يصعب حلها أو احتواؤها " .
وهكذا يقول المؤلف : أصدر بن جوريون أوامره إلى الأجهزة الإسرائيلية بأن تتولى الاتصال بزعامات هذه الأقليات وتخليق علائق مختلفة معها ، كان العراق فى مقدمة هذه الدول التى تركز عليها الجهد الإسرائيلى وهذا عائد إلى وجود مرتكزات يمكن البناء عليها وتطويرها .
من بين هذه المرتكزات :
1 – العلاقات السابقة التى تخلقت فى مرحلة نشاط الحركة السرية اليهودية فى العراق وخاصة فى المناطق الشمالية .
2 – تخليق علاقات خاصة مع دول الجوار مع العراق (إيران وتركيا) فى منتصف الخمسينات تطورت إلى حلف عرف باسم (حلف محيط) .
هذا عن العراق .. أما عن السودان فلم يكن هناك أى من المرتكزات التى يمكن الاستناد إليها فى سعى إسرائيل للوصول إلى الجنوبيين باعتبارهم الحليف المحتمل .
وكان الأساس الوحيد الذى تهيأ فى تلك الفترة هى الانطلاقة الإسرائيلية النشطة إلى إفريقيا فى أواخر عهد الخمسينات من القرن الماضى (من عام 1956 وحتى 1977) ، فلقد أقامت إسرائيل علاقات مع 32 دولة إفريقية من بينها عدة دول محيطة بالسودان .
**********
وهكذا كانت بداية الاتصالات الإسرائيلية مع الحركة الجنوبية المعارضة للحكومة المركزية فى السودان انطلاقاً من تباينات إثنية وطائفية وثقافية بالإضافة إلى طموح الجنوبيين فى الاستقلال وإقامة دولة جنوبية ترتبط بالدول الرئيسية .
ورغم تواضع بدايات هذه العلاقات والاتصالات – كما يقول معد الكتاب (الوثيقة) – فإنها ظلت تتطور وتنمو حتى بعد انحسار العلاقات الإسرائيلية الإفريقية فى أعقاب حرب عام 1973 .
واستمر التعاون مع الجنوبيين حتى بلغ أبعاداً هامة فى السنوات الأخيرة وخاصة بعد أن قطعت حركة تحرير السودان أشواطاً هامة وأصبحت تمثل حركة تحرير وطنى على مستوى الجنوب السودانى (طبعاً وفقاً لرجل الموساد موشى فرجى) .
* ثم فى موضع آخر يقول العميد ورجل الموساد / موشى فرجى : كان لابد وأن يشكل التواجد الإسرائيلى فى الدول المحيطة بالسودان وخاصة أثيوبيا وأوغندا ثم كينيا وزائير مدخلاً مهماً وأساسياً لدور إسرائيلى فى جنوب السودان ، وكانت بداية هذا التحرك خاصة فى أواخر الخمسينات وبداية الستينات متواضعة للغاية ، إذ اقتصرت على اتصالات محدودة مع عناصر فى الجنوب ناقمة على الحكومة المركزية فى الخرطوم وهيمنة العرب والمسلمين على مقدرات هذا البلد مما أوجد تمايزاً ضد الجنوبيين على مختلف الأصعدة ، لكن هذه البداية سرعان ما تطورت إلى استراتيجية إسرائيلية نحو السودان تقوم على مقولة ديفيد بن جوريون: " إن الجهد الإسرائيلى لإضعاف الدول العربية لا يجب أن يحشد على خطوط المواجهة فقط مع دول المواجهة بل يجب أن ينتشر ليصل إلى قلب الدول العربية التى يمكن أن تصبح دول دعم وإسناد وقصد بهذا الجهد الوصول إلى الجماعات غير العربية التى تعيش على التخوم : شمال العراق (الأكراد) وجنوب السودان (الانفصاليين) وجبال لبنان (الدروز) .
وقد مرت هذه الاستراتيجية بعدة مراحل تدرجت فيها مستويات الدعم الإسرائيلى لحركة تحرير جنوب السودان ، لكن أهم هذه المستويات بدأ فى السنوات الأخيرة بالتزامن مع انجازات هامة حققتها هذه الحركة على صعيد المواجهة العسكرية مع حكومة السودان .
على أية حال (والقول للعميد موشى فرجى) لا يمكن اعتبار التحرك الإسرائيلى الحالى فى منطقة الجنوب السودانى إلا فى صلب تلك الاستراتيجية سواء فى منطقة شرقى أفريقيا أو فى منطقة البحر الأحمر ، ومن الأهمية التأكيد على أن التطورات التى شهدتها المنطقة بعد استقلال إريتريا تؤكد ذلك ، ومن الواضح أن منطقة القرن الإفريقى تحظى بأهمية خاصة بالنسبة لقياداتنا المخابراتية الإسرائيلية نظراً لالتفافها كحزام على البحر الأحمر فى منطقة حساسة وإطلالها على المداخل الجنوبية له .
من هنا كانت أبعاد التحرك الإسرائيلى إلى هذه المنطقة محكومة باستراتيجية واضحة عبر عنها بن جوريون بقوله : " لو تمكنا من السيطرة على مواقع حيوية فى البحر الأحمر فإننا سنتمكن من اختراق سور الحصار العربى بل والانقضاض عليه وهدمه من الخلف " .
وتبرز هذه المقولة – وفقاً للكتاب الوثيقة الذى بين أيدينا (كتاب العميد موشى فرجى) منطلقات الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه البحر الأحمر بصفة عامة والقرن الإفريقى بما فيه الجنوب السودانى بصفة خاصة وهى منطلقات تستند فى أحد أهم محدداتها إلى إدراك القادة الإسرائيليين منذ البداية ، لموقعها الجغرافى غير المستقل من خلال النظريات الجيوسياسية التى تركز على أهمية الموقع الجغرافى وضرورة التحكم فى المواقع المطلة على البحر ولذا كان هؤلاء على وعى بأن إسرائيل التى ستقام فى المنطقة العربية ستكون معزولة ومحاصرة ومحاطة ببيئة معادية ترفض التعامل أو التعايش معها .
وينقل المؤلف عن بن جوريون أول رئيس وزراء لإسرائيل أنه قبل قيام إسرائيل فى أيار / مايو 1948 كان يبدو مهموماً وعندما دخلت عليه جولدا مائير إحدى الأعضاء الناشطات فى الوكالة اليهودية والهيستدروت (ورئيسة الوزراء لاحقاً) سألته عن دواعى الأمن والقلق الذى يستبد به فنظر بن جوريون بإمعان إلى خريطة الشرق الأوسط التى كانت معلقة أمامه وإلى موقع إسرائيل بصفة خاصة وقال لها : " كيف لا يستبد بى القلق وأنا أرى دولة إسرائيل مثل نقطة صغيرة فى محيط معاد يلتف عليها من كل جانب .. كيف يمكن أن تعيش إسرائيل وسط هذا العالم العربى وتواجه هذا الطوفان البشرى حتى وإن امتلكت كل أسباب القوة والغلبة وتفوقت على العرب عسكرياً .
من هنا جاءت استراتيجية شد الأطراف وتحزيم الدول العربية من الخلف ، ومن هنا جاءت استراتيجية الاختراق لأفريقيا وللسودان كما سنرى تفصيلاً فى الحلقات القادمة .


(2)


* كان من أبرز أهداف إسرائيل من دعم حركات التمرد فى جنوب السودان هو اختراق الأمن القومى المصرى وتشتيت القوة العربية
* إسرائيل كانت تنسج علاقات مخابراتية وسياسية سرية مع الامبراطور هيلاسلاسى ، ومع قادة أوغندا وكينيا وزائير لتطويق السودان واختراقه
* الحقائق تؤكد أن مواقف دول المنبع الراهنة بشأن توزيع مياه النيل ورفض الالتزام بالاتفاقات الدولية يأتى نتيجة الدور الإسرائيلى الخبيث والذى تمتد جذوره إلى الستينات ولم يوقفه هذا (السلام الوهمى) الذى يطبل له البعض من مثقفينا ويزمر ، منذ كامب ديفيد حتى اليوم !
قراءة ودراسة بقلم / د. رفعت سيد أحمد
********
التاريخ يؤكد ، كما الواقع ، أنه لا صديق لإسرائيل فى العالم وفى منطقتنا تحديداً ، إلا مصالحها فقط ، وهى عندما أدركت خطورة وضعها الاستراتيجى ، وطبيعة الكراهية التى تحملها دول المنطقة وشعوبها لها منذ اغتصابها لفلسطين عام 1948 وحتى اليوم ، وهى تسعى لفرض وجودها بالقوة ، والمؤامرات ، وما جرى فى ملف دعم بل وخلق حركات التمرد فى جنوب السودان ، يؤكد ذلك ، وها هو رجل الموساد العميد (موشى فرجى) فى كتابه الوثائقى المهم (إسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان) ، ففى جزء مهم من الكتاب عنونه بـ (اتجاهات التحرك الإسرائيلى ناحية السودان) يقول المؤلف : فى سياق الحديث عن دور إسرائيل ودعمها لحركة التمرد فى جنوب السودان – ومنذ بدايته تقريباً – ينبغى البحث عميقاً لاستجلاء خلفية هذا الدعم وأشكاله ونقاط الارتكاز والمقومات التى نهض عليها ، بيد أن مجرد البحث فى ذلك ينبغى أن يتطرق إلى الدوافع والمصالح التى حدت بدولة إسرائيل أن تبذل قصارى جهدها لتقديم هذا الدعم والإسناد الذى شمل ميادين ومجالات متنوعة .
ولذا فإن الأمر – وفقاً للمؤلف – يلزم تحديد الدوافع التى انطلقت من منظور إسرائيلى استراتيجى بعيد المدى والتى من أبرزها :
1 – تنفيذ المزيد من المراحل الاستراتيجية الإسرائيلية الرامية إلى إضعاف الدول العربية وتفتيت وحدتها للحيلولة دون تركيز طاقاتها وحشدها لمعاداة إسرائيل ومحاربتها .
2 – تهديد العمق القومى المصرى من خلال السودان فمصر كانت تقود جبهة الصراع مع إسرائيل انطلاقاً من إدراكها أن إسرائيل كيان تشكل ليكون مصدر تهديد دائم لها خصوصاً وللدول العربية بصفة عامة .
3 – السعى والإصرار لتمكين القوى غير العربية (دول إفريقية وجماعات عرقية) لضمان تقاسمها المزايا الاستراتيجية الكامنة فى المنطقة (الممرات البحرية والمجالات الجوية وخطوط المواصلات والثروات المعدنية) .
ولا ينبغى أن نغفل أو نتجاهل الأهمية الاستراتيجية القصوى والمزايا الكامنة فى البحر الأحمر والذى كان يعنى استثماره من خلال سيطرة العرب عليه – حرمان إسرائيل من أهم رئتيها – منفذها على البحر الأحمر – وهو ما يعنى خنقها بحرياً واقتصادياً واستراتيجياً وعرقلة نشاط ميناء إيلات .
********
وهذه الدوافع والأسباب عضدت لدى إسرائيل – وفقاً للعميد (موشى فرجى) الرغبة الجامحة لتركيز اهتمامها على السودان نظراً لموقعه المتميز وأهميته الاستراتيجية فى تعزيز ودعم مصر باعتباره يمثل عمقاً استراتيجياً لها فى مواجهة إسرائيل .
هذه الأسباب جميعاً حفزت إسرائيل على اتخاذ قرارها الحتمى بضرورة الوصول إلى السودان عبر الدول الإفريقية المجاورة له والتى انضمت إلى ما يسمى (حلف المحيط) ذلك الحلف الذى جمع العديد من الدول غير العربية فى إفريقيا وآسيا .
ويعتبر أورى لوبيرانى مستشار ديفيد بن جوريون للشئون العربية هو مهندس هذا المخطط الذى كان يتوخى حبك الخطط المتقنة والموجهة لضرب الوحدة الوطنية فى الأقطار العربية المحيطة بإسرائيل .
وقبل أن أستعرض الخطوات الأولى التى خطتها إسرائيل على طريق التنفيذ الفعلى لدعم حركة التمرد فى جنوب السودان – يقول المؤلف – ينبغى أن أشير إلى التصريحات والتوصيات التى أكد عليها وأدلى بها أورى لوبيرانى عن أهمية الوصول إلى الصومال .
قال لوبيرانى : " لابد من رصد وملاحظة كل ما يجرى فى السودان ذلك القطر الذى يشكل عمقاً استراتيجياً لمصر بالإضافة إلى سواحله المترامية على البحر الأحمر مما يشكل له موقعاً استراتيجياً وهذا يتطلب منا خلق ركائز إما حول السودان أو فى داخله كماً " .
إن لوبيرانى أشار صراحة إلى ضرورة إيجاد مقومات لتقديم الدعم إلى حركات التمرد والانفصاليين فى جنوب السودان .
********
أما عن مقومات الدعم الإسرائيلى لحركة التمرد فيقول عنها المؤلف : تطلبت عملية ايصال الدعم الإسرائيلى المادى والمعنوى لمتمردى جنوب السودان توافر مجموعة من المقومات لتكون بمثابة نقاط الارتكاز والانطلاق ، ولأن السودان من الناحية الجغرافية يعد بعيداً نسبياً عن إسرائيل فقد اقتضى ذلك توفر هذه المقومات كضرورة للوصول إليه من خلال مواقع مجاورة ومتاخمة له ولذا كان التفكير المنطقى أن تكون هذه المواقع فى أثيوبيا وأوغندا وكينيا. وسرعان ما أدركت الزعامة الإسرائيلية ممثلة فى بن جوريون وفريق عمله من الخبراء أهمية هذه الدول التى حددها لوبيرانى ، ومن ثم ضرورة إقامة علاقات معها تتجاوز إطار العلاقات الدبلوماسية العادية .
كانت مثل هذه العلاقات تشكل أهم مقومات الدعم الإسرائيلى لحركة التمرد المسيحى والوثنى ذات التوجه الانفصالى ، لذا فلم يكن غريباً أن تستأثر هذه العلاقات باهتمام كبير من لدن صناع القرار فى إسرائيل منذ قيام الدولة .
لقد تجلى هذا الاهتمام فى مذكرة بعث بها ديفيد بن جوريون رئيس وزراء إسرائيل إلى الرئيس الأمريكى أيزنهاور عام 1958 طرح فيها اقتراحاً بضرورة إنشاء وتشكيل حلف المحيط تنضم إليه أثيوبيا فى القارة الإفريقية إلى جانب تركيا وإيران فى قارة آسيا باعتبار هذه الدول من الدول الرئيسية المناهضة للعرب والموالية للغرب استناداً على العلاقات التاريخية والأواصر التى تربطها بالشعب اليهودى منذ القدم .
وأشار بن جوريون فى رسالته إلى الخطوات العملية التى بدأ يتخذها فى مجال بناء العلاقات والتعاون الوثيق بين هذه الدول ودولة إسرائيل ، وكان من أهم هذه العلاقات الحميمية (علاقة الامبراطور الأثيوبى هيلاسلاسى بإسرائيل) ، وانطلاقاً من تلك الخطوة يمكن القول : " إن الدوائر الإسرائيلية بدأت تولى موضوع إقامتها لشبكة العلاقات المتسعة – مع الدول الإفريقية المحيطة بالأقطار العربية – باهتمام خاص ومنقطع النظير .
ولم يكن البحث عن هذه العلاقات – وخاصة مع أثيوبيا وأوغندا وكينيا – بمعزل فى يوم من الأيام عن الخطط الصهيونية الموجهة ضد الأقطار العربية .. فلقد أشار الكثير من المخططين الاستراتيجيين الإسرائيليين إلى أهمية الاستفادة من المزايا الاستراتيجية الكامنة فى العلاقات مع الأقطار الثلاثة ، لمواجهة ما أسموه : جدار العداء العربى لإضعاف قدرة العرب على المواجهة المباشرة مع إسرائيل .
ومرة أخرى أكد " بن جوريون " فى كتاباته على جدوى التواصل فى علاقات إسرائيل مع بعض الدول الإفريقية ، وبين ما أسماه بالمحددات والمصالح الأمنية والأهداف الاستراتيجية لإسرائيل .
ثم حذت جولدا مائير وزيرة خارجية إسرائيل الأسبق ورئيس الوزراء سابقاً حذو بن جوريون حيث تولت بنفسها عملية نسج العلاقات وتوطيدها وتطويرها ، ولم تكن تمل يوماً من التذكير بما تنطوى عليه علاقات إسرائيل بالدول الثلاث من أهمية خاصة بالنسبة لإسرائيل نظراً لمواقعها الاستراتيجية المتميزة ، المجاورة للدول العربية بالإضافة إلى كونها تشكل البوابة إلى إفريقيا .
وهكذا يتضح – وفقاً للمؤلف (رجل الموساد العميد موشى فرجى) – أن محور الاهتمام بالدول الإفريقية الثلاث ، إنما كان يعكس إدراكاً إسرائيلياً تاريخياً بأهمية هذه العلاقات ، وإمكانية استثمارها-للضغط على الدول العربية (وخاصة السودان) واستغلالها لتوفير مقاومات الاستراتيجية الإسرائيلية لإضعاف الأقطار العربية وتهديد وحدتها الوطنية ، ومن هنا كان تحركها الواسع نحو إقامة علاقاتها مع الدول الثلاث يشكل الوعاء الذى يستوعب كل دواعى ومبررات التدخل.
********
أما عن جذور تلك العلاقات مع الدول الثلاث (أثيوبيا – أوغندا – كينيا) التى صارت عدواً لمصر فى قضية المياه لاحقاً، وهو أمر طبعاً ليس مصادفة ، يقول المؤلف : شكلت فترة أواخر الخمسينات انعطافاً مهماً فى تحرك إسرائيل نحو إقامة علاقات مع الدول الإفريقية ، وعلى الأخص الدول الثلاث : إثيوبيا وأوغندا وكينيا ، ففى عام 1958 وما تلاه أقامت إسرائيل علاقات مع تلك الدول الثلاث بادئة بأثيوبيا ثم أوغندا ثم كينيا – وبعد أن تولت جولدا مائير مهمة الاتصالات المباشرة وغير المباشرة مع هذه الدول وفى إطار الجهود الإسرائيلية لإقامة هذه العلاقات تم تبادل التمثيل الدبلوماسى مع هذه الدول والشروع فى إقامة هيئة على مستوى عال لتطوير هذه العلاقات بحيث تشمل كافة المجالات والميادين .
وقد اتبعت الدوائر الإسرائيلية خطواتها الهادفة إلى تعميق وجودها وتغلغلها فى هذه الأقطار- سعياً وراء توفير متطلبات ومقومات التدخل فى الجنوب السودانى ، بخطوات أخرى – غير العلاقات الدبلوماسية – فى كل من هذه الأقطار وقد شملت هذه الخطوات المجالات الاقتصادية والعسكرية والأمنية ، لتشكل بالتالى النواة والركيزة الأساسية فى المخطط الإسرائيلى الرامى والمتجه نحو إحاطة مؤخرة أقطار الوطن العربى بسياج من الدول غير العربية ، المعادية للوطن العربى والقومية العربية .
ويمكننا أن نحدد الآن – والقول للمؤلف – مجموعة من الخطوات التى اتخذت – فى نهاية المطاف للاستراتيجية الإسرائيلية التى لم تهدأ – والمقومات التى استند إليها دور إسرائيل فى دعم حركة التمرد فى جنوب السودان ، وأبرز هذه الخطوات وفقاً لرجل الموساد فى كتابه الوثائقى :
 
1 – إقامة علاقات أمنية مع الدول الثلاث :
فى أعقاب نجاح إسرائيل فى إنشاء علاقات دبلوماسية مع الدول الثلاث (أثيوبيا ، أوغندا ، كينيا) تحركت الدوائر الإسرائيلية لتوسيع أفق العلاقات مع تلك الدول لتشمل مجالات أخرى متعددة ومتنوعة ، فى مقدمتها مجال التعاون الأمنى .
وقد أحرزت إسرائيل فى هذا المضمار نجاحاً غير عادى بل وساحقاً فى أثيوبيا ، عندما انتزعت من امبراطورها الراحل هيلاسلاسى الموافقة على تولى مهمة الإشراف على أجهزة الأمن الأثيوبى وتدريبها من قبل عناصر إسرائيلية نشطة ومنها جهاز الأمن الداخلى والشرطة والاستخبارات ووزارة الداخلية .
ولم تكن سيطرة إسرائيل على هذه الأجهزة الأمنية فى إثيوبيا بمعزل عن مخططها لإقامة مواقع الوثوب والانطلاق إلى السودان وبقية الدول العربية المجاورة ، فلقد أتاحت هذه السيطرة الفرصة السانحة لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد) وجناح المخابرات العسكرية للبدء فى توجيه اهتمامها ونشاطها إلى السودان والدول العربية الأخرى .
ويمكننا الاستدلال على ذلك من خلال الزيارات المتوالية التى قام بها قادة أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية – فى أواخر الخمسينات وبداية الستينات – إلى أثيوبيا – ومن هؤلاء :
1 – " حاييم هيرتسوغ " الذى تولى رئاسة الاستخبارات العسكرية [ أمان ] فى عام 1959 – 1962 (ورئاسة الكيان الصهيونى لاحقاً) .
2 – " ايسر هرائيل " الذى تولى رئاسة الموساد من عام 1952 – 1962 .
3 – " مئير عميت " تولى أيضاً رئاسة الموساد من عام 1963 إلى عام 1968 ، وكان له دور خطير فى إنشاء جهاز " السافاك " (المخابرات الإيرانية فى عهد الشاه) وجهاز الأمن السرى التركى المعروف بالاسم الرمزى TNSS .
4 – " إبراهام تمير " وكان يتولى منصب ضابط الإدارة العسكرية وشئون التخطيط الاستراتيجى .
5 – " يسرائيل ليئور " سكرتير رئيس الحكومة للشئون العسكرية .
6 – " أورى لوبيرانى " مستشار رئيس الوزراء للشئون العربية والمخطط الرئيسى لإقامة حلف المحيط .
وفى ضوء التحرك الإسرائيلى لخلق مقومات التدخل فى شئون الدول العربية أنشأ جهاز الموساد شركة [ إينكودا ] لتكون واجهة له وكقاعدة تستخدم لانطلاق الجواسيس والعملاء إلى كل من السودان واليمن وعدن ، للاتصال بالعناصر المتعاونة فى الداخل ، وأستعين بهم – بالفعل – فى مهام إيصال الدعم إلى حركة التمرد فى جنوب السودان ، وعندما كانت الحركة فى مراحلها الأولى .
2 – التعاون فى المجال العسكرى :
وفى ظل نمو العلاقات الأثيوبية الإسرائيلية الشاملة ، برز التعاون العسكرى بين الجانبين بشكل ملحوظ ، وتفوق على غيره من أوجه التعاون الأخرى .. فلقد شمل هذا التعاون فى مراحله الأولى إرسال المستشارين العسكريين إلى أثيوبيا لتنظيم وتدريب الجيش الأثيوبى برئاسة ضابط كبير كان يشغل منصب رئيس بعثة وزارة الدفاع .
وقد نوهت بعض المصادر – فى عام 1960 – بأن عدد المستشارين الإسرائيليين الذين تولوا مهام تدريب الوحدات الخاصة مثل وحدات المظليين والكوماندوز البحرى والحرس الامبراطورى – إلى جانب مهام التدريس فى المعاهد العسكرية – قد بلغ حوالى 600 مستشار عسكرى .
لقد شكل هذا الدعم أهم مرتكزات ودعائم الوجود الإسرائيلى فيما وراء ظهر الأقطار العربية، لاسيما أنه عزز بالتواجد البشرى بالإضافة إلى العنصر المادى الذى يتمثل فى الشركات وصفقات السلاح الإسرائيلية والتى بدأت تتدفق على أثيوبيا بدءاً بالرشاش " عوزى " ومروراً بمدافع الهاون ووسائل القتال الأخرى ، حيث الصواريخ " جبرائيل " والطائرات المقاتلة .
3 – القواعد العسكرية الإسرائيلية :
بذلت إسرائيل جهودها – وبشتى الطرق لتعزيز وجودها العسكرى والأمنى من خلال إقامة القواعد العسكرية الموجهة فى الأساس ضد الدول العربية ، وبالفعل أقيمت القواعد البحرية فى ميناء " مصوع " عند المدخل الجنوبى للبحر الأحمر ، بالإضافة إلى القواعد الجوية فى كل من أثيوبيا وكينيا ، والتواجد الجوى فى غينيا ..
إن إسرائيل كانت قد أقامت – وفقاً للعميد موشى فرجى فى كتابه الوثائقى الهام - عدة قواعد جوية فى تشاد وعلى الأخص فى المنطقة المجاورة لحدود السودان ، ومنها مطار بحيرة "إيرو " ومطار " الزاكومة " ومطار " مفور " .
وقد اتضح بعد قطع العلاقات الدبلوماسية بين تشاد وإسرائيل أن مهمة هذه القواعد كانت مراقبة الحدود الليبية والسودانية ، بالإضافة إلى امكانية استخدامها ضد مصر ، لضرب أهداف منتخبة فى مؤخرة الجبهة المصرية .
4 – الأسلحة الإسرائيلية إلى الدول الثلاث :
واستكمالاً للمخطط الإسرائيلى لإيجاد مقومات العمل المنسق ضد السودان والدول العربية الأخرى يقول العميد (موشى فرجى) راحت الدوائر الإسرائيلية – وفى ضوء التسهيلات التى منحت لها – ترسل الأسلحة إلى كل من أثيوبيا وأوغندا وكينيا ، أما بالنسبة للجيش الأثيوبى ، فقد بدأ يتلقى السلاح الإسرائيلى منذ عام 1959 ، وقد شملت هذه الصفقات فى المرحلة الأولى الأسلحة الخفيفة (الرشاش عوزى) ثم مدافع الهاون والذخيرة والقنابل .
وبوصول هذه الأسلحة تكون إسرائيل قد هيأت جميع المقومات التى تتطلبها عملية التدخل فى جنوب السودان دعماً لحركة التمرد الانفصالى ..
هذا عن أثيوبيا ، أما بالنسبة لأوغندا – الدولة المتاخمة للسودان – فقد استأثرت هى الأخرى باهتمام إسرائيلى خاص لعله لايزال مستمراً حتى اليوم ، وما الموقف العدائى ضد مصر وبخاصة فى قضية مياه النيل وتوزيع حصصها إلا انعكاس لهذا الدور الإسرائيلى الخبيث فى الضغط على مصر رغم (وهم السلام) الذى يتمسك به دعاة التطبيع وسماسرته من الساسة والخبراء الاستراتيجيين العجزة ، فى بلادنا المنكوبة بهم .


(3)

* اعتمدت الاستراتيجية الإسرائيلية للتحرك نحو جنوب السودان على قبيلة الدونكا ، وعلى الأطراف الحليفة لها فى القرن الأفريقى .
* الوثيقة تكشف كيف ساعدت إسرائيل جارنج وكيف كان يعمل لصالحها
* رجل الموساد الإسرائيلى موشى فرجى يبلور مراحل العلاقة بين العدو الصهيونى وحركات التمرد فى الجنوب السودانى بخمس مراحل بدأت فى بداية الخمسينات بالمساعدات الإنسانية واستمرت إلى اليوم من خلال الدعم الواسع بالسلاح وإثارة الفتن والنعرات الدينية والعنصرية فى كامل أرض السودان .
* مصر كانت غائبة تماماً عن جنوب السودان خاصة فى الفترة من 1973 وحتى 2010 !!
قراءة ودراسة بقلم / د. رفعت سيد أحمد
********
إذا جاز لنا أن نلم حركات التمرد فى جنوب السودان على علاقاتها التاريخية الدافئة مع العدو الصهيونى ، فإن الموضوعية تحتم علينا أن نلم أنفسنا أولاً ، وهنا نحن نوجه أصابع الاتهام- وليس اللوم فحسب – إلى الخارجية المصرية وباقى المؤسسات التى كان – ولايزال – مناطاً بها ملف مياه النيل والسودان جنوبه وشماله ، شرقه وغربه ، فهذه الجهات جميعاً قصرت فى دورها وواجبها تجاه أحد أبرز أركان الأمن القومى المصرى ، وهو (ملف النيل) وتعاملت معه ، ولاتزال – للأسف – وكأنه ملف علاقات عامة ، يمسك به عدداً من الموظفين الكسالى، والذين يتعاملون معه بأقل قدر من المسئولية والجدية ، وما ملف الدور الإسرائيلى فى خلق (حركة التمرد) التى سميت لاحقاً بحركة تحرير السودان ؛ إلا شاهداً على الفشل الذريع للجهات التى أمسكت بملف النيل ، ولنترك رجل الموساد ، العميد (موشى فرجى) ، يحكى لنا كيف صنعت إسرائيل وساهمت فى خلق حركات التمرد فى الجنوب السودانى فى الوقت الذى صمتت فيه مصر وترهلت أجهزتها السياسية عن هذا الملف الخطير ، الذى يهدد أمنها القومى، والذى سيمثل قنبلة موقوتة ستنفجر فى وجهنا جميعاً فى يناير القادم (2011) بعد الاستفتاء المزعوم على إنشاء دولة جديدة على ضفاف النهر مقتطعة من الدولة الأم .
********
يقول (موشى فرجى) فى أحد فصول كتابه الوثائقى : لقد استند التحرك المخابراتى الإسرائيلى نحو الجنوب السودانى على ما يمكن تسميته بنمط العلاقة مع الجماعات الإثنية ومن ثم انطلقت إسرائيل نحو جنوب السودان بدعوى وذريعة مساندة الجماعات الإثنية المعارضة للسلطة الحاكمة باعتبار أنها جماعات تعانى كأقلية مثلما عانى اليهود على مر التاريخ .
ويعتبر هذا النمط من التحرك نتيجة التداعى الطبيعى لفشل السياسة الإسرائيلية فى تحقيق غاياتها بموجب النمط الرسمى ولذا فإن المحدد الجوهرى فى هذا التقسيم هو نمط العلاقات الإسرائيلية مع دول القرن الإفريقى ، فحينما تكون هذه العلاقات قوية فإن إسرائيل تساندها وتتعاون معها ضد الجماعات الأخرى المناوئة لها .. وحينما تكون هذه العلاقات متدهورة نتيجة صراعات بين الجانبين تلجأ إسرائيل لدعم الجماعات المناوئة لهذه السلطة المركزية .
وينظر إلى الحالة السودانية والتدخل الإسرائيلى السافر فى جنوبه على أنه امتداد طبيعى لاستراتيجية إسرائيل الأمنية تجاه منطقة القرن الإفريقى التى صاغها بن جوريون وأرسى قواعدها أورى لوبرانى ، فنظرا لفشل محاولات إسرائيل فى إجراء اتصالات مع الزعامات السودانية فى الشمال وتحول السودان إلى الخندق المعادى لإسرائيل والمدعم للعداء العربى تجاه إسرائيل واعتبارها كياناً غريباً عن المنطقة ، حيث شاركت السودان فى الحرب التى دارت بين مصر وإسرائيل عام 1973 نتيجة هذا الأمر ثم لجأت إسرائيل إلى دعم وتقوية الحركات الإثنية المعارضة للسلطة المركزية فى الشمال .
ويؤكد العميد موشى فرجى فى كتابه المهم أن إسرائيل قد وجدت فى قبيلة الدونكا أقوى قبيلة فى الجنوب السند والمدخل الرئيسى للتعاون ومن ثم التغلغل فى شئون الجنوب ، يضاف إلى ذلك الوجود الإسرائيلى المكثف فى الدول المحيطة بالسودان فى توفير أسباب ومتطلبات التدخل والاتصال بسكان جنوب السودان ، وكان هذا الاتصال هو بداية لدور إسرائيل فى دعم حركات التمرد بين صفوف أولئك السكان، حيث مضى هذا الدور يتسع نطاقه بمرور الوقت إلى أن أصبح محدداً فى أهدافه ومراميه وفى أبعاده وحجمه .
********
فى جنوب السودان – يقول المؤلف – حاولت إسرائيل – كما حدث فى مناطق عربية أخرى خصوصاً فى لبنان والعراق أيضاً – أن تقيم علاقات تحالف مع الجماعات والحركات المنطلقة من جنوب السودان من أجل مساعدتهم والأخذ بيدهم نحو التخلص من السيطرة العربية وتحقيق الاستقلال .
ويوجز موشى فرجى فى كتابه الوثائقى الملىء بالمعلومات والأسرار اتصالات إسرائيل مع السكان الجنوبيين فى السودان – بعد مرور عشر سنوات على قيام إسرائيل - يعنى بداية من عام 1958 - إلى الأسباب التالية :
1 – عدم وجود جالية يهودية فى جنوب السودان .
2 – التغير الذى طرأ على بدء العلاقات الدبلوماسية مع الدول الإفريقية .
3 – إن السودان لم يكن له دور فى بدايات الصراع العربى – الإسرائيلى .
فبعد المرحلة الانتقالية من الإدارة المصرية – البريطانية المشتركة إلى مرحلة الاستقلال ، وإجراء الانتخابات فى السودان عام 1954 جرت اتصالات مع بعض الزعماء السودانيين فى لندن بهدف التنسيق لمواجهة الأطماع الناصرية فى السودان ، وشملت تلك الاتصالات بعض الساسة السودانيين آنذاك مع جولدا مائير فى باريس ، وخلال تلك الاتصالات جرى البحث حول تقديم مساعدات إسرائيلية للسودان ، وبعد انقلاب 1958 واستيلاء عبود على السلطة تغير الوضع تماماً ، وفى ضوء هذا التطور بدأ الموقف الإسرائيلى يتغير ويتجه نحو الجنوب ولصالح إجراء اتصالات مع الزعماء الجنوبيين ولتدعيم مساندة صراعهم مع الشمال .
وتزامنت هذه الخطوات مع افتتاح القنصلية الإسرائيلية فى أديس أبابا ، وبداية النشاط الاقتصادى الشامل ، حيث أسست العديد من الشركات الإسرائيلية ومنها شركة " أنكودا " التى كان يديرها (بن ناثان) وهو أول من تولى إجراء اتصالات مع الزعماء الجنوبيين وبعد ذلك تبعه وصول المستشارين ورجال أجهزة الأمن الذين ساعدوا الامبراطور هيلاسلاسى على بناء أجهزته الأمنية .
********
وهكذا بدأت أثيوبيا - والقول للمؤلف رجل الموساد الإسرائيلى موشى فرجى - تشكل نقطة انطلاق مهمة للتعامل مع حركة الانفصال فى جنوب السودان. وقد قام دافيد كمحى المدير السابق لوزارة الخارجية بدور متميز فى دعم الاتصالات مع المتمردين فى جنوب السودان ، وذلك وفقاً لتأكيدات إسرائيلية بأنها قامت بإمداد حركة التمرد بالأسلحة وتقديم المشورة والتدريب بواسطة المستشارين العسكريين الإسرائيليين المقيمين فى أثيوبيا .
ولم تقلل إسرائيل من دعمها لحركات التمرد فى جنوب السودان فى مختلف المراحل سواء فى نهاية الستينات ، عندما كانت تخوض إسرائيل حرب الاستنزاف ضد مصر ، حيث أرسل النميرى قوات سودانية إلى مصر ، وفى مراحل تالية أخرى كان هذا الدعم هو المحدد الرئيسى فى تمكين حركة التمرد بزعامة العقيد جون جارانج من السيطرة على العديد من المدن فى جنوب السودان ، قبل أن يبدأ الجيش السودانى فى استعادة قدراته ، واستعادة ما فقده من مدن خصوصاً عقب تولى الجنرال البشير للسلطة .
وتنظر السياسة الخارجية الإسرائيلية إلى السودان باعتباره مؤخرة جبهة وعمقاً تعبوياً لمصر طوال سنوات الصراع مع مصر والتى نشبت منذ عام 1956 وفى نطاق مفهوم " حلف المحيط" اعتبرت إسرائيل سكان جنوب السودان حلفاء محتملين فى خضم الأحداث التى صارت تميز منطقة الشرق الأوسط .
وانطلاقاً من هذا المفهوم ، قررت إسرائيل بعد تمركزها فى العديد من الدول الإفريقية المجاورة للسودان – وفى مقدمتها أثيوبيا وأوغندا – زيادة دعمها للحركة الانفصالية لتحرير جنوب السودان ، ولقد اتخذ هذا الدعم أشكالاً مختلفة ، ثم تطور التأييد حتى بلغ مرحلة تقديم الأسلحة والإمداد بالذخائر والقيام بأعباء التدريب والتوجيه وفى هذا الصدد استقدمت الأجهزة الإسرائيلية عدداً من الضباط الجنوبيين الذين منحوا دورات عسكرية فى إسرائيل فى مرحلة سابقة للتدريب على أسلحة حديثة (المدافع المضادة للطائرات / والقذائف الصاروخية المضادة للدروع) وكيفية زرع الألغام .
********
ثم يؤكد (موشى فرجى) – فى موضع آخر من كتابه الوثائقى - على أن قدرة إسرائيل على تنفيذ استراتيجيتها المعروفة بـ " شد الأطراف " من أجل إحداث حالات التوتر وتفجير الصراعات مما يؤثر على الحكومات المركزية العربية ثم الاتجاه فى مرحلة لاحقة إلى إقامة تحالفات مع الدول والجماعات الإثنية والدينية المعادية للعرب كانت تعتمد أساساً على مدى وقوة تواجدها وعلاقاتها مع الدول المجاورة للسودان .
ولما كان الهدف الرئيسى لهذه الاستراتيجية ، هو إضعاف الدول العربية وتفتيت وحدتها وتبديد طاقاتها ، لذا كان الأمر يتطلب وجوداً إسرائيلياً قادراً على تقديم الدعم للمتمردين فى جنوب السودان ، على غرار ما حدث فى شمالى العراق بالنسبة للأكراد التى استمرت مشكلتهم مع الحكومة المركزية فى بغداد والنظام الحاكم طوال عقد الخمسينات وحتى نهاية القرن العشرين وكذلك الموارنة فى لبنان .
لقد اتخذت إسرائيل مجموعة من الإجراءات لدعم حركة الانفصال فى جنوب السودان بدت متواضعة فى مراحلها الأولى ورمزية ثم أخذ هذا الدعم يزداد باطراد خلال مرحلة الصراع مما أدى إلى تطور مستوى الأداء القتالى للمتمردين الجنوبيين خلال نهاية الثمانينيات وتمكنهم من الاستيلاء على مناطق شاسعة وعدة مدن فى الجنوب قبل أن تسترد القوات الحكومية المركزية فى الخرطوم عافيتها وتشن هجوماً مضاداً استعادت فيه معظم مدن الجنوب من أيدى قوات ميليشيات الجيش الشعبى الجنوبى وقائده جون جارانج مما عد فى هذا الوقت انتكاسة للمخطط الإسرائيلى الذى بدوره أحيل إلى البحث فى جهات أمنية إسرائيلية واستخباراتية مسئولة لتدارس عواقب هذا الموقف .
********
ووفقاً للكتاب الوثائقى والمخابراتى للعميد (موشى فرجى) يمكن الحديث عن دعم إسرائيل للمتمردين فى جنوب السودان وفق خمس مراحل رئيسية تاريخية :
المرحلة الأولى :
بدأت فى مطلع الخمسينات واستمرت طوال هذا العقد ، فى هذه الفترة اهتمت إسرائيل بتقديم المساعدات الإنسانية (الأدوية والمواد الغذائية والأطباء) وتقديم الخدمات إلى اللاجئين الذين تدفقوا عبر الحدود إلى أثيوبيا فراراً بأرواحهم من مخاطر الحرب التى انفجرت فى الجنوب. وفى هذه المرحلة أيضاً بدأت أولى المحاولات الإسرائيلية باستثمار التباين القبلى جنوب السودان نفسه بالإضافة إلى استثمار التنافر والصراع الدائر بين الشمال والجنوب لتعمل على تعميق حدة وهوة هذا الصراع ، ومن ثم دعم الجنوب على الانفصال ، وفى هذه المرحلة أيضاً كانت بداية الاتصال بين إسرائيل مع عناصر تمثل الزعامة لقبائل جنوب السودان وتولى القيام بهذه الاتصالات من الأراضى الأوغندية العقيد باروخ بارسيفر وعدد آخر من أجهزة الاستخبارات الذين كانوا يعملون فى أوغندا ، وكانت هذه العناصر الجنوبية من أبناء الجنوب الذين كانوا يخدمون فى الجيش السودانى .
المرحلة الثانية :
بداية الستينات اهتمت إسرائيل بتدريب عناصر من الجيش الشعبى فى حرب أنانيا – 1 وأنانيا-2 على فنون الحرب والقتال فى مراكز خاصة أقيمت فى أثيوبيا ، وقد جهزت إسرائيل هذه المعسكرات بمستشارين عسكريين يتولون إدارتها .
وفى هذه المرحلة أيضاً اتسعت عمليات تدريب ميليشيات المعارضة فى جنوب السودان فى كل من أوغندا وأثيوبيا وكينيا ثم إعادتهم مرة أخرى إلى مواقعهم فى جنوب السودان لينضموا إلى الميليشيات المسلحة لتحقيق الانفصال ، وكانت أثيوبيا ابتداء من عام 1962 أكبر قاعدة لإيصال الأسلحة والعتاد من خلال مجموعة من العناصر النشطة المنتمية إلى الموساد وجناح الاستخبارات العسكرية " أمان " .
وهكذا بدأت تتدفق على عناصر الجيش الانفصالى الأسلحة والعتاد الإسرائيلى من ثلاث قواعد أساسية (الدول المحيطة بالسودان) ، وعندما تسلم أورى لوبرانى منصب سفير إسرائيل فى أوغندا (65-1966) ثم سفيراً لإسرائيل فى أثيوبيا (1967-1972) تطور هذا الدعم واتخذ آفاقاً جديدة من بينها انتقال ضباط وجنود من الوحدات الإسرائيلية الخاصة (المظليين وقوات من اللواء جولانى) لتدريب المتمردين جنوب السودان بالإضافة إلى استمرار تدفق الفصائل الجنوبية للتدريب فى المعسكرات التى أقامتها إسرائيل فى أوغندا وأثيوبيا وكينيا والعودة مرة أخرى إلى مواقعهم فى الجنوب السودانى .
المرحلة الثالثة :
وتمتد من منتصف الستينات وحتى السبعينات ، استمر تدفق الأسلحة من خلال وسيط تاجر أسلحة إسرائيلى اسمه " جابى شفيق " كان يعمل لحساب أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية . وقد تدفقت على الجيش الشعبى شحنات من الأسلحة الروسية التى استولت عليها إسرائيل فى حرب 1967 وقامت طائرات شحن من طراز D – C30 بإسقاط هذه الأسلحة والمعدات على ساحة المعسكر الرئيسى للمتمردين الجنوبيين فى أورنج – كى – بول ، وكانت هذه الطائرات تتجه إلى الجنوب السودانى عبر المجال الجوى جنوبى غرب إسرائيل وشمال أوغندا .
كما قامت إسرائيل بإنشاء مدرسة لضباط المشاة فى (ونجى – كابول) لتخريج الكوادر العسكرية لقيادة فصائل حركة التمرد فى جنوب السودان وكانت عناصر إسرائيلية تشترك بالفعل فى بعض الاشتباكات والمعارك مقدمة خبراتها للجنوبيين .
وفى هذه المرحلة أيضاً تم استقدام مجموعات من الجيش الشعبى لتحرير جنوب السودان إلى إسرائيل لتلقى تدريبات عسكرية مكثفة منهم العقيد جوزيف لاجو قائد حامية أنانيا العسكرية الذى مكث فى إسرائيل ستة شهور تلقى فيها تدريبات مكثـفة على فنون القتال والقيادة .
وفى بداية السبعينات ، فتحت بشكل رسمى نافذة أخرى لايصال الدعم الإسرائيلى للمتمردين فى جنوب السودان ، وهذه النافذة كانت أوغندا ، حيث أبدت استعدادها وسمحت لمرور مثل هذا الدعم ، حيث تم رصد العديد من حالات عبور البعثات الإسرائيلية فى العاصمة كمبالا للحدود المشتركة مع السودان .
هذا إضافة إلى الدور الذى قام به حاييم ماساتى – رجل المخابرات الإسرائيلية فى السفارة الإسرائيلية فى أوغندا ، والذى ارتبط بعلاقات وطيدة مع كثير من ضباط حركة أنانيا – 2 ، وعلى وجه الخصوص وزير دفاعها فردريك ساجون ، وقد كان هذا الجهد بمثابة تطبيع عملى للاستراتيجية الإسرائيلية فى تمكين الأقليات غير العربية فى تحقيق أهدافها ، وقد تولى الملحق العسكرى الإسرائيلى فى كمبالا العقيد " باروخ باريبز " مهمة إيصال هذه المساعدات إلى المتمردين فى جنوب السودان والإشراف عليها بنفسه .
المرحلة الرابعة :
وهى الممتدة من أواخر السبعينات وطوال عقد الثمانينات ، فعلى الرغم من التقلبات السياسية التى شهدتها العديد من الأقطار الإفريقية وخاصة أثيوبيا ، فإن الدعم الإسرائيلى للحركة المسلحة فى جنوب السودان استمر رغم مروره بعوامل الهبوط والصعود فى عهد الكولونيل منجستو هيلامريام وخاصة فى عقد الثمانينات إضافة إلى إغلاق النافذة الأوغندية أمام هذه المساعدات ، وقد اتخذ الدعم الإسرائيلى منحى آخر نتيجة لعاملين اثنين هما :
أ – تدفق كميات كبيرة من الأسلحة الإسرائيلية إلى نظام منجستو لمواجهة حركات المعارضة المسلحة فى إقليمى إريتريا وتيجيرى ، وتلك الأسلحة التى شملت أنواعاً محرمة دولياً ومنها القنابل العنقودية .
ب – وصول عدد كبير من المستشارين العسكريين إلى أثيوبيا لتدريب الجيش الحكومى .
وبصفة عامة ، فقد حملت هذه المرحلة فى طياتها توصل وإدراك الدوائر المعنية فى إسرائيل بأن هذه المرحلة وبالتحديد فى عام 1983 أصبحت مواتية وسانحة لاستئناف دور إسرائيل فى دعم حركة التمرد فى جنوب السودان بعد إخفاق المصالحة واتفاق عام 1972 لمنح الجنوب حكماً ذاتياً وإدارياً ، وقد تم فى هذه المرحلة تبلور أشكال الدعم الإسرائيلى لميليشيات جون جرانج فى :
1 – تقديم أسلحة وذخائر ومدافع وقاذفات لهب وأجهزة اتصال ومواد طبية وصلت إلى الجنوب السودانى عبر كينيا .
2 – دعم فنى فى شكل معدات حديثة للالتقاط والتصنت على اتصالات القوات المسلحة السودانية فى مناطق العمليات مما سهل سقوط مدينة الكرمك فى ديسمبر (كانون الأول 1989) .
3 – تدريب إسرائيل لعدد 35 ضابطاًَ من جيش تحرير جنوب السودان فى عام 1990 ووصول أكثر من 15 خبيراً إسرائيلياً إلى الجنوب لوضع الخطط وإدارة العمليات العسكرية وقد شارك هؤلاء فى احتلال مدن مامبيو وأندارا وطمبوه خلال عام 1990 .
المرحلة الخامسة :
وهى المرحلة التى بدأت فى أواخر عام 1990 ولازالت مستمرة حتى الآن .. وفى هذه المرحلة أخذت الدوائر الإسرائيلية تبحث عن مزيد من السبل لتوسيع نطاق مساعداتها للمتمردين ، وفى سبيل هذه الغاية تم زيادة إمدادات الأسلحة المرسلة من إسرائيل إلى جارانج عبر أثيوبيا وكينيا لتشمل بالإضافة إلى الأسلحة الثقيلة المضادة للدبابات والصواريخ تاو ومدافع مضادة للطائرات من نوع (فولكان) ذات الفوهتين ومدافع ثقيلة إضافة إلى زيادة عدد المستشارين وعدد أفراد جيش قرنق الذين يتلقون التدريب فى إسرائيل .
وبصفة عامة ، تميزت بداية التسعينات بتدنى الدعم مقارنة بالمرحلة السابقة ، نظراً لجو المصالحة والوفاق الذى ساد العلاقات السودانية الأثيوبية وتخلى الجانبين عن دعم الحركات المناوئة للجانب الآخر ، ومروراً بالانقسام الحاد الذى حدث فى حركة التمرد وانقسامها إلى ثلاثة فصائل متناحرة وانتهاء بسقوط نظام منجستو فى عام 1991 حيث يمكن القول أن الدعم تراجع بشدة مع عام 1992 ولكن التطورات الراهنة فى منطقة القرن الإفريقى أتاحت من جديد العوامل المساعدة والدافعة لاستئناف الدعم الإسرائيلى لحركة تحرير جنوب السودان سواء بشكل مباشر أو غير مباشر ومن أبرز هذه العوامل :
1 – التوجهات الراهنة لدى الإدارة الأمريكية الداعية إلى إيجاد مناطق آمنة فى جنوب السودان على غرار ما حدث فى العراق ، وبالفعل اتخذ الكونجرس الأمريكى قراراً غير مسبوق بإتاحة الفرصة لسكان الجنوب السودانى فى تقرير مصيرهم وحث الإدارة الأمريكية على تنفيذ هذا القرار .
2 – بداية التواجد الإسرائيلى الملموس فى إريتريا والصومال ، وإمكانية انتشاره إلى جنوب السودان بشكل مباشر (تواجد مادى) أو غير مباشر (إرسال المساعدات والفنيين والخبراء لدعم حركة التمرد) .
وفى البداية استغلت الأحداث التى شهدتها منطقة الخليج نتيجة للغزو العراقى للكويت وتمرد الأكراد فى شمال العراق ، وظهور تعاطف عالمى تجاه الأقليات فى العالم ، لتسريع وتيرة دعم إسرائيل بالتعاون مع الولايات المتحدة للأقليات (الأكراد / وحركة تحرير جنوب السودان) .
* وقبل أن نسترسل مع المؤلف الصهيونى فى وثيقته الخطيرة ، دعونا نؤكد على حقيقة ، أنه رغم الرعاية الأمريكية للانفصال ورغم خطورة هذه المراحل على أمن مصر القومى ، إلا أن الدور المصرى كان غائباً عنها للأسف ، ولم يحاول إحباطها أو على الأقل حصارها أو حتى التواجد الإيجابى فى الجنوب ، ترى ما السبب ؟ وأين يكمن الخلل ؟ .

2011-01-13 13:52:29 | 2383 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية